أتلقَّطُ الحكايات من هنا وهناك، خصوصاً تلك التي تحمل آلامنا الطازجة، حكايات تخرج من أفواه الناس بصدق وحرارة، أتلقّطها، ثم أسكبها على الورق في حلقة جديدة من كاميرا السبت، هكذا بدأتُ بهذا الأسلوب منذ سنتين، ويبدو أنني سوف أستمر طويلا لأنَّ الآلام لا تريد أن تتوقّف.

الكاميرا اليوم التقطتْ أحداثاً لحكاية عمل رمضانية، قصَّها أحدهم عبر مواقع التواصل، ففي شهر رمضان تصبح مساعدة الآخرين أكثر أهمية من أي وقت آخر، لأن هذا الشهر يميل للخشوع وقلّة الحركة، وتهدأ فيه الحياة، وربمّا تنعدم أو تقلّ فرص العمل.

يحدث هذا حين يحلّ شهر رمضان في ظروف معتادة، فما بالك حين يأتي في ظل (كورونا)، هذا العدو الذي سعى ولا يزال إلى شلّ حركة الحياة، وتدمير الأرزاق، وإضافة معاناة جديدة للكادحين المصابين بالعوز المزمن.

الحكاية تبدأ في مكان ينتظر فيه عمال البناء منذ مطالع الفجر، كي يأتي أحدهم ويطلبهم للعمل في مقابل أجر يومي قيمته (25 ألف دينار عراقي)، هذا المبلغ كما يعرف العراقيون بالكاد يكفي لسد رمق العائلة ليوم واحد...

يقول صاحب الحكاية الرمضانية:

توجَّهتُ صباحاً بسيارتي إلى مكان تجمّع عمال البناء (المسطر)، وقبل أن أصل المكان شاهدتُ جمْعاً كبيرا من الأفراد بمختلف الأعمار، يجلسون بانتظار أرزاقهم، عيونهم تتابع السيارات القادمة إليهم، فما أن تقترب سيارة منهم حتى يهبّ عليها العشرات، راجين من طالب العمل أن يختارهم للعمل حتى يضمنوا قوتَ يومهم.

يواصل الرجل حكايتهُ: أوقفتُ سيارتي بالقرب من العمال، تكالبوا على أبواب سيارتي، طالبين العمل، فأخبرتهم بأنني لا أعطي أجراً أكثر من عشرة آلاف دينار فقط، (أي أقل من نصف الأجرة اليومية التي يستحقها العامل)، فاعترض معظمهم على هذا العرض، وغضبوا مني بشدة، وقالوا: إنك تستغلّنا بلا ضمير.

أحدهم قال: عليك أن تحكّم ضميرك، فالأجر الذي تعرضه علينا لا يكفي لإعالة عائلة، ثم أنك تستغلّنا لقلة فرص العمل.

فقلتُ لهم بوضوح: هذا ما لديَّ، لن أعطي أكثر من هذا الأجر، فمن يرغب العمل أهلا وسهلا به، ومن لا يرغب هو حر، أنا لا أجبر أي شخص على العمل في بناء بيتي.

نظرتُ إلى وجوه العمال المستاءة مني، الغضب ملأها ممزوجا بالحزن واليأس، انسحب معظمهم بعيدا عن سيارتي، شعرتُ أن بعضهم شتمني في سرّه، لكنني بالنتيجة وجدتُ مِنْ بين العمال مَنْ يقبل بهذا الأجر الذي يقلّ عن نصف استحقاقهم، صعدَ معي خمسة عمال على مضض، وافقوا على الأجر الضئيل الذي عرضته عليهم، في مقابل العمل الشاق لساعات طويلة تحت وقْدِ الشمس.

إلى جانبي صعد عاملان، لم يتجاوزا العشرين، لكنّ الشحوب كان يلوّن وجهيْهما، وفي المقعد الخلفي ركب ثلاثة عمال أعمارهم لا تقل عن الخمسين، وأجسادهم أكلها الجوع وربما المرض، كنتُ أتطلّع في وجوههم، بدتْ صفراء مليئة بالتجاعيد، الوجنات ناتئة والشفاه يابسة والعيون ظامئة تتطلّع للخلاص.

هناك شعور مؤلم يدور في رؤوس العمال، إنهم مجبرون على القبول بالأجر القليل الذي عرضته على عليهم، والإنسان الذي يُجبَر على شيء (أي شيء، عمل أو سواه)، يحاصره القهر ويؤذيه الظلم الذي يتعرّض له، هذا بالضبط ما كان يعيشه العمال الخمسة...

شعور بالخيبة والسخط والخضوع للإجحاف الذي أُلحِقَ بهم، بالطبع أنا شعرت بشعورهم بدقة لأنني جرَّبتهُ في مراحل سابقة من حياتي، إنه أسوأ شعور يتعرض له للإنسان، شعور من يقبل بالغبن مرغماً.

عند بوّابة أسواق غذائية كبيرة، ركنتُ سيارتي، طلبتُ من العمال الخمسة النزول معي، دخلتُ بهم إلى الأسواق المليئة بالمواد الغذائية، طلبت من صاحب الأسواق أن يجمع لي خمس حصص متساوية، كل حصة على حدة وتشمل (كيس رز 40 كيلو غرام، كيس دقيق القمح طحين 50 كيلو غرام، عشر قناني زيت طبخ، كيس سكّر 15 كيلو غرام، أكياس حليب مجفّف وعلب أجبان وزبدة وقشطة).

تسلَّمَ العمال حصصهم الغذائية، ثم أعطيتُ لكل عامل خمسة آلاف أجرة تكسي للوصول إلى البيت، حملوا الأغذية وانطلقوا بها إلى عوائلهم...

بالطبع ليس من خصالي استغلال الناس، سواءً كانوا عمالا أو غيرهم، لكنني عرضتُ هذه الأجرة القليلة على العمال حتى أعرف المحتاج من بينهم فعلا، نعم في كل الأحوال يجب أن ننصف العمال أو غيرهم، لكن المساعدة يجب أن تذهب إلى من يستحقها أكثر من غيره.

انتهت لقطة الكاميرا لهذا السبت، ولكن لن تنتهي الظروف الصعبة للناس، ولن يكف الفقر عن محاصرة الكثير بأنيابه البشعة، طالما يتواجد بيننا ظالمون، لهذا أجد من المناسب بل ومن الواجب، مواصلة البحث عن المحتاجين حقّا، ففي الأول والآخر، كل العطايا والهبات والأموال هي ملْكٌ لله وحده.

اضف تعليق