لحظات الوعي الأولى التي تدغدغ ذاكرتي حتى الآن، بدأتْ مع الأشجار والبساتين وذلك النهر المتهادي الذي يشطر قريتي إلى نصفين، لم تكن بوادر اليأس أو الظلم واضحة لي في القرية، مع أنها كانت قوية يعاني منها الفلاحون، ومنهم أبي وصراعه من الشيخ (....) الذي اضطرّه إلى الهروب بنا من القرية نحو المدينة.

عُشنا عائلة من سبعة أنفار في غرفة عرْضها مترين وطولها ثلاثة أمتار، وحين ننام في الليل، تتكدس الأجساد فوق بعضها، لننتقل بعد ذلك إلى بيت جديد محكوم بالرطوبة والظلام وقلّة الشبابيك وندرة الهواء والضوء معا....

وسط هذا العالم العائلي المقهور كنتُ أعيش وأحمل في داخلي تطلّعات هائلة، كنتُ أحلمُ أن أكون لاعب كرة قدم شهير، وإنْ لم تتحقَّق هذه، فأكون فنانا ممثلا من طراز عمر الشريف مثلا، وإنْ لم تتحقق فلا بأس أن أكون كاتبا شهيرا كنجيب محفوظ أو شاعرا كمحمود درويش، لكن البيت المظلم يحاصرني باليأس.

أتذكّر جيدا تفاصيل اليوم الذي كنتُ أعيشهُ لحظة بلحظة، أتذكر أذرع الفقر التي تنهش جسدي وعقلي، والمرض الذي يحيط بعائلتي، والبؤس الذي يتبدّى في كلامي وصمتي، أتذكّر اليأس كيف كان يقبض على رأسي وجسدي معا كالشرنقة التي لا خلاص منها، وبين كل هذه المكبِّلات كنتُ أتطلّع إلى نافذة الخلاص.

شيء عجيب ينمو ويتحرك في أعماقي، يستيقظ في داخلي ليل نهار، حتى حين أنام أحلمُ بأنني سوف أمزّق شرنقة اليأس في يوم ما، ومع عبور المراهقة إلى الشباب، سقطت أمنيتي في أنْ أكون فنّانا، لأن الفقر منعني من الحصول على ملابس جديدة نظيفة تسمح لي بالدخول في عالم المسرح والتمثيل، ثم سقطت أمنية لاعب كرة القدم بسبب اندلاع حروب طاحنة.

لم يبقَ لدي سوى حلم أن أكون كاتباً، فالقلم والورقة يمكن أن يحصل عليهما الفقراء، ولكن ما لا يمكن الحصول عليه بسهولة هو (الكتابة الإبداعية)، أعني كتابة السرد أو الشعر أو المسرح، إذ ليس بمجرد توافر الورقة والقلم يمكنك أن تكون كاتبا، وما يفتح أمامك طريق الانتماء للإبداع الكتابي هو القراءة بإصرار ومثابرة ورغبة.

لا يزال اليأس يلتف حول رأسي وجسدي، يكبّلني بشكل كامل، لكنني لا زلت أتذكر ذلك الشيء الذي كان يتحرك في داخلي، ذلك الشيء الذي لا أعرف ماهيّته أو كنههُ حتى الآن، ذلك الشيء الذي يدفع بي بقوة كي أكون متميزاً أو مختلفاً عن الآخرين، وطالما انطفأت أمنية فن التمثيل، وأمنية لاعب كرة القدم بشكل تام، فليس هناك سوى الكتابة وأن أكون كاتبا.

الشيء الذي في داخلي يدفع بي نحو الكتابة الإبداعية، والأخيرة من المحال تحقيقها من دون القراءة، فبدأتُ أتسلل إلى الكتب والمجلات وحدي، لا يوجد من يقودني في متاهة القراءة وعالم الكتب، عائلتي أمّية لا تقرأ ولا تكتب، صداقاتي قليلة جدا بسبب الفقر والشعور بالنقص الذي ظلّ يبعدني عن الاختلاط بالأخرين قدر الإمكان.

لم يبقَ أمامي سوى كينونتي نفسها، وذلك الشيء (الدافع المجهول) الذي يدفع بي بقوة كي أغيّر حياتي، وأمزّق شرنقة اليأس التي تكبّل رأسي وجسدي وحياتي بقوة، وأخرجُ من شرنقة اليأس إلى فضاء الحرية.

وأعني حرية الحلم والتحليق في عالم الإبداع، فالفشل في التمثيل أو رياضة كرة القدم لا يمكن أن يكونا آخر المطاف أو نهاية الدنيا، لا يزال الدافع المجهول يحثني بل يجبرني على تمزيق اليأس.

في بيت أقاربي عثرت على أول كتاب، بيت يفوح بعطر ملائكي، هواؤه نظيف بارد كنسمة الفجر، هذا البيت يشي بالتفاوت الطبقي المرير بين الناس، فرغم أنهم من أقاربي لكننا كعائلة أدنى منهم بالعيش وأسلوب الحياة، وكثيرا ما قلتُ لنفسي لو أنني أنتمي لهذه العائلة لكنتُ حققتُ أحلامي كممثل أو لاعب كرة قدم، فالفقرُ يقصُّ أجنحة الأمنيات دون رحمة أو تردد.

الكتاب الذي عثرتُ عليه كان رواية حب فلسطينية قصيرة، بطلها فؤاد، لأول مرة أقرأ رواية صغيرة الحجم، ولأول مرة تصبح القراءة طريقي نحو الخلاص، لقد تحوَّلتُ إلى البطل الفلسطيني العاشق فؤاد، وصرتُ قادرا على النضال والحبّ معا، ومزّقتُ شرنقة اليأس بقوة، هكذا شعرتُ للوهلة الأولى أن القراءة بإمكانها تمزيق شرنقة اليأس، ومغادرة القهر والفقر والتردد إلى عالم الانطلاق نحو التحقّق والاكتمال.

لقد اخترتُ القراءة لأنها متوافرة من بين خيارات أكثر صعوبة (كـ الفن أو رياضة كرة القدم)، وأيقنتُ أن من يريد أن يغيّر حياته عليه بالقراءة، ليس لأنها تفتح له الأبواب كي يصبح كاتباً فحسب، بل لأنها ترتقي بطرائق تفكيره، وتضاعف من سعة خياله، وتتيح له خيارات لا حصر لها، بدلا من حصره في خيار واحد أو خيارات محدودة، القراءة متعددة النوافذ والأبواب، يمكنك أن تعتمد عليها، ويمكنها أن تمنحك فرصاً وقدرات كثيرة لتمزيق شرنقة اليأس.

في كتابه (وأنا اخترتُ القراءة) يقول أنيس منصور: (ليس أمام التلميذ إلا أن يلعب أو يقرأ... وأنا اخترتُ القراءة الطويلة. وأعطتني القراءة ما أستحق. والذي أستحقه هو أن أمضي في القراءة لمن هم أقدر وأحسن، أملا في أن أقترب منهم لأكون مثلهم وهذا ما فعلت).

نحن نبدأ حياتنا تلاميذ، وليس أمامنا الكثير من الفرص، فأما أن نلعب أو نقرأ، نلعب بمعنى نلهو ونهدر أعمارنا دون طائل، فقط لأننا نبحث عن الراحة والمتع الآنية السريعة، لكننا سوف نصحو وقد ضاع منّا أغلى ما نملك وهو الزمن وفرص التطور، لذلك أنا ذهبتُ نحو القراءة، قرأت للعمالقة، وحلمتُ أن أكون كاتباً.

شرنقة اليأس التي ضربت بأطواقها حول رأسي وجسدي، لم تستطع الصمود أمام القراءة، وأمام إصراري بأن أكون شيئا مختلفا لا يشبه الآخرين، لكن يعود الفضل الأول لتمزيق الشرنقة إلى الفعل القرائي، لذلك يمكنك أن تغيّر حياتك بالقراءة، مع أهمية أن تتآزر وتتناغم مع الدافع الداخلي الذي يسعى لإنقاذك من شرنقة اليأس.

اضف تعليق