اقتربت سفينة نتائج الانتخابات من محطتها الأخيرة لتفريغ ما تبقى من حمولتها النهائية من الصناديق الانتخابية المطعون بها من قبل الأطراف الخاسرة، هذه الأطراف التي اعترضت قانونياً عبر تقديم الطعون الرسمية، وسياسياً عبر التظاهرات والاعتصامات رافعة لافتة كبيرة مكتوب عليها "الانتخابات مؤامرة دولية للانقلاب على التوازنات السياسية".

وتبدو المرحلة الأخيرة معقدة وهي الأكثر حسماً، فربما نشهد مقاومة قبل إطفاء محركات سفينة نتائج الانتخابات وغلق أبواب الاعتراضات وتصديق المحكمة الاتحادية المنتظر.

الاطار التنسيقي المكون من الفصائل الشيعية الخاسرة يجتمعون على كلمة واحدة في بيت زعيم ائتلاف دولة القانون الفائز بالانتخابات السيد نوري المالكي، فيما تبقى الكوادر الشعبية ترابط على أبواب المنطقة الخضراء مع اشتداد التظاهرات وحصول اشتباكات أدت الى عدد من الجرحى بحسب وزارة الصحة، مع عدد من الوفيات بحسب إعلام الإطار التنسيقي.

الهدف من هذه التحركات سياسياً وشعبياً هو توصيل رسائل يومية مفادها، أن الانتخابات مزورة، والتغطية على الفشل التنظيمي في الانتخابات، واستخدام الاعتراض على النتائج كوسيلة ضغط للحصول على مكاسب سياسية، فضلاً عن استخدام الرفض للنتائج كوسيلة ردع للخصوم في حال تفكيرهم بالإقدام على خطوات تصعيدية تجاه أطراف الإطار.

والأهم من هذه التحركات السياسية والتظاهرات، هو سحب الشرعية من الانتخابات التي فاز فيها أقوى وأشد خصم سياسي للإطار التنسيقي ممثلاً بالكتلة الصدرية التي تتبنى خطاباً وطنياً يحاول قدر الإمكان الابتعاد عن سياسة المحاور التي يلتزم بها الإطار التنسيقي.

رسمياً، التيار الصدري هو الفائز الأول بعدد المقاعد على مستوى الكتل الشيعية والعراقية عموماً، لكنه لا يجد الطريق معبداً للتفاوض مع شركائه الشيعة الذين لا يريدون لفوزه أن يحدث بهدوء، ولا يريدون التحالف معه إلا بعد استنفاد كافة السبل المتاحة، كما أن التعقيدات السياسية الداخلية والخارجية تزيد من صعوبة ذهاب التيار الصدري منفرداً للتفاوض مع الكرد والسنة من أجل تشكيل الحكومة بعيداً عن أخوته وخصومه الشيعة.

صحيح أن السيد الصدر اجتمع مع زعيم تحالف تقدم محمد الحلبوسي، والسيد عمار الحكيم، كل على انفراد، فيما اجتمعت الهيأة السياسية للتيار الصدري مع وفد الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة وزير الخارجية الأسبق هوشيار زيباري.

تحركات التيار الصدري جاءت لتأكيد سعيه لتشكيل حكومة الأغلبية السياسية، التي يركز عليها السيد مقتدى الصدر في خطاباته وتغريداته، والواقع أن الأغلبية التي يقصدها هي تشكيل حكومة بدون الإطار التنسيقي الشيعي ولا توجد وسيلة لإبعاد الإطار إلا برفع شعار حكومة الأغلبية.

الخاسرون الكرد والسنة كانوا أكثر هدوءاً وإن حاولوا الاعتراض عبر وسائل الإعلام وتقديم الطعون القانونية، وهي إجراءات طبيعية لا تحمل طابعاً سياسياً، وهذا انعكس بدوره على التآلف الذي نتج في الساحتين الكردية والسنية، وهذا ما جعل الكرد والسنة يدخلون المفاوضات بدون اعتراضات ولا مشاحنات داخل كل مكون.

لكن مع من سيتفاوضون؟ هل يذهبون إلى التيار الصدري وحده الفائز باعلى المقاعد البرلمانية على مستوى العراق بدون الإطار التنسيقي الشيعي؟ أم يتفاوضون مع الاطار التنسيقي المقرب من إيران، والخاسر في الانتخابات ويملك حوالي ثلثي مقاعد التيار الصدري؟ وبعد سلسلة الحوارات الأولية التي اجراها التيار الصدري، هل سيتم تهميش الإطار التنسيقي بشكل كامل؟ أم سنشهد جولة جديدة لحوارات أكثر شمولية، وتعيد في الوقت ذاته مسألة التقسيم الطائفي والمحاصصة السياسية تحت يافطة الترضية وحقن الدماء؟

سيناريوهات تشكيل الحكومة

نتائج الانتخابات جعلت شكل الحكومة المقبلة غير واضح المعالم بالنسبة للمتابعين للشأن السياسي العراقي، لا سيما مع اشتداد الخلاف الشيعي على نتيجة الانتخابات ومسارات العملية الانتخابية التي أفرزتها، لذلك سوف نكون أمام ثلاثة سيناريوهات لتشكيل الحكومة:

السيناريو الأول: حكومة أغلبية سياسية وتحالف عمودي، يقوده التيار الصدري مع الفائزين من الكرد والفائزين من السنة، بينما تذهب الكتل الخاسرة ومن كل المكونات الى المعارضة.

إمكانية تطبيق هذا السيناريو ممكنة لو حسبنا عدد المقاعد للتيار الصدري وكتلة تقدم والتحالف الوطني الكردستاني، لكنه غير ممكن لو تحدثنا عن التوازنات السياسية التي لا يريد الكرد ولا السنة الخروج عنها، لأنهم يعرفون حجم الخلاف لدى المعسكر الشيعي، ويفهمون معنى اعتراض الإطار التنسيقي في حال انتهى به المطاف إلى المعارضة.

هذا السيناريو صعب التحقق، حتى وأن حدثت بعض الحوارات الأولية، إلا إذا خاطر الساسة الكرد والسنة بتغيير قواعد اللعبة السياسية وبناء توازنات جديدة، وهذا غير وارد لحد هذه اللحظة بسبب مخاوفهم من حلفاء إيران في العراق الذين يملكون من القوة العسكرية والدعم الإيراني ما يمكنهم من تدمير مكاسب الفائزين انتخابياً، ففي مشاهد التصعيد قرب بوابات الخضراء فضلاً عن الهجمات الصاروخية على جهاز المخابرات رسائل واضحة لجميع الأطراف التي تريد تشكيل حكومة الأغلبية.

السيناريو الثاني: تشكيل حكومة توافقية بين السنة والشيعة والكرد، وإعادة قاعدة المحاصصة المعمول بها في الحكومات السابقة، مع عدم تبني أي كتلة بشكل رسمي لمنصب رئيس الوزراء وتركه سائباً بدون أي كتلة برلمانية ساندة.

هذا السيناريو يفضله الإطار التنسيقي، لأنه يعطيه مكاسب سياسية لا توفرها له مقاعده الانتخابية، وهو يعمل جاهداً على هذا السيناريو، كما أنه المستفيد الأول في حال تطبيقه من أجل تسقيط التيار الصدري مستقبلاً عبر الصاق كل الفشل عليه باعتباره الفائز الأول واتهامه برعاية الحكومة لوحده، لذلك من الصعوبة موافقة التيار على الخيار.

لان التيار الصدري وكما أعلن في أكثر من مناسبة قبل الانتخابات وبعدها، أنه يريد تشكيل حكومة صدرية هو يتبناها رسمياً ويتحمل تبعات رئيس الوزراء.

التيار الصدري يريد رئيس وزراء "صدري قح"، ولا يقتنع بهذا النوع من الحكومة.

السيناريو الثالث: تشكيل التيار الصدري كتلة معارضة، بينما يتفاوض الإطار التنسيقي مع السنة والكرد، بمساعدة وموافقة إيرانية، وبضوء أخضر أميركي مقابل مجموعة تعهدات يعطيها الإطار لصالح الولايات المتحدة الأميركية.

هذا السيناريو لا يمكن الحديث عنه إلا إذا فشل التيار الصدري في اقناع الكرد والسنة بتشكيل حكومة أغلبية، وامكانيته واردة لو دخلت ايران والولايات المتحدة بقوة وتفاوضوا على القضايا الخلافية وإعلان تهدئة سياسية وعسكرية.

لكن مشكلته الأساسية أن التيار الصدري في حال ذهب للمعارضة لن يقف مكتوف الأيدي وسوف يقف حجر عثرة في تشكيل الحكومة وفي عرقلة أدائها أيضاً عبر التظاهرات الشعبية لا سيما وأن التيار هو الأكثر قدرة على التحكم في الشارع.

حسب المعطيات الحالية تبدو الأمور ماضية باتجاه حكومة يشكلها التيار الصدري بالتوافق مع الكرد والسنة ويستبعد منها الإطار التنسيقي، شرط أن تسير المفاوضات بانسيابية وبدون أي فوضى سياسية قد تحدث في قادم الأيام أو تدخلات تقوم بها أطراف خارجية.

اضف تعليق