في حديث لافت لوزير الخارجية الالماني لصحيفة دير شبيغل، اشتكى هايكو ماس، من ان خيار احياء الاتفاق النووي بين ايران والولايات المتحدة لن يكون متاحا الى الابد، وان ايران تؤخر العودة الى المفاوضات وتبتعد عن عناصر الاتفاق الاساسية، حديث الوزير الالماني المعروف بتوقعاته الدقيقة اثار موجة تشاؤم كان زميله وزير الخارجية الامريكي توني بلينكن قد ابتدأها قبله بيوم من الكويت عندما اشار الى ان بلاده لن تنتظر الى ما لانهاية للتوصل الى اتفاق مع ايران، كلام الوزيرين قد يندرج في اطار الضغط الدبلوماسي لحمل طهران على الاستعجال في العودة الى التفاوض، او لتوجيه رسائل وتحذيرات.

لكن الايرانيين تعللوا على لسان عباس عراقجي وكيل الخارجية ورئيس وفد التفاوض، بان وقف المفاوضات يندرج في سياق انتظار تسلم الادارة الجديدة لمهامها ولإتاحة الفرصة للرئيس الجديد ابراهيم رئيسي وطاقمه لتشكيل وفد تفاوضي جديد خصوصا وان اوساط رئيسي بدت غير مرتاحة لما تحقق من نتائج منذ استئناف محادثات فيينا في نيسان الماضي.

الاتفاق النووي ليس التحدي الرئيس للحكومة الجديدة في طهران، هذا هو الانطباع الاول الذي يظهر من المتابعة الجادة للتصريحات والاحاديث المنتشرة في ايران، التيار الاصولي المتشدد الذي اصبحت كلمته هي الاعلى، لم يكن راضيا ولا متحمسا للاتفاق منذ توقيعه عام 2015، وقد رأى في حينه ان الصفقة منحت المعتدلين والاصلاحيين فرصة لتسجيل انجاز كبير يدعم خطاب التواصل والانفتاح والاعتدال، بما يعيد لايران فرصة الافادة من المكاسب التي يوفرها الاتفاق لترميم الاقتصاد وتنشيط السياسة الخارجية واعادة ترسيم صورة الدور التواصلي المقبول عالميا.

المعلومات الواردة من طهران تقول ان الرئيس المنتخب رئيسي تحرك على مراكز التأثير في السياسة الخارجية والداخلية، واستحصل قرارا من داخل مجلس الامن القومي لشرعنة خطواته اللاحقة بشأن مفاوضات فيينا، فقد جاء القرار بعدم الرضا عن سير التفاوض وانه لا يلبي شروط مجلس الشورى الذي اشترط موافقته على اي اتفاق جديد، مع الزام الحكومة بالعودة اليه فيما تتخذه من خطوات.

الامر الثاني ذي المغزى، هو ازاحة موضوع المفاوضات عن اولويات الحكومة الجديدة، فقد كان شائعا ان حكومة الرئيس المنتهية ولايته روحاني، تريد العودة الى الاتفاق مع الامريكان لاستثمار الغاء العقوبات على قطاعات النفط والغاز والمعادن والبتروكيمياوت والبنوك لوقف التداعيات السيئة على الاقتصاد.

بيد ان ما تسرب من لقاءات رئيسي مع كبار رجالات حوزة قم تشير الى انه ابلغهم بان حكومته قادرة على التعامل مع الملف الاقتصادي دونما الاعتماد على نتائج المفاوضات النووية، وقد فهم المراقبون ان طهران ليست مستعجلة في الذهاب الى فيينا مجددا قبل ان تباشر الحكومة مهامها، بل وتتباطأ متعمدة لاستحصال مزيد من التنازلات الامريكية، وعليه لم يعد الاتفاق النووي من اولوياتها لمدة ستة اشهر على الاقل أو لحين ملاحظة نتائج الاجراءات الاقتصادية التي تزمع القيام بها.

الافتراق الحاصل بين الموقفين الايراني والامريكي -الاوربي، يحمل على الاعتقاد بان مصير الاتفاق صار قاتما وان موجة التفاؤل السابقة تبددت، فكل طرف يريد تحقيق مكاسب وفقا للمتغيرات الجديدة، وان ما تريده واشنطن ليس العودة غير المشروطة للالتزام ببنود الصفقة، بل لجعل المفاوضات فرصة لبحث سياسات ايران الاقليمية وصواريخها البالسيستية وسلوكها (المزعزع) للاستقرار في المنطقة كما تقول.

فيما ترد طهران بان مهمة التفاوض الوحيدة هو عودة واشنطن الى الاتفاق بصيغته المحددة وليس لبحث قضايا خارجة عن نصوصه، التباعد بين الموقفين يلقى اصداء في محيط ايران الخارجي أكثر من داخلها، فالصوت الاقوى في طهران لغير صالح الاتفاق، والتعبئة النفسية والاعلامية ماضية لاقناع الايرانيين لاسيما خبراء الاقتصاد بان الاتفاق لن يجود على ايران بمنافع كبيرة.

وان انعاش الاقتصاد ممكن باجراءات جديدة وبشد الاحزمة وتهدئة الشارع الغاضب والمحاصر بأزمات تدهور العملة وتزايد البطالة وانتشار الفقر وانطلاق الاحتجاجات المطلبية لاسيما بعد تكرر مشاكل انقطاع الكهرباء والجفاف وسوء الادارة لموارد المياه كما حصل في اقليم خوزستان، لاشك ان طهران تعرف كيف تدوس على اقدام خصومها.

ولن تستسلم لخطوات الضغط والخنق المبرمج، فهي تملك حلفاء واصدقاء لن يتركوا الامريكان يتحركون بحرية ومكر في جوار ايران وقرب حدودها، التيار المتشدد يراهن على اخراج الامريكان من مناطق جوار ايران ويعتبرونه مكسبا استراتيجيا.

فقد اعادوا وصل العلاقات مع خصم الامس (طالبان) وراحوا يبشرون بخروج امريكي مذل من افغانستان، ويطمحون الى خطوة مماثلة في العراق وثالثة في سوريا، والاستمرار بالصبر الاستراتيجي لتحسين شروط التفاوض في اليمن، وحلحلة الامور في لبنان بما يحبط المراهنة على كسر اصابع حزب الله وحلفائه من جراء تحميله اوزار الازمة الاقتصادية والانهيار الخدماتي والمعيشي في لبنان.

محيط إيران الاقليمي سيشهد رد الفعل الايراني على ضغوط واشنطن وبرلين وباريس ولندن، فالمعركة معركة نفوذ سياسي واقتدار اعلامي وخطاب مفاهيم وشعارات لتحشيد الجمهور ايدولوجيا وعاطفيا، وسينعكس ذلك بشكل فوري في قضايا تتصل بالوجود والدور الامريكي في المنطقة، فانسحاب امريكي كامل من العراق سيظل شرطا معلنا لهدوء الداخل العراقي، وتراجع امريكي في فيينا سيكون مؤشرا لعودة محادثات السلام اليمنية، وحلحلة عقد مستعصية في عموم الاقليم المنطقة باسرها باتت رهينة مفاوضات 5+ 1.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق