لا يخفى على أحد إن الاقتصاد العراقي عانى ويعاني من أزمة مركبة وثلاثية (سياسية صحية اقتصادية)، وقد جاءت هذه الازمة المركبة بعدما تجاوز وبشق الانفس أزمة وصدمة مزدوجة هي (تنظيم داعش الإرهابي وانخفاض أسعار النفط منتصف 2014-2017).

وقد جاءت حكومة السيد مصطفى الكاظمي لتحل بديلاً عن حكومة السيد عادل عبد المهدي المستقيلة، وقد أعلنت هذه الحكومة عن إن مهمتها الأساسية الانتقال بالبلد نحو انتخابات جديدة. الا انها تصدت لموضوع الإصلاح الاقتصادي وأعلنت عما أطلق على تسميتها " الورقة البيضاء للإصلاح الاقتصادي" والتي أثارت جدالات واسعة بين المختصين حول فحواها وما تضمنته من فقرات.

ومن ثم جاءت مسودة مشروع موازنة عام 2012 والتي صوت عليها مجلس الوزراء بالإجماع، هذه الموازنة أطلقت الحكومة عليها أسم الموازنة الإصلاحية هي الأخرى أثارت جدلاً كبيراً وتسببت بموجة غضب عارمة بين المختصين بسبب افتقارها الى الكفاءة والهدر الكبير التذي يتنافى من مبدأ الإصلاح الاقتصادي.

• ملاحظات الدائرة القانونية/قسم التشريع التابع للأمانة العامة لمجلس الوزراء

أشرت الدائرة القانونية بمذكرتها الداخلية ذي العدد م د/ ق/2/2 بتاريخ 16/12/2020 جملة من الملاحظات والمخالفات بلغت إحدى وثلاثون نقطة، ونركز هنا على أبرز هذه المخالفات والملاحظات التي تخص الجانب المالي والاقتصادي وهي:

النقطة ثالثاً: إذ تشير على إنه لم يجر الالتزام بقانون الإدارة المالية الاتحادية رقم 6 لسنة 2019 والذي أوجب في المادة 3 منه آلية محددة لتقديم الموازنة تتمثل بإشراك وزارة التخطيط في إعداد الموازنة.

وهنا يبدو إن وزارة المالية قد صادرت حق وزارة التخطيط في إعداد الخطة الاستثمارية من خلال التخطيط للمشاريع الاستثمارية والتي هي من ضمن صلاحيات وزارة التخطيط.

النقطة ثالث عشر: بشأن حقوق والتزامات الإقليم

تضمنت هذه النقطة 7 فقرات متعلقة بعلاقة المركز بالإقليم من الناحية الاقتصادية والمالية، إذ أشارت الفقرة 1 على إنه قد جرى إضافة عبارة (أجور الكلف التشغيلية لنقل النفط الخام المُصدر من الإقليم ونفط وحقول كركوك الى النفقات الحاكمة) ولا نعرف أسباب تلك الإضافة...لا سيما إن الحكومة غير ملزمة بدفع أجور الكلف التشغيلية في أمور انفرد الإقليم بوضعها، وإن الإقليم غير ملزم بتسليم أكثر من 250 ألف برميل في حين تسلم بقية المحافظات إيراداتها النفطية وغير النفطية كافة الى الحكومة الاتحادية، من جهة ثانية هناك تناقض في المشروع فتارةً تُعد رواتب البيشمركة من النفقات السيادية وتارةً أخرى تُدفع من موازنة الإقليم.

في حين اشارت الفقرة 5 على إنه ألزمت المادة (11/ثالثاً) من المشروع الحكومة بتسوية القروض والالتزامات المالية المترتبة على الإقليم من عام 2014 الى عام 2018 وهنا تشير الدائرة القانونية الى عدم وجود سند قانوني يسمح للإقليم بالاقتراض من الخارج لا سيما إن المادة 110 من الدستور خصت السلطات الاتحادية التوقيع على الاتفاقيات.

النقطة سادس عشر: منح المشروع في المادة 15 منه صلاحية إضافة تخصيصات لإطفاء السلف للسنوات السابقة لغاية 31/12/2020 ولا تؤيد الدائرة القانونية ذلك، وتعتقد إن مثل هذا النص يشكل غطاءً قانونياً لتصرفات غير قانونية.

النقطة واحد وعشرون: والمتعلقة بتخفيضات المخصصات الممنوحة لمنتسبي دوائر الدولة، إذ جرى تخفيض مخصصات البعض كالخدمة الجامعية وغيرها ولم يجري تخفيض مخصصات أخرى مثل (قانون الخدمة الخارجية، قانون ديوان الرقابة المالية، قانون هيئة النزاهة، قانون مجلس القضاء الأعلى، كذلك لم تتطرق هذه المادة الى الحوافز والارباح التي يتقاضاها العاملون في الجهات الحكومية بضمنها وزارة المالية والنفط، كذلك لم يجري التطرق الى الحوافز التي يتقاضاها أصحاب الدرجات العليا في وزارة المالية نتيجة عضويتهم في مجالس الإدارة، وتقترح الدائرة القانونية إعادة النظر بالمادة 22 من القانون.

والأمر المثير للاستغراب الى إنه وبالرغم من توضيح هذه الملاحظات والمخالفات المالية والقانونية إلا أن مجلس الوزراء صوت عليها بالإجماع وارسلها الى البرلمان كما هي بدون أي تصحيح او تعديل.

• الموازنة بلغة الارقام

قُدرت إيرادات الموازنة العامة بنحو 93.159 ترليون دينار عراقي، منها 73.010 ترليون إيرادات نفطية و20.149 ترليون إيرادات غير نفطية، على أساس سعر برميل النفط 42 دولار كمتوسط لعام 2021 وبسعر صرف بلغ 1145 دينار لكل دولار وبمعدل تصدير بلغ 3.25 مليون بضمنها 250 ألف برميل حصة إقليم كوردستان.

في حين بلغت النفقات العامة 164.206 ترليون دينار منها 120.557 ترليون نفقات تشغيلية، و14.761 ترليون دينار أقساط الدين الداخلي والخارجي ونحو 1 ترليون للبرامج الخاصة (بزيادة مقدارها 100% بالمقارنة مع عام 2019)، في حين تم تخصيص مبلغ 27.755 ترليون للنفقات الرأسمالية و500 مليار لاحتياطي الطوارئ، الى جانب 2 ترليون لأعمار وتنمية مشاريع في المحافظات كافة.

في حين تم تخصيص مبلغ 16.5 ترليون دينار (14% من النفقات) للمستلزمات السلعية، منها 13.5 ترليون لقطاع الكهرباء و3 ترليون توزع على باقي وزارت الدولة، في حين تم تخصيص مبلغ 2.9 ترليون للمستلزمات الخدمية، اما المنح والاعانات فقد خُصص لها مبلغ 18.5 ترليون دينار (تقريباً 19.8% من مجموع إيرادات الموازنة).

إن مجموع مخصصات المستلزمات السلعية والخدمية والمنح والاعانات تبلغ نحو 39 ترليون دينار وهي تمثل نحو 65% من مجموع رواتب موظفي الدولة لعام 2021 ونحو 41.9% من مجموع الإيرادات العامة المُقدرة في مشروع الموازنة.

أما فيما يتعلق بالعجز المخطط فيبلغ نحو 71.046 ترليون دينار (ما يقارب 76% من الإيرادات و43% من مجموع الانفاق) وفي حال استبعاد كافة المتأخرات والمديونية والقروض الأجنبية والمحلية، فإن فجوة التمويل سوف تبلغ نحو 47.817 ترليون دينار (ما يقارب 50% من الإيرادات المقدرة)، وهذا العجز يتم تمويله من اصدار حوالات خزينة واصدار سندات وطنية للجمهور، اصدار سندات وحوالات للمصارف الحكومية تُخصم لدى البنك المركزي، قروض من المصارف التجارية، اصدار سندات خارجية، الاقتراض من المؤسسات الدولية.

• بيان وزارة المالية حول الموازنة: تناقضات واختلافات

تضمنت الموازنة بيان لوزارة المالية يتكون من 18 صفحة تحدثت فيه عن مشروع قانون الموازنة وقد حمل هذا البيان جملة من التناقضات والاختلافات، وسنقوم باقتباس بعض الفقرات من هذا البيان، فقد ذكر البيان الى إنه (يجب على موازنة 2021 معالجة عدد كبير من المشاكل الموروثة مع الحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي والوضع المالي وضمان الحفاظ على الخدمات كثير من المجتمع.

كما أشار الى إنه (قد لجئنا عند اعداد الموازنة الى وضع أسس واليات جديدة لزيادة الإيرادات العامة من خلال وضع نصوص يمكن من خلالها تعظيم هذه الإيرادات) ويقول البيان أيضاً (حاولنا قدر المستطاع إيجاد الحلول لتقليص النفقات الى أبعد حد ممكن مع استمرار تعاظم الطلبات باتجاه زيادة الانفاق من مؤسسات الدولة)، وأشار في مكان آخر الى إنه (على الحكومة الجديدة مواجهة حجم المشاكل الموروثة التي تواجه الاقتصاد العراقي على جميع المستويات على الرغم من إنها حكومة مهمتها الانتقال بالبلد نحو انتخابات جديدة. ويتساءل بيان الوزارة عن (ماهي الاعتبارات والقيود والافتراضات الرئيسة التي تقوم عليها موازنة عام 2021؟؟؟ وتجيب على ذلك بالقول ((كان أهم قيد هو السيطرة على المالية العامة وإبقاء العجز في حدود معقولة؟ وهذا بالطبع أمر صعب بشكل كبير في بيئة الركود وتفشي الوباء وعادة ما تدعو الحاجة الى اتخاذ تدابير قوية لمواجه التقلبات الطارئة.

وفيما يتعلق بالإيرادات يقول البيان (من ناحية الإيرادات فمن غير المرجح ان يتضاءل اعتمادنا على عائدات النفط كمصدر رئيس للإيرادات الى حد كبير في الأجلين القصير والمتوسط؟ مع ذلك بدأنا معالجة جدية لأوجه القصور في اداراتي الكمارك والضريبة، وسوف تستغرق هذه الإصلاحات بعض الوقت لإظهار النتائج، لكنها من المتوقع تعظيم الإيرادات في عام 2021).

أما بالنسبة للإنفاق فيشير البيان الى إنه (كانت المسألة الرئيسة هو الحاجة المُطلقة الى ترشيد فاتورة الرواتب والأجور والرواتب التقاعدية في القطاع العام).

وفيما يخص أسعار الصرف يقول البيان أيضا (ان المستوى المناسب لسعر الصرف هو سؤال محير؟ ولكن وزارة المالية تعتقد لأسباب متعددة وبعد الدراسة والتحليل تقرر أن يكون في الوقت الحاضر 1450 دينار لكل دولار، كما تعتقد ان سعر الصرف المعوم والمسيطر عليه هو أفضل الحلول في الوقت الحاضر كونهُ يخدم القطاعات الاقتصادية المختلفة حيث تأثرت القدرة التنافسية لاقتصادية للعراق تأثراً خطيراً بسبب المغالاة في انخفاض سعر الصرف وسوف يضع العراق في وضع يسمح له بإعادة التوازن الى اقتصاده على خلفية سعر أكثر تنافسية).

ويُختم البيان بالقول (نأمل ان تكون هذه الموازنة اساساً واللبنة الأولى في مجال الإصلاح الاقتصادي والمالي)...................... ومن الله التوفيق.

من خلال هذه المقتطفات من بيان وزارة المالية يمكن ملاحظة الكثير من التناقضات فكيف يمكن لموازنة عمرها الزمني عام واحد معالجة كل المشاكل الموروثة والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي؟ وماهي الآليات والأسس الجديدة التي تم اعتمادها لزيادة إيرادات الدولة؟ فهل من خلال فرض الضرائب واستقطاع الرواتب يتم زيادة الإيرادات لبلد يعاني من عدم استقرار وارتفاع معدلات الفقر والبطالة وعالق في الهشاشة؟ أم من خلال وضع خطط استثمارية تزيد من نسبة مساهمة القطاعات الأخرى في تمويل الموازنة، وتوفر المزيد من فرص العمل وتزيد مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد.

وكيف تكون هذه الموازنة موازنة إصلاحية وبداية للإصلاح الاقتصادي وهي تعاني من عجز غير ممول يتجاوز حاجز الــــــ 47 ترليون دينار، وكيف تكون هذه الموازنة موازنة إصلاحية وهي تخصص ما يقارب 41% من مجموع الإيرادات العامة للمستلزمات الخدمية والسلعية والبرامج الخاصة والمنح والاعانات، ومن ثم إذا كان هدف الحكومة هو الانتقال بالبلد الى انتخابات جديدة لماذا الإصرار على الإصلاح الاقتصادي.

أما بالنسبة لأسعار الصرف فقد صادرت وزارة المالية هنا حق السياسة النقدية والبنك المركزي (مثلما صادرت حق وزارة التخطيط) في صلاحية تحديد سعر صرف مناسب للوضع الاقتصادي للبلد؟ ومن ثم إين الدراسات التي توصلت الى إن سعر الصرف المناسب هو 1145 دينار لكل دولار، وهل إ خفض قيمة العملة يحقق تنافسية للاقتصاد العراقي إذا ما علمنا إن العراق لا يصدر سوى النفط، فكيف تتحقق الميزة التنافسية لبلد غير انتاجي.

ختاماً، إن هذه الموازنة هي ليست موازنة إصلاحية وهي استمرار لحالة الفشل والتخبط والهدر والنزيف الحاد للموارد المالية للبلد، وإن تخفيض سعر الصرف وتخفيض رواتب الموظفين وفرض الضرائب في ظل الظروف التي يمر بها البلد ليست العصا السحرية لحل مشاكلهُ.

كما ان الإصلاح الاقتصادي هو حزمة متكاملة من السياسات والإجراءات تُنفذ على المدى المتوسط والطويل تستهدف جانبي العرض والطلب الكلي، وهي على نوعين يتمثل الأول في سياسات التثبيت والاستقرار وهي تسعى الى السيطرة على واحتواء العجز في الموازنة وخفض وترشيد الانفاق الاستهلاكي، وإعادة النظر في كافة أوجه الانفاق وتبني نظم لحماية الفقراء والفئات الهشة، والتركيز على الانفاق الاستثماري وهذا ما لم نجده في موازنة العراق الإصلاحية.

والثانية هي سياسات التكيف الهيكلي والتي تسعى الى تحقيق الاستخدام الأمثل والتوزيع للموارد الاقتصادية وهي سياسات ذات طابع قطاعي، ومن ادواتها تحرير سعر الصرف وإزالة القيود لتحسين القدرة التنافسية للبلد، ومن ثم تغير سعر الصرف هو اجراء يتم اتخاذه على الأمد الطويل وليس في الأمد القصير.

* مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2021
www.fcdrs.com

اضف تعليق