قضية الناشر جوليان أسانج البالغ 49 عاما، والذي يقبع اليوم في سجن بلمارش الخاضع لتدابير أمنية مشددة في لندن، ماتزال محط اهتمام واسع خصوصاً وان هذه القضية المعقدة وكما يرى البعض تسلط الضوء على حرية وسائل الإعلام. ويواجه أسانج الذي تطلب الولايات المتحدة تسليمه لمحاكمته بتهمة التجسس، 18 تهمة على خلفية نشر موقع ويكليكيس 500 ألف وثيقة سرية في 2010، تتضمن تفاصيل نشر وثائق عسكرية أميركية سرية حول عمليات عسكرية في أفغانستان والعراق، من ضمنها جرائم حرب محتملة، اضافة للكثير من المعلومات الاخرى، وتصل عقوبة التهم الموجهة إلى أسانج 175 عاما خلف قضبان السجن.

وأعلنت شرطة ميتروبوليتان البريطانية، في وقت سابق اعتقال مؤسس موقع ويكيليكس، جوليان اسانج، في سفارة الإكوادور بالعاصمة البريطانية، لندن، بالاستناد على مذكرة أصدرها القضاء البريطاني في يونيو/ حزيران العام 2012. وقالت الشرطة أن الاعتقال تم داخل السفارة بدعوة من السفير الإكوادوري بعد سحب اللجوء عن اسانج. وشكر وزير الداخلية البريطاني، ساجد جاويد، الإكوادور على تعاونها في اعتقال أسانج، حيث قال: "بعد نحو 7 سنوات على دخوله السفارة الإكوادورية، أستطيع أن أؤكد الآن أن أسانج في عهدة الشرطة ويواجه العدالة في البلاد".

وكان رئيس الإكوادور، لينين مورينو، قال إنه يفضل لمؤسس موقع "ويكيليكس"، جوليان أسانج، أن يسلم نفسه للسلطات بسبب التكلفة التي تدفعها الإكوادور لمنحه حق اللجوء، وكذلك لمصلحته، مضيفا أن "أكثر من خمس سنوات في اللجوء ليست إنسانية". لكنه قال إن الإكوادور لم تكن على وشك التخلي عن أسانج.

ويعاني أسانج بحسب أعضاء فريق الدفاع الكثير من المشاكل العقلية، بما يشمل الميول الانتحارية، وهوما قد يتفاقم إذا وضع بظروف سجن غير مناسبة في الولايات المتحدة. وأكد الفريق القانوني تدهور صحة أسانج العقلية خلال لجوئه داخل سفارة الإكوادور في لندن، وأنه تم تشخيصه بحالة من طيف التوحد آنذاك. ومكث أسانج في السفارة سبع سنوات عندما تم إخراجه منها واعتقاله، وهو محتجز في سجن بيلمارش في لندن منذ أبريل 2019.

ويرى بعض المراقبين ان الولايات المتحدة التي تعتبر مبرمج الكومبيوتر الأسترالي أحد أعدائها الأساسيين، ولاحقته في كافة أرجاء العالم، سوف تكثف تحركاتها من اجل الحصول على قرار قضائي جديد لتسليم مؤسس موقع "ويكيليكس"، جوليان أسانج ومحاكمته، وقبل عشر سنوات من انتخابه رئيسا للولايات المتحدة وكما نقلت بعض المصادر، رأى جو بايدن الذي كان آنذاك نائبا للرئيس باراك أوباما أن أسانج أقرب إلى “إرهابي في مجال التكنولوجيا المتطورة” منه إلى وريث قضية “أوراق البنتاغون” التي كشفت في السبعينات أكاذيب الولايات المتحدة حول حرب فيتنام.

وأثارت قضية جوليان أسانج جدلا واسع النطاق، حول حرية الصحافة الاستقصائية في نشر أخطاء وجرائم الدول والحكومات، واعتبر المؤيدون له أن محاكمته تشكل هجوما سياسيا على الصحافة وحرية التعبير، بينما اعتبرت السلطات الأمريكية أنه عرض أكثر من 100 شخص للخطر بسبب نشر السجلات وأن 50 تلقوا المساعدة حيث هرب بعضهم من بلدانهم مع زوجاتهم وأُسرهم لينتقلوا للولايات المتحدة أو دولة أخرى آمنة.

الإفراج عن أسانج

وفي هذا الشأن رفضت محكمة بريطانية الإفراج عن جوليان أسانج، مؤسس ويكيليكس، بكفالة، ما يعني أنه سيظل في سجنه في ظل استمرار مساعيه الحيثية من أجل عدم تسليمه إلى الولايات المتحدة. وقالت القاضية فانيسا بارايتسر إن ثمة أسبابا قوية تدعو إلى الاعتقاد بأنه سيهرب. وكانت القاضية قد حكمت بعدم إمكانية تسليم مؤسس موقع ويكيليكس إلى الولايات المتحدة خشية انتحاره.

وتطعن الولايات المتحدة حاليا على الحكم، وعارضت إطلاق سراح أسانج، البالغ من العمر 49 عاما، من سجن شديد الحراسة قبل النظر في القضية. وكان أسانج في قفص الاتهام يرتدي بدلة زرقاء ويضع كمامة خضراء، وأغمض عينيه عندما كانت القاضية تتلو منطوق الحكم. ويريد مدعون أمريكيون محاكمته بتهمة القرصنة وكشف معلومات سرية، بما في ذلك هويات عملاء كانوا يساعدون الاستخبارات في أفغانستان والعراق وأماكن أخرى.

وقالت بارايتسر في قرارها إن أسانج لا يزال لديه حافز للهروب. وأضافت: "إنه على استعداد للاستخفاف بحكم هذه المحكمة، ومن باب الإنصاف، يتعين السماح للولايات المتحدة بالطعن على قراري، وإذا هرب أسانج خلال هذه العملية، فسوف يفقدون فرصة ذلك". وكان إد فيتزجيرالد كيو سي، محامي أسانج، قد قال خلال طلب الإفراج بكفالة، إن موكله عُرض عليه منزل في لندن من أحد داعميه، حيث يمكن أن يظل مع شريكته وطفليه الصغيرين، ويخضع أيضا لأشد شروط الإفراج بكفالة. وأضاف: "قرارك يغير كل شيء وبالتأكيد يغير أي دافع للهرب".

وقال: "عموما سيكون أسانج أكثر أمانا في عزلته مع عائلته في المجتمع، خاضعا لقيود صارمة، مما لو كان في (سجن) بيلمارش الذي انتشر فيها مؤخرا وبشدة (فيروس كورونا)، فهو يتمنى أن يعيش حياة آمنة مع أسرته". بيد أن كلير دوبين، الممثلة القانونية للولايات المتحدة في القضية، أخبرت المحكمة بأن أسانج لديه "الموارد والقدرات والمال" لترتيب رحلة طيران إلى بلد آخر سرا. ويقول المحامون إن أسانج يواجه، إذا أدين في الولايات المتحدة، عقوبة بالسجن تصل إلى 175 سنة. ولكن السلطات الأمريكية تقول إن هذه العقوبة تتراوح ما بين 4 و6 سنوات من السجن. بحسب رويترز.

ويقول الادعاء الأمريكي إن تلك المعلومات السرية عرضت حياة الناس للخطر، ولذلك طلب ترحيله من بريطانيا، لمحاكمته في الولايات المتحدة. الى جانب ذلك عبرت الحكومة الألمانية عن القلق إزاء إجراءات التسليم المحتمل لجوليان أسانج وحضت السلطات على الأخذ في الاعتبار الصحة الجسدية والذهنية لمؤسس موقع ويكيليكس. وقالت مفوضة الحكومة لحقوق الإنسان باربل كوفلر في بيان "اتابع بقلق إجراءات التسليم في المملكة المتحدة بحق مؤسس ويكيليكس جوليان أسانج". وقالت كوفلر "ينبغي عدم غض النظر عن النواحي الإنسانية والمرتبطة بحقوق الإنسان لعملية تسليم محتملة". وأضافت "من الضروري أخذ الصحة الجسدية والذهنية لجوليان أسانج في الاعتبار عند اتخاذ القرار بشأن تسليمه للولايات المتحدة" مشددة على أن بريطانيا "مُلزمة المعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان".

وقالت ستيلا موريس محامية أسانج التي أصبحت شريكته، لصحيفة تايمز إنّ تسليمه سيكون بمثابة "عقوبة إعدام". وتخشى المرأة الشابّة البالغة 37 عاما من أن يضع أسانج حدًّا لحياته، وأن يكبر الطفلان اللذان أنجباهما عندما كانا بسفارة الإكوادور في لندن، بدون والدهما.

وقال أحد وكلاء الدفاع عنه إدوارد فيتزجيرالد أمام القاضي إن دوافع الملاحقات ضد مؤسس ويكيليكس "سياسية" وبالتالي باطلة، نظراً إلى أن الاتفاق الأميركي البريطاني يمنع "بشكل صريح" عمليات التسليم من أجل "جرائم سياسية". واتّهم المحامي الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنه يريد جعل من موكله "نموذجاً" في "حربه ضد الصحافيين الاستقصائيين".

وقال ممثل الولايات المتحدة جيمس لويس إن مؤسس ويكيليكس "ليس متّهماً لأنه كشف معلومات محرجة أو مزعجة" بل لأنه عرّض للخطر مصادر أميركية عبر نشر هذا الكمّ من المستندات. وأشار إلى أن أسانج مسؤول عن "إحدى أكبر عمليات الكشف عن معلومات سرية في تاريخ الولايات المتحدة".

أسانج وحرية الصحافة

الى جانب ذلك قالت مفوضة حقوق الإنسان بالمجلس الأوروبي إنه لا ينبغي تسليم جوليان أسانج مؤسس موقع ويكيليكس للولايات المتحدة لأن ذلك سيكون له تأثير سلبي على حرية الصحافة. وقالت دنيا مياتوفيتش، مفوضة حقوق الإنسان بالمجلس الأوروبي، إن قضية أسانج أثارت تساؤلات بخصوص حماية الأشخاص الذين ينشرون معلومات سرية للصالح العام وتعرض حقوق الإنسان للانتهاك.

وأضافت أن ”طبيعة الادعاءات الواسعة والغامضة ضد جوليان أسانج والجرائم المدرجة في لائحة الاتهام تثير القلق لأن الكثير منها يتعلق بأنشطة تقع في قلب الصحافة الاستقصائية في أوروبا وخارجها“.وأردفت ”بالتالي فإن السماح بتسليم جوليان أسانج على هذا الأساس سيكون له تأثير سلبي على حرية وسائل الإعلام، ويمكن أن يعوق الصحافة في النهاية عن أداء مهمتها كمقدم للمعلومات ومراقب عام داخل المجتمعات الديمقراطية“. وتابعت مياتوفيتش أنها تشعر بقلق أيضا بخصوص ظروف الاحتجاز في الولايات المتحدة والحكم المحتمل صدوره على أسانج، الذي قد يقضي عقودا في السجن في حالة إدانته.

كما دعت حوالى أربعين منظمة مدافعة عن حقوق الإنسان وحرية الصحافة مؤخراً إلى "الإفراج الفوري" عن أسانج. وجددت جمعية "روبان دي لوا" الفرنسية المدافعة عن حقوق المعتقلين دعوتها كي تمنح باريس اللجوء السياسي لأسانج. ودافع عن هذا الطلب بشدة في شباط/فبراير الماضي محاميه الفرنسي إريك دوبون-موريتي الذي ترك مهمة الدفاع عن أسانج ليصبح وزيراً للعدل

كما تظاهر مئات الأشخاص في لندن تحت شعار "افرجوا عن أسانج" احتجاجا على امكان تسليم مؤسس موقع ويكيليكس. وتجمع الحشد قرب مقر السفارة الاسترالية قبل السير في شوارع لندن رافعأ لافتات كتب عليها "لا تلمسوا أسانج" و"الصحافة ليست جريمة". وهتف المتظاهرون لدى مرورهم أمام مقر رئاسة الوزراء "العار عليك بوريس جونسون". وبين الشخصيات الداعمة لأسانج وزير المال اليوناني السابق يانيس فاروفاكيس ومصممة الأزياء فيفيان ويستوود. ودعا كريستن هرافنسون رئيس تحرير ويكيليكس من لندن "الجميع إلى فتح معركة من أجل أسانج" منتقدا "القوة السوداء" التي تضرب كل الذين يريدون "الحقيقة والشفافية". ودعمت منظمة "مراسلون بلا حدود" مؤخرا أسانج وأطلقت عريضة وقعها اكثر من 40 ألف شخص.

شهادات ومطالب

على صعيد متصل أبلغ صحفي جلسة استماع في محكمة في لندن، تنظر قضية تسليم جوليان أسانج مؤسس موقع ويكيليكس إلى الولايات المتحدة، أن أسانج كان حريصا على ضمان عدم نشر أسماء من أمدوه بمئات الآلاف من الوثائق السرية المسربة الخاصة بالحكومة الأمريكية. وأبلغ محام للولايات المتحدة المحكمة أن واشنطن تطلب تسليمها أسانج بسبب نشر أسماء ممديه بالوثائق وليس بسبب تعامله مع وثائق مسربة.

وقال جون جويتز، الصحفي الاستقصائي الذي عمل لمجلة شبيجل الألمانية في بداية نشر الوثائق، إن وزارة الخارجية الأمريكية شاركت في مؤتمر عبر الهاتف يقترح إجراء عمليات تنقيح، وإن موقع ويكيليكس وافق على عدم نشر نحو 15000 وثيقة. وأضاف جويتز للمحكمة “كانت هناك حساسية وكانت من بين الموضوعات التي جرى الحديث عنها طوال الوقت”. وأردف أن أسانج كان مهتما بضرورة أن تتخذ وسائل الإعلام إجراءات “حتى لا يتعرض أحد لأذى”.

وأوضح جويتز أن مؤسس ويكيليكس أُصيب بخيبة الأمل لاحقا عندما تم نشر كلمة مرور أتاحت الوصول للمواد الكاملة دون تنقيح في كتاب لمراسلي صحيفة جارديان في فبراير شباط 2011. وتصدر أسانج عناوين الصحف العالمية في عام 2010 عندما نشر موقع ويكيليكس تسجيل فيديو سريا خاصا بالجيش الأمريكي لهجوم وقع في عام 2007 بطائرات أباتشي في بغداد قُتل فيه أكثر من عشرة أشخاص منهم صحفيان من رويترز. ويدفع محامو أسانج بأنه لن يلقى محاكمة عادلة في الولايات المتحدة وأن الاتهامات ضده لها دوافع سياسية. وقالوا أيضا إنه سيكون معرضا لخطر الانتحار إذا جرى تسليمه للولايات المتحدة.

وفي وقت سابق وجّه أكثر من 60 طبيبا رسالة مفتوحة إلى وزيرة الأمن الداخلي البريطانية بريتي باتل يعربون فيها عن قلقهم إزاء الوضع الصحي لمؤسس ويكيليكس جوليان أسانج الذي أشاروا إلى احتمال وفاته داخل سجنه في بريطانيا. وطالب الأطباء في رسالتهم الى باتل بنقل أسانج من سجن بلمارش في جنوب شرق لندن إلى أحد المستشفيات الجامعية. واستندوا في تقييمهم إلى "روايات مروعة لشهود عيان" خلال مثول أسانج أمام المحكمة في 21 تشرين الأول/أكتوبر في لندن، بالاضافة الى تقرير للمقرر الخاص للأمم المتحدة حول قضايا التعذيب نيلس ميلزر في 1 تشرين الثاني/نوفمبر.

وقال الخبير المستقل المعني بحقوق الإنسان في الأمم المتحدة إن تعرض أسانج المستمر "للمعاملة السيئة والتعسفية قد يؤدي قريبا الى ان يدفع حياته ثمن ذلك". وقال الأطباء في رسالتهم المكونة من 16 صفحة "نكتب هذه الرسالة المفتوحة كأطباء للتعبير عن قلقنا الشديد بشأن الصحة الجسدية والعقلية لجوليان أسانج". وكتبوا أن "السيد أسانج يحتاج لتقييم عاجل من خبراء في مجال الصحة لوضعه الصحي الجسدي والنفسي". وأضافوا أن "على أي علاج صحي تتم الإشارة إليه أن يتم في مستشفى جامعي معد بشكل مناسب ويضم موظفين من ذوي الخبرة".

وحذروا من أنه "في حال لم يتم هذا النوع من التقييم العاجل، فلدينا مخاوف حقيقية، بناء على الأدلة المتوفرة حاليًا، من أن السيد أسانج قد يموت في السجن. ولذا فإن الوضع الصحي عاجل. ولا مجال لإضاعة الوقت". ويذكر أن الأطباء الذين كتبوا الرسالة هم من الولايات المتحدة وأستراليا وبريطانيا والسويد وإيطاليا وألمانيا وسريلانكا وبولندا.

اضف تعليق