من المفترض ان تكون التكاملية، السمة العليا للعلاقة بين الجماهير و وسائل الاعلام التي وجدت لتكون لسان حال الجماهير وضميرها من خلال عملها الخاص بنشر المعلومة والفكرة بطرق ووسائل شتّى، كما أن الاخيرة وجدت انها بحاجة دائمة لمرآة تعكس من خلالها همومها وتطلعاتها، ولتكون الوسيلة بينها وبين النظام الحاكم، وربما تجده أكثر فاعلية وفائدة من النائب المنتخب وفق النظام الديمقراطي.

انما المفارقة تحدث عندما تنحاز بعض وسائل الاعلام –وليس جميعها- الى غايات ومصالح خاصة تفصلها عن الجذور، وعن القيم والمبادئ، بينما تبقى الجماهير على حالها، وهي المتشكلة من جماعات وشرائح متنوعة في المجتمع والامة تعبر عن حالة انسانية أصيلة تتسم بسلامة الفطرة ونقاء الروح، لذا فان معظم مطالبات الناس من النظام الحاكم تكون حقّة ومشروعة تنبع من حاجات اساسية لا جدال فيها مثل؛ الخدمات، وفرص العمل، والتقسيم العادل للثروة، الى جانب الحريات بمختلف انواعها.

تلكم المصالح المتمثلة باحزاب سياسية، او توجهات ايديولوجية، او مؤسسات مالية، بل وحتى مخابراتية تدفع بعملية "الاتصال الجماهيري" لاتخاذ لغة جديدة بالخطاب الاعلامي لا علاقة لها بمهمة الاعلام من حيث المبدأ، بقدر ما هي تعكس واقع الحياة اليومية المشحون بالسلبيات والاسقاطات بسبب سوء الادارة وفشل سياسات الحكومة.

والمشهد العراقي يجسّد هذه المفارقة طيلة السنوات الماضية، وتحديداً منذ الاطاحة بنظام صدام، ولسان حال بعض وسائل الاعلام تأسيس فكرة في الاذهان والنفوس بأن لا نظام سياسي قادر على إسعاد الشعب العراقي بعد "صدام حسين"!

الواقع الفاسد، مستنقع السلبيات

يقفز الجواب على ما سبق بأن المشكلة ليست في وسائل الاعلام بقدر ما هو الواقع السياسي الفاسد، فالفضائيات، ومواقع الانترنت، وحشود الكتاب والمحللين والمراسلين، الى جانب مقدمي البرامج الحوارية والساخرة، ممن ينضوون تحت لواء "الاتصال الجماهيري" لم يخلقوا هذا الواقع، إنما هو من صنع الساسة وطلاب السلطة، وما هم إلا مرآة لهذا الواقع، وما المراسل، ومحرر الخبر وكاتب المقال، سوى ضمير المواطن في التعبير عن آلامه ومعاناته مع الماء والكهرباء والطرق والصحة والتعليم والى ما لا نهاية من الازمات التي نسمع عنها في كل مكان بالعالم وحتى في الغرب المتقدم.

في حين يؤكد خبراء الاتصال والاعلام على ايجابية الرسالة الاعلامية، وأن البناء والتوجيه الايجابي اساس العلاقة بين مختلف وسائل الاعلام والجماهير، لذا سُميت بـ "الاتصال الجماهيري"، "فالناس لا يحبذون فقط تلقي المعلومات من الآخرين بل يودون ايضاً إيصال آرائهم ومشاعرهم الى الآخرين، وهكذا يشكل الاتصال اساساً لهذا التفاعل، فهو وسيلتهم الى التأثير والتأثر، وعليه فان الاتصال بمعناه الايجابي أداة للتغيير، ووسيلة للتوجيه لانه يتولى مهام الإعلام، وهذه المهام تشكل جوهر الثقافة التي يقوم عليها بنيان المجتمع".

وفي بلد مثل العراق يبدو ان معايير النجاح في مهمام الاعلام والاتصال الجماهيري تختلف تماماً عمّا يجب ان تكون، في ظل تجاذبات سياسية شرسة، وتوجهات ايديولوجية متضاربة بعنف، فتجد بعض وسائل الاعلام في عملها "الاتصال" فرصة للظهور والتصيّد ما أمكنها أملاً في مكاسب مادية وأخرى معنوية من قبيل الشهرة والاطراء، ومن ثمّ التأثير على افكار وأذواق المتلقين.

ويبدو اننا امام تكرار تجارب قديمة في هذا الميدان، فقد شهدت المواجهة المحتدمة بين المعسكر الاشتراكي والمعسكر الرأسمالي –في جانب منه- حرباً اعلامية بسلاح الدعاية والحرب النفسية بالاستعانة بالتخريب الايديولوجي والسياسي و"امتصاص الآراء المشككة بالناس والظواهر والتحولات من خلال نشر المواقف التشكيكية"، ومن قراءة من بين سطور الخطاب السلبي نكتشف الطرق الملتوية لبعض وسائل الاعلام للوصول الى المتلقي، كما كانت الدعاية الرأسمالية في حقبة الحرب الباردة تفعل بالمتلقين، لاسيما المستهدفين في البلدان الاشتراكية، فهي تحول "مركز الثقل من الثناء على ظروف العيش المادية للمجتمع الرأسمالي، الى كيل المديح للحرية الروحية التي تشمل جميع مجالات الحياة في المجتمع الرأسمالي، فهي لا تدافع ظاهرياً عن النظام الرأسمالي ولا تحتوي على افكار معادية علناً للنظام والمثل الاشتراكية، بل تحاول تعويد الناس تدريجياً على التوجه نحو منظومة القيم الرأسمالية، مثل؛ التعددية وحرية السوق"، وكما نسمع ونرى اليوم في المرحلة الراهنة من تكريس الشعور بالمهانة والضِعة في مقابل سراب بعيد يحسبه الظمآن ماء، وانه الواقع المثالي الذي لابد من الوصول اليه، حيث النعيم المقيم والحرية المطلقة امام المشاعر والغرائز.

إن عقد الآمال على التصيّد في مستنقع الواقع الفاسد يسفر عن نتيجتين خطيرتين –من جملة نتائج- لها بالغ الأثر في الآجل على الجماهير وعلى وسائل الاعلام ايضاً:

النتيجة الاولى

إذكاء روح الانتقام في نفوس المتلقين، وعموم الجماهير من واقعهم السيئ والفاسد، يدفعهم بعيداً عن روح الفكرة، او التفكير بشكل عام في البدائل والحلول، فضلاً عن الابداع الذي طالما نتحدث عنه وندعو اليه بشغف بالغ.

وبما أننا امام تجمعات متعددة بين الجماهير المتلقية ضمن "الاتصال الجماهيري"، حيث يوجد جمهور الكُرة والرياضة، وجمهور الغناء، وجمهور الموضة، واخيراً جمهور الالعاب الالكترونية، فان الخطورة تكمن في سهولة وصول معوّل الخطاب السلبي الى مختلف انواع الجمهور لما يتعلق الحديث عن الواقع الفاسد بالجميع دون استثناء، بينما يكون من الصعب لملمة أنقاض الخيبة واليأس والرؤية الظلامية من جميع هؤلاء مرة واحدة، فربما يحتاج الترميم الى فترة طويلة بينما مسيرة الاتصال الجاهيري تمضي بسرعة البرق في العالم، إلا باستثناءات محددة وخاصة تتجسد لنا في طقوس دينية، أبرزها مراسيم إحياء ذكرى الامام الحسين، عليه السلام، في شهري محرم وصفر، فتتحول المناسبة الى لحظة استقطاب نادرة للغالبية العظمى من الجماهير بعد أن كانت مجاميع متناثرة كلٌ مشغولٌ بهمّه وتوجهاته الخاصة في الاشهر الماضية.

النتيجة الثانية

وربما لا تقل خطورة عن الاولى؛ عندما تُقرن الايجابية بالمثالية والتطلع الى الوهم والخيال لشدّة سوء الاحوال –كما يصورها البعض- حتى يُلقى في روع المتلقين، لاسيما شريحة الشباب، أن المنطلق والقاعدة هي؛ التشاؤم والتشكيك بكل شيء وقبل كل شيء، إذ لاحقائق ثابتة، ولا قيم ومبادئ صحيحة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، كما هو في النصوص الدينية.

وربما يحيلنا هذا الى الحرب النفسية مرة اخرى عندما يكون لها بالغ الأثر في انجاح الخطاب السلبي لتحقيق اهدافه، وبما أن المهمة غير عادية وذات مديات بعيدة فان الخبراء والعلماء في هذا المجال تحديداً يؤكدون أن الحرب النفسية "تحتاج رجال غير عاديين، وتحتاج الى عمل جماعي، وأن يجمع الافراد العاملون في هذا المجال عدة مهارات منها: معرفة تامة بسياسة الحكومة، ومعرفة مهنية بوسائل الاعلام، ومعرفة عملية بالمجتمع وتقاليده ولغته وتاريخه وعاداته، ومعرفة جيدة بالخطط والاجراءات العسكرية".

وهذا تحديداً ما يجعلنا نلاحظ الاحجام الواضح من عديد الشباب المبدعين والمجدّين من الظهور بما لديهم من مكتشفات، وانجازات علمية من شأنها الإسهام في تغيير الواقع الى ما هو أفضل وأحسن، وإن كان بالشيء اليسير والبسيط، عندما يكون المناخ الاجتماعي والسياسي ملبداً بالسلبيات والتشاؤميات، ولعل العديد من حالات الضياع لا يسعنا تسجيلها وتوثيقها، بسبب استحكام النفس السلبي، كما حصل مع مبرمج حاسوب عراقي باع انجازه لدولة عربية دون أن يسمع به أحد، وبعد ان عجز عن استثماره في بلده، نعم؛ نسمع بانجاز طالب او طالبة، وتفوقها العلمي في خارج وداخل العراق فقط عندما تهدر بالشكوى ضد المحاصصة الطائفية والسياسية، و أزمة التعيين! وليس الإشهار بوجود هذا التفوق والابداع والذكاء بين الناس، والدعوة لاصحاب الرساميل والمؤسسات الدينية والخيرية والاجتماعية لاحتضان هذا البرعم ورعايته بكل الوسائل ليكون شجرة سامقة ومثمرة.

الخطاب الايجابي مصدر قوة لوسائل الاعلام

عندما يكون مستوى الوعي، ونوع الثقافة، أبرز معايير الرقي والتقدم في أي شعب بالعالم، فان الاسهام في عملية تعميق الوعي وانتاج الثقافة والفكر يكون مؤشراً لنضوج وأهلية الكاتب الاعلامي بشكل عام، وللصحفي المخلص لمشروع الاتصال الجماهيري بشكل خاص، ولا يوجد شعب في العالم ارتقى سلم الرقي والتقدم العلمي والتقني، وصار مصدراً للسلع والمنتوجات، ومضرب للمثل في النجاح والرفاهية، إلا وقد اجتاز بنجاح ايضاً مرحلة إزالة ركام الحروب والازمات، والامثلة كثيرة لسنا بوارد الخوض فيها، انما المهم الاشارة الى ان هذه الشعوب الناهضة فطنت الى محورية التربية والتثقيف في عملية النهوض والتنمية الشاملة، و وجدت في عملية الاتصال الجماهيري عبر مختلف وسائل الاعلام القديمة منها والحديثة، الوسيلة الاسرع للمساعدة على انتاج جيل يعي أهمية نفسه، وأهمية بلده وشعبه.

وفي بلد مثل العراق، بخصوصياته الثقافية والحضارية، تكون مهمة "الاعلامي" بشكل عام، ذات ابعاد ثقافية وفكرية تتجاوز أطر المهنة التقليدية باعداد المواد الصحفية المتنوعة، او التنقل مع فريق العمل بين الناس، وبين المسؤولين الحكوميين بجهاز "المايك" والكاميرا، ليحسب لكل كلمة تصدر منه ألف حساب، و مردّ هذا الى الاهتمام البالغ لوسائل الاعلام العالمية، وحتى وكالات الانباء التي تنتج الاخبار يومياً، فانها تحرص بشدّة على جانب التثقيف وإلقاء الرسائل بين السطور، ومن خلال انتقاء خبر دون غيره، فضلاً عن الاعمال التحريرية المختلفة التي تجرى على الخبر الواحد من تضخيم، او تحجيم، او حتى تحريف للحقائق.

واذا نلاحظ اليوم العلاقة الوثيقة بين المتلقي العربي والعراقي تحديداً مع وسائل الاعلام الاجنبية (المعرّبة)، الى جانب حشود من المواقع الخبرية والمواقع الثقافية ومنصات التواصل الاجتماعي الممولة من الخارج فانها تنجح بفضل فشل وسائل اعلامنا في تقديم خطاب ايجابي محبب الى النفوس وبناء، واذا كنا في السابق نلاحظ انتشار انماط ثقافية، فاليوم نواجه أنماط فكرية وايديولوجية تدعو الى العدمية، واللاأدرية، والانعزال، لتحلّ محل مشاعر حب الوطن، والمسؤولية إزاء الآخرين.

وليس خافياً على المطلعين؛ فالقضية ليست بالسهلة واليسيرة بالتأكيد، بيد أن الآثار المترتبة عليها ثقافياً وتربوياً، ثم سياسياً واقتصادياً، تستحق الجهد والعناء والتضحية ايضاً عندما نتجاوز حدود الانتماء والشخصنة والاعتبارات السياسية وحتى الفئوية التي ربما يكون لكل هؤلاء رؤيتهم الخاصة ومصالحهم ضمن مشاريع قد تلتقي وقد تفترق مع مصالح الجماهير والامة، بينما الكاتب والصحفي والاعلامي الحقيقي هو ذلك الذي يحمل رأيه وفكره على أكفه لتأدية واجبه الرسالي بأحسن وجه.

.........................................................................................................
المصادر:
علم الاتصال بالجماهير- الدكتور فلاح المحنّة.

اضف تعليق