الرائي كلمة مشتقّة من الرؤية، والإبصار يأتي على نوعين، الأول من خلال العين ورؤيتها للأشياء التي تتجسد في عدستها، والنوع الثاني هو إبصار البصيرة، أو ما يسميه كثيرون بـ (رؤية القلب)، فهل القلب يمتلكُ عينين يبصرُ بهما كما للجسد؟، كلا بالطبع، لكن رؤية البصيرة أو رؤية القلب هي الأدق والأصوب.

لذلك هناك مثل أو قول دارج يردّده الناس، يؤكّد على أن (الشوف ليس للعين وإنما للقلب)، فهل يا تُرى قلوبنا ترى الأشياء بالفعل، كما تراها العيون؟

في حالات كثيرة لا ترى العين ما يعترض طريقها، حتى لو كانت تنظر إليه، فمثلا قد يقف أمامك شخص بمسافة قريبة جدا، لكنك لا تراه، لأنك مشغول في قضية أخرى داخلية، وهذا الشخص يظنكَ تتجاهله، لكنك بالفعل لم ترَه، ليس لأنك أعمى، بل لأن بصيرتك الداخلية انشغلت عنه بموضوع أهم.

السؤال لو مُنحتَ حق الاختيار بين رؤية العين ورؤية القلب أيهما تختار؟

هذا السؤال افتراضي بالطبع، فماذا ستكون الإجابات؟، هل يقبل الإنسان أن يفقد نظر عينيه مقابل الاحتفاظ بنظر بصيرته أو (قلبه)؟، أتخيّل بيني وبين نفسي أن معظم الناس أو جميعهم لن يتخلوا عن رؤية العين، فالإنسان لا يريد أن يُتعب نفسه بالبصيرة التي لا ترى الأشياء بصورة مباشرة كما يحدث مع العين.

بمعنى رؤية البصيرة تحتاج إلى جهد وتعب مضاعف وتركيز كبير كي تُبصر، أما العين فإنها بمجرد وقوعها على الأشياء سوف ترى دونما تعب أو جهد، لذلك رؤية البصيرة أكثر مشقة من رؤية العين، وتمتازُ عليه بالدقة والصوب لأنها تخترق أسطح الأشياء إلى أعماقها، العين ترى الظاهر من الشيء، البصيرة ترى السطح والأعماق معاً، لذلك هي أكثر دقة من رؤية البصر.

على هذا الأساس أنا شخصيا أفضّل رؤية البصيرة على رؤية العين، للأسباب التي جاءت في أعلاه، ولو أنني تعرّضت لخيار إجباري بين الاثنين، فسوف اختار رؤية البصيرة، لماذا هذا الاختيار، وهل أنت على استعداد فعلا لتعيش في ظلام؟؟

حين تُغلق عينيك لن ترى الأشياء مجسَّدة أمامك، وتكون في ظلام، لكن إذا اعتمدت على بصيرتك وخيالك، فإنك سوف ترى كل شيء بطريقة عميقة، تختلف كل الاختلاف عن الرؤية السطحية للعين، هناك تجربة عميقة للكاتب العالمي بورخس مع رؤية البصيرة، فحين فقدَ بصره (عينيْه) في عمر متأخر، عاش تجربة متفرّدة مع النوع الثاني من البصر (رؤية البصيرة).

قال لي صديق أثق به: قبل أيام رأيت في إحدى الفضائيات، شخصا عراقيا قارب الستين من عمره، هذا الشخص معجزة حقا، فهو قد فقد بصرهُ (عينيه) في العشرين من عمره، وتحوّل من رؤية العين إلى رؤية البصيرة، ومن المفارقات الرائعة أن هذا الرجل الضرير حوَّل فقدانه لعينيه إلى منجز مهم لصالحه، لقد اعتمد على بصيرته بشكل تام، وأتقن مهنةً تحتاج إلى دقة رؤية عالية، إنه يعمل (منذ أنْ فقد عينيْه) في تصليح الأجهزة الكهربائية والإلكترونية الدقيقة!!

لقد عرضت القناة الفضائية مكان عمله، وهو عبارة عن محل صغير فيه طاولة، عليها عُدد يدوية وكهربائية وإلكترونية، يستعين بها على تصليح العاطل من الأجهزة التي يأتي بها الزبائن له، كي يقوم بتصليحها، كل الأجهزة دقيقة جدا، وتحتاج إلى رؤية بصرية (رؤية عين) دقيقة وثاقبة، لكنه (أعمى)، نعم هو لا يُبصر لأنه فقد عينيه في العشرين، ومع ذلك برعَ أيّما براعة في مهنته؟!

السؤال هنا، كيف استطاع رجل أعمى، أن ينجح نجاحا باهرا في مهنةٍ تتطلب نظراً ثاقبا لدقة مكوناتها؟؟

الطريف في الأمر هذا السؤال تم توجيهه للشخص الأعمى نفسه، وقد أجاب عليه بالتالي: كان هناك أشخاص يتنافسون معي في هذه المهنة، كان لهم محالّ تصليح قريبة مني، لكنهم خسروا زبائنهم الذين تحوّلوا لي، المصلحون المبصرون أغلقوا محالّهم لأن الناس صارت تتوجه إليَّ فقط، لدقة تصليحي وثقتهم العالية بعملي وسمعتي الطيبة التي شاعت بين الجميع.

ثم واصل الرجل الأعمى كلامه مخاطبا مذيع القناة أو مقدّم البرنامج: أنا لم أركَ سابقا، هذا اللقاء الأول بيننا، لكنني أستطيع أن أذكر لك أوصافك، شكلك، لون شعرك، عمرَك، هل ترغب بذلك، ثم ذكر تلك الأوصاف وكأنه يراها بعينه وهو الضرير الذي فقد بصره منذ أربعين سنة!!

في الختام هذا الرجل الأعمى، تغلَّب على منافسيه المبصرين، كيف حدث هذا؟، إنها البصيرة وقوة التركيز، ورافقهما الخيال الواسع والدقة، فيا شبابنا المبصرين، أنتم تمتلكون البصر والبصيرة، ليكن هذا الرجل الأعمى مثالا لكم.

اضف تعليق