يفوز التيار الصدري بأكبر عدد من مقاعد البرلمان العراقي بفارق الضعف عن أقرب منافسيه، فينشر زعيمه السيد مقتدى الصدر تغريدة عبر تويتر يحدد سياسته بأنه سيحارب التبعية والجماعات التي تدعي المقاومة وحصر سلاحها بيد الدولة.

هذه التغريدة كانت بمثابة إعلان حرب وليست احتفالاً بالفوز الكاسح للتيار الصدري، فقد تلقته الجهات المعنية بهذا الكلام بمزيج من القلق ورد الفعل السريع، وأول رد جماعي جاء عبر التشكيك بنتائج الانتخابات نفسها التي فاز فيها التيار الصدري، وإعلان الفصائل المسلحة المتخاصمة مع التيار الصدري بأنها مستعدة للذهاب إلى أبعد حد لتصحيح مسار الانتخابات.

الصدر يقول إنني فائز وأنا الممثل الأكبر للمكون الأكبر وهم الشيعية، ويريد إزاحة خصومه من الجماعات السياسية والمسلحة، لأن كان ينتظر اللحظة الراهنة بفارغ الصبر، فالجميع يعيش حالة من عدم الثقة، ولا توجد وسيلة للتفاعل السياسي إلا عبر الإقصاء وإزاحة الخصوم.

هنا صار الشيعة أمام رؤيتين متضادتين كل واحدة منهما ترى الشرعية لنفسها، وتنفيها تماماً من رؤية الطرف الآخر، كما أن كل واحدة منهما لديها من الأدلة التي تثبت أو تفرض شرعيتها قانونياً أو عبر منطق القوة، والخيارات متاحة ومفتوحة حتى وإن أدى ذلك إلى حدوث صراع هم على أتم الاستعداد له وبانتظاره.

فقد اكتسب التيار الصدري شرعيته السياسية عبر صناديق الانتخابات، ورغم كونه ليس الفائز الأعلى بعدد أصوات الناخبين، لكنه كان الفائز الأعلى بعدد مقاعد البرلمان، بفارق كبير عن أعلى الفائزين بأعلى أصوات الناخبين الذين فشلوا في فهم قانون الانتخابات الجديد، نتيجة صراعاتهم الداخلية.

بالمحصلة النهائية فازت قوى الاطار التنسيقي بأعلى عدد من أصوات الناخبين، حيث تجمع هذه في خيمتها القوى الفصائلية المسلحة، مضافاً إليها تيار الحكمة وائتلاف النصر وائتلاف دولة القانون، وبسبب تشتتها وصراعاتها الداخلية وسوء توزيع مرشحيها ضاعت أصوات ناخبيها، لصالح التيار الصدري.

معادلة غير مقبولة

بغض النظر عن عدد الأصوات؛ لا تستطيع الفصائل المسلحة تقبل أن يكون التيار الصدري في المقدمة والفائز الأول بعدد مقاعد البرلمان، فما بالك أن يحققوا هم أعلى الأصوات الشعبية، ورغم ذلك يخسرون خسارة مدوية من حيث عدد مقاعد البرلمان.

في الواقع السياسي السليم نتوقع اعترافاً بسوء التنظيم، وعدم التنسيق بين الأطراف المشاركة في تحالف الفتح وقوى الإطار التنسيقي، وهذا لم يحصل بل نظموا تظاهرات للاعتراض على النتائج وسحب الشرعية من تحت أقدام التيار الصدري، الذي يرى نفسه الفائز قانونياً بغض النظر عن الأخطاء التنظيمية لخصومه فهو لا يتحملها.

يذهب التيار الصدري إلى القوى السنية بزعامة محمد الحلبوسي، والكرد بزعامة مسعود البرزاني، من أجل التفاوض على تشكيل الحكومة الجديدة بكونه الفائز بأعلى المقاعد في البرلمان، لكنه يصطدم بجدار سياسي سميك.

يقول السنة والكرد للصدر، لا تأتينا وحدك، اجمع أخوتك الشيعة معك في مركب واحد، وتعال لنجلس على سفينة سياسية كبيرة في منتجع صلاح الدين أو في بحيرة الحبانية، لا يهم المكان، ما يهم حضور جميع الأخوة الشيعة (الإطار والتيار).

العقدة

هنا العقدة، فلا الإطار التنسيقي يعترف بالشرعية الانتخابية للتيار الصدري، ولا التيار يعترف بالشرعية السياسية التوافقية للإطار التنسيقي، فإذا كان التيار يملك أكبر عدد من المقاعد البرلمانية، فإن الإطار التنسيقي يضم تحت عباءته أكبر عدد من القوى والجماعات السياسية الشيعية بما فيها جماعات مسلحة تستطيع تدمير التيار الصدري في حال نشوب صراع مسلح.

تقول قوى الإطار للتيار الصدري، إذهب وشكل الحكومة فلا نعترض عليك، لكنهم في المقابل يبعثون برسائل واضحة للقوى السنية والكردية مفادها إنكم إذا شكلتم حكومة مع التيار فلا تلموننا إذا تعقد المشهد أكثر من تعقيدات تشرين 2019.

لأن أي حكومة يشكلها التيار الصدري لن تدوم طويلاً فالإطار التنسيقي سوف يستخدم كل قوته السياسية والمسلحة، فضلاً عن استخدام ملف التظاهرات مجدداً لإسقاط حكومة التيار الصدري، وهذا ما لا يريده لا التيار ولا القوى السنية والكردية.

في المقابل، فإن أي حكومة يشكلها الإطار التنسيقي بالتوافق مع السنة والكرد، سيكون مصيرها بنفس مصير التيار الصدري المتفردة، فالتيار أكثر خبرة في استخدام التظاهرات والتحكم بالشارع، ومع إمكانيته المسلحة متمثلة بسرايا السلام ولواء اليوم الموعود.

ومن المفارقات أن السيد مقتدى الصدر قد هدد ضمنياً بهذه الاجنحة المسلحة يوم أعلن انسحابه من المشاركة في الانتخابات، عندما وضع أعلام لواء اليوم الموعود وسرايا السلام خلفه في إشارة واضحة إلى أنه إذا فقد الثقل السياسي، فإنه سيتحول حتمياً إلى استخدام القوة العسكرية لحماية مصالحه ومصالح جمهوره، ونفس الوضع ينطبق على قوى الإطار التي خسرت فعلياً في الانتخابات وبدأت تلوح باستخدام السلاح وملف التظاهرات لعرقلة المسيرة السياسية في حال اقصائها واستبعادها من كعكة الحكومة الجديدة.

والأهم أن أي حكومة يشكلها الإطار سوف تصطدم ب73 نائباً صدرياً يقفون بوجه الحكومة الإطارية، والعكس هو الصحيح عندما يشكل التيار حكومة صدرية، فإنه يصطدم بحوالي 70 نائباً إطارياً يعرقلون عمل الحكومة ويشلونها تماماً.

آفاق الحل

وفق معطيات الشد السياسي الحالي، واستخدام كل الأطراف لسياسة حافة الهاوية، فإنهم ينتظرون اللحظة الأخيرة التي يقف الجميع أمام الجدار، بعدها يستديرون بحثاً عن حل مقنع.

والحل المقنع يعني توافق التيار والإطار على تشكيل حكومة توافق، وهذا شبه مستحيل من قبل التيار الصدري، لأنه لا يريد تحمل مسؤولية حكومة هو في الأساس جزء منها وليس المسؤول عنها كلياً، إنه يريد حكومة صدرية خالصة، تحت يافطة حكومة الأغلبية.

وبما أن العقدة مستمرة فإن الحل قد يأتي من خارج هذه القوى ويفرض عليها فرضاً، والحديث هنا عن دور الثلاثي (النجف، طهران، واشنطن).

تستطيع النجف ممارسة دور مهم في حل الأزمة الراهنة، ولها كلمة مسموعة لدى جميع الأطراف، لكنها لا تريد تكرار نفس تدخلاتها السابقة التي أنقذت بها الكتل السياسية في حالات الانسداد السياسي، بينما تخذلها هذه الكتل السياسية بمجرد تنفسها نسيم الاستقرات، بل وتبدأ بمضايقة المرجعية.

كما أن المرجعية لا تريد خسارة رصيدها مرة أخرى لجماعات سياسية أثبتت في أكثر من مناسبة أنها لا تسمع المرجعية إلا في أوقات الأزمات، إذ إنه مع كل تدخل سياسي للمرجعية تثلم ثلمة كبيرة من رصيدها لدى الشارع الشيعي والعراقي، وهذا ما لا ترتضيه المرجعية لنفسها.

المرجح أن المرجعية لن تتدخل في حل الأزمة الراهنة، وتريد من المنظومة السياسية مواجهة مصيرها، لا سيما وأن الشارع العراقي غاضب على جميع أطراف المنظومة ولا يريد من أحد انقاذها هذه المرة.

تبقى الخيارات المتاحة لدى طهران وواشنطن، وبالنسبة لطهران، فإن قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني قد زار بغداد رسمياً كأول تدخل رسمي إيراني في الأزمة السياسية الراهنة، ويبدو أنه وضع بعد الخطوط العامة للحل.

فبعد أيام انطلقت مبادرة زعيم تيار الحكمة السيد عمار الحكيم، لحل الأزمة، وتبدو متسقة مع الجهود المحلية والإقليمية لوضح حد للانسداد السياسي.

يأتي قاآني ليرجح كفة القوى الخارجية التي تحدث عنها السيد الصدر كثيراً وأكد منع تدخلها، لكنه سيجد صعوبات بالغة في حال ذهابه إلى خط النهاية بهذه السياسة.

أما على مستوى دور واشنطن، فهي تمارس دورها عبر حلفائها وعبر المنظمات الدولية، فقد زارت ممثلة الأمم المتحدة جينين بلاسخارت زعيم عصائب أهل الحق قيس الخزعلي، من أجل التفاهم على إيجاد حل للأزمة الراهنة.

ونعرف جيداً أنه لا يمكن لبلاسخارت أن تذهب إلى الخزعلي بدون ضوء أخضر أميركي.

وإذا تعقد المشهد أكثر قد ترسل واشنطن مبعوثها الخاص الذي سوف يشرف مباشرة على تشكيل الحكومة، حتى وإن لم يكن مبعوثاً رسمياً، إلا أن طبيعة الأزمة الحالية قد تتطلب ذلك إذا بقيت جميع الأطراف متمسكة بمواقفها المتصلبة.

حل يصنع أزمة؟

وفق المؤشرات الحالية فإن الحل المتوقع هو الترضية والتوافق بين المتصارعين، بما أن الكل يتصارع ولا يعترف بالآخر ويريد الاستيلاء على السلطة بأي ثمن كان، فلا حل إلا باقصاء الآخر، أو الترضية والتوافق.

نحن نستبعد الآن خيار الإقصاء وفق المؤشرات التي ذكرناها في سياق المقال، ويبقى خيار الترضية والتوافق، وهذا الخيار قد تعتبره الكتل السياسية حلاً آنياً لمسألة تشكيل الحكومة، والتسمية الفعلية له هي "حالة الهروب إلى الأمام"، تماماً مثلما كان يجري مع كل أزمة سياسية.

لان الحكومة التوافقية تعني تقاسم الوزارات والمناصب بين الكتل السياسية، والتقاسم يعني حكومة مشلولة، لأن رئيس الوزراء لا يستطيع محاسبة وزرائه، والوزراء لا يستطيعون محاسبة وكلائهم والوكلاء لا يستطيعون محاسبة من هم دونهم.

السبب في هذه السلسلة من غياب المحاسبة أن الوزير والوكيل والمدير وحتى الموظف البسيط لم يأتي عبر الطرق الرسمية والقانونية، بل، عبر تقاسم السلطة، ونحن نعرف أن الحساب في حكومة المحاصصة لا يكون على مقدار الخدمة المقدمة للمواطن، بقدر ما يكون على مقدار الخدمة التي يقدمها المسؤول الحكومي لحزبه واقربائه ومن جاء به للمنصب.

بهذه الحالة سوف نعود إلى حالة ما قبل تشرين 2019 وما قبل تظاهرات 2016 وتظاهرات 2015 الشعب لديه متطلبات، هي توفير الخدمات الأساسية، والعدالة في توزيع الوظائف الحكومية، وهذا لا يتوافق مع نظام المحاصصة، سنعيش في حالة نفور وعدم ثقة بين الشعب والمنظومة الحاكمة تكون نتيجته الطبيعية توتر العلاقة وربما تظاهرات أكثر ثورية من ذي قبل.

هذه المرة لدينا عدد أكبر من الخريجين الذين لا يملكون فرص العمل، وأعداد أكبر من الفقراء، الذين يشاهدون طرق طمس نظام العدالة في وحل المحاصصة، هؤلاء هم أنفسهم الذين يمثلون 60% من الناخبين المقاطعين للانتخابات، ولا يؤمنون بأي طرف من أطراف العملية السياسية وينتظرون اللحظة المناسبة للانقضاض على الجماعات والأحزاب السياسية التي تستولي على مقاليد الحكم بطرق بعيدة عن القانون والعدالة.

هذه ليست صورة سوداوية للمشهد العراقي، إنما هي تبسيط للتعقيدات التي تراكمت منذ عام 2003 وحتى هذه الحظة الراهنة، فالاحزاب والجماعات السياسية ترى المشكلة في كل مرة ولا تجد لها حلاً إنما تهرب للأمام، وعند كل لحظة هروب تضاف تعقيدات وأزمات جديدة يصعب حلها، وهذه الأزمة رغم صعوبتها وتعقيداتها الشديدة بحاجة إلى حكماء يوقفون نزيف الوقت الذي لايتسع لمزيد من حالات الهروب إلى الأمام.

اضف تعليق