لم نتعلم الدرس الذي قدمته لنا الشريحة السياسية التي حكمت العراق بعد تغيير النظام ولغاية الآن، فلا نزال نكرر أخطاء الماضي ونتقبلها وكأنها منتوج جديد نستهلكه دون تمييز للذوق القديم.

ان ما يحصل في العراق من مشكلات مستمرة لا يمكن ان نصنفها من المشكلات العصية على الحل، لكن الخلل الذي تقع فيه النخب السياسية هي استخدامها لمفكات متآكلة يراد منها ان تكون مفاتيح لمشكلات حديثة ومتحورة عام بعد آخر، فلا يمكن ان تنجح هذه النخب بإيجاد الحلول طالما لغة الخطاب وأساليب التفكير والتعاطي مع المتغيرات المتراكمة هي نفسها ولن تتجدد.

أخطاء الحاضر ليس من السهل تجازوها او تفاديها بنفس الأدوات القديمة، فالعقل السياسي العراقي لا يمكن له التفكير وإنتاج الحلول المبتكرة، وهو محاط بأغلفة كثيرة اهما وأكثرها، هو الغلاف الذي تضعه القوى والمؤثرات الخارجية، لذلك تبقى المشكلة قائمة وعائمة في بحر الفوضى والحلول مبتورة او ناقصة تبحث عما يجيد فك طلاسمها.

ومن الأخطاء التي وقعت فيها الطبقة السياسية الحاكمة في الوقت هو عدم قدرتها من التفكير خارج الصندوق، عبر إيجاد لون ونسق تفكيري خاص بها بعيدا عن الأفكار القديمة البالية في العمل السياسي، فهي لا تزال تستقي قيمها وتبني تجاربها على أسس التجارب الماضية، وبجميع الاتجاهات والمجالات منها السياسية والاقتصادية والصحية والتنموية.

وثبت بالدليل القاطع ان الدول الغربية ارادت ان تغرس فكرة الديموقراطية السياسية في البلدان العربية، لكنها لم تنجح، كون هذه الأفكار جاءت هجينة لا يمكن ان تنمو بأرض غير خصبة، فبالرغم من تأكيدات البعض على أهمية تدعيم النظام الجديد، يوجد في المقابل من يقوض هذه المفاهيم ولا يدعها ترى النور لتشق طريقها في بلاد احكمت سنوات الدمار القبضة عليه ومنعته من تنفس الصعداء.

فقد فشل النظام الديموقراطي بأن يكون عوضا مفيدا او سراجا منيرا لطريق الطبقة الحاكمة في السنوات الأخيرة، واثبت عدم نجاعته في بلورة الحلول للمشكلات المركبة التي يعيشها العراق، والمشترك في تعقيدها السياسيين القادمين من عالم مختلف تماما عما يحاولون الانغماس فيه وتنفيذ سياساتهم، ذلك كونهم فقراء بتجاربهم الحزبية والعمل المنظم الذي تتطلبه المرحلة الحالية في العراق، للخروج من عنق الزجاجة والابتعاد عما يثير الاضطراب العام.

الأحزاب السياسية التي تتحكم بالمشهد بجميع اشكالها لم تستوعب المرحلة الجديدة، ولاتزال تعيش حبيسة الأفكار التآمرية، اذ تعيش في حالة ازدواجية بين القيم الحديثة والرؤى المتجددة وبين الحنين او الاعتماد على الماضي، لذلك فشلت بتسويق نفسها على انها اللاعب الحقيقي والمحرك الفاعل في الأيام القادمة، فبقيت تدور على هامش المشكلات دون سبر اغوارها.

فلا تزال تراكمات الماضي تهيمن على لغة خطابات المشاركين بالعملية السياسية، وكأنهم لا يستطيعون الوقوف على اقدامهم دونما الاتكاء عليها، حتى أصبحت عقدة الحاضر وكذلك المستقبل، ولا نعلم متى يتم التخلص منها والشروع بمرحلة جديدة، قائمة على أفكار تنويرية متفاعلة مع الحاضر وفاعلة فيه، فلا يمكن للمشكلات العراقية ان تنتهي ومن يتحكم بالقرار هم ذات الشخصيات التي تحمل فكرا ومنهجا ثابتا غير قابل للتغير ولا يتسم بالمرونة.

فلكل عصر ادواته وأساليب التعامل معه دون العودة الى الوراء الا بقدر الاستفادة من الأخطاء والعمل على معالجتها، لكن ما يحدث في العراق هو العكس تماما، فما من مشكلة في الحاضر الا وتجد لها جذور من الماضي، وبذلك تبقى الأمور تدور بدائرة مفرغة دون رؤية الضوء في نهاية النفق المظلم.

من يرى المباحثات الجارية بين الكتل السياسية، يعرف جيدا انها لا تريد الانقطاع واستمرار الامتداد مع الماضي القريب، (أي السنوات العشر الماضية)، فلا تزال طريقة الحوار وحلول المشكلات عبارة عن عملية تدوير للماضي، والخروج منها بنفس النتائج السابقة، تكاد تجد كل عراقي في الوقت الحالي الا ويعرف الى اين ستستقر العملية السياسية ومن سيأخذ المنصب الفلاني وآخر له الحصة الفلانية وهكذا تمشي الأمور.

أكد مختبر التجارب في العراق لاحقا أن أزمة النظام السياسي بعد التحول الجديد أعمق وأكثر تعقيدا من أن تصلح بعمليات تجميل داخلية يقوم بها نخبة حاكمة ليس لديها أي رؤية مستقبلية عن احتياجات وتطلعات المرحلة القادمة، ويبقى جميع ما ينجز بمثابة مغازلة لهذه المشكلات دون حلها.

اضف تعليق