فن الإدارة وكيفية مواجهة المفاجآت

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

(على القائد الإداري التكيّف مع الواقع لتحقيق الهدف بالإمكانات المتوفّرة)

الإمام الشيرازي

القائد الإداري هو الشخص المكلف بإدارة مشروع أو منظمة أو عمل محدّد، ولابد أن يكون هذا الشخص ذا خبرات هي مزيج من المعرفة الإدارية النظرية والتطبيقية، وفي حالة توافر الإداري الجيد سوف تصبح الإدارة المرتكز الأول الذي يقف وراء نجاح المشروع أو العمل الذي يُدار بوساطة قائد إداري متميز، ولابد من التأكيد على التعاون المثمر بين قادة الأعمال والقرار.

الكفاءة النظرية لن تكفي وحدها لتحقيق النجاح الإداري، فمن الأهمية بمكان أن تكون هناك قدرة على استثمار المعرفة النظرية في الإدارة، وتحويل الأفكار الإدارية من المعنى والدلالات إلى الأفعال المتحققة على الأرض، وهذه هي مهمة الإداري الناجح الذي يجب أن يكون قادرا على تحويل معلوماته وخبراته النظرية، إلى منتج واقعي ملموس.

يذكر الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، في كتابه القيّم (فقه الإدارة) هذا القول المهم: (لابد من الدمج بين الكفاءة والنظريّة والتطبيق، للحصول على أعلى مردود عملي).

ولا يعني هذا وجوب توافر شروط كبيرة لبلوغ مرتبة النجاح الإداري، فما هو متوافر من إمكانيات مادية وظروف ساندة أخرى، حتى لو كان غير كافٍ للنجاح الإداري المتميز، هذا لا يعني أن يتذرّع القادة بعدم توافر الاشتراطات المطلوبة للنجاح، فالصحيح هو عمل القائد الإداري (السياسي)، بما يتواجد لديه من إمكانيات مادية وبما يحيط به من ظروف، لبلوغ الهدف الناجح.

وإذا ارتبط النجاح دائما بتوافر شروطه، فما هو الفضل الذي يعود للقادة عندما ينجحون؟؟، إن الصحيح فيما يستحقه القادرة الإداريون من ثناءٍ وتأييد يكمن في تحقيق النجاحات في ظل ظروف غير مواتية، وهذا ما حققه قادة سنغافورة على سبيل المثال، لأن القائد في سنغافورة لم يجد الطريق معبَّدة أمامه كي يحقق النجاح الذي بلغته سنغافورة، بل كان هذا البلد يغوص في بؤرة عميقة من الفساد، ومع ذلك نجح القائد ومعاونوه في انتشال هذا البلد من شرنقة الفساد، حتى بلغ المرتبة التي تليق به من بين بلدان العالم.

إزاحة العقبات لتحقيق النجاح

الأمر المهم المطلوب من القائد الإداري حتى يصنّف من بين القادرة الناجحين، هو أن يزيح كل العقبات التي توجهه حتى يصل إلى درجة التفوق المطلوبة، فلا حسنة له ولا فضل في حال نجح في واقع مؤهّل مسبقاً للنجاح، بل يعود الفضل للقائد الإداري والسياسي، حينما ينجح في التكيّف مع الواقع ومشكلاته، ثم يتفوق عليها بأساليبه وإجراءاته الإدارية الناجحة.

لهذا يقول الإمام الشيرازي: (لابد للإداري الناجح أن يتكيّف مع الواقع لتحقيق الهدف بالإمكانات المتوفّرة أو المتاحة).

أي أن النجاح لا يشترط توافر الظروف المطلوبة كلها، فهذا ليس دليلا على نجاح الإداري، بل يتأكد نجاحه عندما يعمل في ظل ظروف صعب يشوبها العقبات التي يجب عليه أن يتجاوزها، حتى يحصل على صفة الإداري الناجح، ولهذا توصف هذه الخطوة بأنها حالة صراع بين قدرات الإداري وبين المصاعب لإدارية التي تواجهه، ولن يحصد هذه النتيجة إذا لم يوظف تجاربه وخبراته في بلوغ الإدارة المكتملة للمشروع أو العمل أيا كان نوعه.

وهذا ما أكد عليه الإمام الشيرازي في قوله:

(على الإداري الناجح الاستفادة من العمل، والتجارب، وتراكم الخبرة).

ولكن هل يمكن للقائد الإداري الاستفادة من العمل والتجارب على النحو الذي أورده الإمام الشيرازي في كلامه أعلاه؟، بالطبع ليس كل إداري قادر على تحقيق الاستفادة القصوى من العمل والتجارب التي اطّلع عليها إلا وفق شروط محدّدة، فما هي هذه الشروط؟

فقد يكون هنالك إداريون لهم تجارب عملية كثيرة وكبيرة، لكن قد يكونوا عاجزين عن فهمها وهضمها وهذا يؤدي بالنتيجة، إلى عدم قدرتهم على الاستفادة منها، لذلك فإن شرط تراكم الخبرات والإطلاع على التجارب يرتبط بمدى قدرة القائد الإداري على استخلاص الدروس، من التجارب المختلفة وتوظيفها لصالح تحقيق أهدافه بنجاح.

الإمام الشيرازي: يضع (القدرة على استخلاص الدروس والعِبَر من التجارب الفاشلة أو الناجحة، سواء بالنسبة إلى مؤسّساته أو سائر المؤسّسات)، كشرط أساس وقاطع في تحقيق النجاح الإداري المنشود، فلا فائدة من تراكم التجارب وتنوعها ولا فائدة من تعدد الأعمال، إذا لم يستخلص منها القائد الإداري دروس النجاح والتفوق في إدارته لمشاريعه المختلفة كمّاً ونوعاً.

الكفاءة الإدارية بين الخبرات النظرية والتطبيق

وفي حال توافرت قدرة الإداري على قدرة الاستفادة من التجارب السابقة، ستظهر معوّقات أخرى، قد تنحرف بجهوده الإدارية نحو الفشل، وقد تضيع كل الخطط والجهود التي بذلها سدىً، كيف يمكن أن تضيع؟، إن الأمر هنا بحاجة إلى قوة الإرادة في مواجهة المصاعب التي من الممكن أن يتعرض إليها إي إداري في قيادته لمشروعه الإداري، هنا يتّضح أن تراكم الخبرات وتنوع التجارب والعمل لا يكفي لتحقق النجاح؟

فما هو المطلوب إذاً؟، بالطبع هنالك صعوبات ستظهر أمام القائد الإداري وهو يحثّ الخطى نحو الإنجاز الأمثل، بمعنى إن الخبرات ومخزون التجارب وحدهما لا يكفيان، وما يدعم النجاح تلك القدرة على مواجهة الأحداث الطارئة التي تستجد في عملية الإدارة الناجحة، والأهم أن لا ينهزم القائد الإداري أما الطوارئ والمصاعب التي تفاجئه وهو في طريقه إلى الهدف المنشود.

الإمام الشيرازي وضع هذا الشرط أمام القائد الإداري كي يبلغ ضفة النجاح حين قال:

يجب أن يمتلك روح (التصدّي لمواجهة الصعوبات، وعدم الهروب منها).

والشرط في أعلاه يمنح الإداري قدرات هائلة لمواجهة المستجدات الطارئة، ويمكنه تجاوزها ببراعة، بل من الاشتراطات الهامة التي يرى الإمام الشيرازي أهمية توافرها في شخصية القائد الإداري، هي مواهبه وشخصيته القوية المتوازنة وانضباطه ورباطة جأشه في مواجهة الطوارئ غير المحسوبة، وقدرته على الموازنة بين ما هو مطلوب من تصرّف سليم بحسب تقديره الصحيح للموقف الطارئ، هذا يجعله ذا قدرة على اتخاذ قرار المعالجة الصحيحة بأسرع وقت، مع إحراز أدق النتائج في تجاوز الأزمات التي قد تحدث خارج المحسوب أو المتوقّع، أثناء الإنجاز الإداري.

الإمام الشيرازي يضع شرطاً محدّدا في شخصية القائد الإداري فيقول: يجب أن يتحلى بحسن (التصرّف تجاه المواقف الطارئة بسرعة ومرونة، حسب ما يتطلّبه الموقف).

وسوف يلي مثل هذه الإنجازات الناجحة، دراسات مستخلّصة لتجارب العمل، بمعنى لا ينتهي دور الإداري الناجح بانتهاء نجاحه في الإنجاز والتفوّق، بل ستبدأ سلسلة أخرى من المهام، تتمثل بمناقشة سبل النجاح، واستخلاص الخبرات، وكلما كان القائد الإداري ذا قدرة على مناقشة مسيرة المشروع الناجح الذي انتهى منه، فإنه سوف يكسب خبرات إضافية لإنجاز مشاريع أدارية أخرى قادمة.

الإمام الشيرازي يقول: (على القائد الإداري أن يتميز بـالقدرة على تلخيص المناقشات والمواقف).

من أهم الصفات والاشتراطات التي يجب أن تتوافر لدى الإداري، أن لا يضيع في التفاصيل، وتكون له القدرة على التركيز الشديد، لاسيما في القرارات والنشاطات الإدارية، لكي ينهض بشعبه أو أمته في إطار عمل جمعي، يقوم على أسس ومتبنيات، تشتمل على خواص وصفات ومزايا، يجب أن تتوافر في شخصيته، حتى يكون قادرا على الإيفاء بمسؤولياته الإدارية تجاه شعبه وأمته، ويشكل من ضمن المنظومة الإدارية قدرة إضافية على بناء الدولة التي تتسم بالقوة والاستقرار والتطور.

اضف تعليق