لا تصدقوا سياسيا يدعي الجهل بمواطن الخلل في العملية السياسية، ولا تغفروا لمن تغاضى عنها، وتراخى في اصلاحها، فما يقرب من العقدين مدة كافية حتى للحجر الأصم أن يدرك بواطنها وظواهرها. لا التمس عذرا حتى للذين جاءت بهم الصدفة، او تسلقوا على شهادات مزورة، او لم تزودهم تجاربهم السابقة بخبرات عالم جديد قدر لهم ان يكونوا من بين رجاله، من لم يكتسب علما في حياته فتجارب الفشل التي انتهت اليها عمليتنا السياسية كفيلة بإكسابهم مهارات السياسة وفنونها ان كان الوطن محفورا في الوجدان، فما عاد بخاف على أحد ما خلفته تلك التجارب من مآس يصعب تصورها، وتراجع طال جميع المجالات من التعليم الى الخدمات، وان أجهد البعض نفسه في تعليبها بذرائع مفبركة للنأي بالنفس عن مسؤوليتها.

لقد أفرغ سياسيونا البلاد من وزنها الثقيل، وأفقدوها القدرة على مساومة من يتدخل في شؤونها ويتحكم بمصائر أبنائها، ويزج بها في دهاليز الأزمات، ويتخذها أداة للحفاظ على مصالحه وإدارة صراعاته مع الأعداء.

هذا هو الواقع، والجميع يعيشه بمرارة، والسؤال الذي يراود الناس: من المسؤول عن كل ما حدث؟ واذا كانت طيبة قلوب العراقيين وسماحة أخلاقهم تعذر الذين ابحروا بسفينتنا في سنواتها الاولى بأن الخبرة مازالت لم تتبلور والرؤية لم تتضح، لكن لا عذر يمكن الاختباء خلفه بعد مضي هذه السنوات الطويلة، فقد بانت هشاشة العملية السياسية، وركاكة آلياتها الديمقراطية، وضعف الروح الوطنية التي فتحت الأبواب على مصاريعها لشيوع الفساد، وفقدان الارادة الصادقة لوقف انتهاكات السيادة.

هل ثمة جهة بعينها يمكن إلقاء اللوم عليها؟ فيما مضى كل يلقي باللائمة على غيره، فأصابع القوى السياسية تصوب نحو رئاسة الحكومة التي يقودها الشيعة وعذرا لهذه المسميات، وتحميلها مسؤولية الفشل، بالمقابل ترد رئاسة الحكومة بان الجميع مسؤول عنه، ألم يشاركون في الحكومة ويتقاسمون وزاراتها؟ بما جعل مؤسسات الدولة من أكبرها الى أصغرها تعمل لحساب الأحزاب وبالضد من مصالح البلاد، وان اطواقا حديدية تكبل رئيس الحكومة وتحول دون العمل الوطني الرشيد، بينما يتذرع من يدعون تمثيل المكونات بأنهم لا يثقون برئاسة الحكومة والجهات التي تقف وراءها، ويخشون من توظفيها امكانيات الدولة لتعزيز عناصر قوتها ضد منافسيها وخصومها في مشهد مكتظ بالصراعات لفرض الارادات.

بالمقابل ترد الأطراف المتهمة بان ما يُقال ليس صحيحا، والحقيقة ان تلك القوى مستقلة كانت ام أداة تابعة لقوى أجنبية تعمل على ادامة تنظيماتها وتقوية نفوذها من الأموال المخصصة لوزاراتها. وهكذا صرنا تحت رحمة (الشركاء الأعداء).

ببساطة هذا ما يجري، وليس الأمر أعقد من ذلك كما يقول من تصفهم الفضائيات بالخبراء الاستراتيجيين، ففي البدايات كان انعدام الثقة دافعا أساسيا للتشارك في الحكومة، لكن الشراكة ترسخت بعد ان ذاق الجميع حلاوة المغانم، وهكذا ارتبطت المصالح الضيقة بالمحاصصة المقيتة. فازداد تمسك الجميع بها، ولأن الشراكة طريق تتيح للغرباء التسلل لمراكز القرار، ومن خلالها تُخرب البلاد، جرى الترويج لها بمسميات براقة كحكومة الوحدة الوطنية أو الشراكة الوطنية او الحكومة التوافقية، فصدقها الناس واستبشروا.

خلاصة الكلام ان (الشراكة الوطنية) كذبة سياسية، والمضي على نهجها يعني الاستمرار بالفشل وزيادة الاحتقان وفقدان الأمل الذي سينفجر في يوم ما لا محالة، ومن الانفجارات ما هو عصي على السيطرة، واحتجاجات تشرين مثالا، لذا نرى ضرورة الذهاب الى حكومة الأغلبية السياسية، تشكل فريقها على هواها وتنفذ برامجها تحت أنظار المعارضين، وربما يفضي هذا النهج الى الشروع بخطوات اولى لإصلاح مرتقب، يريد الرأي العام جهة بعينها، يصفق لها عند النجاح، ويحملّها المسؤولية في حال الفشل، وليس الصاقها بالجميع، والفائزون بالانتخابات يدركون هذا المفترق الحاسم، والخيار لهم فيما اذا أرادوا لنجمهم علوا او تهاويا.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق