مقدمة

ما أكثر المشككين في كل عصر وحين ولكن زادوا كثرة وحدَّةً في عصرنا الحاضر وذلك بسبب كثرة خوارج العصر، فهؤلاء ممَنْ وصفهم الله بقوله تعالى: (فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا) (النساء: 78)

وأعطى صفاتهم التي هم عليها بأجلى صورها، وأنقى معانيها وحقائقها، حيث قال: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ) (البقرة: 13)

وكان سهم هذه الطائفة المحقة، والمحبة لأهل البيت الأطهار (ع) سهم الأسد، والنمر، والفهد معاً وذلك لأنهم على الحق، والآخرون على الباطل فأراد أهل الباطل قتل أهل الحق لأنهم لا يستطيعون دفهم عن حقِّهم، فسعوا للتخلُّص منهم، كما فعلوا بأئمة الحق من أل البيت الأطهار (ع) لأجل أئمة الباطل والضلال، وظنوا أنهم بذلك يدفنون الدِّين، وأصحاب الحق المبين، فيرتاحون في دنياهم إلى حين.

وأوَّل مستهدف كان أعظم شخصية في الوجود في حينه، الذي برَّأه الله من العيوب والذنوب، كما برَّأ أعداءه من الحسنات والمكرمات، رغم أنه ضحَّى بكل شيء حتى بسُمعته التي هي سُمعة رسول الله (ص) في سبيل الحفاظ على الإسلام من الانشقاق، والانشطار نصفين؛ إسلام محمدي أصيل، وإسلام أموي دخيل.

نعم؛ إنه السبط الأكبر لرسول الله (ص) الإمام الحسن المجتبى العظيم، الحليم، كريم أهل البيت (ع)، الذي كان هو الإمام لأمة جده بنصِّ جده المشهور القائل: (الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا) (ثورة الإمام الحسن (ع) السيد محمد الشيرازي: ص34، عن عوالم العوالم: ج16 ص96).

ومَنْ يُكذِّب بهذا الحديث فهو قطعاً لا يستطيع أن يُكذِّب الحديث المتواتر الذي يقول فيه رسول الله (ص): (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأبواهما خيراً منهما)، والنتيجة واحدة فيهما وهي ثبوت إمامة وأفضلية الإمام الحسن المجتبى (ع) على جميع الخلق في عصره دون استثناء ودون منازع له أو مقارن إلا أن يكون صنوه السبط الأصغر سيد الشهداء (ع).

والإمام الحسن (ع) ذاك السياسي الأبرز، والبرع في التاريخ البشري، الذي نزع فتيل الانفجار من اللغم الأموي الذي أعدَّه بحنكة ودهاء معاوية بن هند للإسلام والمسلمين، وأراد تفجيره في الوقت الذي يرفض فيه الإمام الحسن (ع) كل العروض التي كان يظن أنه لن يوافق عليها، ولكنها كانت من باب المكيدة بالمسلمين ليُظهر لهم أنه استفرغ جُهده لجمعهم ولكن الحسن بن علي (ع) هو الذي يرفض كل العروض المقدمة إليه حباً بالسلطة، وكان آخر مكيدة له أن أرسل له صحيفة بيضاء ومهرها في أسفلها بختمه وتوقيعه وقال لحاملها: "فليكتب الحسن ما يشاء ويشرط ما يُريد فأنا موافق"، وكل ظنَّه أن الإمام الحسن سيُعيدها له بيضاء رافضاً هذا العرض السخي من معاوية بن هند الهنود آكلة الكبود، فلم يبقَ أمامه إلا الانشقاق والانشطار.

ولكن الإمام الحسن المجتبى (ع) الذي علم بعلم الإمامة، والوراثة النبوية والولاية، وعَمِل بفراسة السياسي المحنَّك الذي يُفوِّت على عدوِّه من أن ينال منه، وقد أمكنه الفرصة من فضحه، وكشف كذبه ودجله أمام الملأ وعلى مشهد ومسمع من الأمة الإسلامية كلها، فأخذ الورقة وكتب فيها شروطه كاملة، بحيث قيَّده بحباله التي نصبها ليصطاد فيها الإمام (ع) ليُظهره في موقع الشقاق والنزاع لأجل الدنيا والسلطة، فأظهره الإمام على حقيقته المنافقة الكاذبة.

حقيقة الأمر في الصلح

نأخذها من معدنها الأصيل من آل محمد (ص) وأحاديثهم المختلفة، ومن الإمام الحسن (ع) شخصياً، ففي الحديث عن سُدير، قال: قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام) ومعي ابني: (يا سدير اذكر لنا أمرك الذي أنت عليه، فإن كان فيه إغراق كففناك عنه، وإن كان مقصراً أرشدناك)، قال: فذهبتُ أن أتكلم فقال أبو جعفر (عليه السلام): (أمسك حتى أكفيك؛ إن العِلم: الذي وضع رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند علي (عليه السلام) مَنْ عَرَفَهُ كان مؤمناً ومَنْ جحده كان كافراً، ثم كان من بعده الحسن (عليه السلام). قلتُ: كيف يكون بتلك المنزلة، وقد كان منه ما كان؛ دَفَعَها إلى معاوية؟ فقال: اسكت فانه أعلم بما صنع، لولا ما صنع لكان أمر عظيم). (بحار الأنوار: ج 44 ص1، عن علل الشرائع: ج 1 ص 200)

وفي الحديث عن أبي سعيد عقيصا، قال: قلتُ للحسن بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام): يا ابن رسول الله لِمَ داهنت معاوية وصالحته، وقد علمتَ أن الحق لك دونه وأن معاوية ضال باغ؟ فقال (ع): يا أبا سعيد أ لستُ حجة الله تعالى ذكره على خلقه، وإماماً عليهم بعد أبي (عليه السلام)؟ قلتُ: بلى.

قال: (أ لستُ الذي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لي ولأخي: الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا)؟ قلتُ: بلى.

قال: (فأنا إذن إمامٌ لو قمتُ، وأنا إمامٌ إذا قعدتُ، يا أبا سعيد علَّةُ مصالحتي لمعاوية علَّة مصالحة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لبني ضمرة وبني أشجع، ولأهل مكة حين انصرف من الحديبية، أولئك كفَّار بالتنزيل، ومعاوية وأصحابه كفَّار بالتأويل، يا أبا سعيد إذا كنتُ إماماً من قبل الله تعالى ذكره لم يجبْ أن يُسفَّه رأيي فيما أتيته من مهادنة أو محاربة، وإن كان وجهه الحكمة فيما أتيته ملتبساً.. ألا ترى الخضر (عليه السلام) لمَّا خرق السفينةَ، وقتل الغلام، وأقام الجدار، سخط موسى (عليه السلام) فعله، لاشتباه وجه الحِكمة عليه حتى أخبره فرضي، هكذا أنا سخطتم عليَّ بجهلكم بوجه الحِكمة فيه، ولولا ما أتيتُ لما تُرك من شيعتنا على وجه الأرض أحد إلا قُتل). (بحار الأنوار: ج 44 ص 2)

ومرَّةً أخرى يُجيب الإمام الحسن (عليه السلام) فيقول: (والله لو قاتلتُ معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني إليه سلماً، فوالله لأن أسالمه وأنا عزيز، خير من أن يقتلني وأنا أسيرهُ، أو يمنّ عليّ فتكون منّة على بني هاشم إلى آخر الدهر، ومعاوية لا يزال يمُنُّ بها وعقبه على الحي منّا والميت) (الاحتجاج للطبرسي: ج2، ص10)

خيانة خوارج الأمس واليوم

يروي المؤرخون أنه: "دسَّ معاوية إلى عمرو بن حريث، والأشعث بن قيس، وحجار بن أبجر، وشبث بن ربعي، دسيساً أفرد كل واحد منهم بعين من عيونه؛ أنك إذا قتلتَ الحسن فلك مائة (مائتا) ألف درهم، وجند من أجناد الشام، وبنت من بناتي"، تصوَّر هذا الساقط كيف يستخدم الإغراءات بكل أنواعها وأوسعها، المال، والمناصب، وحتى بناته يستخدمهن لمآربه الدنيئة.

فبلغ الإمام الحسن (عليه السلام) ذلك فاستلام (أي لبس لامة الحرب)، ولبس درعاً وسترها وكان يحترز ولا يتقدم للصلاة إلا كذلك فرماه أحدهم في الصلاة بسهم فلم يثبت فيه لما عليه من اللامة". (علل الشرائع للصدوق: ج1، ص221)

ولم تقف المسألة عند هذا الحد بل أقدم أولئك المرتشون والخونة والخوارج على محاولة اغتيال الإمام المجتبى (ع) وقتله – والعياذ بالله - روى ذلك الشيخ المفيد (رحمه الله): "إن الحسن أراد أن يمتحن (يختبر) أصحابه في طاعتهم له، وليكون على بصيرة من أمره، فأمر أن ينادى بالصلاة جماعة فلما أجتمع الناس قام خطيباً، فقال: (أما بعد فاني والله لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنّه وأنا أنصح خلق الله لخلقه وما أصبحت محتملاً على مسلم ضغينة ولا مريداً له بسوء ولا غائلة وان ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة وإني ناظر لكم خير من نظركم لأنفسكم فلا تخالفوا أمري ولا تردوا عليَّ رأيي غفر الله لي ولكم وأرشدني وإياكم لما فيه المحبة والرضا).

قال: فنظر الناس بعضهم البعض وهم يقولون: ما ترونه يريد بما قال؛ واندفع بعضهم يقول: والله يُريد أن يُصالح معاوية ويُسلِّم الأمر إليه، فقالوا: كفر والله الرجل؛ ثم شدُّوا على فسطاطه فانتهبوه حتى أخذوا مصلاه من تحته، ثم شدَّ عليه عبد الرحمن بن عبد الله بن جُعال الأزدي فنزع مطرفه عن عاتقه فبقي جالساً متقلداً السيف بغير رداء، ثم دعا بفرسه، فركبه وأحدَقَ به طوائفٌ من خاصته، وشيعته ومنعوا منه مَنْ أراده (بأذى وسوء).

فقال: (أدعوا إليَّ ربيعة وهمدان)، فدعوا فأطافوا به، ودفعوا الناس عنه (عليه السلام) وسار معهم شُعوب من غيرهم فلما مرَّ في مظلم ساباط بَدَرَ إليه رجلٌ من بني أسد يُقال له: الجرَّاح بن سنان فأخذ بلجام بغلته، وبيده مِغْوَل (حربة صغيرة)، وقال: الله أكبر أشركتَ يا حسن كما أشرك أبوك من قبل ثم طعنه في فخذه فشقَّه حتى بلغ العظم، ثم اعتنقه الحسن (عليه السلام) وخرَّا جميعاً إلى الأرض، فوثب إليه رجل من شيعة الحسن (عليه السلام) يقال له: عبد الله بن خطل الطائي، فانتزع المغول من يده وخضخض به جوفه (أي طعنه في بطنه)، فكَبَّ عليه آخر يقال له: ضبيان بن عمارة، فقطع أنفه فهلك الرجل من ذلك، وأخذ آخر كان معه فقُتل، وحُمل الحسن (عليه السلام) على سرير إلى المدائن". (الإرشاد للشيخ المفيد: ج2، ص19)

سياسة الإمام الحسن (ع)

هي السياسة الحقيقية التي تفضح عدوَّك وتوقعه في مصيدة لا يخرج منها، فكانت سياسة الإمام الحسن (ع) هي التي فضحت معاوية وحكمه وبيته الأموي، ولذا جاء في حديث يوسف بن مازن الراسبي، قال: بايع الحسن بن علي (صلوات الله عليه) معاوية على ألا يُسمِّيه أمير المؤمنين، ولا يُقيم عنده شهادة، وعلى ألا يتعقَّب على شيعة علي (عليه السلام) شيئاً، وعلى أن يُفرِّق في أولاد مَنْ قُتل مع أبيه يوم الجمل، وأولاد مَنْ قُتل مع أبيه بصفين ألف ألف درهم، وأن يجعل ذلك من خراج دار أبجرد"، ثم قال: وما ألطف حلية الحسن (صلوات الله عليه) في إسقاطه إياه عن إمرة المؤمنين؟ (بحار الأنوار: ج 44 ص 3)

قال يوسف: فسمعتُ القاسم بن محيمة، يقول: ما وَفَى معاوية للحسن بن علي (صلوات الله عليه) بشيء عاهده عليه". (بحار الأنوار: ج 44 ص 3)

وشهد الحصين بن المنذر الرقاشي قائلاً: "ما وفى معاوية للحسن بشيء مما أعطاه، قتل حجراً وأصحاب حجر، وبايع لابنه، وسمَّ الحسن". (شرح النهج لابن أبي الحديد: ج 4 ص 16)

وهذا ما صرَّح به معاوية في النخيلة حيث قال: "يا أهل العراق، إني واللّه لم أقاتلكم لتصلوا ولا لتصوموا، ولا لتزكوا، ولا لتحجوا، وإنما قاتلتكم لأتأمر عليكم، وقد أعطاني اللّه ذلك وأنتم كارهون؛ ألا وإن كل شيء أعطيته للحسن بن علي جعلته تحتَ قدميَّ هاتين"، وفي رواية المدائني: "وكل شرط شرطته فتحت قدميّ هاتين". تلك هي الخيانة بأجلى صورها وأبشع وأشنع أشكالها.

صلح الإمام الحسن (ع) ثورة

فلأولئك الذين يتحذلقون ويتفاهمون ويُحاولون تصوير المسألة أن هناك تباين واختلاف في وجهة النظر بين الإمامين الحسن المجتبى وشقيقه الحسين (ع) فالأول صالح وهادن معاوية، فلماذا نهض وقام الثاني فلا بد من أن يكون احدهما صحيحاً والآخر عكسه، فالمسألة ليست بهذا الشكل فكلاهما من نبع واحد، ولكن يختلف التكليف باختلاف الظروف الاجتماعية والسياسية، وهذا ما بيَّنه الإمام السيد الشيرازي الراحل (قدس سره)، حيث يقول: "من دون ترديد بأن الإمامين الهمامين (ع) كانا على هدف واحد ولكن قاما بأسلوبين مختلفين كل بمقتضى شرائط زمانه وحسب أمر الله عز وجل.

وربما يمكن القول بأن دور الإمام المجتبى (ع) كان حساساً وصعباً أكثر من دور سيد الشهداء (ع)، وذلك لأن الإمام الحسن (ع) كان عليه أن يهيئ الأرضية الصالحة للنهضة المباركة، وأن الإمام الحسين (ع) قام بتلك النهضة الحقة، لأن النهضة الموفقة تحتاج أولاً إلى إعداد الأرضية والتخطيط المنظم والدقيق، حتى يمكن إجرائها بنجاح، فنبي الإسلام (ص) مثلاً كان شجاعاً مجاهداً لكنه في مكة المكرمة قد قام بتهيئة الأرضية المناسبة للأمة الإسلامية فوضع الأسس في مكة وقام بمرحلة التنفيذ والتطبيق في المدينة".

ثم يقول: "إن النهضة الموفقة دائماً تحتاج إلى الإعداد السابق، وكان الإمام الحسن المجتبى (ع) قد قام بهذا الدور المهم، فلو لم ينهض ولم يقبل بالصلح بتلك الشروط المذكورة في التاريخ، وبشكل عام إذا لم يتخذ الإمام الحسن (ع) ذلك الموقف المناسب، فإن الإمام الحسين (ع) لم يتمكن من القيام بنهضته المباركة، والدليل على هذا الكلام أن الإمام الحسين (ع) لم ينهض فوراً عند تسلمه لمنصب الإمامة بل صبر وتحمل بعد استشهاد أخيه الإمام المجتبى (ع) تسع سنوات حتى تتهيأ وتعد الأرضية الكاملة للقيام والنهوض".

إلى أن يقول سماحته: "لقد قام الإمام الحسن والإمام الحسين (ع) بأداء رسالة واحدة، ولكن نصفها قد أداه الإمام الحسن (ع) بالإعداد الكامل وتهيئة الأرضية اللازمة، ونصفها الآخر قد قام بأدائه سيد الشهداء (ع) بقيامه المقدس والدامي.

وقد سبق أن مسؤولية الإمام الحسن (ع) كانت مهمة وصعبة جداً، ربما أصعب من مسؤولية الإمام الحسين (ع)، وذلك لأن مسؤولية الإعداد أصعب من تفجير النهضة والقيام المسلح، لأن الشخص الذي يريد بناء وتربية جيل على المفاهيم الصحيحة، فمن دون شك وترديد لا بد من أن يلاقي صعوبات عديدة، وربما يُهان، كما أنه يحتاج إلى برنامج منظم وزمان طويل ومخطط دقيق على المدى البعيد، والكوادر الصالحة والتقية والاحتياط من أجل المحافظة على هذا الجيل في حال الإعداد والبناء، وعوامل البقاء خلال عشرين أو ثلاثين سنة أو أكثر، وأخيراً فهو بحاجة للاستعداد الكامل لتحمل الكلمات الجارحة وأن يكون بعيداً عن كل مدح وثناء.

أما الإنسان الذي ينهض سواء انتصر أو انكسر، فإنه سيحصل على مدح وثناء الناس، وتميل إليه قلوبهم، بعكس الإنسان الأول الذي خطط وأعد واستعد فإنه عادة يبقى من دون مدح وثناء من قبل الناس، تماماً كالبذرة تحت التراب فإنها تتحرك وتتحرك إلى أن تظهر من تحت التراب وتنمو ويشتد عودها، وتخضر ثم تورق وتزهر وتعطي ثمارها، والناس لا يرون إلا الثمرة وربما نسوا فضل البذرة، أما قبل نموها فلا يظهر شيء منها، فإن البذر تحت التراب لا يظهر منه جمال ولا رائحة ولا لون ولا نضارة ولا طعم، مع أن كل هذه تترتب على حركة البذرة تحت التراب.

ومن هنا يُعرف مدى أهمية مسؤولية الإمام الحسن المجتبى (ع) ودوره العظيم، فإنه كان يُشكل القسم المهم من النهضة المباركة، وأن رسالته ورسالة أخيه الإمام الحسين (ع) كانت واحدة ولكن تتشكل من قسمين، وهل هذا من أسباب ما ورد من أن الإمام الحسن (ع) هو أفضل وأعلى مرتبة من الإمام الحسين (ع) كما صرح بذلك سيد الشهداء (ع) في يوم عاشوراء حيث قال: (أخي خير مني). (ثورة الإمام الحسن (ع) السيد محمد الشيرازي: ص 38 بتصرف)

فصلح الإمام الحسن المجتبى (ع) ثورة بكل معنى الكلمة ولكن هادئة وصامتة، فهي النار تحت الرَّماد خبَّأها الإمام المجتبى (ع) ليأخذها ويؤججها شقيقه وصنوه الإمام الحسين (ع) ليحرق بها الظلم والجور والطغيان من بعده ولتكون ناراً ونوراً تسير مع الأجيال والأميال، يستنير بها المؤمنون، ويحترق بها المنافقون عبر العصور والدهور.

اضف تعليق