يوجد أنواع عديدة من البطالة، منها ذاتية، أي أن الفرد هو الذي يتحمّل مسؤولية هذا النوع من البطالة، نتيجة لرفضه العمل، أو بحثه عن الراحة، أو لأي سبب ذاتي آخر، لكن هناك بطالة من نوع آخر، إنها البطالة التي تُفرَض على الإنسان، لاسيما في الدول المتأخرة التي تديرها حكومات فاشلة.

هذا النوع من البطالة (الرسمية)، عادة ما نجده في دول تديرها حكومات ضعيفة، ويقودها حكام مستبدون، لا تعنيهم القيم ولا مبادئ العمل، ولا الحقوق أو الحريات، في مثل هذه المجتمعات المنهكة لا يوجد التزام بمعادلة الحقوق تقابلها واجبات، مع أننا نفهم ونقرّ بأن الحياة عبارة عن مكاييل متوازنة بين الحقوق والواجبات.

كذلك معادلة الأخذ مقابل العطاء. لا يصح إهمالها، أو عدم العمل بها، لأن النتائج معروفة مسبقا، فالحياة لن تعطي أحدا شيئا ما لم تكن لديه قدرة على تقديم المقابل، وأبسط الأدلة على ذلك، أن الإنسان العاطل عن العمل قد لا يجد ما يسد رمقه، حتى لو لم يكن هو السبب في هذا العجز، بمعنى حتى لو كانت الحكومات سببا في البطالة، فإن العاطل يبقى أسيرا للجوع والحرمان وينسحب ذلك على عائلته أيضا.

كيف يتخلص الإنسان من هذا المأزق، وهو واقع لا يمكن الخلاص منه، في دول ومجتمعات عديدة، منها العراق رغم غناه وكثرة ثرواته، ولكن لأن حكوماته وطبقته السياسية فاشلة في الإدارة وضعيفة في تطبيق القانون، وغاطسة في الفساد، فإن البطالة منتشرة ولابد من عثور الإنسان على بدائل تخلّصه من البطالة المفروضة عليه.

التفكير بمشاريع الصغير أنقذ الكثير من الأفراد والعائلات، بل أنقذ شعوبا كان الفقر ينقض عليها ويفتك بها، لذا يجب أن يكون لدى العاطل وليس (العجز عن العمل لأمور خارج إرادته)، عليه أن يكون في حالة استنفار كامل وتفكير لا يكلّ ولا يتوقف، في التخطيط لمشروع صغير وممكن التنفيذ ضمن طاقاته وقدراته.

عليه أن يفهم شخصيته، طبيعتها، قدراتها العضلية والفكرية، كذلك لابد أن يرصد الظروف المحيطة به، الاقتصادية وحركة السوق، البيع والشراء، والتحلي بشيء من روح الإقدام والمغامرة، هذا الشرط لا يمكن التنازل عنه في حال قرر الإنسان التخلص من عبء البطالة المفروضة عليه من أية جهة، أو لأية أسباب كانت.

إذاً لا عطايا من دون أتعاب، يبذلها الإنسان في صيغ وصور مختلفة، منها تقديم الجهد العضلي أو الفكري أو المادي، بالنتيجة سيكون هناك نوع من التوازن بين ما تأخذه وما تعطيه، ومعادلة الأخذ والعطاء، تؤكد أن أكثر الناس فقرا وحرمانا في الحياة هم الأقل عطاءً من غيرهم، حتى لو كانت البطالة مفروضة عليهم.

فحين تكون البطالة مفروضة على الناس بسبب حكوماتهم الفاشلة، هذا لا يعني أن يبقى الإنسان فاشلا مستسلما ومسلّما أمره لما يحيط به من ظروف خارجة عن إرادته، مهما كان نوعها أو حجمها أو مصدرها، لأن الإنسان عقل وطاقة، وعليه أن يستثمر عقله وذكاءه وطاقته ليعطي كي يأخذ، أي ليعمل كي يكسب، ونموذج تطوير المشاريع الصغيرة هو الحل، لكن على الإنسان أن يكون مستعدا للبحث وعدم الاستسلام تحت أي ظرف كان.

من هنا تشكلّت أيضا معادلة معروفة، هي الحقوق والواجبات، وكثيرا ما نسمع أو نقرأ شكاوى للمواطن البسيط، يقول فيها دائما عبر وسائل الإعلام المختلفة، أن حقوقه مهدورة، وهو واقع حال لا احد يستطيع إنكاره، وهذه الحقوق تتمثل بنقص الخدمات وضعف القوة الشرائية وقلة التعليم والصحة، وغياب أو ضعف الضمان الاجتماعي والصحي وغيره، والأسباب في الغالب معروفة، لكن هل يعني هذا القبول بواقع الحال؟؟ كلا بالطبع.

نعم كلّنا نعرف بأن ضعف او فقدان هذه الحقوق يعود الى فشل الحكومات التي تعاقبت على العراقيين، فهي في الغالب حكومات فردية حزبية مصلحية قمعية مستبدة، تستميت في حماية مصالح أفرادها (الطبقة الحاكمة) والمستفيدين منها، وهم قلة قليلة، لتبقى الطبقات والشرائح الأخرى تعاني من ظاهرة هدر الحقوق المزمنة.

البحث عن الأسباب يقودنا الى تحديد المسؤولية، لماذا يعاني العراقيون من ظاهرة التجاوز على الحقوق، هل الحكومات فقط هي السبب في ذلك؟ الجواب: كلا، هناك طرف آخر مسؤول عن ظاهرة التجاوز والجهل والحرمان والبطالة وضعف الخدمات وانتهاك الحريات وسواها، هذا المسؤول هو المواطن نفسه، وهو طرف المعادلة الأهم.

لا يمكن أن يستهين الفرد بقدراته، أو يتحجج بقلّة الحيلة، أو بصعوبة الظروف المحيطة، فحينما يختل التوازن بين طرفي معادلة الأخذ والعطاء، ستنتعش ظاهرة إهدار الحقوق، بمعنى حين يعجز المواطن عن المطالبة بحقه لأي سبب كان، فإن النتائج ستكون معروفة سلفا، ومن الأهمية بمكان أن يتخذ الخطوات اللازمة لضمان حماية حقوقه.

تبدو القضية إذن حالة صراع، بين المواطن والحكومة، وكلما كان المواطن أكثر قدرة وفهما لإدارة هذا الصراع، كان الحق المهدور أقل، فحين يكون المواطن واعيا ستكون خسائره في هذا الجانب او سواه قليلة، وحين يكون معطاءً وفاعلا ومتحركا، يكون تأثيره كبيرا في تثبيت حقوقه وعدم السماح بالتجاوز عليها، ويستطيع الفرد بالتعاون المنظّم والقوة الضاغطة إجبار الحكومة والطبقة السياسية على الاستماع لصوته والالتزام بحقوقه.

كذلك حين يقوم الفرد بواجباته كما يجب، فإن حصوله على حقه مضمون حتما، إذ هناك دور للمواطن يتوزع بين الدفاع عن حقوقه والمطالبة بها، وبين أدائه لواجباته تجاه نفسه والآخرين، تتمثل هذه الواجبات بالاستعداد الدائم للتضحية من اجل حماية الحقوق بأنواعها المختلفة، ولكن لابد من الالتزام بمعادلة الأخذ والعطاء.

هنا تبدو المسؤولية مشتركة بين المواطن والمسؤول، فكلما كان المواطن أكثر شعورا بالمسؤولية وأكثر استعدادا للعطاء والقيام بالواجبات، كان المسؤول الرسمي أقل تأثيرا في عملية التجاوز على حقوق الناس، لذا يحتاج العراقيون الى تنمية الشعور بالمسؤولية لديهم، ونبذ الاتكال، ورفض حالة اللامبالاة التي تسود أنشطتهم، في هذه الحالة حتى المسؤول سيكون أكثر خشية من المواطن، فضلا عن ميله التدريجي الى تصحيح الأخطاء، ومحاولة تفضيل العمل المشترك بين الطرفين الرسمي والأهلي.

في المحصلة هناك خطوات يجب أن يُقدم عليها الإنسان كي يحافظ على حقوقه، ولا يستسلم للظروف المحيطة، ولا القرارات المفروضة عليه، وعليه أن يؤمن بقدراته وطاقاته، للإفلات من قبضة البطالة المفروضة، ومن السياسات التي تسعى لاستعباده بأساليب باتت معروفة للجميع.

اضف تعليق