بعيدان عن بعضهما عاطفياً على الرغم من قربهما مكانياً، تجمدت مشاعرهما وجف الحب بينهما اقتصر عمل قلوبهما على ضخّ الدم للجسد فقط، تقتصر العلاقة بينهما على تأدية واجباتهما الاسرية برسمية او كأسقاط فرض ليس الا، انعكس البرود على علاقتهما التي بردت هي الأخرى وخمدت معها شعلة اللهفة والحنين، يربطهما عقد زواج رسمي يعد شاهداً وحيداً على استمرار زواجهما.

هذه الحالة تعرف بـ(الطلاق العاطفي) التي تجعل الزوجين يعيشون كأجساد من دون ارواح، منزوعي العاطفة تجاه بعضهما، كما انهم يصبحوا منهكين رغم تظاهرهم بالقوة لكنهم قوتهم زائفة تتآكل من الداخل يوم بعد اخر، فمن اوصل الزيجان الى هذه الحالة المأساوية؟، وكيف للزوجين ان يمدا ابناءهم بالأمان والدفيء والحب؟، وماذا يمنعهم من اعلان الطلاق وفك هذا الارتباط القاتل؟، والى أي وقت سيواصلون حياتهم على هذه الشاكلة؟، وكيف سينتهون او تنتهي مصيبتهم؟

يعرف الطلاق العاطفي من منظور علم النفس بأنه حالة يكون خلالها المزاج رافض لتقبل الشريك، لدواع نفسية تراكمية توصل بهم الى مستوى ينعدم فيه التواصل والاتصال بكل اشكاله، لكنهما يضطران للعيش تحت سقف الزوجية حفاظاً على الاولاد من الضياع في دهاليز الحياة المظلمة او حفاظاً على هيكل الاسرة امام المجتمع الذي يستنكر الطلاق الفعلي ويرفضه.

للطلاق العاطفي عدة انماط فقد يكون نمطاً صامتاً فرغم كبر حجم الهوة بينهما وانعدام المشاعر والعواطف وكل ما يشير الى حياة زوجية طبيعية الا انهما يبقيان ملتزمان الهدوء وكأنهما اتفقا على ذلك، ورغم ان الخلاف غير محمود الى انه يشير الى ذوق عال لدى الزوجين.

على خلاف الهدوء في النمط الاول قد يتخذ الطلاق العاطفي وضعاً تتشقق فيه اجواء الصمت بينهما من فترة لأخرى فيسود الصراخ اجواء المنزل، حيث لا مجال للتجاهل او محاولة غض البصر مهما سعيا الى ذلك السبيل.

وفي نمط ثالث قد يكون الطلاق العاطفي من طرف واحد فقط لسبب ما، فيعمد هذا الطرف الراغب في الطلاق الى قتل المشاعر تجاه نصفه الاخر عمداً او جعلها في وضع سبات قد يعاد تنشيط في وقت لاحق او يستمر ذلك السبات رغم رغبة الطرف الاخر بالعودة الى سابق العهد.

تترتب على الطلاق العاطفي اثار ونتائج، فهو من ابلغ العلامات التي تدل على قرب انتهاء صلاحية الزواج او انتهاءه بالفعل مالم يشرعا في العلاج، كما ان من الاثار السلبية للطلاق الذي يكون في بعض الاحيان اشد بطشاً في النفس من الطلاق الفعلي هي قتل الود والاحترام والتقبل على اقل تقدير بينهما فما قيمة الحياة التي تخلو من الحب وتتجرد من الاهتمام؟

الازواج هنا يعيشان حياة في الظاهر وجحيم في الباطن لان مدادها الحزن والاحباط فضلاً عن الفراغ العاطفي، وكل هذه السلبيات ستولد على المدى البعيد حالات القلق والاكتئاب وغيرها من والاضطرابات في الصحة النفسية والجسمية على حد سواء.

اما الابناء فلهم النصيب الاكبر من الخسارة والاذى، حيث تحاط زهرة طفولتهم بأشواك هذا الداء الذي غرس انيباه في جسد اسرتهم وحولها أسرة آسرة للطفولة مصادِرة لأحلامهم الجميلة قاتلة لسعادتهم، فلا يلتفت الوالدان الى الحاجات النفسية والروحية بل يتركز اهتمامهم على الحاجيات المادية فقط غير مكترثين الى الحاجات المعنوية مما ينعكس ذلك على مرحلة المراهقة في صورة انحراف بحثاً عن الحنان الذي يفتقدونه داخل الأسرة.

ومحاولات الزوجان في اخفاء الطلاق عن ابناءهم لتجنيبهم الاثر السلبي له لا تنجح وتصوراتهم عن النجاح في ذلك غير دقيقة او مغلوطة اذا ان الابناء يستشعرون الطاقة السلبية التي تنتجه الشحناء بين ابويهم، وتلك خسائر فادحة دون طائل.

ثمة اسباب ينشئ على اساسها الطلاق العاطفي اهمها: انعدام التكافؤ بين الازواج ثقافياً وتعليمياً واجتماعياً واقتصادياً وعمرياً ايضاً (الفارق الكبير في السن)، وعدم الانجاب هي الاخرى احدى مسببات المشكلة حيث يسود جو من الاتهامات والملل، كما شعور احد الشريكين بعدم أهميته في حياة الاخر او انشغاله بالعمل او الاصدقاء او غيرهم.

كما يعد تركيز احد الطرفين على حقوقه واغفال حقوق الطرف الاخر يعد سبباً مباشراً في كينونة هذه المشكلة، كما يعد بخل الزوج على زوجته معنوياً ومادياً وعدم اعطاء العائلة وقتها من الرعاية والاهتمام سبب في اتساع الفجوة بين الزوجين التي تكبر يوماً بعد اخر مالم تعالج.

ومن الاسباب التي تؤدي الى المشكلة ايضاً هو غياب العلاقة الحميمية بينهما او تحولها الى روتين مفروض يعقد المشكلة ويأزمها، وانعدام الثقة بالكذب او الخيانة او التضليل لاحد الطرقين هو الاخر يتسبب في مفاقمة الازمة.

المعالجات تكمن في الاعتراف بوجود فايروس يخترق جسد الزوجية، فمهم ان يتعاونان في سبيل الحماية استعادة الحياة الزوجية جمالها وصحتها، ثاني المعالجات هو تأصيل سلوكية الوضوح والمصارحة بين الزوجين وهو ما يسهم في فهم مشاعر بعضهما كما التعرف على احتياجات بعضهما وتعميق العلاقة بينهما وتقويتها.

ومن الاهمية ايضاً ان يحترم الطرفين بعضهما ويتجنبا كل ما يشعر احدهما بالإهانة بل الافضل اشعاره بأنه ضمن اولوياته التي يصب عليها الاهتمام، وللتقدير الذ يبديه الزوجين تجاه ما يقدمه احدهما الاخر من رعاية واهتمام واحترام وامتداح وامتنان اثر ايجابي بليغ في زيادة الترابط بينهما.

كما ينبغي التجديد في الحياة الزوجية والابتعاد عن الروتين بالممكن بالبسيط شبيه السفر او زيارة اماكن محلية او ممارسة رياضة معينة او حتى التسوق معاً كل ذلك له دوافع ايجابية في توطين العلاقة، ومن الضروري ان يغفر الطرفين زلات الشريك لأننا لسنا معصومين من الخطأ والزلل ومن لا يغفر لصاحبه اليوم خطأه كيف يتوقع منه أن يغفر له أخطاءه بعدئذ؟

في الختام نقول: يمكن معالجة مشكلة الطلاق العاطفي وتجنب اعراضه الاليمة حين تتوفر النية الصادقة والعزم على انهاءه واعادة الروح للعلاقة الزوجية من جديد ان شئنا.

اضف تعليق