عندما نكون على الساحل، نأخذ قسطا من الشمس، نمرح في أمواج البحر ونسبح معها. ان الحضور هناك شيء بهيج بذاته، ولكن لماذا؟ ماهو الإغراء التأملي في ذلك المكان الذي يلتقي به المحيط مع الارض؟

على خلاف الانغلاق المرتب في داخل بيوتنا، او المناظر الطبيعية في الضواحي والمدن، نجد البحر يفتح مسافات هائلة دون عوائق. نحن فيه نغرق، يبتلعنا المشهد. كم الانسان صغير هنا، نبدو كما لو اننا جئنا وجه لوجه مع اللامتناهي. مع ذلك، اللمحات الانسانية لغير المحدود هي في الحقيقة اوضح تجلّي لمحدوديتنا. ما يتجسّد هو تعريف صارخ لحدود تجاربنا الخاصة. النظر الى ما وراء مجال رؤيتنا هو خط الافق، وحيث يلتقي المحيط مع السماء - الخط الأنقى والأشد استقامة الذي يمكن ملاحظته في الطبيعة.

عادة، خط الافق تحجبه أشياء كالأشجار والأبنية او الجبال والتلال. اما هنا، لاشيء عدى الهواء والضوء. مع اتساع الماء نحن نمتلك احساسا واضحا بالرحابة والوضوح، لكنها رحابة مقيّدة ووضوح محدود. نستطيع ان ننطلق في سفينة ونسافر باتجاه الافق، ولكن حتى عندما تتراجع الارض خلفنا، سيبقى الافق شاخصا هناك كما هو دائما. نحن نستطيع بالطبع المغامرة بعيدا حتى نلتقي بالشاطئ المقابل. مع ذلك، فان افق الادراك الحسي يبقى هو ذاته حتى عندما تتغير تلك الاشياء الكامنة في الافق – اشجار وتلال تحجب السماء المنفتحة.

لكن مع وجود الافق المنكشف على الساحل، سنرى شيئا نادرا لم نره بطريقة اخرى وهو البداية والنهاية المحددة لنهارنا التي تبدو في شروق الشمس وغروبها. غروب الشمس يسرّنا ليس فقط بالحركة والألوان الساحرة والجميلة وانما ايضا بأهمية ما نرى: الدلالات الطبيعية لأيامنا المحدودة على هذه الارض. في هذا تأتي الى الوجود الزمانية الكاملة لتجربتنا نسبة الى الموقع الحالي للشمس عبر السماء. كذلك تأتي الى الوجود المكانية التامة لتجربتنا قياسا بأجسامنا. لذا فان ما يراه المرء على الساحل هو كيف تبدو الأشياء هنا وفي هذه اللحظة، وان الصعوبة التي يواجهها المرء في الساحل، هي الحضور المكاني هنا والوجود الزماني الآن.

الافق الزماني والافق المكاني، يعرضان ساحلا رائع جدا، وايضا يضيئان مزيدا من تجربة المشاة التي تتكشف في المناطق الحضرية واماكن الضواحي العادية. في الحقيقة، كل تجربة تستلزم آفاقا مكانية وزمانية. الأغاني التي نستمع لها فيها ملاحظات وكلمات تأتي الى الوجود من وراء افق وعينا الحاضر. كلمات صديق، تأتي الينا واحدة بعد الاخرى ببطء وبطريقة تسمح لفكر الصديق ان يظهر امامنا. وعندما تشرق كل ملاحظة وكل كلمة، تغرب ملاحظات وكلمات اخرى، فقط لتحتفظ بها ذاكرتنا.

الأشياء العادية ايضا تستلزم آفاقا للتجربة. في طعام مشترك مع صديق، مثلا، هناك حضور لكل صحن جديد، وتدفّق الأذواق يعمل في كل مضغ بما في ذلك الطعام الافتتاحي المنعش، الطعام الوسطي اللذيذ، والذوق الممتع الذي يتبقى بعد انتهاء تناول الطعام. وهناك حركة عالية ايضا، لأن الطعام (الافتتاحي) القليل يفتح الطريق الى قليل من قائمة الطعام، وهذا القليل بالنهاية يفتح الطريق للحلويات بالإضافة لحركة المحادثة من موضوع الى آخر.

وحتى العناصر غير الديناميكية تستلزم آفاقا من الاستكشاف. طاولة الغداء، مثلا، لها جوانب حاضرة تواجهك وجوانب مخفية لن تراها، لكن قليل من الحركة من جانبك قد تغيّر محتوى التجربة –الجوانب الغائبة تصبح حاضرة، والجوانب الحاضرة تصبح غائبة– مع ثبات حقيقة ان هناك حدود للتجربة. بالطبع الساحل هو مكان ديناميكي، بينما تتقدم موجة بعد اخرى، ترتطم، تتراجع، بصوت عال ومتواصل. الأمواج هي جذابة ومخيفة معا من حيث قوتها المثيرة. حركة الموجة تعمل ايضا بالشكل المضاد كما لو انها تهددنا: تعال إلعب معي – ان كنت شجاعا كما يعلم راكبو الامواج، هناك تشويق ممتع للسباحة في الامواج، والتجذيف يصبح اكثر صعوبة في الموجة المرتفعة، وفي النهاية اذا كنت محظوظا، فان القوة الجامحة للموجة قد تحملك بلا عناء نحو الشاطئ.

بعض الأمواج تقدم لنا ألطف وامتع الجولات في حياتنا، بينما اموج عارمة اخرى تصدمنا وتسحقنا في غضبها. لكن كل موجة تبرز من وراء افق تجاربنا، سوف نتوقعها ونلتف معها. افق التجربة يمكن ان نلمحه في الافق وحيث تلتقي السماء بالبحر، هناك تجربة عند الساحل، تجربة لكل موجة. لامحدودية المحيط هي مؤشر لمحدودية التجربة الانسانية.

اضف تعليق