آراء وافكار - مقالات الكتاب

العراق ومحيطه الإقليمي العربي

نحو استراتيجية فاعلة من اجل شراكة مستقبلية مثمرة

توطئة

تمر حدود العراق مع جواره العربي من خلال أربعة دول هي: الكويت، السعودية، الأردن، وسوريا، وهي تمتد الى مسافة تزيد على 1750 كم، لتشكل بذلك أطول شريط حدودي للعراق مع جواره الإقليمي. ولا تقتصر أهمية هذا الامر على البعد الجغرافي، بل ان المحيط العربي شكل –ولازال- مجالا حيويا وعمقا استراتيجيا لمصالح العراق العليا، فإضافة الى مشتركات التاريخ والثقافة والقومية، هناك مشتركات أخرى ترتبط بالأمن والاقتصاد والسياسة تجمع العراق مع جيرانه العرب، ولا يمكن له تحقيق أهدافه المرغوبة فيها بعيدا عنهم، بل ستكون محاولاته عقيمة عندما يكون هؤلاء الجيران محايدين، فما بالك إذا ما أصبحوا خصوما او أعداء فاعلين؟

لقد اثارت قضية العلاقات العراقية –العربية الكثير من الأسئلة والاستفسارات، وكتب بشأنها كتابات لا حصر لها منذ وقت ليس بالقصير، ولاسيما بعد سقوط نظام البعث سنة 2003، عندما واجه العراق شكلا من اشكال العزل العربي، لأسباب عديدة: بعضها مرتبط بإرادة جواره العربي غير المطمئن، وربما غير الراغب بشكل التغيير الذي حصل سنة 2003، والبعض الاخر مرتبط بأسباب داخلية جعلت ابتعاد العراق عن جيرانه العرب مرتكزا من مرتكزات إدارة السلطة والحكم الجديد.

وبصرف النظر عن أسباب القطيعة بين الطرفين، فقد اثبتت الاحداث التي شهدها العراق والمنطقة خطأ مسار القطيعة وارتداداته السلبية على الجميع، لاسيما عندما تحولت القطيعة الى عداء صريح في بعض الأحيان، لذا بدأ الطرفان منذ سنة 2017 بإعادة حساباتهما ومد جسور التواصل بينهما، ولو ان خطواتهما لا زالت دون المستوى المطلوب، ولكن السير في هذا المسار بحد ذاته خبرا جيدا ومفيدا للغاية، ولكن لا يمكن لهذا المسار من النجاح وتحقيق الأهداف الكامنة ورائه ما لم تجري مراجعة صريحة وصادقة لتلافي وتصحيح أخطاء الماضي.

قرن من العلاقات العراقية-العربية الفاشلة

في شهر آب-أغسطس 2021 القادم سيكون قد مضى قرن منذ تنصيب الملك فيصل الأول ملكا على عرش المملكة العراقية وتشكيل الدولة العراقية الحديثة سنة 1921، ولكنه قرن عاصف من العلاقات العراقية-العربية، اذ سارت هذه العلاقات في مسار متعرج يفتقر الى الثبات والاستقرار ووحدة الاتجاه، تحكمت فيه اهواء القابضين على السلطة اكثر مما تحكمت فيه مصالح الدول وتطلعات شعوبها المشروعة، ففي العهد الملكي الذي انتهى سنة 1958 تجد ان صراع النفوذ والمحاور كان مستحكما للغاية بعقلية القابضين على السلطة، وكانت سياساتهم الخارجية ترسمها ردود الأفعال بالدرجة الأولى، وقد ظهرت تجليات ذلك الواضحة في تشكيل حلف بغداد سنة 1955، ثم في تشكيل الاتحاد الهاشمي ردا على تشكيل الجمهورية العربية المتحدة سنة 1958 بعد الوحدة الفاشلة بين مصر وسوريا، بل كانت تجليات ذلك ظهرت بصورة فجة عندما كانت هواجس السلطة تلعب دورها في تحديد بوصلة علاقة العراق بسوريا مرة نتيجة رغبة وصي العراق عبد الاله في الوحدة العراقية-السورية على أمل ان يكون حاكما لسوريا بصفته نائبا للملك هناك، ومرة أخرى عندما لعبت هواجس السلطة –أيضا- دورها في تأجيج الصراع بين رواد النزعتين القطرية والقومية داخل جناحي حزب البعث الحاكم في البلدين، ناهيك عن الصراع والتنافس القديم المستمر بين العائلة المالكة في العراق والعائلة المالكة في السعودية.

وبعد سقوط الملكية وقيام الحكم الجمهوري سنة 1958 تجد ان الصراع والتنافس لا التعاون وتنسيق المواقف هو المرتكز الذي رسم مسار العلاقات العراقية –العربية، فكانت شعارات الوحدة العربية والامبريالية والرجعية وما شابه الغطاء الذي جرى تسويق الصراع تحت لوائه، وباسمها تم المجاهرة بالعداء للحكم القاسمي من قبل مصر وحلفائها في الخليج، ونتيجة لها جرت محاولات التدخل في الشأن الداخلي للعراق، فضلا على تدخل العراق في شؤون جيرانه العرب، فأفضت هذه البيئة السيئة من التدخل والتدخل المقابل الى اسقاط حكم عبد الكريم قاسم، ومجيئ حكم عبد السلام عارف سنة 1963 ثم استفحلت قضية الوحدة العربية المزعومة لدى التيارات المتنافسة على حكم العراق ووجدت في بعض البلدان العربية داعما لزعزعة استقرار هذا البلد، حتى جاء حكم البعث في سنة 1968 لابسا لباس الايدلوجية القومية النازعة الى الوحدة العربية ولو بالقوة والاكراه، على مستوى الشعار والنظرية على الاقل، مضمرا نزوع قادته الشديد نحو السلطة والحكم القطري، لتبدأ بعد ذلك جولة جديدة وطويلة من العلاقات العراقية-العربية غير المستقرة والمتذبذبة للغاية، فكانت تقود الى التقارب، عندما يحقق هذا التقارب مصالح الأنظمة الحاكمة واهواء القابضين عليها، لاسيما بعد ذهاب العراق المتهور وغير الحكيم وراء قرار اعلان الحرب العراقية –الإيرانية، أو تتأزم الى حد القطيعة وإعلان الحرب، عندما جرى احتلال الكويت سنة 1990 وما اعقبها من احداث أوصلت العراق الى احتلاله أمريكيا سنة 2003.

وما جرى بعد التاريخ الأخير لم يكن الا أمرا متوقعا ويشكل استمرارا لمسار العلاقات السابقة، فالعرب لم يكونوا راغبين في عراق حر ديمقراطي يحقق الرفاه والاستقرار لجميع افراد شعبه، ويحمي بناء دولته ويحقق مصالحه العليا، بل للأسف أرادوا عراقا على مقاساتهم يخدم ويلبي مصالح حكامهم، بل ويتناسب مع صداقاتهم وتحالفاتهم وعداواتهم الوطنية والإقليمية والدولية، فاتخذوا قرارات خاطئة عزلت العراق، وتدخلت في شؤونه الداخلية، من اجل توجيه مسار التغيير فيه وفقا لما يرغبون، فكانت النتيجة ظهور التنظيمات الإرهابية والانقسامات الطائفية والسياسية بتمويل مالي وتعبئة بشرية عربية في الاغلب الاعم، حتى وصلت الأمور الى ظهور تنظيم داعش الإرهابي وسيطرته على ثلث العراق، وتهديده الامن والاستقرار في العراق والشرق الأوسط والعالم.

اما القوى القابضة على حكم العراق خلال هذه المدة، فإنها لم تفعل الكثير لفتح صفحة جديدة من العلاقات العراقية-العربية، بل على العكس اغرقت نفسها وسياستها الخارجية بخطابات متشنجة تحكم البعد الطائفي في جزء منها، وعقد نظام حكم البعث في بعدها الاخر، ناهيك عن تعدد مراكز صنع القرار الخارجي، وغياب الرؤية السديدة في تحديد الثوابت الوطنية على مستوى إدارة الحكم والسلطة في الداخل، وعلى مستوى السياسة الخارجية للعراق، فضلا عن ضعف الكفاءة في إدارة ملفات معقدة كملف علاقات العراق مع محيطه العربي.

لقد وصل العراق بعد قرن من تشكيل دولته الحديثة الى مستوى من يريد اليوم بناء علاقات مع محيطه العربي، وهذه نتيجة طبيعة للمسار الكارثي المتأزم وغير الحكيم الذي طبع هذه العلاقات، ولكن الخشية كبيرة من تكرار أخطاء الماضي البعيد والقريب ما لم يمتلك الطرفان استراتيجية فاعلة وشاملة لبناء هذه العلاقات على أسس راسخة قابلة للاستمرار بما يحقق مصالحهما المشتركة.

ملامح استراتيجية تصحيح العلاقات العراقية-العربية

ان التخبط والفوضى الذي عانت منه العلاقات العراقية-العربية لم يعد استمراره أمرا جيدا؛ لنتائجه السلبية الفادحة على الطرفين، وبات من الضروري البدء بصفحة جديدة من العلاقات المستقرة وطويلة الأمد والتي تؤسس لشراكة مثمرة تحقق المصالح العليا للدول وشعوبها، ولكن لا يمكن الوصول الى ذلك من دون استراتيجية واضحة، وفاعلة، وشاملة يتبناها العراق وجواره الإقليمي العربي.

ان أي استراتيجية من هذا القبيل، وبصرف النظر عن طبيعتها عليها العمل بثلاث مراحل:

- المرحلة الأولى، هي مرحلة تصفير معظم الملفات العالقة والمثيرة للمشاكل، ولو بصورة تدريجية، وقد استعرنا عبارة التصفير هذه من وزير الخارجية التركي الأسبق احمد داوود أوغلو عندما كان يتحدث عن الآفاق الاستراتيجية لعلاقة تركيا مع محيطها الإقليمي، لأن الفكرة ضرورية -أيضا- بالنسبة لاستراتيجية بناء العلاقات العراقية–العربية، ويبدو ان العراق وجيرانه العرب بدأوا فعلا هذه المرحلة منذ عهد حكومة السيد حيدر العبادي، واستمروا في تعزيزها خلال حكومة السيد مصطفى الكاظمي، ولكن حراكهم في هذه المرحلة لا زالت دون المستوى، ومليئة بالتوجس، لذا لا يمكن الحكم عليها بالنجاح، فهي لا زالت أقرب الى المبادرات منها الى استراتيجية متفق عليها، وعبورها يتطلب جعلها جزء من استراتيجية عمل ثابتة، بعيدة الأمد، ومحددة الأهداف والاليات.

- المرحلة الثانية، مرحلة مد جسور التعاون وبناء الثقة، إذا وصفنا المرحلة الأولى بأنها مرحلة الترميم وتزييت المكائن والعجلات، لبث الحياة في قاطرة العلاقات العراقية-العربية، فهذه المرحلة يمكن وصفها بأنها مرحلة الانطلاق الفعلي لهذه العلاقات على سكتها الصحيحة، وهي تتطلب من الجانبين تحديد ما يرغبانه من بعضهما من حيث: المصالح، الثوابت، التنظيم، اطر التعاون، آليات العمل، ومدياتها المستقبلية، فضلا على تحديد ما لا يرغبانه حتى يحترمه كل منهما، ولا يثير عن قصد أو غير قصد الطرف الآخر. وعند الاتفاق على كل ذلك، سيكون السبيل ممهدا لعلاقات عراقية –عربية ناجحة تعود بالفائدة على الطرفين، بل وعلى مصلحة الامن والاستقرار والسلام في الشرق الأوسط عموما.

- المرحلة الثالثة، مرحلة بناء الشراكات الحقيقية، وهي مرحلة جني الثمار المتوقعة من النجاح في المرحلتين السابقتين، وفي هذه المرحلة يمكن توقع حصول الانفتاح الكبير بين العراق وجواره الإقليمي العربي للتعاون الجدي في مجالات أخرى غير المجال الأمني، كالمجالات الاقتصادية والعلمية والثقافية والسياسة الخارجية والنقل والمواصلات وغيرها، بل وحتى تشكيل تحالفات ثنائية او اكثر في هذه المجالات، بغية تطويرها وتبادل المنفعة والخبرة للوصول الى التكامل فيما بين الدول، وعندها ستكون استجابتها للتهديدات والمشاكل المحلية والإقليمية اكثر فاعلية وقدرة على حماية مصالحها العليا، بل ان الوصول الى هذه المرحلة سيخلق بيئة إقليمية رائعة لتوظيف ثروات هذه الدول في اطارها الصحيح الكفيل بنجاح التنمية الشاملة المستدامة فيها، وسيخفف الضغط الدولي عليها ويمنع التدخل في شؤونها الداخلية بشكل واضح، وستكون الفوائد المتحصلة من ذلك كبيرة جدا، تلمسها أنظمة الحكم، كما تلمسها شعوبها.

ولكن اعتماد هكذا استراتيجية ليس ممهدا بالورود، كما انه لن يكون بلا عناء، انما يقتضي جهدا وعملا مضنيا، ومتطلبات نجاح على العراق وجيرانه العرب الاستعداد لها او تحمل ضريبة الاستمرار بالمسار المتعرج وغير المستقر الذي تنوء بثقله علاقاتهما.

ما هو المطلوب عراقيا وعربيا لنجاح الاستراتيجية؟

ان تأرجح العلاقات العراقية-العربية ليس ناجما عن أخطاء ارتكبها طرف واحد، وانما شارك فيها الجميع، وبعضها لم تكن مجرد أخطاء، بل كوارث حقيقية مدمرة اتخذت شكل قرارات ارتجالية متهورة، لذا فان أي استراتيجية مقترحة لتطوير هذه العلاقات تتطلب خطوات وإجراءات متقابلة تقوم بها جميع الاطراف للوصول الى بر الأمان، ومنها:

اولا- طي صفحة الماضي، اذ ليس مناسبا اطلاقا إبقاء السياسة الخارجية لصناع القرار العراقي والعربي مسكونة بهاجس أزمات الماضي وعقده التي عاشوها مع هذا الطرف او ذاك، في هذه المرحلة التاريخية او تلك؛ فعمل صناع القرار بهذه العقلية المأزومة لن يطور العلاقات بين دولهم، بل سيكون عملهم اشبه بمن يقود مركبة واضعا قدما على دواسة الوقود، فيما يضع الأخرى على مكابح الفرامل، اذ مهما ضغط على دواسة الوقود، ستبقيه قدمه الضاغطة على مكابح الفرامل مترنحا في مكانه ومستهلكا طاقته دون جدوى، ومكابح الفرامل التي تعيق بناء علاقات عراقية-عربية جيدة هي ذكريات الماضي غير القابلة للنسيان، وتأثر السياسات الخارجية والوطنية المبالغ فيه بها.

ان العلاقات بين الدول تحددها بوصلة المصالح، وظروف الزمان، وتطورات الاحداث، وطبيعة المتغيرات الثابتة والمتغيرة، ولا تحكمها ذكريات الماضي، بصرف النظر عن قبحها وبشاعتها، لذا قيل: لا يوجد في السياسة عداوات دائمة، ولا صداقات دائمة، انما توجد مصالح دائمة. وهذه القاعدة ليست نتاج الوقت الحاضر، بل هي قاعدة قديمة جدا فهمها وعمل بها صناع القرارات الحكماء عبر التاريخ، وقد أدركتها بشكل صحيح وبعيد المدى المانيا وغيرها من الدول المشاركة في الحرب العالمية الثانية، لذا استطاعت تحرير نفسها من عقدها الموروثة فتقدمت علاقاتها الخارجية بما يعود بالنفع الكبير عليها وعلى شعوبها، واليوم من المفيد ادراكها والعمل بها من قبل العراق وجيرانه العرب لبدء صفحة جديدة من العلاقات الجيدة المثمرة فيما بينهم.

ثانيا- اصلاح الخطاب السياسي للعراق ومحيطه العربي من خلال مغادرة الخطاب الطائفي المتطرف، والقومي العنصري، بالتركيز على خطاب واقعي معتدل يحتضن المصالح العليا للدول ويحافظ عليها ويمنعها من الضياع. لقد اثبتت الاحداث التي سبقت سنة 2003 ان الخطاب القومي الفاشي المتعجرف لم يقرب الشعوب العربية الى بعضها البعض، ولم يمهد السبل الصحيحة لتوحيدها او على الأقل تنسيق المواقف فيما بينها وحماية مصالحها، بل على العكس مزقها، وأضعفها، وبدد ثرواتها، وفتح الباب على مصراعيه لتدخل الدول الإقليمية والكبرى في شؤونها. كما اثبتت الاحداث بعد هذا التاريخ ان الخطاب الطائفي المتطرف لا يقل ضررا على الدول والشعوب العربية من الخطاب القومي الفاشي، اذ زاد-أيضا- من اضعاف نسيجها الاجتماعي، واغرقها في مشاعر الكراهية والنزاعات البدائية العنيفة، منتهكا كل القوانين والمحرمات، وسالبا جميع او معظم الحقوق والحريات المحترمة، ناهيك عن زعزعته لبناء الدولة ومؤسساتها بمفهومها الحديث، وجعلها ضحية ما يسمى بالحروب والصراعات غير المتماثلة التي تقودها قوى اللا دولة والفوضى.

ان إدراك فداحة الكوارث والخسائر التي تسبب بها هكذا خطاب استفزازي مدمر للعلاقات العراقية-العربية أمر في غاية الأهمية لبناء المستقبل الأفضل منذ اليوم، لان بقائه لا يساعد على مد جسور جديدة للعلاقات، بل ويقطع ما تبقى من جسور قائمة. وإصلاح هذه الخطاب يتطلب توجيها وسيطرة واعية على السياسات الخارجية، ووسائل الاعلام، وإدارة جيدة للتنوع الاجتماعي؛ لجعله مرتكزا لإثراء الثقافة والقيم ومعايير السلوك لا قنابل موقوتة تنسف الدول والمجتمعات وتجعلها تعاني من الانقسام والفوضى وفساد الحكم. فضلا على اتخاذ الخطوات الفعلية لتجريم خطاب العنف والكراهية سواء انطلق من دوافع طائفية وقومية ام غيرها من الدوافع ذات الابعاد الدينية والاثنية والطبقية، ومنع أي شكل من أشكال الدعم والتمويل المغذية لهذا الخطاب ومحاسبة المحرضين والفاعلين فيه.

ثالثا-ترسيخ قاعدة عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول في العلاقة بين العراق ودول محيطه العربي، فمن الأمور التي لم يحسنها العرب فيما بينهم خلال القرن المنصرم هو عدم احترامهم الكافي لهذه القاعدة؛ لأسباب كثيرة، بعضها مرتبط بعدم قدرتهم على حل المشاكل العالقة فيما بينهم بطرق مجدية تبقيها في حدود القانون والأعراف الدولية ومصالحهم المشتركة، وبعضها الاخر مرتبط بضعف كفاءة المفاوضين المكلفين بمعالجة هذه المشاكل او خضوعهم لأهواء حكام متهورين ضيقي الأفق يحاولون فرض اجنداتهم الخارجية بالقوة على محيطهم الإقليمي، ناهيك عن دور بعض القوى الإقليمية والدولية في صب الزيت على هذه المشاكل؛ لجعلها تتخذ مسارات خطيرة وخيمة العواقب تحقق مصالحها واجنداتها في المنطقة.

ان تصحيح هذا الخلل الكبير في العلاقات العراقية-العربية من خلال التأكيد على احترام سيادة ووحدة أطرافها جميعا، وعدم تدخلهم في شؤونهم الداخلية سيكون خطوة كبيرة ومهمة جدا لإنجاح أي استراتيجية لتطوير علاقاتهم، مع الحرص على ابعاد أهواء الحكام غير الحكيمة وطموحاتهم السياسية وأزماتهم الداخلية عن التأثير على مسار هذه العلاقات، والحرص -أيضا- على اختيار المفاوضين الاكفاء لتسوية الملفات الشائكة، وتحييد الدور السلبي للقوى الإقليمية والدولية وابعادها عن التأثير على جدول الاعمال العراقي-العربي بكل السبل الممكنة.

رابعا-تفعيل دور وزارة الخارجية ومنع مراكز القوى الداخلية من التأثير في العلاقات العراقية-العربية. اذ من الأمور المتعارف عليها أن السياسة الخارجية تصنع وتنفذ من قبل وزارة الخارجية في كل دولة، نعم قوة وزارة الخارجية تكمن في قوة البيئة الداخلية الداعمة لها، ولكن فتح آفاق العلاقات والفرص وتحديد المواقف وحماية مصالح الدولة القائمة او المتوقعة، وتحقيق أهدافها المرغوبة هو من اختصاص وزارة الخارجية حصرا، بل حتى عند الوصول الى طرق مسدودة مع المحيط الخارجي والذهاب الى أدوات غير دبلوماسية للتعامل معه ينبغي ان يتم بموافقة هذه الوزارة وعلمها، لذا فان تدخل مراكز قوى داخلية بدور هذه الوزارة او التأثير عليه بطريقة ما يضعف عملها وثقة المفاوض الخارجي بها، كما يربك السياسة الخارجية للدولة بشكل كبير، وهذا ما شهدناه، لاسيما في العراق بعد سنة 2003.

لقد حاولت أطراف محلية عديدة، سواء كانت سياسية ام مسلحة ارباك عمل وزارة الخارجية عند التعامل مع الاحداث الإقليمية والدولية لفرض توجهات معينة في علاقات العراق الخارجية، وكثيرا ما كانت المواقف متباينة ومختلفة تماما بين وزارة الخارجية العراقية وهذه الاطراف، مما الحق ضررا كبيرا في مصالح العراق، وحال دون وحدة وقوة قراره السياسي الخارجي.

وعليه، في الوقت الذي ندعو الى استعادة وزارة الخارجية العراقية لدورها في رسم مسار السياسة الخارجية للعراق مع جيرانه العرب، كذلك ندعو الى دور مماثل لوزارات الخارجية في البلدان العربية أزاء العراق، فتعدد مراكز القوى الداخلية وانقسامها وتصارعها ومحاولتها فرض اجنداتها الضيقة المستعجلة على ميدان السياسة الخارجية يعد وضعا شاذا بحاجة الى وضع حد له؛ لأنه ينسف أي مكاسب يمكن توقعها مهما كانت درجة التفاؤل بها عالية.

خامسا- الاستقرار والسلام مصلحة عليا للجميع لا ينبغي التفريط بها، اذ من الأمور الثابتة في العلاقات الدولية هي ان الصراعات والحروب لا تخاض من اجل نفسها، وانما تخاض من اجل غاية أسمى هي الاستقرار والسلام، لذا قيل عن الحرب: انها امتداد للسياسة بوسائل أخرى، ولا يتم اللجوء اليها الا بعد انقطاع الامل بجميع الوسائل، لكن هذا الامر لم يكن مفهوما لدى الكثير من صناع القرار العرب، وعدم فهمه هو الذي ورط العراق بقرار الحرب العراقية-الإيرانية 1980-1988، ومن بعدها بقرار اجتياح الكويت 1990، وكذلك ورط المملكة العربية السعودية وحلفائها في حرب اليمن 2015، بل ان عدم فهم قيمة الاستقرار والسلام لدى الأنظمة الحاكمة والكثير من القوى الفاعلة داخلها هو المسؤول بشكل كبير عن الكثير من المشاكل والأزمات التي شهدها الشرق الأوسط خلال تاريخه المعاصر، لا سيما منذ مطلع الالفية الثالثة الى الوقت الحاضر، وجعله يتحرك على صفيح ساخن لا يكاد يخرج من أزمة مدمرة حتى يدخل في أزمة اكبر منها وأكثر تدميرا.

ان البدء بصفحة جديدة من العلاقات الجيدة بين العراق ومحيطه العربي وغير العربي، لا يمكن حصوله بدون اعلاء قيمة الاستقرار والسلام الشامل في المنطقة، بحيث تنظر كل دولة الى الاستقرار والسلام في الدول الأخرى على انه جزء لا يتجزأ من سلامها واستقرارها، والوصول الى قناعة تامة ان الصراعات والحروب لن تحقق مصالحها، بصرف النظر عن الاغراءات الوقتية التي تبرقها في العقول الحاكمة. فشعوب الشرق الأوسط ودولها بحاجة ماسة الى الاستقرار والسلام لإنجاح برامج الحكم والتنمية فيها، وحماية حقوق وحريات الناس، وتغيير التصورات السيئة حول سمعتها الدولية، والخروج من شرك الحلول والمشاريع الفردية غير المجدية الى فضاء الحلول والمشاريع الإقليمية التي تعود بالنفع على الجميع، وهي تمتلك كل المؤهلات البشرية وغير البشرية المساعدة لتكون في مصاف الدولة المتقدمة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، وتحقيق نهضة ثقافية وحضارية مؤثرة، ولكن تنقصها الإرادة السياسية العازمة والحازمة للحفاظ على استقرارها وسلامها الوطني والإقليمي.

توصيات أخيرة

لعل خلاصة التوصيات التي تخرج منها هذه الورقة البحثية المقتضبة هي:

1- يعد ترسيخ وتقوية الدولة الحديثة في الشرق الأوسط عموما، وفي البلدان العربية بشكل خاص أمرا حيويا للغاية للحفاظ على وحدتها وسيادتها، وتطوير أنظمتها الحكمة، والحفاظ على حقوق وحريات مواطنيها، فضلا عن تعزيز العلاقات والشراكات الجيدة فيما بينها، لذا فان الحفاظ على هذه الدولة وحمايتها من الوقوع أسيرة قوى اللا دولة بجميع أشكالها هو من الأهداف التي من المفيد سعي الجميع لتحقيقها.

2- ان الابتعاد عن مسار الفوضى والتخبط الذي عانت منه علاقات العراق مع جواره العربي في القرن الماضي، والبدء بصفحة جديدة من العلاقات الجيدة بين الطرفين، ليس ترفا سياسيا او فكريا، بل هو حاجة ضرورية بالغة الأهمية لحماية مصالح العراق العليا، واستعادة دوره الطبيعي المؤثر في محيطه الإقليمي والدولي.

3- الهدف المشار اليه في الفقرة أعلاه لن يتحقق ما لم تكن هناك استراتيجية جديدة فاعلة وواضحة ترسم المسار المستقبلي للعلاقات العراقية-العربية للانتقال بها من وضع الفوضى والفشل الى وضع الشراكة المثمرة طويلة الأمد والتي يعمل الطرفان على انجاحها وتذليل العقبات امامها بكل الإمكانيات والطرق الممكنة.

4- لا يمكن عزل الاستراتيجية أعلاه عن صدق النوايا وتوفر الإرادة السياسية لدى العراق والدول العربية للارتقاء في العلاقات بينهم الى مستوى أفضل من الانفتاح والتعاون وتحقيق المصالح المشتركة، فكثير من المشاريع المماثلة افتقرت الى هذا الشيء لذا فشلت في اول اختبار لها، وسقطت ضحية غياب الحكمة والإرادة السياسية الحريصة على حمايتها واستمرارها.

5- الاقتصار في مشاريع الشراكة المستقبلية بين العراق والدول العربية على الشراكات الحكومية فقط، سيجعلها مجرد شراكات فوقية غير متينة من جانب، وغير قادرة على تجاوز عمليات العزل الثقافي القيمي والسلوكي بين مجتمعاتها من جانب آخر، لذا من المفيد حقا بالتوازي مع ذلك ان يتم العمل على تعزيز مشاريع الشراكة بين الشعوب نفسها بجميع الاشكال والطرق الممكنة: العلمية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، وتفعيل كل أدوات القوة الصلبة والناعمة لإنجاح مشاريع الشراكة الحكومية والشعبية، كونها ستكون الضمانة المهمة لاستمرار مسار التعاون وتجاوزه لكل الصدمات والعراقيل التي يمكن ان تظهر في الطريق.

* الأستاذ الدكتور خالد عليوي العرداوي، مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2021
www.fcdrs.com

اضف تعليق