منذ بداية انتشار جائحة فيروس كورونا المستجد، التي ضربت العالم وتسببت بخسائر كبيرة، تظهر للعلماء كل يوم ومن خلال البحوث والدراسات المستمرة، حقائق جديدة عن هذا الفيروس القاتل والمحير، الذي استطاع تحوير نفسه من جديد وهو ما اثار قلق ومخاوف الكثير من الجهات، حيث قالت مسؤولة في منظمة الصحة العالمية إن العالم - وخاصة دولًا مثل الولايات المتحدة - يلعب "لعبة خطيرة للغاية" مع فيروس كورونا الجديد، مما يمنحه المزيد من الفرص للتحور مع انتشار الفيروس.

وأوضحت ماريا فان كيروف، المديرة الفنية لبرنامج الطوارئ المعني بجائحة كورونا في منظمة الصحة العالمية، "نلعب لعبة خطيرة للغاية مع هذا الفيروس في الوقت الحالي"، مضيفةً "ما يقلقنا هو أنه كلما طال انتشار الفيروس زادت فرص تحوره". وأشارت فان كيروف إلى أن العديد من التحورات لن يكون لها تأثير كبير على الفيروس، ولكن إذا غيّر الفيروس جيناته بالطريقة الصحيحة، فقد لا تتمكن الفحوصات من اكتشافه بسهولة، وقد لا تعمل اللقاحات ضده أيضاً.

ولفتت فان كيروف إلى أن بعض الدول، مثل أستراليا ونيوزيلندا، قامت بعمل أفضل فيما يتعلق بالسيطرة على الفيروس. وأضافت فان كيروف: "الأمر متروك لنا تماماً لتكون لدينا القدرة على السيطرة على الفيروس"، مشيرةً إلى أنه يمكن السيطرة على الفيروس، بما في ذلك هذه السلالات. قال وزير الصحة البريطاني مات هانكوك في وقت سابق، لأعضاء البرلمان إنه رُصدت نسخة جديدة من فيروس كورونا في مناطق في إنجلترا، وإن ما لا يقل عن 60 جهة محلية قد سجلت إصابات بها.

وأضاف أن منظمة الصحة العالمية أبلغت بالتطور الجديد، وأن العلماء البريطانيين يجرون دراسات مفصلة عليها. وقال إنه لا دليل على أن النسخة الجديدة من الفيروس تتسبب في أعراض أشد شراسة أو أن اللقاحات لن تكون صالحة لها. وقال جيريمي فيرار، مدير مؤسسة "Wellcome" الخيرية لتمويل الأبحاث، إن الوضع خطير ومن الضروري البقاء في حالة تيقظ ومواصلة الأبحاث واتخاذ الخطوات الضرورية لاستباق تطور الفيروس.

قلق ومخاوف

استطاع العلماء تحديد وجود "هروب طفري"، قد يقلّل من فعالية لقاحات "كوفيد-19". وعُثر على طفرة تُعرف باسم "E484K"، في متغير من فيروس كورونا، رُصد لأول مرة في جنوب أفريقيا. ويذكر، أن هذا المتغير قد انتشر إلى اكثر من 12 دولة أخرى. ووصفت بيني مور، وهي أستاذة مساعدة في المعهد الوطني للأمراض المعدية في جنوب أفريقيا، الطفرة بأنها "مثيرة للقلق". وقالت: "نخشى أن يكون لهذه الطفرة تأثير، وما لا نعرفه هو مدى تأثيرها". وتُعرف "E484K" باسم "الهروب الطفري"، لأنها ثبتت قدرتها على الهروب من الأجسام المضادة التي ينتجها اللقاح. وقال أليكس سيغال، وهو عالم الفيروسات في معهد أفريقيا للأبحاث الصحية: "أنا قلق".

ولا يزال يتعين على سيغال ومور وغيرهما من العلماء، الذين يدرسون طفرة "E484K"، استكمال عملهم في المختبر، لمعرفة ما إذا كان اللقاح أقل فعالية ضد هذا المتغير الجديد. ويقول العلماء إنهم يشكون بشدة أن "E484K" ستجعل لقاحات فيروس كورونا عديمة الفائدة. ولكن، هناك احتمالية أن الطفرة، سواء بمفردها أو بالاشتراك مع طفرات أخرى، يمكن أن تقلل من فعالية اللقاح ضد المتغير. كما أنهم يشعرون بالقلق أيضاً من أن "E484K" قد تكون مؤشراً على أن فيروس كورونا يُظهر قدرته على التغيير أمام أعيننا. وإذا حدثت هذه الطفرة في غضون أشهر، يمكن أن تتبعها طفرات أخرى. وقال أندرو وارد، وهو عالم الفيروسات الهيكلية في "أبحاث سكريبس" في لاهويا بكاليفورنيا: "قد يتخذ هذا الفيروس خطواته الأولى في طريق طويل نسبياً نحو مقاومة اللقاح".

ومن أجل فهم الخطر المحتمل الذي تشكله طفرة "E484K"، تخيل مدرساً أمام فصل دراسي مليء بالطلبة المشاغبين من الصف الأول. وبعد أشهر من محاولة السيطرة على فصله، نجح المعلم أخيراً في جعلهم يجلسون بهدوء على مقاعدهم. لكن، يغادر طفل الفصل ويحل محله طفل آخر بعد مرور فترة، ويحاول المعلم أن يجعله يجلس بهدوء، لكن دون نتيجة. وفي هذه الحالة، يكون المعلم هو اللقاح والطالب غير المطيع هو طفرة "E484K". وعند اختبار اللقاحات المستخدمة في الولايات المتحدة خلال الصيف والخريف، تمت العملية بنجاح للتغلب على الفيروس تقريباً. لكن منذ ذلك الحين، استبدلت أجزاء من الفيروس نفسها أحياناً بأجزاء جديدة، وأحياناً لا تبدر أي تصرفات من تلك الأجزاء الجديدة.

ومن أجل اختبار هذه الأجزاء الجديدة، قام الباحثون في مركز "فريد هاتشينسون" للسرطان في سياتل وأماكن أخرى بفحص البلازما من المرضى المتعافين من "كوفيد-19"، لمعرفة ما إذا كانت أجسامهم المضادة قادرة على محاربة "E484K" والطفرات الأخرى. ووجد الباحثون أن "E484K" تتحدى قدرة بعض الأجسام المضادة على تحييد الفيروس.

وبينما يتركز الاهتمام على "E484K"، يراقب العلماء أيضاً الطفرات الأخرى في المتغير الجديد. وتعد الخطوة التالية هي اختبار هذه الطفرات ضد الأجسام المضادة التي أُنشأت بواسطة اللقاحات، وهو العمل الذي يقوم به العلماء الآن، متأملين الإعلان عنه خلال الفترة المقبلة. ولا تتواجد طفرة "E484K" في المتغير الذي عُثر عليه لأول مرة بجنوب أفريقيا فحسب، بل تم العثور عليه مؤخراً في متغير بالبرازيل أيضاً. ولم يتم الإبلاغ عن هذا المتغير في بلدان أخرى.

وبحسب ما نقلته "GISAID"، وهي مبادرة مستقلة لمشاركة البيانات، فإنه تم رصده لأول مرة في جنوب أفريقيا، ويتم اتباعه الآن في 12 دولة أخرى، وهي المملكة المتحدة، وبوتسوانا، وفرنسا، وأستراليا، وألمانيا، وسويسرا، واليابان، والسويد، وكوريا الجنوبية، وفنلندا، وأيرلندا، وهولندا. لكن رغم أن "E484K"، سواء وحده أو بالاشتراك مع طفرات أخرى بالمتغير، قد يمثل مشكلة، إلا أنه ليس من المحتمل أن يفلت من جميع الأجسام المضادة التي تنتجها اللقاحات، علماً أن اللقاحات تنتج العديد من الأجسام المضادة.

ويبقى الأمر مقلقاً أكثر عند تحور الفيروس مراراً وتكراراً. وقال سيغال، وهو أحد الباحثين من جنوب إفريقيا، إنه "ضربة بطيئة حقيقية". وفي كل مرة ينتقل الفيروس من شخص لآخر، يحصل على فرصة أخرى للتحور. وأوضح بول بينياسز، عالم الفيروسات بجامعة روكفلر، إنه "يخلق المزيد من الفرص للفيروس لتعلم كيفية مقاومة اللقاح.. من المحتمل أن يؤدي ذلك مع مرور الوقت إلى تقويض فعالية اللقاح". وأشار سيغال إلى أن مثل هذا السلوك السيئ لم يكن متوقعاً من فيروس كورونا، الذي لطالما اعتُقد أنه مستقر نسبياً، مضيفاً: "أظهر لنا هذا الفيروس حقاً أن لديه القدرة على التكيف، ويمكنه الهروب".

من جانب اخر قالت المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، إن المتغيرات الجديدة والأكثر عدوى من فيروس كورونا قد تسرع من انتشار الوباء، ما يعني أن الولايات المتحدة يجب أن تضاعف من جهودها لحماية الناس. وأوضح الباحثون من المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض أن المتغير الذي تم تحديده لأول مرة في بريطانيا، والمعروف باسم "B.1.1.7" قد عثر عليه بالولايات المتحدة أيضاً. ويشير النموذج إلى احتمال تسببه في تفاقم الانتشار الكبير للفيروس في جميع أنحاء البلاد. وهذا يعني أن الناس بحاجة إلى بذل مجهود أكبر في ارتداء أقنعة الوجه، وتجنب التجمعات، وتطبيق قواعد التباعد الاجتماعي.

وقال الدكتور غريغوري أرمسترونغ، وهو يدير مكتب الاكتشاف الجزيئي المتقدم في قسم أمراض الجهاز التنفسي بالمراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض، "هذا أمر سيصعب التحكم فيه للغاية.. يجب القيام بجميع التدابير المفروضة بشكل أفضل، بما في ذلك التطعيم". وكتب أرمسترونج وفريقه في تقرير "تشير الأدلة المتعددة إلى أن B.1.1.7 ينتقل بكفاءة أكبر من المتغيرات الأخرى لـSARS-CoV-2"، مضيفاً أن "بديل B.1.1.7 لديه القدرة على زيادة سرعة الوباء في الولايات المتحدة في الأشهر المقبلة".

وقالت المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها إنه يجب تعزيز جهود التطعيم لدى الناس، والتي كانت أبطأ مما كانت تأمله الحكومة الفيدرالية. وأصاب الفيروس بالفعل عدداً كبيراً من الأشخاص، وتسبب في مقتل الكثيرين بالمقارنة من أي دولة أخرى. ووفقاً لجامعة جونز هوبكنز، تم تشخيص الفيروس لدى 23 مليون شخص في الولايات المتحدة، وتسبب بوفاة أكثر من 390 ألف شخص. ويبدو أن متغير "B.1.1.7" يصيب الخلايا البشرية بسهولة أكبر، ما يساعده على إصابة المزيد من الأشخاص. بحسب CNN.

وأشار أرمسترونغ إلى أن المتغير الجديد لا يبدو أنه سيتسبب في ارتفاع معدلات الاستشفاء أو ارتفاع معدلات الوفيات. وتحتاج المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها إلى بذل المزيد من الجهد لمتابعة المتغيرات الجديدة. ويذكر أن المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض تراقب متغيراً تم رصده لأول مرة في جنوب أفريقيا، ويعرف باسم "B.1.351"، إضافة إلى متغير آخر تم رصده بين 4 مسافرين من البرازيل عند سفرهم إلى باليابان، ويعرف باسم "B.1.1.28".

مدة المناعة

توصلت دراسة لم تخضع بعد لمراجعة الأقران، أن التعافي من عدوى فيروس كورونا يوفر حماية بنسبة 83% من الإصابة بالعدوى مرة أخرى، مقارنة بالأشخاص الذين لم يتعرضوا لعدوى كوفيد-19 من قبل. ومع ذلك، حذر الباحثون من أن المناعة ليست مطلقة، مما يعني أن بعض الأشخاص المتعافين عرضة للإصابة بالفيروس مرة أخرى، وأنه لم يتضح إلى متى تستمر أي مناعة، كما حذروا أنه من الممكن أن يظل أولئك الذين لديهم درجة من المناعة ضد الفيروس قادرين على حمل الفيروس في أنوفهم أو حلقهم وبالتالي نقل العدوى إلى الآخرين.

وقالت سوزان هوبكنز، كبيرة المستشارين الطبيين في هيئة الصحة العامة في إنجلترا ورئيسة الفريق البحثي للدراسة الجديدة، في بيان: "نحن نعلم الآن أن معظم الذين أصيبوا بالفيروس، وطوروا أجساماً مضادة، محميون من الإصابة (بالعدوى) مرة أخرى، ولكن هذه الحماية ليست تامة ولا نعرف حتى الآن مدة استمرارها". وأوضحت هوبكنز: "هذا يعني أنك حتى إن كنت متأكداً من إصابتك السابقة بفيروس كورونا، يمكنك أن تطمئن فاحتمالات الإصابة بعدوى كوفيد-19 خطيرة في هذه الحالة ضئيلة، ولكن لا يزال هناك احتمال أن تصاب بالعدوى وتنقلها للآخرين". وأجرت دراسة بحثية، معروفة باسم "SIREN"، فحوصات بانتظام على نحو 21،000 عامل صحي من جميع أنحاء المملكة المتحدة بين شهري يونيو/حزيران ونوفمبر/تشرين الثاني العام الماضي. ومن بين هؤلاء، تبين أن 6،614 منهم لديهم أجسام مضادة لفيروس من عدوى سابقة، بينما لم تظهر علامات الإصابة بعدوى سابقة على أكثر من 14،000 .

ولكن من بين أولئك الذين أصيبوا بعدوى "كوفيد-19" سابقاَ، أصيب 44 منهم بعدوى جديدة محتملة، وهو ما يمثل مستوى حماية بنسبة 83% من الإصابة بالعدوى مرة أخرى. وستستمر الدراسة في مراقبة العاملين في مجال الرعاية الصحية لمدة 12 شهراً لمعرفة ما إذا كانت الحماية ستستمر لفترة أطول، ولكن في الوقت الحالي، تعني مدة الحماية المحددة أن الأشخاص الذين أصيبوا بالفيروس في الموجة الأولى من العدوى قد يكونون الآن عرضة للإصابة به مرة أخرى. كما ستنظر الدراسة في تأثير السلالة الجديدة وفعالية لقاحات "كوفيد-19". ولكن البصيرة المبكرة من المرحلة التالية من الدراسة تظهر أن بعض الأشخاص المتعافين الذين لديهم مناعة، يحملون كميات كبيرة من جسيمات الفيروس ويمكنهم نقل العدوى إلى الآخرين.

وقالت "وجدنا كميات كبيرة للغاية من الفيروس في مسحات الأنف والحلق، والتي من السهل أن تكون في النطاق الذي قد يتسبب في مستويات انتقال للآخرين." وشددت هوبكنز على أن الأشخاص الذين أصيبوا سابقاً بعدوى "كوفيد-19" لا يزالون بحاجة إلى الامتثال لقواعد التباعد الاجتماعي لتجنب نقل المرض.

ومن جانبه، قال الدكتور سايمون كلارك، الأستاذ المساعد في علم الأحياء الدقيقة الخلوي بجامعة ريدينغ، لمركز الإعلام العلمي، إن "دراسة SIREN لها آثار كبيرة على كيفية الخروج من الأزمة الحالية. والخبر السار هو أن هذه الدراسة تعطي وزناً إضافياً على أن تكرار الإصابة بكوفيد-19 أمر نادر الحدوث، على الأقل في هذه المرحلة، وأن وجود الأجسام المضادة سيوفر الحماية لقدر كبير من الوقت، على الرغم من أنه قد لا يكون مناعة مدى الحياة". بحسب بي بي سي.

وأشار كلارك إلى"النتيجة المقلقة" المتمثلة في أن بعض الأشخاص الذين لديهم أجسام مضادة لكوفيد-19 يبدو أنهم ما زالوا قادرين على حمل فيروس كورونا ويمكن أن ينقلوه للآخرين، مضيفاً "هذا يعني أن الغالبية العظمى من السكان سيحتاجون إما إلى مناعة طبيعية أو يتم تحصينهم لرفع القيود عن حياتنا بشكل كامل". ورأى لورانس يونج، عالم الفيروسات وأستاذ علم الأورام الجزيئي بكلية طب وارويك، أنه نظراً لأن النتائج تغطي الأشهر التي سبقت ظهور السلالة الجديدة، "سيكون من المهم تحديد ما إذا كانت العدوى السابقة بسلالة الفيروس القديمة قادرة على توفير الحماية من إعادة الإصابة بسلالة الفيروس الجديدة.

كما أوضحت دراسة جديدة، أُجريت على أكثر من 2,500 مريض من 18 مستشفى أوروبي، أن هناك حوالي 86% من الأشخاص المصابين بحالات خفيفة من "كوفيد-19" يفقدون حاسة الشم والتذوق، لكنهم يتعافون في غضون 6 أشهر. وتعد حالة المصاب بـ"كوفيد-19" خفيفة عندما لا يتواجد دليل على الإصابة بالتهاب رئوي فيروسي أو فقدان الأكسجين، مع تمكن المريض من التعافي في المنزل.

وأظهرت دراسة أن حاسة الشم تعود بعد مرور فترة تتراوح من 18 يوماً إلى 21 يوماً في المتوسط، لكن لم يستعد حوالي 5٪ من الأشخاص حاسة الشم قبل 6 أشهر. وتعد فقدان حاستي الشم والتذوق بمثابة علامة مبكرة على الإصابة بـ"كوفيد-19"، عندما تحدث دون أي سابق إنذار. ووفقاً للأكاديمية الأمريكية لطب الأنف والأذن والحنجرة وجراحة الرأس والعنق: "تواجدت حالة فقدان الشم، على وجه الخصوص، لدى المرضى الذين ثبتت إصابتهم بفيروس كورونا في نهاية المطاف دون ظهور أي أعراض أخرى".

دخول العناية المركزة

الى جانب ذلك خلال الأسابيع والأشهر الأولى لجائحة فيروس كورونا، لاحظ المسعفون والعاملون في مجال الرعاية الصحية حول العالم أن "كوفيد-19" كان يصيب الرجال بشدة أكثر من النساء. والآن، يشير تحليل عالمي لأكثر من 3 ملايين حالة إصابة بـ"كوفيد-19" من يناير /كانون الثاني إلى يونيو/ حزيران الماضيين أن المرضى الذكور المصابين بالمرض لديهم "احتمالات تقارب ثلاثة أضعاف" لدخول العناية المركزة بالمستشفيات مقارنة بالمرضى الإناث.

وكان الرجال أكثر عرضة للوفاة من "كوفيد-19" بمعدل 1.4 مرة مقارنة بالنساء، على الرغم من أن كلا الجنسين معرضين لخطر مماثل للإصابة. وحلل الباحثون بيانات من 90 تقريراً شملت 46 دولة و 44 ولاية أمريكية. وأظهرت هذه البيانات أنه من بين الحالات التي شملتها الدراسة، كان هناك حوالي 1.57 مليون امرأة وحوالي 1.53 مليون من الرجال. وفيما يتعلق ببيانات أكثر من 12 ألف حالة دخول إلى وحدات العناية المركزة بالمستشفى، وجد الباحثون أنه كان حوالي 8 آلاف منهم من الرجال مقابل 4 آلاف امرأة.

ومن بين أكثر من 200 ألف حالة وفاة بـ"كوفيد-19" المشمولة في الدراسة، كان حوالي 120 ألفا منهم من الرجال و 91 ألفا من النساء. ولم تبحث الدراسة التي نشرت في مجلة "Nature Communications" في أسباب التفاوت، ولكن الباحثين من جامعتي "كوليدج لندن" و"كيب تاون" في جنوب إفريقيا، أشاروا إلى أن التفسير يرجع إلى الاختلافات البيولوجية أكثر من الاختلافات السلوكية، أو الاجتماعية، والاقتصادية.

ولا تعمل الأجزاء العديدة من الجهاز المناعي، التي تعمل معاً للدفاع عن الجسم ضد الفيروسات، بذات الطريقة تماماً عند الرجال والنساء، وأشارت الدراسة إلى أن هناك حاجة إلى مزيد من البحث لتحديد العوامل البيولوجية المحددة التي قد تكون وراء هذه الاختلافات. وأوضحت مؤلفة الدراسة الدكتورة كيت ويب، استشارية أمراض روماتيزم الأطفال في جامعة كيب تاون ومعهد فرانسيس كريك في لندن، أن "الرجال والنساء لديهم اختلافات في جميع أذرع الجهاز المناعي تقريباً"، مضيفةً أن هذه الاختلافات تتراوح من الاستجابات المناعية المبكرة للعدوى الفيروسية، إلى استجابات الخلايا التائية، واستجابات الخلايا البائية والذاكرة المناعية".

وأشارت ويب إلى أن "هناك العديد من الأسباب المحتملة لهذه الاختلافات في المناعة"، موضحةً أن للهرمونات تأثيرات مناعية ولدى النساء اثنان من الكروموسومات إكس مقارنة بواحد عند الرجال، وأن الكروموسومات إكس مليئة بالجينات التي ترمز للمناعة. وتهاجم العديد من الأمراض الرجال والنساء بطرق مختلفة. ويمكن أن يعتمد سبب ذلك على مزيج معقد من علم الأحياء والسلوك الذي يصعب حله.

ويميل الرجال في بعض الثقافات إلى مغادرة المنزل وزيارة المزيد من المناطق المزدحمة، كما أنهم أقل ميلاً من النساء لغسل يديهم بالصابون بعد استخدام دورة المياه. ومع ذلك، نظراً لأن البيانات أظهرت أن معدلات الإصابة متساوية تقريباً بين الرجال والنساء، فمن غير المرجح أن تفسر الاختلافات في سلوك النظافة حسب الجنس التباين في شدة المرض، حسبما ذكره الباحثون. وتشمل التفسيرات الأخرى للتفاوت أن الرجال أكثر عرضة للإصابة بحالات صحية معينة أو أمراض مصاحبة، مما يعرضهم للخطر. مع ذلك ليس لدى الباحثين بيانات كافية عن هذه العوامل.

ومع ذلك، لاحظ الفريق أنه لا توجد فروق ملحوظة بين الجنسين في نسب البالغين المصابين بارتفاع ضغط الدم أو مرض السكري على مستوى العالم، وتعد هذه الأمراض أكثر الأمراض المصاحبة شيوعاً بين مرضى "كوفيد-19" في المستشفيات. كما أن الرجال هم أكثر ميلاً للتدخين، ولكن الدراسة قالت إن التدخين لم يظهر كعامل خطر واضح. وخلال فاشيات الفيروسات التاجية السابقة، أشارت الدراسة إلى أنه تم تسجيل نتائج سريرية أسوأ بالنسبة للرجال أثناء تفشي مرض السارس في هونغ كونغ وسنغافورة. كما أنهم كانوا أكثر عرضة لخطر الوفاة من فيروس كورونا المسبب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية في المملكة العربية السعودية. بحسب CNN.

ومن منظور تطوري، اقترحت بعض الأبحاث أن لدى النساء استجابة مناعية أقوى ضد الالتهابات الفيروسية من الرجال لأنهن مصممات بيولوجياً لقضاء جزء من حياتهن مع جسم غريب بداخله،طفل، وبالتالي منحهن ميزة البقاء على قيد الحياة. وأكد مؤلفو الدراسة أن الجنس ظل "عاملاً لا يحظى بالتقدير الكافي عند تحليل نتائج في الأمراض المعدية".

اضف تعليق