صناعة الإعلام في العالم ليست مهنة عدمية لا طائل من ورائها، بل هي صناعة مقننة، ذات أهداف محددة وواضحة، تستهدف التأثير في افراد المجتمع، إذ نستخدم وسائل الإعلام لأغراض متنوعة وعديدة، تختلف من شخص إلى آخر، كلٍ حسب اهتمامه، وكثير من هذه الأغراض تحدث أحياناً بدون وعي الشخص، أي أنه يتابع وسائل الإعلام ولا يعرف على وجه التحديد لماذا يتابعها، ومن الاغراض التي تدفعنا الى متابعة وسائل الاعلام هي: (الحصول على المعلومات، توجيه الفهم، توجيه السلوك اليومي، فهم الذات، تسهيل التفاعل الاجتماعي، بديل للتفاعل الاجتماعي، التحرر العاطفي او التسلية والترفيه).

في التغطية الإعلامية يفترض على وسائل الاعلام السعي الى تعزيز حق الجمهور في معرفة الاحداث بدقة وموضوعية، مع ضرورة الحرص على عدم إحداث اضرار قد تلحق بحقوق الأفراد والمجتمع، لتحقيق التأثير الهادف في وضع مبادئ ومعايير أخلاقية يتعهدها الصحفيون ومؤسساتهم بالرعاية والاحترام والتطبيق على المستوى الفردي والجماعي بدءاً من تخطيط المحتوى الإعلامي وانتاجه، واتخاذ القرار بنشره، بما يسهم في تعزيز الثقة بين الجمهور ووسائل الإعلام، وما يحقق الصالح العام، وتستمد هذه المبادئ والمعايير الأخلاقية من القيم الدينية والثقافية والأعراف الراسخة للمجتمعات والأمم، التي ظلت تفرض إطاراً قيمياً ملحوظاً بل وملموساً عبر المراحل التاريخية المنظورة لتطور العمل الاعلامي حول العالم.

وفي الآونة الاخيرة تصاعدت الآراء والنقاشات حول الفيديو المنتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي المختلفة، التي تظهر الشاب الكردي الايراني وهو يحمل عبوة مليئة بالبنزين وقداحة، قبل أن يقوم بصبه على جسده ويضرم النار، بينما كان يتحدث للصحفيين أمام مقر الأمم المتحدة في أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، احتجاجاً على ما يعانيه في ظل ظروف اللجوء والتشرد وسوء الأوضاع المعيشية، على مرأى عدد كبير من مراسلي ومندوبي وسائل الإعلام وعدساتهم.

مما أثار غضب الرأي العام العراقي، في مشهد محاولة الانتحار الأليمة، بسبب وقوف الصحفيين والمصورين دون ان يحركوا ساكن، بل وتصويرهم الشاب وهو يحرق نفسه دون تدخل منهم أو محاولة منعه، ومن المؤسف تصرف أولئك الصحفيين والفضائيات، التي تواجدت في مكان الحادثة بعدم مسؤولية، واهتموا بنقل الحادث فقط.

وهذا يدل على فشل واخفاق وسائل الإعلام في تقديم التغطية الصحفية الإنسانية والحقوقية المنتظرة منهم، إذ تثبت هذه الواقعة أن وسائل الإعلام لدينا تهتم بالخبر فقط، وليس مضمون الخبر وتداعياته، اذ كان من الواجب الانساني والأخلاقي على الصحفيين المتواجدين، إلقاء سماعاتهم وكاميراتهم أرضاً والاسراع نحو الشاب لنجدته بدلاً من الاكتفاء بمشاهدته يحترق.

وهذه الحادثة تذكرنا بحادثة مماثلة للمصور كارتر، في (19) مارس 1993 قام كيفين كارتر برحلة إلى السودان مع زميله جواو سيلفا، حين كان بقرية "أيود" سمع صوتا ضعيفا لأنين طفلة صغيرة هزيلة، كانت الطفلة قد توقفت عن الزحف لبرهة وهي في طريقها إلى مركز لتوزيع الطعام، فيما كان يتحضر لالتقاط الصور حط نسر بقربها، ذكر كارتر لاحقاً أنه انتظر نحو 20 دقيقة آملاً أن يفرد النسر جناحيه من أجل أن يلتقط أفضل صورة ممكنة، لكنه لم يفعل، بعد أن التقط الصورة قام بطرد النسر بعيداً، وشاهد الطفلة تستكمل زحفها نحو المركز.

وقال كارتر بأنه إلتقط الصورة، لأن عمله هو "التقاط الصور" فقط ومن ثم المغادرة، تم إخبار كارتر مسبقاً بعدم لمس الأطفال وذلك بسبب الأمراض المعدية، بيعت الصورة لصحيفة نيويورك تايمز حيث عرضت للمرة الأولى في 26 مارس، 1993 ونشرت في عدد كبير من الصحف الاخرى حول العالم، قام المئات من القراء بالاتصال بالجريدة حينها لمعرفة ماذا حل بالطفلة الصغيرة، أفادت الصحيفة لاحقاً أنه من غير معروفاً إذا ما وصلت الطفلة إلى مركز لتوزيع الطعام. في 12 أبريل، 1994 قامت نانسي بورسكي محررة الصور الأجنبية في نيويورك تايمز بمهاتفة كارتر لاعلامه بنيله أرفع جائزة في التصوير الصحفي وهي جائزة بوليتزر للصورة إحدى جوائز بوليتزر، قام كيفين بالانتحار بعد 3 أشهر من تسلمه الجائزة.

وتتشابه هاتان الحادثتان في تفضيل السبق الصحفي على اخلاقيات مهنة الإعلام، التي باتت مواثيقها مجرد نصوص على الورق غير قابلة للتطبيق، نتج عنه هبوط كبير في الرسالة الإعلامية الهادفة.

ومن هنا تظهر أهمية الضوابط الأخلاقية في البيئة الإعلامية الجديدة، وتعرف "الأخلاقيات المهنية" بانها مجموعة القيم والمعايير، التي يعتمدها أفراد مهنة ما، للتمييز بين ما هو جيد وما هو سيء، وبين ما هو صواب وما هو خاطئ، وبين ما هو مقبول أو غير مقبول، فهي تمثل مفهوم الصواب والخطأ في السلوك المهني، ولتحقيق ذلك يتم وضع ميثاق، يبين هذه القيم والمعايير والمبادئ وقواعد السلوك والممارسة.

ومما تقدم ندرك ضرورة الاهتمام بأخلاقيات مهنة الإعلام، والبحث عن آليات الضبط الأخلاقي لما ينشر ويبث ويعرض عن طريقها، ولاسيما ان كان القائم بالاتصال فرد غیر متخصص، ولا يعرف القواعد القانونية والأخلاقية للعمل الإعلامي ولا ينتمي لمؤسسة إعلامية بعينها، وبالتالي فإنه لا يلتزم باطر أخلاقية أو معايير محددة لأدائه، ويوجد نسخ عديدة من هؤلاء الاعلاميين غير المتخصصين بسبب وجود دورات اسبوعية تؤهل كل من هب ودب لمزاولة مهنة انسانية كالإعلام فتمنح الصفة لهم باسبوع او شهر، وتجاهل وجود الكفاءات الاكاديمية المتخرجة من كليات الاعلام.

اضافة لما يمتلكه الاعلامي من مهارات احترافية في صناعة المحتوى فيجب ان يمتلك مهارات معرفية وأخلاقية تعزز من قدرته على اتخاذ القرارات السليمة، وان يتمتع بالثقافة الاجتماعية والقيم والسلوك الحسن، وفي ظل عدم مهنية واحتراف الاعلاميين العاملين ووجود وسائل إعلام كثيرة غير مسؤولة، لا تلتزم بأي قيم ولا تقيم وزنا لأي معايير أخلاقية أو ثقافية أو اجتماعية، يبرز تحد خطير، يتمثل في اتساع نطاق الحرية وانخفاض الوعي الإعلامي مما يجعل هذه الوسائل سلاحاً خطيراً قد يثير الفتن والاضطرابات التي تدمر المجتمع، وعلى العكس من ذلك فزيادة الوعي من شأنها أن تجعل من تلك الوسائل أداة للبناء والتطوير في مختلف المجالات.

وبحسب الباحثين على الاعلامي ان يلتزم بالضوابط الأخلاقية الآتية:

1. الضابط الديني: ليس من أخلاقيات الاعلامي أن يطلق حكماً في أي موضوع أو قضية يبرز فيها أفكاراً تتصادم مع الثوابت الدينية، أو يقوم بنشر بعض المفاهيم والمعلومات والصور والفيديوهات التي تتنافى مع المفاهيم الدينية في المجتمع.

۲. الضابط الاجتماعي: لابد أن يراعي الاعلامي الاعتبارات الاجتماعية قبل أن يقدم أي شيء أو ينشر أشياء تمس قيم المجتمع، أو يستخدم ألفاظاً تمس المفاهيم الخاصة لدى الناس، فهي تمثل موضوعات حساسية بالنسبة للأفراد.

٣. الضابط التشريعي: أي أنه لابد من مراعاة الجوانب القانونية التي تضع خطوطاً يسير عليها الاعلامي، حتى لا يتطرق للمحظورات التي نص عليها القانون أو تعرضه للوقوع تحت طائلة القانون.

4. الضابط المؤسسي: لابد أن يراعي الاعلامي الاعتبارات الخاصة بالمؤسسة التي يعمل فيها، فلا يقدم ما يسيء لمؤسسات الدولة أو يشوه صورتها.

5. الضابط الحقوقي: على الاعلامي ان يراعي حقوق الانسان لأفراد المجتمع جميعهم وان يمتلك حس انساني واخلاقي في التعامل مع الاحداث.

إن المواثيق الأخلاقية لا يلتزم بها الكثير من الإعلاميين، ولذلك تظل مجرد نصوص جامدة، لأنه ليس هناك عقوبات يتعرض لها الإعلامي الذي لا يلتزم بهذه الأخلاقيات، أو ينتهكها، لذا توصف المواثيق الأخلاقية، بأنها (بدون أنياب)، وأنها قليلة الأهمية، على الرغم من المحاولات التي بذلت للبحث عن وسائل لتوقيع عقوبات على عدم الالتزام بالأخلاقيات إلا أنها تظل عقوبات لا قيمة لها، ولا تؤدي إلى الإلتزام بالأخلاقيات.

وعلى الرغم من اختلاف مسميات تلك المبادئ والمعايير من ثقافة إلى أخرى، فإننا نجدها تصب في نفس الإطار، ولربما يقع على عاتق كل اعلامي أن يستوعبها بدقة وأن تحرص كذلك كل وسائل الإعلام على تدريب صحافييها عليها ومناقشتها لإيجاد أفضل السبل لإعمالها وتذليل الصعوبات التي تعترض الصحفيين كأفراد ومجموعات على احترامها في كل الأوقات، لذا من الضروري تفعيل الضوابط الاخلاقية للعاملين بوسائل الاعلام كون تلك الوسائل الاكثر والاشد تأثيراً على المجتمع.

------------------------------
المصادر:
_______________
* فهد بن عبد الرحمن الشميمري، التربية الإعلامية: كيف نتعامل مع الإعلام.
* اسامة عبد الرحيم علي، فعالية برنامج لتدريب طلاب الإعلام التربوي على الوعي بالضوابط الاخلاقية للإعلام وتطبيقهم لها: دراسة شبه تجريبية في إطار مدخل التربية الإعلامية.
* د. حسن المجمر، أخلاقيات الإعلام والمعايير التحريرية وحقوق الإنسان في تغطية الأزمات.

اضف تعليق