أدت الالتزامات المناخية الجديدة للدول إلى تحقيق تحسن هامشي في فرص البشرية في إبطاء ظاهرة الاحتباس الحراري، وفق الأمم المتحدة التي أعربت عن أسفها الثلاثاء ودعت إلى رفع الطموحات بحلول نهاية الدورة 26 لمؤتمر الأطراف بشأن المناخ كوب26.

قبل مؤتمر غلاسكو للمناخ الذي بدأ في 31 تشرين الأول/أكتوبر وخلاله، وضعت حوالي ثلاثين دولة التزامات جديدة على الطاولة، على المديين القصير أو الطويل، ولا سيما البرازيل والهند اللتان التزمتا تحقيق حيادية الكربون عام 2070. وهي تعهدات اعتبر المراقبون كثيرًا منها مهمة.

لكن مديرة برنامج الأمم المتحدة للبيئة إنغر أندرسن قالت "عندما ننظر إلى هذه الالتزامات الجديدة، بصراحة، نرى فيها الجبل الذي ولد فأراً". بحسب فرانس برس.

تنبأ التقرير المعياري السنوي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة الذي نُشر قبيل بدء الدورة السادسة والعشرين لمؤتمر الأطراف بحدوث احترار "كارثي" ترتفع معه درجات الحرارة بمقدار +2,7 درجة مئوية مقارنةً بعصر ما قبل الصناعة؛ أو +2,2 درجة مئوية مع مراعاة وعود الحياد الكربوني في منتصف القرن.

لكن التوقعات التي تم تحديثها من قبل برنامج الأمم المتحدة للبيئة وتقيِّم أهداف خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري لحوالي 150 دولة في عام 2030، لا تلحظ تغييرًا حقيقيًا.

ستمثل الالتزامات الموعودة بحلول عام 2030 التي أعلنت خلال الأسبوعين الماضيين 0,5 غيغا طن أقل من انبعاثات مكافئ ثاني أكسيد الكربون في عام 2030، لكن سيتعين علينا إضافة 27 غيغا طن للحد من الاحترار إلى +1,5 درجة مئوية، وهو الهدف الأكثر طموحًا لاتفاقية باريس.

نتيجة لذلك، لا تؤدي أهداف 2030 المنقحة إلى أي تغيير في مسار درجات الحرارة التي سترتفع بمقدار +2,7 درجة مئوية بحلول نهاية القرن وفقًا لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة.

إذا أخذنا في الاعتبار وعود تحقيق حيادية الكربون في منتصف القرن تقريبًا والتي أعلنتها أكثر من 70 دولة تمثل ثلاثة أرباع الانبعاثات العالمية، يُظهر المسار تحسنًا طفيفًا: +2,1 درجة مئوية مقابل +2,2 درجة مئوية.

لكن هذه الوعود، كما قالت إنغر أندرسن، "بشكل عام غامضة وغير شفافة، وبعضها يتحدث عن غازات الاحتباس الحراري والبعض الآخر عن ثاني أكسيد الكربون فقط، ومن الصعب تقييمها وكثير منها يؤجل الجهود التي يتعين بذلها إلى ما بعد عام 2030"، في حين يتطلب الأمر تقليل الانبعاثات بنسبة 45% بحلول هذا التاريخ على أمل إبقاء الارتفاع عند +1,5 درجة مئوية.

وصدرت تقديرات أخرى لتوقعات درجات الحرارة في الأيام الأخيرة. الأكثر تفاؤلاً من بينها أصدرتها وكالة الطاقة الدولية وتبعث على الأمل في الحد من الاحترار إلى +1,8 درجة مئوية إذا تم احترام جميع الوعود القصيرة الأجل وحيادية الكربون. لكنها تجمع التزامات مئة دولة بخفض انبعاثات غاز الميثان، أحد غازات الدفيئة القوية، بنسبة 30% بحلول عام 2030، بينما لا يأخذ برنامج الأمم المتحدة للبيئة في الاعتبار هذا النوع من التعهّدات المعلنة التي قد "تتداخل" مع الالتزامات الوطنية.

يتوقع تحليل آخر لمنظمة تتبع العمل المناخي نُشر الثلاثاء زيادة مقدارها +2,4 درجة مئوية بناءً على الأهداف القصيرة المدى.

لكن معظم التقديرات المطروحة مؤخرًا تستند إلى احتمال بنسبة 50% للبقاء دون سقف معين، بينما يتحدث برنامج الأمم المتحدة للبيئة عن 66%، مثل خبراء المناخ التابعين للأمم المتحدة.

وعلق الوك شارما رئيس مؤتمر كوب26 قائلًا إن كل هذه التقييمات "تظهر أنه كان هناك تقدم ولكن من الواضح أنه ليس كافيا"، وهو يريد أن يكون قادرا على أن يقول "بمصداقية" في نهاية هذا المؤتمر أن هدف +1,5 درجة مئوية ما زال "على قيد الحياة".

على أي حال، لن يتحقق أي من التوقعات بدون تطبيق سياسات على الأرض. أو كما قالت إنغر أندرسن إن الإجراءات الحقيقية تتطلب قيادة حقيقية.

وأضافت "نأمل أن يتمكن رؤساء الدول والقادة والوزراء والجميع من تقليص هذا العجز في القيادة قبل اختتام مؤتمر الأطراف".

وعود فارغة

قبل اختتام أعمال مؤتمر غلاسكو الحاسم حول المناخ، ندد الأمين العام للأمم المتحدة بالوعود "الفارغة" في عالم لا يزال يعتمد على الوقود الأحفوري، رغم بعض المؤشرات المشجعة.

وقال أنطونيو غوتيريش "تبدو الوعود فارغة عندما تستمر صناعة الوقود الأحفوري في تلقي تريليونات الدولارات من الدعم (...) أو عندما تواصل دول بناء محطات طاقة تعمل بالفحم"، معترفًا في المقابل بصدور "إعلانات مشجعة" منذ بداية كوب-26 في 31 تشرين الاول/أكتوبر.

التزمت حوالى عشرين دولة وضع حد بحلول نهاية عام 2022 لتمويل مشاريع الطاقة الأحفورية في الخارج، ونشرت حوالى أربعين دولة إعلان الانتقال من الفحم إلى الطاقة النظيفة.

وأطلقت عدة دول تحالفًا للخروج من النفط والغاز. وأشادت العديد من المنظمات غير الحكومية بهذا التقدم مع تشديدها على غياب الدول المنتجة الرئيسية.

مسألة الطاقة الأحفورية هي إحدى النقاط المثيرة للجدل في النسخة الأولى من البيان الختامي التي أعدتها الرئاسة البريطانية لمؤتمر الأطراف 26 وتشجع "على تسريع التخلي عن الفحم وتمويل الوقود الأحفوري".

واعلن ألوك شارما رئيس كوب-26 الخميس "لا يزال أمامنا تحد كبير". وأضاف "أشعر بالقلق من المشاكل التي لا تزال قائمة في قضايا التمويل عشية انتهاء المؤتمر"، داعياً إلى التحلي ب"الطموح" وتقديم "تنازلات".

وأوضح "كما قلت بالأمس، فإن العالم يراقبنا ويود أن يرانا نعمل معًا ونصل إلى توافق. ولا يمكننا أن نخذله".

وأراد أكثر من 200 من علماء المناخ التأكيد الخميس على هذا الواقع المثير للقلق في رسالة مفتوحة يتساءلون فيها عما إذا كانت التحذيرات العلمية الواضحة قد لاقت آذانا صاغية أم لا.

وشددوا على أن "مؤتمر كوب-26 يمثل لحظة تاريخية لمصير المناخ والمجتمعات والنظم البيئية" داعين إلى "تحرك فوري وقوي وسريع ومستدام وواسع النطاق" للحد من انبعاثات غازات الدفيئة.

وحذر التقرير الأخير لخبراء المناخ التابعين للأمم المتحدة في آب/أغسطس من خطر الوصول إلى عتبة +1,5 درجة مئوية بحدود العام 2030، قبل عشر سنوات مما كان متوقعًا في السابق. وهي نظرة قاتمة لأن كل عُشر درجة إضافية يجلب معه كوارث إضافية.

وتشدد مسودة النص على الحاجة إلى تعزيز الطموح لاحترام اتفاقية باريس وتطلب من الدول التي لم تفعل ذلك بعد قطع التزامات جديدة معززة في 2022.

لكن الدول الفقيرة دانت نصا غير متوازن معتبرة أن مخاوفها لم تؤخذ في الاعتبار، لا سيما في مجال المساعدات المالية.

وفي صلب هذه المسألة الحاسمة، الوعود التي لم تف بها الدول الغنية بزيادة مساعداتها الخاصة بالمناخ لدول الجنوب إلى 100 مليار دولار سنويًا اعتبارًا من عام 2020 للتصدي لظاهرة الاحتباس.

كما تدين بعض دول الجنوب ما يطالب به العالم المتقدم المسؤول عن ظاهرة الاحتباس الحراري، الدول النامية.

وقال البوليفي دييغو باتشيكو باسم مجموعة LMDC التي تمثل البلدان النامية والناشئة ومنها الصين "لا نتحمل المسؤولية (...) نفسها، عليهم أخذ المبادرة والقيام بواجباتهم" للتصدي للاحتباس الحراري.

وسط كل هذه العقبات على طريق نجاح مؤتمر الأطراف الحاسم في محاولة لإبقاء هدف +1,5 درجة مئوية، ساهم إعلان الولايات المتحدة والصين المفاجىء عن اتفاق لتعزيز تحركهما لصالح المناخ في إعطاء بصيص أمل.

وصرح نائب رئيس المفوضية الأوروبية فرانس تيمرمانز لوكالة فرانس برس "يساهم ذلك في إشاعة جو أفضل". وتدارك "لكن لا يزال أمامنا الكثير من العمل".

العالم سيحتاج الى تريليونات الدولارات

لن تكفي مليارات الدولارات المطروحة على طاولة مؤتمر "كوب 26" لمساعدة الدول الضعيفة على مواجهة ازدياد الجفاف والفياضانات وموجات الحرّ المرتبطة بالتغير المناخي، بل سيلزم تريليونات الدولارات لتمويل ذلك، بحسب مسودة تقرير للأمم المتحدة حصلت عليها وكالة فرانس برس.

ويُعدّ فشل الدول الغنية في الوفاء بوعدها بزيادة مساعداتها المناخية للدول الفقيرة إلى 100 مليار دولار سنويًا اعتبارًا من العام 2020 أحد أكثر الخلافات تفجرًا في مؤتمر المناخ الذي يقترب من نهايته.

إلّا أن هذا الرقم ضئيل جدًا مقارنة مع التكلفة الحقيقية للتأقلم مع التكيف مع الآثار المدمرة للاحترار العالمي، وفقًا لمسودة تقرير أعده خبراء المناخ التابعون للأمم المتحدة والذي سيُنشر في مطلع العام 2022.

ويرد في ملخّص التقرير المؤلف من 4000 صفحة أن "تكاليف التأقلم مرتفعة أكثر من تلك التي قُدّرت سابقًا" في مواجهة الفيضانات في المدن والشح في المواد الغذائية وموجات الحرّ القاتلة والهجرات الجماعية، بشكل تصبح فيه "التصوّرات الحالية لتمويل التكيّف غير كافية بالنظر إلى الحجم المتوقع لتأثيرات المناخ".

غير أنه كلّما ارتفعت الحرارة ازدادت تكاليف حماية المجتمع، بحسب الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ.

ووفقًا لمسودة التقرير، قد يصل التمويل اللازم للتكيف مع تغير المناخ بحلول العام 2050 إلى ألف مليار دولار سنويًا في سيناريوهات معينة للانبعاثات. في عالم +2 درجة مئوية، قد تزيد تكاليف التكيّف لأفريقيا وحدها بـ"عشرات المليارات" كل عام.

ويتطرّق تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ الذي حصلت وكالة فرانس برس على نسخة أولية منه إلى تبعات الاحترار المناخي.

ولفتت مديرة سياسات المناخ والطاقة في "اتحاد العلماء المعنيين" ريتشل كليتس في حديث مع وكالة فرانس برس إلى أن الوعد الذي بدا مهمًا عام 2009 "تمّ تجاوزه تمامًا" نظرًا للواقع على الأرض، معلّقةً "عندما نتحدث عن التمويل لما بعد عام 2025، يجب أن يكون بالتريليونات."

من جهته، رأى مدير مركز أبحاث المناخ والطاقة "باور شيفت آفريكا" في نيروبي محمّد أداو أن "التكيف نقطة عمياء ضخمة في حالة الطوارئ المناخية".

وتركّز مسودة تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ على الحاجة الملحة لحماية الذات من تأثيرات تغير المناخ والتي ستكون كبيرة حتى مع ارتفاع الحرارة بـ+1,5 مئوية فقط، وتتوقع أيضًا تكاليف الضرر لكل قطاع من قطاعات المجتمع.

وقد يتجاوز الضرر في غوانغشو، جنوب الصين، 250 مليارًا كل عام، مع ارتفاع إضافي قدره 20 سم في مستوى سطح البحر، دون تدابير التكيف مثل البنية التحتية المضادة للغطس. ولكن في عالم ارتفعت فيه حرارة الأرض بدرجتين مئويتين، قد يرتفع مستوى المحيط بمقدار الضعف.

ومن الممكن أن تكون مدن ساحلية أخرى مثل بومباي ضحية كوارث بنفس الحجم.

وستُساهم الفياضات في افريقيا بنزوح معدّل 2,7 مليون شخص سنويًا بحلول العام 2050 فيما ستتراجع المحاصيل كمًّا ونوعًا ما سيؤدي إلى ازدياد مخاطر سوء التغذية العامة فيما ستؤثر موجات الحر على الأنظمة الصحية.

لذلك، سيكون تمويل التكيف أشبه بالاستثمار لتجنب تكاليف مستقبلية، بحسب مسودة التقرير.

ويقول الباحث في جامعة أوكسفورد براين اوكالاغن إن "الاستثمار في التكيّف مع المناخ يشبه إلى حد ما التأمين ضد حدث محتم وقوعه".

وطالب محمّد أداو وآخرون بتقرير خاص من الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ لتقدير الحاجات العالمية للتكيّف.

ويقول كبير المفاوضين من جمهورية الدومينيكان ماكس بويغ "نحتاج إلى تقييم موضوعي قدر الإمكان لتكاليف كل من التكيف وخفض الانبعاثات".

وقبل أيام قليلة، قدّر برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن احتياجات تمويل التكيف يمكن أن ترتفع إلى 300 مليار سنويًا في العام 2030، وإلى 500 مليار بحلول العام 2050.

ودعت مجموعة أفريقيا بدعم من الاقتصادات الناشئة مثل الصين والهند، الدول المتقدمة خلال "كوب 26" إلى تعبئة 650 مليارًا على الأقل سنويًا من أجل التكيف فقط، اعتبارًا من عام 2030.

وبالموازاة، اقترحت فيجي وجُزُر أخرى سقفًا منخفضًا بمرّتين لكن اعتبارًا من العام 2025، بحسب ما قال وزير الاقتصاد وتغير المناخ أياز سيد خيوم الذي دعا الدول الغنية إلى الاعتراف بالحالة الطارئة.

ويضيف "عندما نبني منزلًا، لا يمكننا أن نبني حائطًا واحدًا كلّ عشر سنوات ونأمل أن يكون مأوىً لنا. نحن بحاجة لمأوى الآن".

تدمير اقتصادات الدول الأفقر

وفي سياق متصل حذّر تقرير صدر عن محادثات "كوب26" المرتبطة بالمناخ في غلاسكو من أن الدول الـ65 الأكثر عرضة لتداعيات التغير المناخي في العالم، وعلى رأسها السودان، ستشهد انخفاضا في إجمالي ناتجها الداخلي بمعدل 20 في المئة بحلول العام 2050 و64 في المئة بحلول 2100 إذا ارتفعت درجة حرارة العالم بـ2,9 درجة مئوية.

وجاء في الدراسة التي أعدّتها منظمة "كرستيان أيد" أنه حتى وإن تم الحد من ارتفاع درجات الحرارة في العالم لتبقى عند 1,5 درجة مئوية، أي الهدف الأكثر طموحا ضمن اتفاقية باريس للمناخ، فإن إجمالي الناتج الداخلي لهذه الدول سيتراجع بنسبة 13 في المئة بحلول 2050 و33 في المئة بحلول نهاية القرن الحالي.

وتظهر دراسة "كرستيان أيد" بأن أكثر من ثلث دول العالم تحتاج بشكل عاجل إلى المساعدة للتمكن من تعزيز قدرة اقتصاداتها على الصمود وتحمّل موجات الحر والجفاف والفيضانات والعواصف التي فاقمها الاحترار العالمي الشديد والمميت.

وقالت مارينا أندريفيتش من جامعة "هومبولت" في برلين، والتي لعبت دورا أساسيا في صياغة التقرير، إن "قدرة الدول الواقعة في جنوب الكرة الأرضية على التنمية بشكل مستدام معرّضة للخطر الشديد".

وأضافت "تعد الخيارات في السياسات التي نقوم بها الآن مفصلية لمنع وقوع مزيد من الأضرار".

وتقع ثماني دول من الدول العشر الأكثر تضررا في إفريقيا واثنتان في أميركا الجنوبية.

وتواجه جميع الدول العشر أضرارا لإجمالي ناتجها الداخلي تبلغ نسبتها أكثر من 70 في المئة بحلول العام 2100 في ظل الاتجاه الحالي للسياسات المناخية، و40 في المئة في حال تم حصر الاحترار العالمي بـ1,5 درجة مئوية.

ويعد السودان البلد الي يواجه الضرر الأكبر في إجمالي الناتج الداخلي لديه، علما أنه شهد في أيلول/سبتمبر أمطارا غزيرة وفيضانات أثرت على أكثر من 300 ألف شخص.

وتتكون الدول التي يتحدث عنها التقرير من تكتلين أساسيين في مفاوضات المناخ التي تنظمها الأمم المتحدة والتي تتواصل الجمعة: البلدان الأقل نماء وتحالف الدول الجزرية الصغيرة.

وتعد الدول الجزرية الصغيرة على وجه الخصوص أكثر عرضة لخطر للعواصف التي قد تزداد سوءا مع ارتفاع منسوب البحار.

ويذكر أن الدراسة لا تأخذ في عين الاعتبار إجراءات التأقلم، التي بإمكانها أن تخفف بعض الأضرار.

وحتى الآن، لم تتعهد الحكومات الغنية إلا بمبالغ متواضعة لمساعدة الدول الفقيرة على التأقلم مع تداعيات تغير المناخ.

وقال مدير مركز أبحاث المناخ والطاقة "باور شيفت إفريقيا" في نيروبي محمد أداو "كانت إفريقيا من الجهات الأقل تأثيرا على التغير المناخي إلا أن هذا التقرير يكشف بأنها ستواجه أشد العواقب. إنه أمر غير منصف على الإطلاق".

تلوث الهواء في الاتحاد الاوروبي

أدى تلوث الهواء بالجزيئات العالقة إلى 307 آلاف حالة وفاة مبكرة في الاتحاد الأوروبي في عام 2019 ، وهو عدد لا يزال ينذر بالخطر رغم انخفاضه بأكثر من 10 بالمئة في عام واحد، وفقاً لتقرير صدر عن الوكالة الأوروبية للبيئة.

واوردت الدراسة أنه كان يمكن إنقاذ أكثر من نصف هذه الأرواح لو حققت الدول الأعضاء البالغ عددها 27 دولة ارشادات جودة الهواء التي حددتها مؤخراً منظمة الصحة العالمية.

في عام 2018 ، قُدر عدد الوفيات المرتبطة بالجزيئات العالقة بنحو 346 الف.

يُعزى الانخفاض الكبير في عام 2019 جزئيًا إلى الظروف المناخية المواتية، ولكن في المقام الأول إلى التحسن التدريجي المتواصل في جودة الهواء في أوروبا، بحسب الوكالة الأوروبية للبيئة.

في مطلع التسعينيات، تسببت الجزيئات العالقة، التي تخترق الرئتين بعمق، في نحو مليون حالة وفاة مبكرة في دول الاتحاد الأوروبي البالغ عددها 27 دولة ، بحسب هذه البيانات، وانخفض هذا العدد بالفعل إلى حوالي 450 ألفًا في عام 2005.

من بين أبرز هذه الدول، أدى تلوث الهواء في عام 2019 إلى 53800 حالة وفاة مبكرة في ألمانيا و 49900 في إيطاليا و 29800 في فرنسا و 23300 في إسبانيا، بحسب الوكالة الأوروبية للبيئة.

وتعد بولندا الدولة الأكثر تضررا مع 39300 وفاة.

وما زال تلوث الهواء أهم تهديد بيئي لصحة الأوروبيين، وتُعد أمراض القلب والسكتة الدماغية من أكثر الأسباب شيوعاً للوفاة المبكرة الناجمة عن تلوث الهواء، تليها أمراض الرئة وسرطان الرئة، بحسب الوكالة الأوروبية.

وبحسب منظمة الصحة العالمية، تسبب تلوث الهواء في سبعة ملايين حالة وفاة مبكرة سنوياً، وهي حصيلة تضعه في مستويات قريبة من التدخين أو النظام الغذائي غير الصحي.

دفعت هذه الحصيلة الضخمة منظمة الصحة العالمية في نهاية أيلول/سبتمبر إلى وضع قيود أكثر صرامة على ملوثات الهواء الرئيسية، وهي المرة الأولى التي تقوم فيها المنظمة بتحديث إرشادات جودة الهواء العالمية منذ عام 2005.

تلوّث الهواء في نيودلهي

أغلقت العاصمة الهندية المدارس ومصانع الفحم في إطار مكافحتها سحابة تلوّث بمستويات خطيرة في المنطقة تسببت باختناق سكان لاهور في باكستان المجاورة وسط الضباب الدخاني السام.

وتدهورت نوعية الهواء بشكل خطير في شمال الهند وأجزاء محاذية من باكستان في السنوات الأخيرة، إذ يتشكل في سمائها كل شتاء مزيج خطير من انبعاثات المصانع والسيارات ودخان الحرائق.

وصنّفت منظمة جودة الهواء السويسرية "آي-كيو-اير" الأربعاء لاهور البالغ عدد سكانها أكثر من 11 مليون نسمة والواقعة في مقاطعة بنجاب قرب الحدود مع الهند، المدينة الأكثر تلوّثًا في العالم.

ولطالما صُنّفت نيودلهي العاصمة الأكثر تلوّثًا في العالم، بسبب مصانعها والازدحام المروري والحرائق التي يتمّ إشعالها لأغراض زراعية كل شتاء. وتبدو حاليًا غارقة في ضباب كثيف من التلوّث.

وأعلنت اللجنة المكلّفة جودة الهواء في دلهي مساء الثلاثاء إغلاق المؤسسات التعليمية حتى إشعار آخر. وكانت بلدية نيودلهي أمرت السبت بإغلاق المدارس لأسبوع ومنعت أعمال البناء لمدة أربعة أيام.

وبحسب القرار، تُمنع الشاحنات الثقيلة من دخول العاصمة حتى 21 تشرين الثاني/نوفمبر، باستثناء تلك التي تنقل مواد أساسية وتوقفت أعمال معظم ورش البناء.

وطُلب من ستّ محطات للطاقة الحرارية من أصل 11 تقع في دائرة قطرها 300 كلم، وقف أعمالها حتى إشعار آخر.

وقالت اللجنة إنه سيكون على نصف الموظفين الحكوميين على الأقلّ العمل من المنزل ودُعي الموظفون في القطاع الخاص إلى العمل عن بُعد أيضًا.

وجاءت هذه التدابير بعد 24 ساعة من اتخاذ حكومة دلهي قرارًا يقضي "بمقاومة دعوة المحكمة العليا لفرض إغلاق بسبب التلوّث".

وكانت الحكومة قالت للمحكمة العليا إن القطاع الصناعي هو المسؤول الأساسي عن التلوّث يليه قطاع النقل والغبار المنبثق عن الطرق وورش البناء.

وهذا الأسبوع، تجاوز معدل جزيئات "بي ام 2,5" الأصغر والأكثر ضررًا والتي يمكن أن تدخل مجرى الدم الـ400 ميكروغرام في المتر المكعّب الواحد من الهواء في عدة أحياء من المدينة.

وارتفع هذا المعدّل الأسبوع الماضي، إلى 500 أي أكثر بـ30 مرة من الحد الأقصى المحدّد من جانب منظمة الصحة العالمية.

وبحسب مجلّة "ذي لانسيت" الطبية، توفي قرابة 17500 شخص عام 2020 في دلهي بسبب تلوّث الهواء.

في لاهور، بلغ معدل جزيئات "بي ام 2,5" صباح الأربعاء 348 ميكروغرامًا في المتر المكعّب الواحد من الهواء، أي أكثر بـ23 مرة من الحد الأقصى المحدّد من جانب منظمة الصحة العالمية.

وقال محمد سعيد وهو عامل زراعي، لوكالة فرانس برس متوّجهًا إلى السلطات "الأطفال يعانون من أمراض تنفسية (...) بالله عليكم توصلوا إلى حلّ".

منذ سنوات عدة، يبلغ الضباب الدخاني مستويات مقلقة اعتبارًا من تشرين الأول/أكتوبر من كلّ عام في باكستان. فعلى غرار جارتها الهند، يتسبب تدني درجات الحرارة مصحوب برياح ضعيفة، بهبوط التلوّث نحو الأرض.

وبنى سكان لاهور في السنوات الأخيرة، أجهزتهم الخاصة لتنقية الهواء ورفعوا دعاوى قضائية ضد مسؤولين حكوميين. إلا أن السلطات لم تتحرك بسرعة وحمّلت الهند مسؤولية تلوّث الهواء وادّعت أن الأرقام مبالغ بها.

وتُصنّف لاهور بشكل منتظم من بين المدن التي تتمتع بأسوأ نوعية هواء في العالم.

وقال التاجر إكرام أحمد "نحن فقراء، لا يمكننا حتى تحمّل دفع فحصية الطبيب". وأضاف "يمكننا فقط أن نناشد (السلطات) بضبط التلوّث. لستُ شخصًا متعلّمًا لكنّني قرأتُ أن لاهور لديها أسوأ نوعية هواء وتليها نيودلهي. إذا استمرّ الوضع كذلك، سنموت".

وأكد محمد سعيد أن "من قبل كانت لديّ عادة الذهاب (للتنزّه) مع أطفالي، لكن الآن لم أعد أسمح لهم بالخروج معي". وتابع "هناك مصانع ومعامل صغيرة تعمل هنا. يجب إما نقلها إلى مكان آخر أو تزويدها بتقنيات أحدث، كي نتمكن من التخلّص من هذا الضباب الدخاني".

اضف تعليق