ناقش مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية احد اهم المواضيع الاكثر اهمية في وقتنا الحاضر خلال ورقة طرحت في ملتقاه الشهري بمشاركة مجموعة من الباحثين والاكاديميين، ضمن فعاليات ملتقى النبأ الأسبوعي في محافظة كربلاء المقدسة، حيث تناول الملتقى موضوعا تحت عنوان (بايدن وإعادة ترتيب ملفات الشرق الأوسط.. رؤية استشرافية).

قدم الورقة النقاشية الدكتور قحطان حسين اللاوندي، الباحث في مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية، قائلا: "ما بين متفائل ومتشائم انقسمت مواقف شعوب وحكومات الشرق الأوسط تجاه نتائج انتخابات الرئاسة الأمريكية التي أفضت إلى فوز الديمقراطي (جو بايدن) بالوصول إلى البيت الأبيض، ولكل فريق من هؤلاء أسبابه الخاصة التي تدعوه للتشاؤم أو التفاؤل انطلاقاً من قراءة مبكرة لما سيتبناه بايدن من سياسة وإستراتيجية تجاه الشرق الأوسط الجوهرية والتي من المتوقع أن تحتل الأولوية في برنامج اهتمامات زعيم البيت الأبيض الجديد، وهي: آلية التعامل الأمريكي مع إيران، وأمن إسرائيل في مدركات السياسة الخارجية الأمريكية، التحالفات الأمريكية–الخليجية، والشأن العراقي في الاستراتيجية الأمريكية.

وقبل الخوض في سياسة إدارة بايدن القادمة وما سيتخذه من قرارات تجاه القضايا السالفة الذكر، لا بد لنا من بيان بعض الحقائق التي ستحدد النهج الذي سيتبعه بايدن في التعامل مع قضايا العالم عامة وقضايا الشرق الأوسط خاصة، والتي تتمثل بما يأتي:

- إن الحزب الديمقراطي الذي ينتمي إليه بايدن يتبنّى رؤية سياسية تقوم إلى حدّ ما على إيلاء القضايا الأمريكية الداخلية أولوية على القضايا الخارجية، ومن المتوقع أن تسعى إدارة بايدن إلى القيام بإصلاحات سياسية ومدنية لحلّ مشكلة غياب المساواة الاجتماعية داخل الولايات المتحدة.

- إن الرئيس الأمريكي وإن كان منتخبا من الشعب لكنه محاط بقيود مؤسساتية وقانونية تمنعه من الانفراد بالقرار السياسي، صحيح انه المسؤول الأول في السلطة التنفيذية للحكومة الاتحادية والقائد الأعلى للقوات المسلحة لكن بالمقابل هناك صلاحيات للكونجرس يستطيع من خلالها تقييد حركة الرئيس منها صلاحيات إعلان الحرب وصلاحية رسم السياسة المالية للبلد والمصادقة على المعاهدات الدولية.

- إن الرئيس الأمريكي يتأثر عند قيامه بصنع القرار بطروحات المؤسسات البحثية ومشورة مستشاري الرئيس ووسائل الإعلام واتجاهات الرأي العام الأمريكي وجماعات الضغط والشركات الكبرى، وهذه العوامل تشكّل قيود تكبح جماح الرئيس الأمريكي في حال رغبته بتبنّي سياسات مخالفة لثوابت المصلحة الأمريكية العامة.

- يواجه الرئيس أحيانا مشكلة عدم انسجام السلطة التنفيذية مع بعضها، من خلال نشوء خلافات ما بين الرئيس من جهة ووزرائه أو مساعديه أو نائبه من جهة أخرى، حول بعض القضايا السياسية مما يدفع الرئيس أحيانا إلى إقالة نائب الرئيس أو أحد الوزراء فيحدث إرباك في عمل الحكومة وثني الرئيس عن بعض مواقفه.

ورغم هذه القيود المفروضة على حركة الرئيس الأمريكي تبقى مسألة توظيف الصلاحيات الواسعة التي يمتلكها ونجاحه في تنفيذ رؤيته السياسية منوطة بعوامل عدة منها السمات الشخصية للرئيس وخبراته الإدارية والسياسية ونوعية وتوجهات مستشاريه ودعم الكونجرس له من عدمه.

يتبنى بايدن وحزبه الديمقراطي خطاباً يدعو فيه إلى زيادة الاهتمام بالدبلوماسية على صعيد السياسة الخارجية والابتعاد عن الحروب والعودة من جديد للعضوية الفاعلة في المنظمات والمؤسسات الدولية مثل منظمة الصحة العالمية ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة التي انسحبت منها إدارة ترامب وذلك انطلاقا من فكره مفادها أن التعاون مبدأ أساسي لإعادة الثقة لمكانة الولايات المتحدة عالميا من خلال تنشيط الجهود الدبلوماسية وتجنّب استخدام القوة، وهذا ما أكده بايدن في مقال له نشرته مجلة foreign affairs حيث قال: "كرئيس للولايات المتحدة سأتخذ خطوات سريعة لتجديد الديموقراطية والتحالفات الأمريكية وحماية مستقبل الاقتصاد الأمريكي لتقود الولايات المتحدة العالم من جديد".

وعند الحديث عن سياسة بايدن المتوقعة مع إيران فإن بايدن رغم قناعته بأن طهران مستمرة في محاولاتها لزعزعة أمن الشرق الأوسط إلاّ إنه يفضل التعامل معها بالطرق الدبلوماسية والعمل على خفض التصعيد وتنشيط الحوار الإقليمي لحلّ مشكلة البرنامج النووي الإيراني وفق آلية لا تستبعد العودة إلى الاتفاق النووي الذي وقعته إدارة أوباما مع إيران في عام 2015، وفي نفس الوقت فان سياسة بايدن المتوقعة تجاه إيران لا تضع في حساباتها مطلقا العمل على تغيير النظام في إيران مع ضمان قطع جميع السبل أمام إيران لامتلاك قدرات نووية حربية، والعمل على استمرار الضغط الأمريكي على إيران من أجل التوصل إلى تفاهمات تهدأ من التوتر القائم وتحمي المصالح الأمريكية من التهديدات الإيرانية.

وبشأن علاقة الولايات المتحدة الاستراتيجية مع إسرائيل فإن ضمان أمن إسرائيل وقوتها يبقى أمراً حيويا ومهماً ويمتلك أولوية في إستراتيجية بايدن الذي لا يختلف مع سابقه ترامب في الالتزام بأمن إسرائيل والوقوف إلى جانبها ضد التهديدات الخارجية، لكن رغم ذلك فإن بايدن قد يسعى إلى إيقاف التوسع الاستيطاني من خلال رفض عمليات الضم الإسرائيلي لأراضي فلسطينية جديدة، ولمحت تصريحات بايدن وحزبه أن القدس عاصمة لإسرائيل ويجب ألا تُقسَم، ويجب أن تكون في متناول الأفراد من الأديان كافة، كما أن إدارة بايدن ستضع في حساباتها إعادة العلاقات الأمريكية -الفلسطينية وتقديم المساعدات للفلسطينيين في الضفة وقطاع غزة، وفي نفس الوقت ستبقى الولايات المتحدة داعمة لإسرائيل وأمنها واقتصادها أمام محاولات استهدافها سياسيا واقتصاديا وعسكريا.

وبشأن دول الخليج التي تنظر بتوجس إلى فوز بايدن، فمن المتوقع أن تسعى إدارة بايدن إلى إعادة ترتيب العلاقات مع حلفائها الخليجيين بما يضمن المصالح الأمريكية وذلك بالعمل على تحديث الأنظمة الخليجية في الجانب السياسي والاقتصادي بطريقة توحي بضرورة إنهاء مرحلة ما يسمى (عطاء بلا مقابل) التي لا تخدم المصالح الأمريكية حسب رأي بايدن، وهذه إشارة واضحة إلى أن دول الخليج يتوجب عليها أن تدفع أموالاً مقابل ضمان الدعم والحماية الأمريكية لها كما انه من المتوقع أن تعمل إدارة بايدن على تشجيع الجهود الساعية للحد من التوترات في منطقة الخليج من خلال العمل على مواجهه الصراعات الداخلية والحروب بالوكالة التي ألحقت ضرراً فادحاً بمنطقة الخليج في إشارة ضمنية إلى الحرب في اليمن التي لمح بايدن إلى انه سيوقف الدعم الأمريكي للسعودية في هذه الحرب.

أما ملف العراق، فسيبقى من الملفات المهمة في الاستراتيجية الأمريكية ونتوقع أن يعمل بايدن على استمرار الدعم الأمريكي للحكومة العراقية في مواجهة الإرهاب وتحقيق الأمن والاستقرار، رغم أن المكونات العراقية منقسمة على نفسها ما بين متأمل وخائف من قيام بايدن بسحب القوات الأمريكية من العراق، لكن من غير المتوقع أن يقدم بايدن على سحب القوات الأمريكية بالكامل من العراق خشية من ترك فراغ قد تقوم إيران بشغله، وهو بهذا لا يريد أن يكرر ما يعتبره البعض خطأً استراتيجياً ارتكبه أوباما ومهد لسيطرة إيران على العراق وظهور داعش الإرهابي، وفي ظل الأزمة السياسية والاقتصادية التي يمر بها العراق فمن المتوقع أن يسعى بايدن وبطلب من الحكومة العراقية إلى دعم العراق لكن وفق الشروط الأمريكية والتي تتمثل بضرورة قيام الحكومة العراقية بتحقيق التوافق الوطني وكذلك تحجيم الفصائل المسلحة الموالية لإيران ومنع تهديدها للمصالح الأمريكية في العراق.

ولتسليط الضوء أكثر على الموضوع، طرح الدكتور الباحث السؤالين الآتيين:

أولا: هل ستشهد السياسة الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط تغييرات جوهرية بالشكل الذي يعيد ترتيب أولوياتها؟.

ثانيا: ما هي سياسة بايدن المتوقعة تجاه العراق؟ وكيف سيتعامل مع أزماته السياسية والأمنية والاقتصادية؟

المداخلات:

إدارة بايدن ستكون مقيدة بأدوات استراتيجية

- البرلماني السابق الاستاذ جواد العطار، ما أفرزته الانتخابات الأمريكية الأخيرة من تقارب في النتائج بين المرشحين الجمهوري والديمقراطي ترامب وبايدن، يؤكد بما لا يقبل الشك بان سياسة الفريقين الداخلية والخارجية متقاربة في المفاهيم والمبادئ إلا في بعض المفاصل الدعائية الانتخابية من قبيل النظرة إلى سياسة الهجرة وسور ترامب الذي يفصل الولايات المتحدة عن المكسيك والتعامل مع فيروس كورونا وغيرها من القضايا الفرعية التي في أغلبها ذات طابع داخلي حتى في موضوعة العودة إلى منظمة الصحة العالمية.

إذن التعويل على تغيير كبير في سياسة الفائز الجديد بايدن في غير محله، ممكن تحدث بعض التغييرات المدروسة والتي لا تعتمد نهج ترامب الأحادي الرأي، إلا أن التعويل على بايدن يجب أن لا يكون كبيرا لعدة أسباب منها: إنه رجل كبير كان له بصمة في السياسة الداخلية والخارجية لعقدين ماضيين اولا، وهو غير مستعد لتغيير جذري قد يعرض تأريخه للخطر وهو في آخر مراحل حياته. وثانيا، العقبات واللمسات التي وضعها ترامب في طريق خليفته لن تجعله حرا بالتصرف بالسرعة الممكنة وبالذات في مواضيع مثل: الملف النووي الإيراني والتطبيع العربي مع إسرائيل والتواجد الأمريكي في العراق الذي يضم حاليا أهم القواعد العسكرية الأمريكية في الحرير وعين الأسد.

ثالثا، في ظل التوسع الروسي في سوريا وجنوب أفريقيا والمتوسط فإن إدارة بايدن ستكون مقيدة بأدوات استراتيجية تحاكي التوسع الروسي وكمين التنين الصيني، لذا فانه سيسعى إلى تعزيز التواجد الأمريكي في الشرق الأوسط والأماكن الهشة حتى أفغانستان وفي مد اليد الطولى للولايات المتحدة في الكثير من القضايا الدولية تحت مبدأ (أمريكا أولا).

إن الرئيس بايدن وإدارته ستكون مقيدة بما فعله ترامب طيلة فترة رئاسته، ولن تتحرر من قيودها قبل أربع سنوات قادمة على الأقل، وقد لا يسعفه العمر للفوز برئاسة ثانية لإكمال مشواره في التغيير المنشود.

اختلاف بالرؤية واتفاق بالهدف

- الدكتور محمد سعيد الشكرجي، أوضح بعض الملاحظات قائلا:

1- يمكن اختصار الفارق بين ترامب وبايدن أن الأول يمارس دور القيادة العالمية بجر مختلف الدول وراءه بينما يمارس بايدن قيادة العالم مع الدول الحليفة، أي باختلاف رؤية كل منهما، رغم اتفاقهما على قيادة العالم!.

2- لا يمكن الكلام عن السياسة الخارجية الأمريكية دون الحديث عن الصين التي تصاعدت احتمالات إمساكها بدور القيادة.

3- كلما تحدثنا عن آفاق السياسة الدولية يفرض الواقع إدراج مسائل الاقتصاد والتسليح والتكنولوجيا والحروب بالوكالة، في منطقتنا مثلاً، على بساط البحث ولو بدرجات متباينة.

التغيير في الإطار والمحتوى نفسه

- الدكتور عدي المفرجي، أشار إلى أن السياسة الأمريكية الخارجية قائمة على مفاهيم ثابتة وهو حماية الأمن القومي الأمريكي وضمان المصالح العليا للولايات المتحدة الأمريكية، والتغيير في الإطار لا المحتوى هو نابع من سياسة الحزبين سواء كان الديمقراطي أو الجمهوري، فالربيع العربي سياسة الحزب الديمقراطي في تحقيق أكبر تغلغل أمريكي في العالم العربي باسم الديمقراطية وضمان حقوق الإنسان ونفس الهدف ولكن الاسلوب تغير في سياسة الحزب الجمهوري وبطريقة الحرب عن احتلال العراق عام ٢٠٠٣.

فلابد من التذكير، أن بايدن كان نائب الرئيس بارك أوباما مهندس الربيع العربي، وبالتالي فإن التطلعات المخفية أو التي كان يرغب بتحقيقها الآن سوف تصبح في مجال التحقيق والعمل عليها فهناك ملف لابد من البحث فيه وهو التعامل مع الإسلاموية، فالديمقراطيون سواء كان رئيسهم أو نوابهم عملوا على وضع مفاهيم جديد في الإسلام بالضغط على تغيير المناهج أو جمع الراديكاليين في داعش أو استقطاب الوسطية ودعمهم وغير ذلك، إن الاهتمام الأمريكي في ظل سياسة الحزب الديمقراطي يهتم بالأمور الخارجية أكثر من الجمهوري ولكن على طريقته.

إن الاعتبارات الأمريكية في العراق مرتبطة بالتعامل الإقليمي وهذا ما تضامن عليه الديمقراطيون في أكثر من مناسبة مثال على ذلك تمشية الانتخابات أو الضمان الأمني أو محاربة داعش، وعليه فإن مشاريع التقسيم وارد جدا لأن الديمقراطيين ينظرون إلى الحريات العامة والخاصة بالقوميات العراقية التي نجحت بإيصال صوتها للعالم الخارجي وإفشال التجربة الديمقراطية العراقية، ومن الجدير بالذكر أن الديمقراطيين عند وصولهم سدة الحكم يعملون دائما على إصلاح ما أفسده الجمهوريون وبخاصة السياسات الفاشلة بشرط أن يضمن هذا الإصلاح سياسة الأمن القومي وضمان المصالح العليا.

سياسة بايدن إرغامي في باطنها وإغرائي في حقيقتها

- أ.م. حسين عليوي المفرجي/جامعة الكوفة- كلية العلوم السياسية: "قيل الكثير عن التغيرات التي ستحصل في إدارة بايدن تجاه القضايا الدولية الساخنة وخواصرها الرخوة ومغرياتها غير الثابتة كالعراق والملف النووي الإيراني، وحري بنا القول إن النظام السياسي في الولايات المتحدة هو نظام رئاسي رغم الإقرار بمؤسساتية الهرم النظمي للنظام السياسي من حيث وجود شركاء للرئيس الأمريكي متمثلا بغرفتيه العليا الشيوخ والأدنى النواب، لكن يغفل البعض ما للرئيس من سطوة جبل عليها اسم النظام الرئاسي الذي يمنح سيد البيت الأبيض حصانة الدبل فيتو لكل قرار يرفض، ما يحافظ على تقليدية المؤسسات السياسية التي تسير في هدي هذه التسمية ويحسم جدل التقاطع حول من يملك الحجر الأخير في بيادق شطرنج القرار السياسي، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى إدارة بايدن خارجيا وخاصة تجاه العراق وإيران وإسرائيل والخليج وتركيا وحلف الناتو ستكون بميل آخر في ظل وجود سيد البيت الأبيض الجديد، وعلى العموم سيبتعد عن ماركنتالية ترامب رغم الإقرار بأن التنين الصيني سيكون مزعجا في ملاذات منظمة التجارة الدولية وحرب التكنو سيبرانية، وتجاه إيران ستكون الحسبة بمنحى آخر ومتوالية جديدة حيث سيحرص بايدن على عدم إثارة أوروبا الند المستقبلي لعثمانية أردوغان غير المضمون مصلحيا والطامح أوسطيا والمزعج لروسيا، واستنادا لهذه المعطيات ستكون الولايات المتحدة أكثر رغبة وإيران اشد شهية للعودة إلى الاتفاق النووي ولكن بمنطق آخر يحمل اشتراطات تختلف عن متوالية أوباما إذ سيكون طريق العودة لاتفاق 5+1 متضمنة لأسلحة إيران الإستراتيجية وعدم إرباك خطوات ترامب في التطبيع وتلجيم الأجنة في حواضن العراق وسوريا كي يكون طريق كوشنر خال من المطبات والنفس الإيراني خاصة في طريق السودان.

أما عراقيا فستكون النظرة الأمريكية من خلف الشبابيك الخليجية بمعنى مدى تقبل الخليج لإفرازات الانتخابات العراقية وكوابحها الإيرانية وقابلية الحاضنة العربية على إستيلاد عراق آخر، مثلما سيحافظ بايدن على إرث أوروبا ووليدها المؤيد أوروبيا حلف شمال الأطلسي لتخيف القدح الترامبي وتطمين الأوروبيين أن الولايات المتحدة لن تتخلى عن سورها الحصين المعول عليه في ردم هوة الأحلام البوتينية للحلم مستقبلا باتحاد سوفيتي جديد.

وتجاه إسرائيل سيعمل بايدن على تعظيم منجزات ترامب التطبيعية مع الالتزام بعدم المساس بثوابت السياسة الأمريكية ديمقراطية كانت أم جمهورية، ولكن بمنحنى آخر هو إرغامي في باطنه وإغرائي في حقيقته لزرع بذرة الشقاق بين حماس ومنظمة التحرير لنسف أي جهود فلسطينية موحدة، ومن ثم جعل ما سيتبقى من أوسلو فتات مغرية للهث الفلسطيني الباحث عن شرعية البقاء في معاناة الشعب الفلسطيني ولكن ذلك على الأرجح سيكون بمساعدة مهمازا سعوديا وبمباركة قطرية.

اللجوء إلى إستخدام سياسة العقوبات في حال وجود التعنت

- الدكتور أسعد كاظم شبيب/جامعة الكوفة – كلية العلوم السياسية: "فيما يخص توجه الرئيس المنتخب جو بايدن تجاه ملفات الشرق الأوسط، يبدو أن الرجل بحكم خبرته منذ سنوات عمله في مجلس الشيوخ الأمريكي منذ بداية السبعينات ومنذ توليه منصب نائب الرئيس في عهد الرئيس باراك أوباما سوف يتعامل ببراغماتية وعقلانية عالية، صحيح أن هناك ملفات داخلية ضاغطة كانتشار وباء كورونا، والتراجع الاقتصادي، وانتشار البطالة، لكنه سيعطي أهمية للملف الصيني باستخدام سياسة المثوبة إذا ما وجد هناك تفاهم من قبل الصين، لاسيما وأن الأخيرة تريد مغادرة مرحلة التوتر الذي أحدثته إدارة الرئيس دونالد ترامب، وقد يستخدم بايدن سياسة العقوبات إذا كان هناك تعنت من قبلها لاسيما فيما يخص التمدد الجغرافي المجاورة للصين والحليفة للولايات المتحدة.

أما فيما يخص الملف الإيراني، فمن المعلوم أن بايدن الحالي وهو ذات بايدن نائب الرئيس عندما وقعت إدارته اتفاق مع إيران بإشراف الدول الأوروبية والروس والصين، من هنا سيحرص بايدن على التوصل إلى اتفاق جديد نقول جديد لان بايدن سيحاول فرض شروط جديدة على إيران لمراضاة حلفاء أمريكا في الشرق الأوسط أبرزها إسرائيل ودول الخليج التي وقعت على التطبيع مع إسرائيل، وقد تكون آخر الحلول هي الحرب ضد إيران وقد يحاول العكس طالما أن هناك شعور أمريكي وغربي بالانقلاب على الاتفاق النووي، وأخيرا الموضوع العراقي فتبدو كل التكنهات واردة لاسيما في ظل استمرار الأزمة السياسية والاقتصادية، خاصة وأن بايدن صاحب نظرية التقسيم عندما كان عضوا في مجلس الشيوخ، وقد يطرح حلا للعراق على المستوى السياسي وهو نوع من الفيدراليات بعد ما يشاع عن ترحيب حتى في الأوساط السنية فضلا عن الكردية وبعض الشخوص في محافظة البصرة.

السمة الشخصية هي التي تحدد ملامح السياسة الأمريكية

- الباحث الأستاذ حسن كاظم السباعي أوضح قائلا: "مع كل النقاط التي ذكرها الأُستاذ الباحث حول القدرات أو القيود التي تصاحب الرئيس الجديد، إلّا أنّ ما سيكون طاغيًا هو ما عبَّر عنه بـ (السمات الشخصية للرئيس)، وعلى هذا المبنى ستكون تغييرات جوهرية بالتأكيد، فلو لاحظنا تاريخ رؤساء الجمهورية في أميركا، نلاحظ أن السمة الشخصية هي التي تحدد ملامح السياسة الأمريكية في العالم، فحتى لو كان الرئيسان من نفس الحزب، فإنَّ سياستيهما تختلف بشكلٍ أو بآخر، وبناء على ذلك؛ فإنَّ أبسط تغيير يمكن أن يحدث بمجيء بايدن هو تغيير الخطاب واللهجة الأمريكية تجاه مختلف قضايا العالم، حيث إنَّ الخطاب واللهجة الترامبية كانت فريدة وخاصة به دون غيره، ومن هنا فإنَّ هذه (الحالة الخاصة) ستكون حاضرة أيضا في الإدارة الجديدة، ذلك لأنَّ على بايدن أن يمحو البصمات التي تركها ترامب في أروقة البيت الأبيض!، ليحوِّلها من إثارات دعائية إلى إشارات دبلوماسية.

وفيما يخص الشرق الأوسط، فإنَّ نظرة سريعة إلى الإعلام الخليجي أو الإيراني أو المصري يكشف بوضوح إرهاصات تلك التغييرات المرتقبة؛ فطهران متفائلة، والرياض متشائمة، أما القاهرة فحذِرة ووجلة من فتح ملف الإخوان.

بشكلٍ عام، لا يُمكن توقع حدوث تغيير جذري للسياسة الأميركية تجاه العراق، ذلك لأنَّ المشوار الذي بدأ به جورج بوش الإبن عام ٢٠٠٣ لم يكن وليد تلك اللحظة، وإنما كان ضمن السياسة العليا المرسومة تجاه العراق، فمنذ أمد بعيد كانت لأمريكا تطلعات أو مصالح في العراق؛ منذ عهد الحرب الباردة بين القوتين العظيمتين وكذلك ما لحقها من أحداث؛ كالحربين الخليجيتين؛ الأولى والثانية حيث كان كل ذلك تمهيد ليتحوَّل العراق إلى محل للتخطيط الاستراتيجي ووسيلة للوصول إلى مأرب الخطة الكبرى التي بدأت بعض أشكالها تحوم حول العراق.

وعليه فإنَّ أي تغيير في المستقبل أيضا سيكون وفقًا للإستراتيجية الأمريكية العليا التي لا تتبدّل بتبدّل الرؤساء، أما بالنسبة للأربع السنوات القادمة فإنّ التغيير المرتقب سيكون طفيفا وفقا لتغيّرات ومقتضيات الساعة.

ولكن تحوّل الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي سوف تحصل في العراق، كما هو المتوقع في الانتخابات البرلمانية القادمة، وما بعدها من نتائج مؤثرة -على المدى الطويل- قد تُغيِّر في المعادلة التي يُراد منها تحديد بوصلة أحداث الصراع الاستراتيجي لوقف الانهيار أو التخفيف منه على المنظور القريب على مختلف الأصعدة والمستويات.

وبعبارة أُخرى؛ إنَّ باستطاعة المدراء والمتصدين للسياسة العراقية المرتقبة أن يفرضوا على الإدارة الأمريكية نوعية التعامل الذي يرغبون أن يُعاملوا به، شريطة أن يتجاوزا المصالح الشخصية والحزبية، وأن يجعلوا مصالح بلاد الرافدَين وشعبه نصب أعينهم.

أما فيما يرتبط بالاستراتيجية الأمريكية العليا؛ فرغم عدم وجود معطيات ملموسة فإنَّ بعض القرائن والتسريبات توحي بأنَّ من أهم صور التطلّع الأمريكي المُشار إليه، ويبدو أنه مخطط منذ أمد بعيد؛ هو جرّ العراق إلى محور التطبيع مع إسرائيل، ومع أنَّ الصورة لم تتضح بعد، فينبغي على الطرف العراقي أن لا يقع في الفخ، ولا يتحقق ذلك إلّا من خلال تكوين مجتمع مدني حقيقي يبرز رغبات أغلبية أفراد الشعب العراقي ذو التوجه المعروف بصبغته البارزة المتمثلة بالحفاظ على القيم والمبادئ والعقيدة الصحيحة".

هدف استراتيجي لا إختلاف عليه ولكن يتفاوت

- الأستاذ عدنان الصالحي مدير مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية أشار بالقول إلى: "أن المتتبع السياسة الأمريكية لا يجد فيها اختلاف كبير ولا سريع تجاه الكثير من الأمور سواء الداخلية أو التعامل مع القضايا الخارجية، فالأمريكان يتحركون ضمن خطط معدة سلفا بمرتكزات واضحة المعالم وهي المصالح الخاصة لهم والأمن الإسرائيلي، قد يكون هنالك اختلاف في الآليات أو التوقيتات وبين الخطابات والأسلوب لدى القادة الأمريكان، فبعضهم يعمل وفق المنطق الكابوي الأمريكي والأفعال الدراماتيكية، ويتصرف على أساس إرباك الآخر وتلبيد الأجواء وإحراج المنافسين ومضايقة الخصوم، والبعض الآخر يرى في هذه الطريقة غير ناجعة فيلجأ للتحرك بهدوء وبدون استعراض للقوة ولكنه يعمل في حركات استخباراتية وبخفاء تام، وبعيدا عن أي إعلام ليصل لمراده، فالنقطة المشار إليها سابقا، أن لهم هدف استراتيجي لا إختلاف عليه ولكنهم يتفاوتون في الآليات، لذا فإن منطقة الشرق الأوسط ستبقى منطقة صراع أمريكي، لكن قد يكون الأسلوب الذي يتبعه الرئيس القادم هو أسلوب القص بهدوء خلاف سلفه.

أما بخصوص الوضع العراقي فأغلب الرؤساء الأمريكان عند قدومهم فإنهم يعدون بتغيير الاستراتيجية المتبعة، وإيجاد حلول لمعظم المشاكل التي أنتجها غزوهم له، ولكن الواقع يفرض شيئا آخر، فالتداخلات والتدخلات المتعددة تجعل أيدي الأمريكان مغلولة في الكثير من المواضيع بسبب التوازن الدولي والإقليمي، فتنتهي الدورة الرئاسية الأمريكية دون تحقيق شيء يذكر للعراق، وهكذا تحركت الفترات المنصرمة للرئاسات الأمريكية، دون إيجاد أرض ثابتة للواقع العراقي، وحتى قدوم بايدن الذي حمل فكرة تقسيم العراق فإنه وعلى ما نعتقد لن يجد حلا للأوضاع العراقية إلا بحل ملفات سوريا واليمن ولبنان وإيران أي صفقة َواحدة، وهذا إذا ماحدث فإنه سيضمن ترتيبات دولية ويحتاج لتوافق دولي في مناطق مختلفة، ولكن يبقى للسياسة قولها الفصل.

الوسائل هي التي تتغير وصولاَ للأهداف المحددة

- الأستاذ الباحث محمد كريم الخاقاني، علق قائلا: "بداية لابد من القول، بأن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية لا تتغير بتغير شخص الرئيس سواء كان جمهورياً أو ديمقراطياً، لكن ينبغي الإشارة إلى أن ذلك لا يمنع القول بأن الوسائل هي التي تتغير وصولاَ للأهداف المحددة سلفاَ في إستراتيجيات الدولة، ومن هنا نرى بأن الولايات المتحدة في عهد الرئيس المنتخب جو بايدن لا تتغير من حيث تحديد الأولويات، إذ تنطلق الرؤية الأمريكية في المنطقة من مبدأ تأمين المصالح الأمريكية فيها مع مراقبة التحركات الإيرانية في المنطقة مع ما رافق الملف الإيراني من إنسحاب أمريكي من الإتفاق النووي الموقع في عام ٢٠١٥ وبالتالي تشديد العقوبات الإقتصادية على إيران.

فضلاً عن تطورات الأزمة السورية والوضع المتأزم في لبنان مع تطورات الأمور في العراق واحتمالية انسحاب القوات الأمريكية من العراق كنتيجة لمخرجات الحوار الإستراتيجي مع العراق، وبالتالي سنكون أمام بداية تغيير في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاهه وذلك مع بدء ولاية بايدن للسنوات الأربع المقبلة، فالعراق ومنذ تشرين الأول ٢٠١٩ يشهد تصاعدا غير مسبوق في تطورات الوضع السياسي أسفر عن استقالة حكومة عادل عبد المهدي وما تلاه من تداعيات تشكيل حكومة عراقية وصولا لمرحلة تولي السيد مصطفى الكاظمي لرئاسة الحكومة في آيار ٢٠٢٠، وبالتالي تجري محاولات عدة من أجل الخروج بوضع جديد ومغاير لما كانت عليه سياسة الولايات المتحدة إزاء العراق وذلك من خلال إضعاف النفوذ الإيراني في العراق وذلك عبر تضييق الخناق على فصائل تراها واشنطن موالية لطهران وبالتالي تستهدف الوجود الأمريكي الدائم في العراق، وقطع خطوط الإتصال والتواصل معها ولذلك انتهجت واشنطن سياسة الخنق الإقتصادي وقص أجنحة الفصائل عبر توجيه ضربات إستباقية إقتصادية لها، وهذا ما يضعف وضعها ونفوذها داخل الدولة، وعلى الرغم من أن الحوار العراقي الأمريكي الذي جرى في وقت سابق من هذا العام، إلا أن الملاحظ بأن مسألة انسحاب القوات الأمريكية غير وارد في التخطيط الأمريكي بل هناك حديث حول إعادة إنتشار وربما يكون هناك تقليص بالعدد وليس انسحاب على غرار تجربة ٢٠١١، وما شهده البلد من سيطرة تنظيم داعش الإرهابي على مساحات كبيرة، وبالتالي لا نعتقد بتغير أمريكي تجاه هذه المسألة سواء كان الرئيس جمهوريا أم ديمقراطيا وهذا ما يعني تواصل الإستراتيجية الأمريكية إزاء العراق وبالنهج القديم وان كانت بوسائل جديدة، ربما تختلف من حيث الآلية ولكنها مشابهة لما كانت عليه في عهد الرئيس ترامب.

وفي ختام الملتقى تقدم مدير الجلسة الدكتور قحطان اللاوندي، بالشكر الجزيل والإمتنان إلى جميع من شارك وأبدى برأيه حول الموضوع.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001–2020Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق