تقوم الدولة العصرية على قاعدة المواطنة‮ ‬وهذه تشمل مبادىء الحريّة والمساواة والعدالة والشراكة والمشاركة‮. ‬ولا‮ ‬يمكن الحديث عن مواطنة دون الحديث عن المواطن أو الشخص الطبيعي‮ ‬المجرد،‮ ‬الأمر الذي‮ ‬يدفع للحديث عن المجتمع المدني‮ ‬والبنية الاجتماعية المتطورة قياساً‮ ‬بالبنية التقليدية،‮ ‬وتمتاز الأولى عن الثانية،‮ ‬في‮ ‬كون المجتمع المدني‮ ‬يقوم على أساس منظمات مدنية طوعية‮ ‬يكون الانتساب إليها وفقاً‮ ‬لاختيارات حرة واعية وهي‮ ‬منظمات‮ ‬غير حكومية وغير إرثية،‮ ‬أي‮ ‬أن العضوية فيها لا تتوارث عن العائلة أو العشيرة أو الطائفة أو الدين أو‮ ‬غير ذلك،‮ ‬وهي‮ ‬منظمات‮ ‬غير ربحية وهو ما‮ ‬يميّزها عن القطاع الخاص،‮ ‬فضلا عن أنها منظمات حداثية وديمقراطية،‮ ‬أي‮ ‬تمارس الديمقراطية في‮ ‬جميع أعمالها وعلاقاتها الداخلية،‮ ‬بين هيئاتها وأفرادها وبينها وبين محيطها الخارجي‮.‬

كما‮ ‬يفترض فيها قبول التعدّدية والاختلاف والتنوّع في‮ ‬حين أن البنية التقليدية،‮ ‬يمكن أن تشكل مجتمعاً‮ ‬أهلياً‮ ‬عشائرياً‮ ‬وراثياً‮ ‬أو دينياً‮ ‬أو طائفياً‮ ‬أو جهوياً،‮ ‬ينتمي‮ ‬إليه الفرد بصورة أوتوماتيكية وليست طوعية اختيارية‮.‬

وإذا كانت الدولة العصرية قد استقرّت وأصبحت كياناً‮ ‬قائماً‮ ‬ومعترفاً‮ ‬به لا‮ ‬يمكن إلغاؤه،‮ ‬لأنه‮ "‬معطى تاريخي‮" ‬يقوم بوظيفتين أساسيتين هما‮: ‬حفظ وصيانة أرواح وممتلكات المواطنين،‮ ‬وضبط النظام والأمن العام،‮ ‬فإن هذه الدولة لا‮ ‬يمكنها أن تستقيم دون وجود مجتمع مدني‮ ‬حر ومستقل وفاعل‮ ‬يسهم في‮ ‬الرصد والمراقبة والشراكة،‮ ‬خصوصاً‮ ‬وان وظيفتها اتسعت وتشعبت مدنياً‮ ‬وسياسياً‮ ‬واجتماعياً‮ ‬واقتصادياً‮ ‬وثقافياً،‮ ‬وفيما بعد تفرّعت عنها ما‮ ‬يمكن أن‮ ‬يطلق عليه‮ "‬دولة الحماية‮" ‬أو‮ "‬دولة الرعاية‮" ‬أو"دولة الرفاه‮" ‬بتشعب وتنوّع وتوسع مهمات وواجبات ووظائف الدولة،‮ ‬تلك التي‮ ‬يمكن تطويرها من خلال الدور الذي‮ ‬يقوم به المجتمع المدني‮ ‬لتعديل التوازن الاجتماعي‮ ‬مع الدولة،‮ ‬عبر الضغوط المتواصلة وتوازن القوى للجماعات والفئات الاجتماعية،‮ ‬التي‮ ‬يمكن أن تسهم في‮ ‬تأمين احترام حقوق الإنسان وحرياته المتطورة والمتوالدة‮.‬

وقد تمكّنت الدولة العصرية من تحقيق عدد من المنجزات السياسية‮ (‬التعايش والصراع السلمي‮ ‬بين الطبقات والفئات والمراتب الاجتماعية،‮ ‬ولاسيما في‮ ‬ظل اتخاذ الصراع الطبقي‮ ‬إشكالاً‮ ‬جديدة‮) ‬والاجتماعية والاقتصادية‮ (‬اكتساب الصراع بُعداً‮ ‬تنافسياً‮ ‬بين الفئات والتيارات الاجتماعية،‮ ‬لاسيّما من خلال الخدمات والضمانات والبرامج والاقتصادية وارتفاع مستوى الأجور وتحسين شروط العمل واستثمار أوقات الفراغ‮ ‬والراحة‮) ‬والثقافية‮ (‬بالاستفادة من منجزات الثقافة والفن والأدب والعمران والجمال وغيرها‮).‬

وقد خفّت حدّة النزاعات القومية والإثنية والدينية في‮ ‬الدول المتقدمة،‮ ‬وأصبحت المواطنة قيمة عليا،‮ ‬تقوم عليها القاعدة الدستورية للدولة وهي‮ ‬العنصر الناظم للكيان الاجتماعي،‮ ‬وهو ما زالت الدول النامية تفتقر إليه ومنها في‮ ‬عالمنا العربي‮ ‬والإسلامي،‮ ‬لاسيما وأن بنيتها الدستورية والقانونية،‮ ‬فضلاً‮ ‬عن أساسها الاجتماعي‮ ‬ضعيفاً،‮ ‬وكذلك ضعف تأثير المجتمع المدني‮.‬

ولتعزيز قيم المساواة والمواطنة وتطويق الطائفية سياسياً‮ ‬واجتماعياً‮ ‬بعد تحريمها قانونياً،‮ ‬ينبغي‮ ‬حظر العمل والنشاط السياسي،‮ ‬وتحت أية واجهات حزبية أو اجتماعية أو مهنية أو نقابية أو ما شابه ذلك،‮ ‬إذا كانت تسعى لنشر الطائفية أو المذهبية‮ (‬التمييز الطائفي‮ ‬أو المذهبي‮)‬،‮ ‬بصورة علنية أو مستترة،‮ ‬خصوصاً‮ ‬بحصر الانتساب إلى ذلك الحزب أو المنظمة أو الجمعية أو تلك،‮ ‬بفئة معينة،‮ ‬بادعاء تمثيلها أو النطق باسمها أو التعبير عنها.

إن بناء دولة مدنية دستورية عصرية واحترام حقوق المواطنة كاملة‮ (‬أي‮ ‬دولة تستند إلى حكم القانون‮) ‬يقتضي‮ ‬وضع حدّ‮ ‬للطائفية السياسية تمهيداً‮ ‬لتحريمها ومعاقبة القائمين عليها أو الداعين لها أو المتسترين عليها،‮ ‬وهي‮ ‬الطريق الأمثل للوحدة الوطنية والهويّة الجامعة‮ ‬– المانعة وحسب زياد الرحباني‮ "‬يا زمان الطائفية‮.. ‬خليّ‮ ‬إيدك على الهويّة‮".‬

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال ق لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق