خلال العقدين الضائعين في العراق (منذ العام 2003، وإلى الآن)، تم تشويه الغايات الأساسية للسياسات الاقتصادية في تحقيق النمو الاقتصادي وإعادة توزيع الدخول، لتصبح غاياتٍ مالية - نقدية صرفة، بعيدة كل البعد عن أي هدفٍ اجتماعي.

لهذا ما يزال الاقتصاد العراقي يئنّ من وطأة السياسات الإقتصادية الفاشلة، ومن فقدان الأمل، وانعدام الأفق، خصوصًا لدى الشباب وذوي الكفاءات والمهارات، ولدى من يمكن عدّهم بنّائي وصانعي نهضة الأمم.

وبرغم تعاقب سبع حكومات على العراق (منذ عام 2003، وإلى الآن)، إلا أن النهج السياساتي للحكومات السبع المتعاقبة انحصر في أفق ضيق واحد. ويمكن تلخيص هذا النهج كالتالي: "إنّ السوق ويدها الخفية قادرة على أن تكون ذراعَ الدولة وعكّازها الاقتصادي للتخفيف من ضغوط عدم الإستقرار السياسي والأمني، والالتفاف على الأزمات والمشكلات، وإنّ القطاع العام ومؤسساته أكثر ضعفاً وفشلاً، من أن يقود الاقتصاد في ظروف كهذه".

غير أن الواقع، يكشف – يوميًا – أن السوق ليست عصى سحرية، وأن اليد الخفية للسوق ليست بالأساس موجودة إلا في الكتب الجامعية، وأن الأسواق، وإن كانت بمثابة "خدم جيّدين" في مرحلةٍ ما، إلا أنها ستتحول إلى "سادةٍ سيئين" كلما طالت تلك "المرحلة".

والنتائج المأساويّة على أرض الواقع، كانت كما تعرفون، وليست هناك ضرورة هنا لسرد المزيد من التفاصيل.

ضرورة تغيير "نمط التفكير" الإقتصادي عند الحكومة الثامنة

باتت "إعادة التفكير" في السياسات الاقتصادية ضرورة مُلحّة، بل وشرطاً "وجوديّاً" بالنسبة للعراق. وهذا يستدعي إعادة تحديد الأهداف الاقتصادية، وإعادة النظر في جوهر هذه السياسات. فلا يمكن اختزال السياسة المالية بكونها وسيلة "جباية"، ولا يمكن اختزال السياسة النقدية بأنها وسيلة توفير "نقد أجنبي".

شعارات "زائفة" لا بد من التخلي عنها

تستدعي إعادة التفكير المذكورة أعلاه التغلّب على القيود المتأصّلة في التفكير الاقتصادي لدى الساسة وصنّاع القرار الاقتصادي، وهي بالتالي تتطلّب الاستغناء عن اثنين من الشعارات التي استهدفت العَرَض وليس المرض، أي "مرض" التدهور الاقتصادي الذي أصبح "مُزمناً" في العراق.

أوّل هذين الشعارين: هو "تقليص العجز الحكومي".. حيث ساد اعتقاد مفاده أن خفض العجز في المالية العامة للدولة ضروري وكافٍ للحدّ من التدهور الاقتصادي. وهذا شعارٌ زائفٌ لأن العجز هو النتيجة وليس السبب، لذا، فإن تحاشيه ليس هو الدواء يعالج "التدهور الاقتصادي" على الإطلاق.

أما الشعار الثاني، فهو: أن الشريحة الأكثر فقرًا بإمكانها أن تحتمل ألم تجريب السياسات؛ حيث اعتقدت الحكومات المتعاقبة بضرورة الحفاظ على مصالح رجال الأعمال والتجار والصناعيين(من خلال منظومات التخادم السياسي – الزبائني- المصلحي) على حساب الشريحة الأكبر من المجتمع، بذريعة ضمان استمرار الإنتاج والاستثمار، واستيراد المزيد من السلع الأساسية(وغير الأساسية) للسكان، وخفض معدلات التضخم، وحماية الفقراء من "تسونامي" ارتفاع الأسعار، وإشاعة و تعميم نمط زائف للرفاهية الإقتصادية، المقطوعة والمنفصلة عن أسبابها المادية، والعقلانية، وعن سياقها "المنطقي" العام.

غير ان "نمط التفكير" الإقتصادي هذا، كان قد تجاهلَ حقيقة مهمّة، وهي أن الشريحة "المُجرَّب بها" من الفقراء والفئات المهمشة، هي مثل "النابض"، كلما ضغطت عليه بقوة لأسفل، كلّما زادت القوة التي قد يرتد بها للأعلى.. وكلّما طال أمد الضغط على أمل مستقبلٍ أفضل، كلّما ضعفت مرونة استجابته عندما يأتي هذا المستقبل. والنتيجة المنطقية من كلّ ذلك، هي تهديدٌ السلم والأمن الاجتماعيين، والخشية من عودة الصراعات (بمختلف أشكالها)، أو تفاقمها مستقبلًا.

ما يمكن للحكومة القادمة أن تفعله

إن الاستمرار في استخدام مجموعة الأدوات الاقتصادية "البالية" القائمة على شعاراتٍ واهية، سيؤدي إلى مزيدٍ من خنق الاقتصاد ومن "البلاء" الاقتصادي والاجتماعي. لذا، فما يمكن للحكومة "الثامنة" أن تفعله هو استهداف "الأسباب" التي تقف خلف هذا "الخراب" عند رسم السياسات، وليس استهداف "العارض"، وإعادة ترتيب الأولويات ليأتي خلق فرص العمل ودعم الإنتاج أولًا.

لكن الحكومة "القادمة" ستجد صعوبةً بالغة في تحقيق أولوياتها وأهدافها الجديدة، في ظلّ الركود الإقتصادي وانخفاض الطلب وانتشار الفساد (والتذبذب في أسعار النفط، في اقتصاد يعتمد اعتماداً مطلقاً على تصدير النفط الخام). وهنا نقترح العمل على– ما يأتي:

- مكافحة الفساد انتقائيًا: إن الفساد المستشري والمتأصّل هو سببٌ للتدهور الاقتصادي في العراق، وهو يشكّل قيدًا وعائقًا رئيسًا أمام التغيير المنشود. لكنّ اتباع استراتيجيةٍ "شاملة" لمكافحة الفساد، من شأنه أن يهدر الموارد المحدودة من دون تحقيق النتائج التي يمكن أن تتيحها أجندة محدّدة وأكثر تركيزًا.

لذا، يمكن بدايةً التركيز على الحدّ من "الفساد الكبير"، خصوصًا "الفساد السياسي"، الذي يمدّ أذرعهُ في الجمارك والضرائب، والمنافذ الحدودية، بالإضافة إلى إصلاح نظام التعاقدات والمشتريات الحكومية.

– تحفيز الطلب على الإنتاج المحلي: في ظل انخفاض القدرة الشرائية للمواطن وتدنّي مستوى الدخل، يمكن تحفيز الطلب وتحويله عبر زيادة حجم الائتمان الممنوح للقطاعات الإنتجيّة، مع منح تسهيلات ووضع شروطٍ ميسّرة لتمويل شراء سلع من إنتاجٍ محلي حصرًا. ويمكن ربط شروط التسهيلات بمدى مساهمة المكوّن المحلي في تصنيع المنتج النهائي.

ومهما اختلفت الأدوات، يجب أن تكون بوصلة القرار لدى الحكومة "الثامنة" وهدفها "التكتيكي والاستراتيجي" متمثّلين بخلق فرص العمل ودعم الإنتاج المحلي، عبر التغلّب على القيود المتأصّلة في التفكير الاقتصادي القائم على تقليص العجز الحكومي على حساب الشريحة الأكبر من المجتمع، حفاظًا على مصالح الشريحة الأصغر "من رجال الأعمال والتجار والصناعيين" على أمل مستقبلٍ أفضل.

وبالقدر نفسه من الأهمية، يجب إعادة التركيز عل "جوهر" السياسات الاقتصادية، وعدم تقزيم فحواها، فالسياسات الاقتصادية ليست مجرّد أدوات لتحقيق "فائض مالي"، بل يُفترض أن تكون غايتُها تحقيقَ أهداف اجتماعية تنموية شاملة.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق


التعليقات

صبيح الكعبي
العراق - بغداد
مقال يدل على وعي كاتبه والمامه باكثر الامور خطورة في حياة العراق كبلد وشعب ولكن احب ان اضيف بعض الملاحظات عنه
فقد اغفل كاتب المقال عن الاستقرار الامني وتأثيره على واقع العراق الذي يعتبر من اولويات العمل المستقبلي للحكومة القادمة
, السعي الجاد لوحدة الصف وترميم جدار الاخوة الوطنية الذي اصابه الشرخ نتيجة لتسلط اصحاب النفوذ وبؤر الخراب , العمل الجاد لحصر السلاح بيد الدولة وهذا مهم جدا في ردم هوة الخلافات المذهبية والطائفية . مع تقديري لكاتب المقال الذي تناول الجانب الاقتصادي فقط في مايجب على الحكومة القادمة فعله .2021-08-24