نشرت وسائل الإعلام قبل ساعات خبر وصول قائد فيلق القدس إسماعيل قآني الى بغداد في زيارة مفاجئة عقب إعلان قرب بدء الجولة الثالثة من جولات الحوار الاستراتيجي بين بغداد وواشنطن والتي كانت قد بدأت منذ يونيو/ حزيران من العام الماضي، ذلك من أجل التوصل لصيغة نهائية لطبيعة العلاقات العراقية الأميركية، وتحديدًا فيما يتعلق بمستقبل الوجود الأميركي في العراق.

اذا لماذا زيارة قآني في هذ التوقيت بالتحديد؟، وهل ان الحوار انطلق بين طهران وواشنطن على ارض العراق ام ان إيران فقط تريد معرفة ما عليها فعله في المرحلة القادمة؟

بالإجابة على التساؤل الأول الخاص بتوقيت الزيارة، نقول ان المرحلة الحالية التي يمر بها العراق، وما تشهده العلاقة بين إيران وامريكا من توتر، ومحاولات مستمرة لتغليب نفوذ أحدهما على الآخر يتطلب وجوده لوضع الخطوط العريضة التي لا ترغب إيران بالخروج عنها عبر بحث الملفات المختلفة.

وخروجا من الإحراج الذي تمر فيه الحكومة العراقية، أكدت لجنة الأمن والدفاع النيابية، ان الحوار الاستراتيجي بين بغداد وواشنطن، سيناقش الواقع الاقتصادي والتعليم والكهرباء، إلى جانب جدولة الانسحاب الأميركي من العراق.

من بين اهم الملفات وقد يكون الهدف الأساس من وجود الحوار هو جدولة الانسحاب الأمريكي من العراق، اذ تسعى إيران ولا سيما بعد مقتل سليماني الى افراغ العراق من القوات الأجنبية، وهو ما تعتبره نصر استراتيجي حققته على أمريكا، او بمثابة الرد على هذا المقتل.

وبالتزامن مع بدء الحوار الذي أعلن عنه وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، أصدرت الفصائل التي ترتبط ارتباطا وثيقا بإيران بيانا اشارت فيه الى تعليق الهدنة مع القوات الأميركية في العراق، في حال لم يأت الحوار بالنتائج المطلوبة او المرغوب تحقيقها، كما أنها قد وجهت بذلك رسالة واضحة الى رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي بضرورة أخذ مطالبها على محمل الجد.

الزيارة التي استمرت ليومين وشهدت التقاء شخصيات سياسية وزعماء فصائل لها السيطرة على الشارع العراقي، تعكس اهتمام إيران بمخرجات الحوار الاستراتيجي، خصوصا في الشق المتعلق بخروج القوات الامريكية وعدم البقاء الذي ترفضه إيران بأي شكل من الاشكال.

ومن المحتمل ان تكون الزيارة، قد ذكرت المسؤولين العراقيين بالدور الإيراني الذي قامت به خلال الحرب على داعش، واهمية رد الجميل لهم في المرحلة الحساسة، التي تمر بها من فتور او تراجع اقتصادي، الى جانب ضعف في التحالفات الدولية، قبالة ما تقوم به أمريكا من تحركات لإضعافها والحد من سيطرتها وتحكمها بالمشهد السياسي العراقي.

وتحقيقا لذلك تأتي زيارة قآني لبغداد في إطار توضيح المطالب الإيرانية من هذا الحوار، لاسيما وان إيران وضعت بصماتها في السابق، عندما خاض العراق جولات تفاوضية مع الولايات المتحدة حول الاتفاقية الأمنية في العام 2008، اذ لم تنال الاتفاقية الأمنية، رضى إيران، إلا بعد تعهدات قدمها العراق، بأنه سيكون حريصا على عدم تضمين الاتفاقية أي بند يُبيح للولايات المتحدة استخدام الأراضي العراقية في مهاجمة إيران.

ماذا تريد إيران؟

إيران تريد دفع السياسيين العراقيين الى الالتزام بعدم تضمين أي اتفاقية تخرج عن هذا الإطار، (استثمار الأراضي العراقية لمحاربة إيران او توجيه ضربة عسكرية لها)، اما المطلب الثاني هو ألا يستثني أي جدول يتم وضعه لانسحاب القوات الأميركية من العراق، أي قاعدة أو منطقة في عموم البلاد، أي أن يكون انسحابا كاملا وليس جزئيا.

وهذه المطالب الإيرانية التي جاءت بحقيبة قآني المتوجه الى العراق، يقابلها في الجانب الآخر، إصرار الإدارة الأميركية على بحث النفوذ الإقليمي الإيراني ضمن أي صفقة مقبلة مع إيران، وبذلك تكون إيران قد قالت لإدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، أن الإبقاء على هذا المطلب، سيقابله انسحاب كامل للولايات المتحدة من العراق.

خشية أمريكية

الولايات المتحدة تدرك تماما ان لإيران دور كبير على ارض الواقع، وذلك نتيجة ما تمتلكه من فصائل متعددة تدين لها بالولاء، وتسعى جاهدة لإرضاءها، اذ تقوم الأخيرة بين فترة وأخرى بشن هجمات على الارتال العسكرية للقوات الأجنبية، فضلا عن القصف المستمر للسفارة الامريكية ومحيطها في بغداد.

وتعرف إدارة الرئيس الديمقراطي جو بايدن أن الحصول على التزامات مهمة وواسعة من حكومة الكاظمي، قد يتطلب دور امريكي أكبر في العراق، مع أهمية التنسيق مع القيادات في البلد فيما يتعلق بسلامة قواتها العسكرية، وتأمين مصالحها من أي تهديدات مستقبلية قد تصدر عن إيران وحلفائها في العراق.

الى ماذا يتطلع العراق؟

ومع المطلبين او الرغبتين الامريكية والإيرانية، إن العراق هو الآخر يتطلع إلى إيجاد حوار بناء وفعال قادر على تحقيق العديد من الحاجات الاستراتيجية في الفترة المقبلة، فالحكومة الحالية، بحاجة إلى الحصول على التزامات من الولايات المتحدة، لمواجهة التحديات الحقيقية التي ستواجهها في الأيام المقبلة.

ومن أبرز الملفات التي تريد معالجتها هي الاقتصاد المريض، فضلا عن حلمها في تحييد العراق وابعاده عن آثار الصراع الأميركي الإيراني، كما انها تبحث بسبل تمكين العراق من الناحية السياسية والعسكرية لتحقيق المزيد من السيادة والاستقلالية في القرار السياسي.

التموجات العديدة التي تحكم العلاقة الثلاثية، الإيرانية العراقية الامريكية، تجعلنا، ندور في دائرة الريب وعدم معرفة المعالم الرئيسية للحوار، ومن ثم تشخصيه فيما إذا كان عراقيا أمريكا بحتا، ام انه حوار إيراني امريكي، وهم المتحكمين بمساراته من اجل الخروج بمخرجات واضحة تخدم العلاقات الثنائية بين البلدين، ويبقى العراق متفرجا دون فائدة.

اضف تعليق