بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، باعث الأنبياء والمرسلين، ثم الصلاة والسلام على سيدنا وحبيب قلوبنا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين الأبرار المنتجبين، سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم إلى يوم الدين، ولا حول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم.

قال الله العظيم: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإيتاءِ ذِي الْقُرْبى‏ وَيَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)(1).

إنّ الإحسان مستحب على المشهور ولكن يمكن القول بوجوبه في الجملة استناداً إلى قاعدة الملازمة وإلى استقلال العقل بوجوب بعض أنواعه وإلى وقوعه متعلَّقاً لمادة الأمر في الآية الشريفة، وقد سبق ذلك كله، ونضيف إلى ذلك دليلاً رابعاً وهو:

الوجوب المقدمي للإحسان

رابعاً: ان الإحسان كثيراً ما يقع مقدمة للواجب ومقدمة الواجب واجبة عقلاً، وقد يقال بوجوبها شرعاً أيضاً، وقد استدل السيد الوالد على وجوب الإحسان بالوجوب المقدمي إذ قال: (21- الإحسان. قال سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإيتاءِ ذِي الْقُرْبى‏).

وهل الإحسان واجب أم لا؟، ظاهرهم عدم الوجوب، لكن لا يبعد ذلك في الجملة، فإن النظام الاجتماعي لا يكون متكاملاً إلا بالإحسان، فيكون واجباً بقدر قيام النظام الاجتماعي، ولهذا نشاهد أن مثل بناء المساجد والمدارس والحسينيات وما أشبه ذلك يسبب قيام النظام الاجتماعي الديني، فإذا فقد بلد أمثال هذه الأمور يكون البلد بعيداً عن موازين الله سبحانه وتعالى.

فالعدل واجب مطلقاً، والإحسان واجب في الجملة، أما قوله (وَإيتاءِ ذِي الْقُرْبى‏) فهو واجب في مورد الوجوب ومستحب في مورد الاستحباب، وفي الحديث: (لَا صَدَقَةَ وَذُو رَحِمٍ مُحْتَاجٌ)(2) ويؤيده السياق في الآية المباركة، بل وسائر الآيات كقوله سبحانه: (وَأَحْسَنُوا)(3) إلى غير ذلك)(4).

ولكن قد يعترض بان (التكامل) ليس واجباً بل هو مستحب؟

والجواب: ان عمدة الاستدلال هو بالجملة اللاحقة (فيكون واجباً بقدر قيام النظام الاجتماعي).

الإحسان كطريق لحفظ النظام

وبعبارة أخرى: حفظ النظام واجب والإخلال بالنظام محرم ومن أجلى مصاديقه لزوم الهرج والمرج، والإحسان كثيراً ما يكون طريقاً لحفظ النظام الاجتماعي وإقرار السلم الأهلي، وبالعكس: كثيراً ما يكون كفّ اليد عن الإحسان السبب الأساسي والعلة المعدة القريبة للفوضى الاجتماعية واختلال النظام، على مستوى المجتمع، أو علة لابتلاء الفرد بما يعلم من الشارع إرادة عدم وقوعه في الخارج.

الفقر السبب وراء الجريمة، والإحسان الحل

ويكفينا شاهداً على ذلك: ان الفقر والحرمان هو السبب الأساس والدافع الأكبر لانتشار الجريمة في المجتمع، كجريمة السرقة والتزوير والإتجار بالجنس أو بالبشر وغير ذلك كما انهما السبب الأكبر وراء انتشار العديد من كبائر المحرمات وخطير المفاسد، كالزنا ونظائره، فان الكثير من النساء يدفعهن الفقر للاكتساب عبر هذه الرذيلة الفاحشة.

وتدل على ذلك الأحاديث الكثيرة التي تحدثت عن الفقر بما يستتبعه من آثار خطرة ومفاسد كبيرة كقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): (كَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْراً)(5) وعن الإمام الصادق (عليه السلام): (الْفَقْرُ الْمَوْتُ الْأَحْمَرُ فَقُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): الْفَقْرُ مِنَ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ فَقَالَ: لَا وَلَكِنْ مِنَ الدِّينِ)(6) وفي نهج البلاغة انه (عليه السلام): (قَالَ لِابْنِهِ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ الْفَقْرَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْهُ فَإِنَّ الْفَقْرَ مَنْقَصَةٌ لِلدِّينِ مَدْهَشَةٌ لِلْعَقْلِ دَاعِيَةٌ لِلْمَقْتِ)(7) وقال ): (إنَّما يَخشَى المُؤمِنُ الفَقرَ مَخافَةَ الآفاتِ عَلى دينِهِ)(8) و(نِعمَ الشَّيءُ الفَقرُ، لَولا أنَّهُ يَهيجُ فِناءَ الكُفرِ)(9) بل بما قد يستلزمه الفقر من اتخاذ الفقراء قرارات خطيرة ويُنسب إلى أبي ذر رضوان الله عليه قوله: (عجبت لمن لا يجد القوت في بيته كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه).

الإحسان على ضوء تجربة سائر الأمم

كما ويمكننا ان نستشهد على ان الإحسان يكمن خلف استقرار السلم الأهلي بان الفقر يعد من الأسباب الرئيسة للفتن والثورات الاجتماعية والحروب والانقلابات العسكرية، والإحسان بَلْسَمَ أساسي ودواء ناجع وحل جوهري.

وقد أذعنت الدول الغربية لهذه الحقيقة عندما هددتها الشيوعية العالمية (بدءاً من العشرينات حتى الثمانينات) باكتساح أنظمتها عبر ثورة الطبقة المحرومة والعمال ضد النظام القائم، السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ولذلك لجأت الدول الغربية في محاولة لامتصاص الاحتقان الشعبي واستباقاً للأحداث، إلى سنّ سلسلة من القوانين التي ألزمت الحكومات باتخاذ الإحسان كمنهج عام في دساتيرهم وحياتهم، وعلى سبيل المثال: الضمان الاجتماعي والدفعات التحويلية والإعانات التي تقدم للعاطلين عن العمل والمرضى والمفقودين والمعوقين، إضافة إلى فرضهم حداً أدنى للأجور التي تدفع للعمال، مع ان النظام الاقتصادي الكلاسيكي قائم على معادلة العرض والطلب وانهما كما يحددان قيمة السلع والخدمات فكذلك يحددان أجور العمال، ذلك انه كلما قلّ العرض زادت الأسعار وكلما زاد العرض انخفضت الأسعار، والذهب إنما غلا لقلة عرضه ولو كان بكثرة التراب لكان عديم القيمة كما ان الماء لو كان بندرة الذهب لكان أغلى منه، فكذلك الأيدي العاملة كلما ازداد عرضها انخفضت قيمتها، ولأن عرض الأيادي العاملة كان عادةً أكبر من الطلب عليها لذلك انخفضت أجرتها، لكن الدول الغربية خوفاً من انتفاضة العمال أقّرت الحد الأدنى للأجور وفرضته على أصحاب المعامل والمصانع وأرباب الشركات كي تغلق على أنفسها أبواب ثورة الطبقة العاملة..

وليس الكلام الآن عن الحكم الشرعي لذلك بل الكلام عن ان منهجية الإحسان عبر الضمان الاجتماعي وغيره، كانت السبب الأساس وراء استقرار السلم المجتمعي وإقرار الأمن في تلك البلاد إلى حد بعيد وفي الحيلولة دون حدوث الفتن والاضطرابات، مما يستند إلى (التجربة) كدليل آخر على مدى فاعلية (الإحسان) ومقدميته وكونه عقلائياً في مختلف مفرداته إلا فيما إذا تمصدق في مصداق محرم كما لو سرق من الشركة ليمنحه للفقير أو كالتسعير على أصحاب المحلات وأرباب العمل، على الرأي المشهور.

وسنستعرض في الدرس القادم المزيد من الشواهد والأدلة والنماذج التي تبرهن مقدمية الإحسان في كثير من الموارد للواجبات أو حيلولته دون المحرمات.

فلسفة الأوامر المتعلقة بالمستقلات العقلية

وقد يتساءل عن الحكمة في تعلق الأوامر الشرعية بالعديد من البديهيات أو المستقلات العقلية فان العدل على سبيل المثال لا شك في وجوبه والإحسان لا شك في حسنه، فما الحاجة ليخصص الرب الجليل آيات كثيرة للأمر بالمستقلات العقلية (كالعدل وكشكر النعمة إذ يقول تعالى: (أَنِ اشْكُرْ لي‏ وَلِوالِدَيْكَ)(10) أو للنهي عن المحرمات العقلية كالظلم وكفران النعمة وغير ذلك؟

ويمكن الجواب بوجوه كثيرة:

أولها: التنبيه، وثانيها: التأكيد، والتنبيه للغافلين والتأكيد للملتفتين إذا ما أكثر ما يغفل كثير من الناس عن حكم العقل المستقل فيحتاج إلى التنبيه مثلاً على حرمة ظلم الزوجة أو الأولاد ووجوب العِشرة بالمعروف قال تعالى: (غَيْرَ مُضَارٍّ)(11) و(وَلا تُضآرُّوهُنَّ) (12) (وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)(13) وعلى حرمة ظلم حتى العدو (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى)(14)، كما قد يحتاج إلى التأكيد حتى على الملتفت لتقوية الحافز إذ ما أكثر ما يتوانى المرء عن امتثال الأحكام العقلية فيكون كلام الشارع هو المحفز الأكبر والدافع الأقوى.

الإله الشرّير

ثالثها: لاستمكان مفهوم الإله الشرير، وحسن الظلم للرعية أو الأولاد أو الموظفين والعمال أو العبيد، في نفوس الكثير من الناس في العديد من الحضارات والأمم، ويكفي ان نعلم ان العديد من الشعوب والأمم كانت، ولا تزال، تؤمن بفكرة الإله الشرير أو المخادع أو الآلهة المحتالة أو الظالمة، وعلى سبيل المثال فان الإله إيشو تعتبره (اليوروبا) وهي احدى المجموعات العرقية، مظهر الشر وانه يَجِد متعته في إيقاع الصراع بين طوائف الناس وانه يقول (ان أكبر تسلية له وان قمة فرحته هي في التسبب في النزاع بين الناس)! وكما نجد في الناس من يلتذ بالمهارشة بين الديوك والمناطحة بين الأكباش والتي قد تتقاتل حتى الموت أو في صراع الثيران وغيرها، كذلك يرون في هذه الإله المظهر لذلك!

وقد قال بعض مفكري الغرب وهو (تيم ماروني): (حتى لو كان الإله المذكور في الكتاب المقدس موجوداً، فانه لا يصلح للعبادة بسبب معاييره الأخلاقية الهابطة)! ومن الواضح ان التوراة المحرفة عرضت صورة مشوّهة عن الله تعالى وصوّرته بصورة الإله القاسي الشرير الظالم الذي لا يرحم.

من هنا فان تركيز القرآن الكريم على الأمر بالعدل والإحسان وعلى نفي الظلم عنه تعالى في آيات متكاثرة كقوله جل اسمه (وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبيدِ)(15) و(وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى‏ بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ)(16) وغير ذلك، كان هو العامل الأساس في إذعان المؤمن بالعدالة والإحسان كقيم عليا وان ما حكم به العقل حكم به الشرع دون لبس، ولولا ذلك فلعل الإرهابيين والمتطرفين كان يصادرون الصورة النظرية لإسلام الرحمة كما صادروا وشوهوا الصورة العملية تماماً!

تعدد الإطلاقات في (الإحسان)

والقيام بدراسة مفردة (الإحسان) من حيث تعدد إطلاقاتها في العرف، فان ذلك يشكل مفتاح الجواب وجوهر الحل للاعتراض المرتكز في الأذهان من ان الإحسان مستحب بالبداهة فكيف تقولون بوجوبه؟

والتحقيق يقودنا إلى ان للإحسان إطلاقين أعم وأخص:

أما المعنى الأعم فهو (إيصال النفع أو الخير إلى الغير) ومن البديهي ان إيصال النفع تتسع دائرته المفهومية ليشمل الواجبات والمستحبات جميعاً، فان الخمس والزكاة والكفارات تتضمن إيصال النفع للغير وهي واجبة دون شك كما ان الصدقة المستحبة (التبرعات وشبهها) إيصال نفع إلى الغير وهي مستحبة دون كلام، وهذا المعنى هو المعنى اللغوي للإحسان وهو كثير التداول في العرف أيضاً إلا ان هنالك معنى آخر للإحسان وهو:

المعنى الأخص وهو التطوع أو التبرع ببذل مالٍ إلى الغير من دون إلزام شرعي، ومن البديهي ان هذا المعنى لا يتجاوز دائرة الإنفاق المستحب إلا انه من الضرورة بشرط المحمول.

والغالب في الاستعمالات القرآنية لمفردة الإحسان، إن لم يكن شبه المستغرق، هو الإطلاق الأول وعدم الاختصاص بالمستحب وعلى سبيل المثال فان قوله تعالى: (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنينَ)(17) و(ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنينَ)(18) و(لِلَّذينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى‏ وَزِيادَةٌ)(19) (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ)(20) (وَيَجْزِيَ الَّذينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى)(21) و(وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ)(22) لا يختص بالإنفاق المستحب بل يشمل كل إحسان كالخمس والزكاة بل يشمل غير الإنفاق المالي كالصلاة والصوم والحج وغير ذلك، ولئن شكك في عموم بعضها لمثل الصلاة والصوم فلا مجال للشك في بعضها الآخر.

الإحسان على مستوى الثواب الأخروي

لقد سبق: (من الثابت ان الإنسان لا تحركه الواجبات فقط بل قد لا تحركه أبداً لسبب أو آخر، بل ان الدارس لسيكولوجية الإنسان يكتشف بوضوح ان الإنسان كثيراً ما، إن لم يكن ذلك شبه الدائم، تحركه المصالح الشخصية الدنيوية أو الأخروية أو تردعه المفاسد والمضار والأخطار الدنيوية أو الأخروية، وكثيراً ما تحركه الغايات النبيلة وإن لم يفكر في بُعدها المصلحي الخاص الشخصي أبداً.

ولذا نجد ان كثيراً من الناس يصلي أو يصوم أو يزكي أو يمارس سائر العبادات لا لكونها واجبات، بل لخوفه من العقاب أو لطمعه في الثواب، ونادرٌ هو من يلتزم بالطاعات ويتجنب المعاصي والسيئات لمجرد كونها طاعات واجبة أو سيئات محرمة بل ان الأندر من النادر من يكون كما قال الإمام علي (عليه السلام): (مَا عَبَدْتُكَ خَوْفاً مِنْ نَارِكَ وَلَا طَمَعاً فِي جَنَّتِكَ وَلَكِنْ وَجَدْتُكَ أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ فَعَبَدْتُكَ)(23) وذلك يعني ان من الضروري ان يطرح الدعاة والمبلغون والآباء والمعلمون مبدأ الإحسان على مستوى الغايات النبيلة التي يحتضنها الإحسان ويفصح عنها وعلى مستوى المصالح الكبرى أو الشخصية التي تنجم عنه وتترتب عليه.

والروايات الشريفة التي تتناول الإحسان على مستوى آثاره الوضعية الدنيوية الكبرى ومنافعه الأخروية العظمى تعد أكبر حافز وباعث ومحرك للإنسان)(24).

قاضي حاجة المؤمن كالمستشهد بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله)!

ومن أروع الروايات في هذا الحقل ما قاله الإمام الصادق لعبد الله بن جندب (يَا ابْنَ جُنْدَبٍ: الْمَاشِي فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَالسَّاعِي بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَاضِي حَاجَتِهِ كَالْمُتَشَحِّطِ بِدَمِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَوْمَ بَدْرٍ وَأُحُدٍ، وَمَا عَذَّبَ اللَّهُ أُمَّةً إِلَّا عِنْدَ اسْتَهَانَتِهِمْ بِحُقُوقِ فُقَرَاءِ إِخْوَانِهِمْ)(25) ويكفي ان نتصور مدى اشتياق الناس إلى السعي بين الصفا والمروة، ومدى صعوبة الوصول إليها لأكثر الناس، بل وتعذّر ذلك على غالب الناس طوال عمرهم، لكن الله بلطفه وفضله وكرمه، وفّر لنا وجوداً تنزيلياً للسعي بين الصفا والمروة، أو فقل: بديلاً سهلاً متيسراً لكل إنسان متوفّراً آناء الليل وأطراف النهار وهو السعي في حاجة أخيه المؤمن سواء أتيسرت الحاجة أم لا؟ وعليه: فانه إذا سعى الإنسان في عشر حوائج لعشرة من المؤمنين في يوم واحد كان له أجر السعي عشر مرات بين الصفا والمروة.

وأعظم من ذلك قوله (عليه السلام): (وَقَاضِي حَاجَتِهِ كَالْمُتَشَحِّطِ بِدَمِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَوْمَ بَدْرٍ وَأُحُدٍ) ومن البديهي ان أجر الشهداء عظيم جداً بل لا يكاد يتصور، كما ان تضحيتهم عظيمة جداً إذ ضحوا بكل شيء في سبيل المبدأ فكيف بالشهداء مع رسول الله ) وفي معركتي بدر وأحد حيث كانتا معركتين فاصلتين توقف عليها مستقبل الإسلام كله! ومع ذلك فان الله تعالى بفضله وكرمه يمنح من يقضي حوائج إخوانه هذا الأجر المذهل!

وقضاء الحوائج ذو عرض عريض ونطاق واسع إذ يشمل: أنْ تعطيه مالاً، كما يشمل ان تسعى لخروجه من السجن مادام مظلوماً، وان تصلح بينه وبين جاره أو قريبه وصديقه أو ان تسعى في تزويجه/ تزويجها أو ان تقدم له مشورة أو نصيحة تنفعه لدينه أو دنياه، أو ان تساعد الزوجة في تدبير شؤون المنزل وإدارة الأطفال وتربيتهم وغير ذلك.

وقال رسول الله ): (أَيُّمَا مُسْلِمٍ خَدَمَ قَوْماً مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِثْلَ عَدَدِهِمْ خُدَّاماً فِي الْجَنَّةِ)(26) وهذا يعني انك ستمتلك جيشاً عرمرماً من الأعوان والخدم في الجنة، أو جيشاً صغيراً، أو أفراداً قلائل فقط، بحسب نسبة خدمتك لإخوانك في الحياة الدنيا، وإذا عرفنا ان الإنسان في الجنة، كما هو في الدنيا، قطعة من الاحتياجات، بفارق انها في الجنة مُلبّاة عبر الخدم وغيرهم وفي الدنيا لا، عرفنا أهمية ان تصنع لنفسك أكبر كمية ممكنة من الخدم والأعوان، من الحور والملائكة والولدان، في الجنة!

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين

* سلسلة محاضرات في تفسير القرآن الكريم
http://m-alshirazi.com

......................................
(1) سورة النحل: الآية 90.
(2) الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، مؤسسة النشر الإسلامي ـ قم، ج2 ص68.
(3) سورة المائدة: الآية 93.
(4) السيد محمد الحسيني الشيرازي، الفقه / الواجبات، المطبعة العلمية ـ قم، ج92 ص81-82.
(5) ثقة الإسلام الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران، ج2 ص307.
(6) المصدر: ج2 ص266.
(7) نهج البلاغة: الحكمة 319.
(8) الزمخشري، ربيع الأبرار ونصوص الأخبار، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت، ج5 ص82.
(9) الفردوس: 4 / 261 / 6770.
(10) سورة لقمان: الآية 14.
(11) سورة النساء: الآية 12.
(12) سورة الطلاق: الآية 6.
(13) سورة النساء: الآية 19.
(14) سورة المائدة: الآية 2.
(15) سورة آل عمران: الآية 182، والأنفال: الآية 51، الحج: الآية 10.
(16) سورة هود: الآية 117.
(17) سورة البقرة: الآية 195.
(18) سورة المائدة: الآية 93.
(19) سورة يونس: الآية 26.
(20) سورة إسراء: الآية 7.
(21) سورة النجم: الآية 31.
(22) سورة القصص: الآية 77.
(23) ابن أبي جمهور الاحسائي، عوالي اللآلئ، دار سيد الشهداء (عليه السلام) ـ قم، ج2 ص11.
(24) دروس في التفسير والتدبر (328/1).
(25) الحسن بن شعبة الحراني، تحف العقول، مؤسسة النشر الإسلامي ـ قم، ص303.
(26) ثقة الإسلام الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران، ج2 ص207.

اضف تعليق