"لو خلت الأرض طرفة عين من حجة لساخت بأهلها"

الإمام الرضا، عليه السلام

من أكبر التحديات العقدية في الأمة؛ المعرفة الدينية، فبين أيدينا سيرة الرسول الأكرم، والأئمة المعصومين من بعده، صلوات الله عليهم، كما بين أيدينا القرآن الكريم، وكم هائل من الروايات عنهم، الى جانب الروايات التاريخية عن مجمل الاحداث المهمة ذات المدخلية في البنية العقيدية لنا، مثل أحداث عاشوراء، او واقعة الغدير، وأمثالها، فكيف السبيل لفهم "النصّ الديني"، كما يعبر عنه بعض العلماء والمفكرين؟ وكيف نجد التطبيقات العملية لسنّة النبي الأكرم، والتي طالما أكد على الالتزام بها في مجالات عديدة بالحياة، على حياتنا المعاصرة.

بالرغم من أن الأئمة المعصومون، عليهم السلام، أدّوا الأمانة الإلهية بأفضل وجه بتوضيح كل شيء لأهل زمانهم، ثم خلّف التابعون والعلماء الأفذاذ من حولهم، تراثاً عظيماً من العلوم والمعارف، بيد أن البعض ربما لم يشأ الاكتفاء بهذا التراث والايمان به لأسباب عديدة لسنا بوارد الخوض بها، و فضّل الاعتماد على سبيل آخر للمعرفة الدينية، وهو الجهد الذهني البشري لفهم الدين، فشكلوا مدرسة الفلسفة لتكون أمام مدرسة الوحي، بدعوى سهولة الوصول الى الحقائق، وأنه من الصعب على الانسان الايمان بالغيب لفهم الدين، إنما يرغب بأن يُساق له سبب وعلّة لكل حكم وقانون شرّعه الاسلام للإنسان، فاذا لم يستوعبه ذهنياً فلا حاجة له!

والتحدي الأكبر الذي نعيشه اليوم، في معرفة الإمام الحجة المنتظر، عجل الله فرجه، فنحن نؤمن بوجوده كما نؤمن بنزول القرآن الكريم على صدر الرسول الأكرم، وكما نؤمن بالتوحيد والنبوة والولاية، فهو الامتداد الطبيعي للرسالة، إنما محنتنا في غيبة الإمام عن الأنظار منذ عام 329 للهجرة، وهي سنة وفاة آخر سفير له، عليه السلام، في زمن الغيبة الصغرى.

في كل عام يحتفل المؤمنون والمحبون بذكرى مولد الامام الحجة وصاحب الزمان، بل ونذكره في سائر الايام كما نقرأ القرآن الكريم، ونذكر سيرة وروايات الأئمة المعصومين، بيد أن الامام ليس كلمات تُقرأ، إنما هو القرآن الناطق الحاضر بيننا منذ أكثر من ألف ومئة عام، فنحن نحتاج الى معرفته بما تستوعب عقولنا ومداركنا لنوثق العلاقة به بشكل أفضل، ثم نلمس آثار هذه العلاقة في حياتنا، كما نستشعر الشيء نفسه في علاقتنا بالقرآن وبتراث المعصومين، عليهم السلام، والأهم من كل هذا؛ ان نطئمن على انفسنا بأن نسجل اسمائنا في سجل أنصار الإمام في نهضته العالمية التي ينطلق بها يوم الظهور المبارك، يزهق فيه الباطل ويحكّم الحق والعدل في العالم.

البحث في هذا الميدان واسع ومتشعب، خاض غماره العلماء والباحثون، وفي هذا الحيّز الذي نرجو منه الإستضاءة من بركات وجود الامام المنتظر، نحدد مستويين للمعرفة؛ الاول: معرفته هو، عليه الصلاة والسلام، وما هي منزلته؟ وكيف يعيش؟ والمستوى الثاني: معرفة تأثير وجوده في حياتنا.

أولاً: ماذا يفعل الإمام الحجة بيننا؟

إنه سؤال جرئ وجدير في آن، ربما يدور في اذهان الكثيرين، لاسيما وقد انقطعت معظم السبل اليه، عليه السلام، لاسباب تعود الينا نحن.

وقبل الاجابة، نقدم بما يمهد لها؛ فالانسان لا يشعر بالحاجة الى شيء إلا بعد أن يستشعره بحواسّه، وهي مشكلة فكرية يعاني منها الكثير على مستوى الافراد والشعوب ايضاً، فهو لا يستشعر بوجود الداء في الجهاز الهضمي – مثلاً- إلا باستشعاره الألم، رغم إن اسباب الداء تكون موجودة منذ زمن، وهكذا فيمن يصاب به من أمراض الدم، والغدد، والعظام وغيرها، وهكذا في واقعه الخارجي، فالمجتمع الذي لا يشعر بالذل والتخلف لا يثور على الحاكم مهما حصل، وعلى المستوى الفردي يشعر البعض أنه مكتفي علمياً وأخلاقياً، بل وحتى دينياً، فقد بلغ مستوى لابأس به! فلا يحتاج الى أحد، وينقل الفقيه آية الله السيد محمد رضا الشيرازي –طاب ثراه- عن علماء الأخلاق: "إنَّ من أشد أعداء الانسان هو الشعور بالإكتفاء"، و في إحدى محاضراته حول الامام الحجة المنتظر، يصف سماحته لحظة الاستشعار بانها "الاضطرار"، ففي هذه اللحظة يبحث عن الملجأ والحل بأسرع وقت ممكن، فنحن نفهم الآية الكريمة {أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوٓءَ}، عندما يكون عندنا مريض، "بينما أولياء الله –تعالى- يفهمونها دائماً، لأنهم في حالة إضطرار دائم، لأن هذا الشعور كامن في أعماقهم، ولذلك بمجرد أن ينام نصف ساعة يستيقظ من النوم لأن حالة الإضطرار الباطنية توقضه من منامه".

وهذا هو الإمام الحجة المنتظر، عجل الله فرجه الذي نندبه صباح كل جمعة ونسأل عنه: "أين المضطر الذي يُجاب إذا دعا"، فالذي يريد معرفة الامام عليه خلق حالة اليقظة واستشعار الحاجة بتغيير وضعه، او تطوير حياته الى الأفضل بمساعدة من هو يقظ على الدوام، له اليد العليا في الحياة قادرة على تحقيق اهدافه وتطلعاته.

و وفق الروايات الشريفة الواردة عن المعصومين فان أعمال المؤمنين تعرض على الإمام الحجة في ليلة القدر، كما هو ناظر لاعمالنا وسلوكنا وما نقول ونفعل، ونحن نعتقد أن رسول الله، والأئمة المعصومين يتأثرون بما نفعل سلباً وايجاباً، فاذا كان هذا وهم في مراقدهم، فكيف والإمام الحجة حيٌ يرزق، يرى ويسمع ويحظر في كل مكان؟ وقد جعله الله أماناً لأهل الأرض وفق قاعدة اللطف الإلهي بالعباد، والواردة في حق رسول الله، في القرآن الكريم: { وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ}، وقد عزز هذا الحديث المروي عن الامام الرضا، عليه السلام: {لو خلت الأرض طرفة عين من حجة لساخت بأهلها}، فالامام الحجة له مقام ومنزلة تكوينية كما للماء، والهواء، والشمس المقام التكويني في الحياة، بيد أن هذه الموجودات لها دور جزئي في الكون محدد من قبل الله –تعالى- إذ ليس قدرة ذاتية، بينما وجود الامام الحجة المنتظر في الحياة له "مقام كلّي، بمعنى أن كل حركة وكل سكنة في هذا الكون وكل رحمة وكل خير في هذا الكون مرهون بوجوده، صلوات الله وسلامه عليه، فما من قطرة مطر تنزل من السماء إلا ببركة وجود المهدي المنتظر، وما من نبتة تشق سطح التربة وتخرج إلا ببركة وجوده الميمون".

الرحمة التي تسير على قدمين

كما في عالم التكوين، للإمام الحجة المنتظر وجود مباشر ودائم في عالم التشريع، والامثلة لا تُعد في التقويم والتصويب والهداية لسعداء الحظ ممن وطّنوا انفسهم على الترويض بالتقوى والورع، وحافظوا على طهارة قلوبهم، ونقاء روحهم، فارتقوا المعالي في العلم والمعرفة والأخلاق بفضل الارتباط بالامام الحجة المنتظر، بشكل مباشر او غير مباشر، فمن هو في المرتبة العليا حيث اللقاء المباشر، من أمثال العلامة الحلّي، او الشيخ المفيد، كما عندنا الكثير ممن لديه نفحات من تلك الرحمة الإلهية في نواياه، وفي أعماله، وفي تفكيره.

من الامثلة التي يسوقها الفقيه الشيرازي –طاب ثراه- في أحاديثه الغزيرة والغنية عن الامام الحجة المنتظر، ما يذكره عن شخصية علمية ومعرفية بارزة في التاريخ الشيعي، وهو الميرزا مهدي الاصفهاني (1303-1365هـ) بأنه كان "مدة وهو في حيرة بين المعارف الإلهية والمعارف البشرية، حيث سار بعد مدة في المعارف البشرية، ثم توسل بالإمام المهدي، عجل الله تعالى فرجه، وأخذ يبكي ويتضرع، وفي أحد الأيام كان بحالة السجود وهو يبكي ويتضرع حتى ابتلت الأرض بدموعه لأنه يريد أن يتخلص من هذه الحيرة، وإذا به يسمع هاتفاً يقول له: ارفع رأسك يا مهدي! أو ماذا تريد يا مهدي؟! فرفع رأسه و رأى شخصاً وبيده لوحة كتب على جانب منها: "طلب المعارف من غيرنا أهل البيت مساوق لإنكارنا".

أما التوسّل بالإمام لحل المشاكل والمعضلات الفردية والاجتماعية هي الاخرى لا تُعد، بل ان الجميع يتوسلون بالامام الحجة في الشدائد والمِحن، إنما الحلقة المفقودة في سلسلة الوصول الى نبع الرحمة؛ "التعرّض"، كما يصفه أهل العلم والفضيلة، فكما أننا لن ننعم بأشعة الشمس بضيائها الجميل، وفوائدها الصحية الجمّة إلا عندما نفتح النوافذ، او نخرج الى السطح صباحاً، وفي غير ذلك لا يعقل أن ننتظر دخول الشمس الى غرفنا المغلقة.

وأقرب حلقة لنا؛ دعاء الندبة المشحون بالمعارف والمعاني الدالة على الوجود المؤثر للإمام في حياتنا، بل يشير سماحة الفقيه الشيرازي الى "أدعية أخرى مروية عن الامام المهدي المنتظر، وقد جمعت في كتاب حديث بعنوان: "الصحيفة الرضوية الجامعة" يتناول فيها المؤلف المرحوم السيد محمد باقر الأبطحي، أدعية الإمام الرضا، وأبنائه الأربعة؛ الإمام الجواد، والإمام الهادي، والإمام العسكري، والإمام المهدي، صلوات الله عليهم أجمعين، و هنالك أكثر من ثمانين دعاء، أحدها هو دعاء الندبة".

بالقدر الذي يكتسب فيه الانسان العلم والمعرفة يشعر بالثقة والاطئمنان بأنه ليس جاهلاً او مغفلاً، و يضمن بنسبة كبيرة حاضره ومستقبله –كما هو التعبير الدارج-، هذا في مقياس الربح والخسارة والمنفعة في الحياة من خلال الوسائل المتاحة ومنها؛ الشهادة الجامعية، او المهارات العملية، بينما المعرفة بالإمام الحجة المنتظر، وهو خليفة الله –تعالى- على الأرض، يمثل قمة الاطئمنان طوال حياة الانسان، بما لا تعترضه خسارة او انحراف او ضياع مهما كانت الظروف، لأنه يعطيه كلما يتصل بالسعادة، ليس في الدنيا، بل وفي الآخرة ايضاً، فعندما ندعو للإمام بالفرج في أعقاب الصلاة "اللهم كُن لوليك الحجة ابن الحسن"، ونرجو من الله أن نكون من أعوانه والمستشهدين بين يديه، إنما نزرع في نفوسنا الطموح بأن نكون فعلاً هكذا في حال حلّت المشيئة الإلهية وظهر الإمام في حياتنا، وفي غير ذلك، فان هذا الطموح لن يموت بموت صاحبه، إنما يبقى حيّا مع روحه، كما هو حال الأخيار من السابقين في القرون الماضية، والى أمد غير معلوم، وفي رواية ينقلها سماحة الفقيه الشيرازي بأن في يوم الظهور يأتي ملكٌ الى هؤلاء الطامحين ويخيرهم بين الانبعاث من جديد والمشاركة في النهضة العالمية والتغيير الجذري في العالم، ثم الاستشهاد بين يدي الإمام، وبين البقاء على حاله وهو على خير.

نسأل الله التوفيق لمعرفة تصل بنا الى مرتبة نحظى بها بلطف وعناية الإمام الحجة المنتظر، عجل الله فرجه، في جميع شؤون حياتنا.

اضف تعليق