جاء نفرٌ من سادات قريش الى النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، وكان في بدايات دعوته الى التوحيد والى الإسلام، بينهم؛ العاص بن وائل، والوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، وطلبوا منه "الحل الوسط" لوضع حدٍ للنزاع و"تعريض الامن والاستقرار والسلم الأهلي للخطر" فقالوا له: "هلُمّ يا محمد فاتبع ديننا نتبع دينك، ونشركك في أمرنا كله، تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة، فإن كان الذي جئت به خيراً مما بأيدينا، كُنا قد شركناك فيه وأخذنا بحظنا منه، وإن كان الذي ما بأيدينا خيراً مما في يديك، كنت قد اشركتنا في أمرنا وأخذت بحظك منه".

لو رفعنا اسم النبي الاكرم ومشركي مكة من هذا المثل، ثم ألقيناه في واقعنا اليوم، ماذا يكون عليه موقف رجال السياسة والاقتصاد والقانون، وقد تغلف الطرح بالمنطق والعقل، وربما يعده البعض مسألة تجريبية تستحق العناء كفيلة بتبيين الحقائق اكثر من الكلام النظري! "لننظر ونرى"، وعدم القبول بطرح كهذا يعني التطرف والاستبداد بالرأي، وتخطئة الآخرين.

كان جواب النبي الاكرم؛ النفي القاطع بأن "معاذ الله أن أشرك به غيره". فهو نبي مُرسل بالتوحيد الى البشرية، ويعرف كيف يتصرف امام هكذا مطلب، وعندما رأى المشركون هذا الموقف الرافض والصارم، قدموا تنازلاً آخراً وهو؛ "فاستلم بعض آلهتنا نصدقك ونعبد آلهتك"، بمعنى؛ لا حاجة أن تعبد آلهتنا سنة، يكفي أن تتمسح بأحد الاصنام –وليس كلها- مرة واحدة فقط وينتهي كل شيء. فقال لهم النبي: "أنظر ما يأتي من عند ربي"، في اشارة واضحة وذكية منه، صلى الله عليه وآله، بأنه ليس وحيداً في الميدان حتى يقايضهم ويتفاوض معهم، ثم ليكون الجواب النازل من السماء قاعدة فكرية وعقدية للأجيال القادمة الى يوم القيامة: فنزلت سورة كاملة باسم؛ الكافرون، تلاها النبي على أسماع أهل مكة عند المسجد الحرام: { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}.

لماذا نحتاج الحلول الوسط؟

عندما يتحدث العلماء والمفكرون بأن "الاسلام دين تقدمي"، وأنه يفجر طاقات الانسان، ويحثّ على التطور في الحياة، ويضيء طريق السعادة والرفاهية للانسان، فانهم يحاولون دغدغة المشاعر، وتعزيز الثقة، وإحياء الآمال في وقت تعيش الامة في أسوء حالاتها، وأقل ما يمكن قوله: أنها ترى الموت اكثر من الحياة يومياً، وترى الشقاء والبؤس كأمر مقدّر عليها لا يمكن الفكاك منه، بالمقابل ترى ما لدى الأمم الاخرى من تطور في الحياة، وتقدم اقتصادي وهيمنة سياسية وعسكرية، فيكون الاستنتاج السريع؛ ان كل ذلك الكلام والتنظير لا يعدو أن يكون من الاحلام الوردية الجميلة لن يلامس الواقع الفاسد والسيئ الذي نعيشه، ولكن؛ القراءة المتأنية لواقع التقدم في الاسلام يضعنا امام حقيقة التطور والتقدم في الحياة، وامكانية الوصول اليهما.

فالاسلام قبل أن يُقرن الايمان بالعمل، ويحثّ على التنافس، والمبادرة، بيّن فلسفة الاحكام ليعرف الانسان لماذا يصلي؟ ولماذا يؤدي مناسك الحج؟ ولماذا يصوم؟ ولماذا يُحسن لوالديه، وللفقراء والمحتاجين؟ وغيرها من الاحكام والآداب والسنن، فالجانب المعرفي يمثل قاعدة الانطلاق نحو تغيير الواقع نحو الافضل، وحتى يكون الانسان على بيّنة وفهم كاملين لما يفعل، لا أن يكون التطور والتقدم، قرارات واجراءات حكومية، او برنامجاً يضعه القائد المُلهم، او الزعيم المحبوب من الجماهير، فيتحول الفرد الى صامولة صغيرة في عجلة اقتصاد يديره شخص الزعيم فقط.

وهذا ما تنبّه اليه الامام الراحل السيد محمد الشيرازي –طاب ثراه- باننا "اكتشفنا بالتتبع في القرآن الكريم، أن أي تشريع، أو أي قرار، أو أي حكم، أو حقيقة يذكرها الله سبحانه، فانه يعقبها ببيان الفلسفة والحكمة لذلك الحكم"، (بحوث في العقيدة والسلوك- آية الله السيد مرتضى الشيرازي). فنحن نصلّي من أجل المداومة على ذكر الله –تعالى-، { وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي}، وكذا الحال في الصوم: {لَعلّكُم تَتّقون}، ومن يرصد في القرآن الكريم أداة "لعل" التي تفيد الترجّي، يجد أنها تقرن بين الاحكام والاداب والسنن، والحكمة منها بشكل منطقي رائع، منها: { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، و{ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}، و{ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}، و{ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.

ولم يسجل التاريخ مشكلة اقتصادية، او أزمة اخلاقية واجتماعية واحدة، او حتى لوثة فكرية وعقدية تعرضت لها الأمة بسبب هذه المعادلة التقدمية التي قدمها القرآن الكريم للمسلمين، أما ما حصل من ازمات ولوثات فكرية وعقدية، فهو بسبب التخلّي عن هذه المعادلة، فراح الناس يصلون ويصومون ويحجون، ويقرأون ويحفظون القرآن في المساجد الكبيرة والجميلة، فيما حياتهم جحيم. بل العكس تماماً، فعندما نسمع أن العلماء والفقهاء يتحيرون في كيفية تطبيق آية قطع يد السارق في العهد العباسي، وبعد مرور حوالي قرنين من البعثة النبوية الشريفة، فانه يدل على عدم وجود مسلم يضطر للسرقة طيلة مئتي عام، فيما كانت المساجد مملوءة بالباحثين عن العلوم والمعارف بفضل وجود أئمة أهل البيت، عليهم السلام، فأهدوا للعالم علماء أفذاذ في مختلف العلوم الطبيعية، واستمرت هذه المسيرة حتى بعد غياب آخر إمام معصوم، حيث ناضل وكابد العلماء أقسى الظروف المعيشية، وتجاوزوا أشد الظروف والتحديات وحققوا منجزات علمية باهرة ما تزال معالمها ماثلة للعيان، الى جانب اقرار علماء الغرب بالأسبقية والجدارة لهم، بل وبفضلهم الكبير على العلوم الحديثة في الوقت الحاضر.

الثورة على الذات أم الثورة على الدين؟

السؤال الكبير والحائر امامنا: ما هو الحل للخلاص مما نحن فيه؟

هل نتوقع أن تنجنب أمهاتنا ولد يصبح جابر بن حيان؟!

لابد من اتخاذ "الاجراء السريع"، وهذا الكلام ليس وليد اليوم، وإنما يواجه الامة منذ عقود في ظل الازمات المعيشية، والسياسات القمعية والديكتاتورية، وخنق الحريات، فراح البعض –وما يزال- يدعو الى الثورة على الدين، وفي خطوة أخف حدة؛ "تعديل الدين"، او ما يسمى بالاعتدال ليكون مواكباً –وفق تصورهم- للحياة وتطوراته، طبعاً؛ لا يجرؤ أحد على وسم الاسلام، او القرآن الكريم بانه "رجعي"، وانه السبب المباشر في الويلات والمعاناة، لقوة الادلة الداحضة، ووجود الحقائق الناصعة، إنما يستهدفون التطبيقات العملية، والتفسير، وإن صدق التفسير منطقياً وعقلياً، فالدعوة الجديدة الى "التحديث"، و أن لكل زمان وظروف أحكامه الخاصة به، فالآيات الكريمة التي يتبرّك ويتجمّل بها الجميع، مكانها على الجدران، وتداولها تلاوةً وتفسيراً في المساجد والحوزات والمراكز الدينية، وليس في مراكز الابحاث الاستراتيجية فيما يتعلق بالاقتصاد والامن والسياسة، وفي الجامعات والمراكز التعليمية.

ويبدو من هذا الرأي أن الانسان اكثر عصامية من القرآن الكريم، فهو الجدير، ليس فقط في ايجاد الحلول الوسط للتغيير نحو الافضل، وانما في سنّ القوانين والتشريعات الحديثة المواكبة للعصر، وليس هو من تسبب في الحروب والكوارث وضياع الثروات والقدرات بسبب أخطاء كارثية سجلها التاريخ الحديث، وهذا هو الخطأ المنهجي الذي سقط فيه الغرب، فمايزال حائراً في أمره؛ ما بال التقنيات الحديثة في عالم الاتصال، والنقل، والمنجزات العلمية الهائلة في الطب والبناء والفضاء، وحتى النظام والقانون، لا توفر الحياة الآمنة، والكريمة للناس، فاذا ننحّي جائحة كورونا جانباً، لابد من الاشارة الى العنصرية، والفقر، والعنف المنزلي والاجتماعي المريع، وأخيراً؛ الارهاب الذي ثبت يقيناً أن الغرب كان وراء إنشائه وتغذيته في العالم الاسلامي، ثم انتقل بشكل لا يصدق الى المدن الاوربية ليحصد النساء والاطفال على حين غرّة.

ولذا كان التشخيص الدقيق من علماء الدين لجذر المشكلة الكامنة في نفس الانسان، وليس فيما ينتجه ويستخدمه، فهو الذي يمتلك حق التصرف بالمليارات، وهو الذي يتلاعب بقيمة النقد الموجود بأيدي الناس في العالم، بل ويتلاعب بالارواح والمصائر بجرّة قلم و تفوّه بكلمات، والقرآن الكريم يبين لنا كيف تنشأ الحضارات وتتقدم الأمم، وكيف تتراجع وتنهار، ففي "بدء نزول القرآن كان الوحي يتلقاه مجموعة إيمانية مخلصة ونزيهة، وهؤلاء يتلقون الوحي بفطرتهم، ويتفاعلون معه بنقاء، ولكن الروح الحضارية لا تلبث أن تخبو فيهم شيئاً فشيئاً بسبب طول الأمد، وبسبب خشيتهم من الجهاد في سبيل الله و ركونهم الى الدنيا"، (معالم الحضارة الاسلامية، المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي).

هذا التراجع والانحدار بدأ عندما تغيرت نفوس المسلمين فبدأوا:

1- بالابتعاد عن المصادر الحقيقية للدين وهي؛ القرآن الكريم، والاحاديث الشريفة وسيرة الأئمة المعصومين، عليهم السلام، وبدلاً منه صار الخلط بين الدين والتراث وتفسير الدين بشكل خاطئ، وعدم إفساح المجال للإيمان بأن يأخذ مجراه في نفوس الاجيال الجديدة والشبيبة ليعرفوا الاسلام كما عرفه المسلمون في صدر الاسلام.

2- بالانتقائية من الدين، والبحث عن كلمات في آيات كريمة تبرر لهم أعمالهم وافكارهم مثل: { وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}، و{ لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} للتحلل من أي التزام ومسؤولية.

3- بقسوة القلب وإبعاده عن كل ما يدعو الى العطف واللين والرحمة، فالآثار السلبية لا تنحصر في علاقات بينية، بل تتعداها الى أبعاد اجتماعية وسياسية واسعة، وإلا ما الذي يسهّل على رئيس او وزير أو حتى نائب منتخب من قبل الشعب اتخاذ قرار، او المواقفة على قانون يطعن في كرامة الانسان ويثبت مكانه وسط النفايات وفي العشوائيات؟ فاذا "اردنا ان نرى ونلمس التخلف والجاهلية والركود بصورة مركزة فان بامكاننا ان نراه في قسوة القلب، فعندما يقسو القلب يتوقف الزمن، ويتخلف الانسان، ويتوغل في الجهل والجاهلية".

ماكس فيبر وتجربة تزويج الأخلاق بالمال!

يمكن ان نعد ماكس فيبر، عالم الاجتماع الالماني (1864-1920)، أبرز من جرّب الحلول الوسط بين التطرف الديني والانغلاق على الغيبيات، والانفتاح على العالم والبحث عن فرص التطور في الحياة، وقد حقق نجاحاً باهراً للغرب من خلال نظريته التي جاءت عنواناً لكتابه: "الاخلاق البروتستانتية والروح الرأسمالية"، وكونه مسيحياً بروتستانتياً، فقد دعا الانسان (الفرد) الى العمل والانتاج والإثراء الى جانب الاحتفاظ بالتقوى والاخلاق، وأن دخول الجنة ليس محرماً على الاثرياء، مما جعله وجهاً لوجه أمام الكنيسة الكاثوليكية، وسائر الاديان في العالم التي تكبّل الانسان وتحدد حركته وعمله وفكره، وصدرت عنه أقوال بأن الدين يمثل العقبة امام التقدم الحضاري، بينما بشّر بالحالة "الثورية" للبروتستانت، وقدرتها على التعاطي مع العلم والعمل، الامر الذي جعل نظرية فيبر قاعدة الانطلاق الهائل لمسيرة التقدم الصناعي والعلمي في اوربا واميركا والغرب بشكل عام، بيد أن مشكلة فيبر –غير المقصودة- عدم وجود ضمانات لهذا الانسان المتحفز للإثراء بأن يلتزم بالقيم الاخلاقية، فضلاً عن المعنوية مثل مخافة الله ويوم الحساب.

لقد كان ماكس فيبر سليم النية في مقاصده، و اراد النهوض بالانسان الغربي من براثن الفقر والتخلف، بيد ان النتائج بعد مرور حوالي مئة وخمسين عاماً على وفاته لم تكن مطابقة لما بشّر به بسبب النفس الانسانية التي تبقى هي هي، لاتتغير، فهي كامنة في البشر على طول الخط، وأبرز مثال ما صرّح به خبير اقتصادي اميركي إبان الأزمة المالية عام 2008،والتي عرفت بأزمة الرهن العقاري، عندما وجد الالاف من الاميركيين فجأة انفسهم لا يملكون البيت الذي يسكنوه، وانهم مدينون للبنوك لأن قيمة السكن المرهون هبطت بشكل فضيع، فقال: "ان الفقير أكثر شرفاً من الثري، فهو من يستحق امتلاك المال"، والسبب هو تغليب النفعية والمصلحية والنجاح والتفوق بكل ثمن، وتنحية الاخلاق والانسانية والقيم المعنوية جانباً.

اذا اردنا ان نتخلص مما نحن فيه من عدوى الفشل الغربي في الجمع بين الاخلاق والعمل، علينا، وبكل بساطة العودة الى الذات واجراء مراجعة شجاعة وإعادة حسابات لطرق التفكير ومناهج العمل والتطبيق، فلا نكون –حينها- بحاجة الى حلول وسط عندما يكون موقعنا رصين وخندقنا منيع لا نخشى التحديات مهما كانت، وحتى نتأسّى برسول الله في ظروفه الاستثنائية والعصيبة حال عرض الحلول الوسط عليه من قبل مشركي مكة، فهو فضّل تحمّل الأذى والصعاب وحتى التهديد بالقتل والتشريد على التنازل عن قضيته الحق، و رسالته السماوية، ومهمته الانسانية، فهو لم يأت بنظرية اجتماعية، ولا اقتصادية، وإنما دين قويم متكامل في انظمته وقوانينه وأحكامه بما يحقق الخير للبشرية جمعاء.

اضف تعليق