الكلام عن الغرب، ولكن وفق المنظور الإسلامي وليس وفق كلام وآراء المفكرين والباحثين الغربيين الذين يمجدون، في غالبيتهم العظمى، حضاراتهم التكنولوجية مع الاعتراف بانحدار الجانب الأخلاقي والروحي فيها.

وانطلاقاً من هذا الانفصام في الحضارة الغربية، يجد ابن الحضارة الإسلامية نفسه أسير عدة تساؤلات تحثه على تحديد موقفه من الحضارة الغربية بتنوعاتها السلبية والايجابية، وربما تنبع أهمية تلك التساؤلات من تحديد العلاقة الحاضرة والمستقبلية من تلك القيم المعتمدة في الغرب، ولذلك، فإننا غالباً ما نطرح تلك التساؤلات على الشكل التالي:

ما هو الغرب بالنسبة لنا؟.

لماذا نخافه؟ أين منهجه الحياتي؟ والى أين يسير بحضارته المادية التي لا تأبه للجانب الروحي ولا توليه الأهمية المطلوبة؟.

إن اندماج هذه الأسئلة بعضها ببعض يولد عندنا المنظومة الأيدلوجية الواضحة لطبيعة نظرتنا إلى تلك الحضارة المغايرة لحضارتنا الإسلامية في منطلقاتها وغاياتها وآفاقها المستقبلية فالغربيون، كما يقول عنهم الإمام الشيرازي، تركوا (ما جاء في كتبهم الدينية واستخفوا بما ورد فيها من أفكار واهية لا تتفق مع العقل البشري الذي يطمح إلى التطور والصعود، وهرولوا وراء المادة حيث لم يعرفوا الدين الصحيح) (1).

ومن الواضح أن الإمام الشيرازي يربط بشكل وثيق ما بين الحضارة وما بين الأخلاق، لأنه لا حضارة أساساً إن لم يكن هناك أخلاق أصلية تقوم وتبنى عليها تلك الحضارة، ولذلك يمكن لنا أن نقول إن كل تطور مادي وتكنولوجي لا يؤسس على منظمة أخلاقية تمكن الإنسان من إيجاد إنسانيته وتثبيت أصالته الروحية هو عبارة عن تقدم في المدنية وليس في الحضارة.

فالحضارة -كما يقول عنها الفيلسوف ألبرت أشفيستر- هي شقيقة الأخلاق الإنسانية الرفيعة لأن: (الأعمال المبتكرة والفنية والعقلية والمادية لا تكشف عن آثارها الكاملة الحقيقية إلا إذا استندت الحضارة في بقائها ونمائها إلى استعداد نفسي يكون أخلاقياً حقاً، ذلك أن الإنسان لن تكون له قيمة حقيقية بوصفه شخصية إنسانية إلا من خلال كفاحه ليكون ذا خلق وخلال حسنة) (2).

ولذلك نقل إن الغرب، بلا شك، هو عالم المدنية الذي يعطي الإنسان كل شيء بل كل ما يريده ويتمناه في حياته اليومية من وسائل الراحة والمتعة المادية، لكنه يسلبه بنفس الوقت أغلى ما يملكه إلا وهي إنسانيته.

فالأصالة الروحية مطلوبة مع كل خطوة تخطوها الحضارة إلى الأمام، وإلا فإن أي تقدم تكنولوجي أو صناعي سينقلب إلى سلاح فتاك موجه إلى صدر صانعه وصاحبه.

وأخطر ما يمكن أن يواجهه الإنسان الغربي في ظل عالمه الذي يركض لاهثاً خلف النزعة المادية، هو ابتعاده عن ذاته وشهوره الدائم بالفراغ الروحي وبالرغبة الملحة للشرب من ماء المادية المالح والارتواء منه لبرهة ثم لا يلبث أن يشعر بعطش أقوى، وهكذا الشارب من ماء البحر، كلما ازداد شرباً ازداد عطشا.

ولذلك فإننا نرى أن علاقة الحضارة بالدين والأخلاق علاقة وثيقة جداً لأن الأخلاق والدين يشكلان مظهرين من مظاهر الوعي الاجتماعي الحضاري في كل المجتمعات التي عرفتها البشرية خلال مسيرتها الطويلة، والذي يؤكد هذه الفكرة هو أن أشهر المطالب الأخلاقية قد صيغت منذ القديم في إطار المذاهب الدينية، ولذلك نرى انه من الواجب على أي إنسان أن يعترف بالدور الإيجابي الذي لعبه الدين في تطور وعي البشرية الأخلاقي والحضاري.

وعندما نتحدث عن علاقة الحضارة بالأخلاق والدين، فإن هذا لا يعني أن العلاقة تبقى حبيسة المفاهيم النظرية أو العقائد المثالية الطوباوية المختزنة في ذاكرة الأجيال فقط، بل إن العلاقة يجب أن تكون واقعية وعملية بحيث ترى آثارها في كل قطاع من قطاعات الحياة العصرية سواء في الاجتماع أو الاقتصاد أو السياسة أو الصناعة والتكنولوجيا، أو حتى في الفنون والآداب الإنسانية العامة.

وعندما تتكلم عن الحضارة وعلاقتها بالأخلاق، وضرورة وضع التقدم المادي للمجتمعات الغربية تحت سيطرة الضوابط الأخلاقية المطلوبة، فإن هذا الكلام لا يعني أبداً أنا نريد أن ننتقص من قيمة التطور المادي في العالم الغربي، ويكفينا أن نلقي نظرة سريعة لما حولنا حتى ندرك أن كل وسائل الراحة اليومية التي هي بمتناول أيدينا من صنع وإبداع الغرب.

فالانسان، كما يقول الإمام الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي: (روح ومادة، فالتفريط في أحدهما له نتيجة معكوسة على الجانب الآخر، كما أن الطائرة التي تفقد أحد جناحيها لا يمكنها أن تطير أو تهبط بسلام) (3). وقد أردف الإمام الشيرازي كلامه هذا بحديث مشهور لأمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام): (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، اعمل لآخرتك كأنك تموت غدا). ولذلك فليس من حقنا، بل ولا يجوز لنا أن نغمز من قناة الغرب التكنولوجية والمادة العامة التي تبهر عقولنا بالحديد من الإبداعات والاكتشافات مع كل مطلع شمس. وربما هذا هو السبب في خوفنا من الغرب.

فعندما يكون عدونا قويا وذكيا، على افتراض أن الغرب عدو لنا، فإننا نخافه ونبقى على حذر منه، فالقوة التي لا يضبطها العقل والخلق المستقيم تبقى قوة لكنها عمياء لا تبصر وتفرق بين الخير والشر.

إن تهافت المجتمع الغربي في أحضان المادية جعلت الكثير من المفكرين الغربيين ينظرون بعين الريبة إلى تلك الانتصارات التي تحققت في الآونة الأخيرة من عمر الغرب.

وعلى سبيل المثال، يرى المفكر والباحث الفرنسي المعاصر (بير ماسيه) في كتاب (أزمة النمو) أن الغرب قد حقق المعجزات فعلاً على الصعيد الصناعي والتكنولوجي، ولكنه كان دائماً يتساءل: ماذا بعد هذا النمو؟ وال أين نسير بما نصنعه؟.

كان يجيب (ماسيه) على هذه التساؤلات المطروحة بطريقة ذكية لا تخلو من المنطقية والموضوعية. وها هو يقول عن ذلك:

(لقد تخطينا في الربع الأخير من القرن الماضي اليائس بإعادة البناء المادي، والاستقرار السياسي، والنمو الاقتصادي في أوروبا غير أن إصلاح حال الناس لم يمنع ظهور عدم رضى صامت. فكل تقدم يخلق ضداً للتقدم في قلب عالم بقي مثنوي التركيب.. فالوفرة تفسد، والذرة الحربية تتفوق على الذرة السلمية. والجهاز الحاسب هو تهديد لعفوية الفكر، وعلم الأعصاب هو تهديد لاستقلال الشخصية: إن نمواً غير كاف وغير واف، يزيد الاستياءات المتناقصة ويثير مرضية اجتماعية جديدة) (4).

إن هذه التعابير الصادقة من (بيير ماسيه)، والتي بناها على دراسة جديّة مأخوذة من أرض الواقع، جعلته يصل إلى نتيجة حاسمة في نظرية إلى تلك الفتوحات العلمية والتكنولوجيا التي قام الغرب بها غير آخذ بالاعتبار النظم الأخلاقية المرجوة:

(إن المعرفة لفي أزمة فالفتوحات الأكثر إشراقا تجعل مناطق الظل التي تحيط بها أشد ظلاماً) (5). فالكشوف العلمية والإبداعات الصناعية التي تفتقر في تطبيقها إلى منظومة أخلاقية تبين مجالات استخداماتها وتخص على وضعها في خدمة الإنسان لا يمكن لها أن تحقق استقرار حقيقياً أو طمأنينة نفسية لأية تركيبة اجتماعية في أي مكان من العالم، سواء في الغرب أو في الشرق أو في أي مكان آخر.

ولكن بالنسبة لنا نحن، فالغرب يلعب بعود ثقاب في مستودع مليء بالمواد البترولية البالغة الحساسية، وهذا يعني انه في حال إشعاله لعود الثقاب في مستودعه، فإنه لن يكون هو الخاسر فقط، بل كل جيرانه سيكونون ضحية أيضاً لرعونته ولتصرفه اللامسؤول.

لقد جر الغرب العالم إلى حربين عالميتين راح ضحيتها مئات الآلاف من الناس الأبرياء دون ذنب، وأبيدت مدن كاملة عن وجه الأرض، واهتزت ثقة الإنسان بنفسه وبمصيره ووجوده وبقيمه الأخلاقية، وأذيبت أجراس الكنائس من اجل تصنيع المدافع والحراب، واستخدمت المواد الطبية من أجل الأسلحة الكيميائية والبيولوجية الفتاكة، ماذا يمكن أن يكون بعد ذلك؟.

ألا يمكن أن يكون بعد ذلك عود ثقاب آخر بيد حمقاء تشعل فتيل حرب عالمية ثالثة وأخيرة؟.

ومن هذا الافتراض الممكن، ينطلق المفكر (إفان روبنكسي) بإثارة العديد من التساؤلات والنظريات حول طبيعة المدنية الغربية ومدى ابتعادها عن الأخلاق القيم الإنسانية الرفيعة، ويضرب لنا (روبنكسي) الكثير من الأمثلة عن تدني وتدهور العلاقة بين المجتمع الغربي والقيم الأخلاقية العامة. وعلى سبيل المثال، يذكر (روبنكسي) تقريراً رسمياً يؤكد (أن الأولاد الأمريكيين الذين يتراوح سنهم بين الخامسة والرابعة عشر سنة يشاهدون، في مجال هذه السنوات التسع، في التلفزيون تقتيلاً للإنسان على يد الإنسان اكثر من ثلاثة عشر ألف مرة) (6) إن هذا المثال الذي استشهد به المفكر (روبنكسي) هو واحد من أمثلة كثيرة تعكس واقع الغرب المتجه أخلاقياً إلى قعر الهاوية المصير المحتوم.

بل والأدهى من ذلك، أن العديد من الدول الغربية كانت حتى وقت قريب تعتبر أن كل من يدعو إلى السلم أو يبشر به عبارة عن عدو خطير لها وان دعوته للسلام بمثابة (ضربة سياسية موجهة إلى البلاد الرأسمالية) (7).

وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على أن الغرب يعيش في بعض جوانبه حالة العنجهية والكبر ويعيش أيضاً عقدة التفوق مما لا يسمح له أن يعترف بالآخرين.

وقد أشار المفكر والفيلسوف الفرنسي (روجيه غارودي) إلى هذه الفكرة الحساسة في كتابه (حوار الحضارات) حيث رأى أن الغرب يعيش عقدة (الشعب المختار) هذه المرة قبل غيره، بالإضافة إلى عيشه عقدة أخرى هي عقدة (الغرب المتفوق)، تلك العقدة التي لا تسمح له أن يعترف بالآخرين (8).

صحيح أن عصر النهضة الأوروبية كان حالة ثقافية بالغة الأهمية، غير أنه لم يكن كذلك فحسب، بل كان أيضاً -كما يؤكد غارودي أيضاً- (ولادة مواكبة أنجبت الرأسمالية والاستعمار) (9).

اللذان هدما حضارات الأمم الأخرى، ومن ثم قاموا بالانتفاض من قيمتها وأهميتها في بناء حضارتهم الأوروبية.

إن كل هذه العوامل والتأملات تجعلنا ننظر بعين الحذر إلى الغرب وثوراته التكنولوجية التي تحتاج إلى تنميط (أخلاقي - إنساني) ليخضع تلك الثورات والإبداعات الصناعية والاكتشافات العلمية إلى علمية دعم للروح الإنسانية وللوجود البشري، لا أن تكون عبئاً وكابوساً مخيفاً على الكيان الإنساني بشقيه المادي والمعنوي كجسد روح.

ثم كيف لا نخاف من مجتمع يؤمن، ولو بشكل جزئي، أن (الرب قد مات وسيظل ميتاً ونحن الذين قتلناه) (10)؟.

أليس من المخيف أن نتقبل قيم وأعراف الغرب تحت شعارات وأهداف برّاقة ليس لها غاية إلا ربط بقية المجتمعات التي لا تزال تعيش في بحبوحة من التوازن الروحي بالمجتمع الغربي الذي يعتبر نفسه وصياً على العالم وعراباً له؟!.

نعم، إن كل هذه الأمور تجعل الإنسان أسيراً في دائرة الخوف والغموض فالقرب الذي شهد في معظم أقطاره وبلداه ثورات دامية بدأت في القرن السابع عشر، قد رفعت ثوراته شعرات إنسانية جذابة لكنها سرعان ما تخلت عن تلك الشعارات والأهداف.

فقد انطلقت الثورة الإنكليزية في القرن السابع عشر من خلال حق الإنسان الطبيعي في الحياة والحرية والسعادة، ثم جاءت بعدها الثورة الأمريكية في القرن الثامن عشر، التي انطلقت معلنة أن (الله خلق جميع البشر متساوين) (11). ومن ثم الثورة الفرنسية التي نادت بالحرية والاخوة والمساواة، ولكن كل هذه الثورات انتهت إلى النظام الرأسمالي الذي -كما يقول كارل ماركس- جردها من محتواها وصيرها شكلاً بدون جوهر: (فأصبحت القيم التي اعتبرها الناس مقدسة يباع ويشترى بالقيمة التي تحددها السوق التجارية) (12).

ويعني هذا الكلام، بكل بساطة ووضوح، أن الإنسان الذي هو ميزان كل قيمة في الحياة، أصبح هو ذاته سلعة تجارية لها سوقها وسعرها ولها بورصتها الخاصة التي ترتفع وتنخفض تبعاً لأحوال السوق العامة.

وهنا لنا أن نتساءل:

إذا كانت الثورة الإنكليزية تؤمن بحق الإنسان الطبيعي في الحياة والحرية والسعادة، فلماذا أذاقت بحروبها العديد من الشعوب ويلات الحروب ومآسيها؟.

وإذا كانت الثورة الأمريكية قد آمنت حقا بان الله قد خلق جميع البشر متساويين بالقيمة بالحقوق، فلماذا فعلت ما فعلته بأهالي هيروشيما وناكازاكي وبالشعب الفيتنامي وبالكثير من شعوب العالم الثالث؟.

وهل نحتاج إلى دليل ليؤكد أن تلك (المساواة) هي مساواة بين أفراد الشعب الأمريكي فقط دون غيره من بقية الشعوب؟ بل ربما كانت تلك المساواة بين البيض فقط دون الزنوج فيها، وسياستها الخارجية في جنوب أفريقيا كانت خير دليل على ذلك، فالحقوق حقوق الإنسان الأبيض، المساواة مساواة الرجل الأبيض، الحرية حرية الرجل الأبيض، أما الزنوج فمتساوون فيما بينهم ولكن ليس مع الرجل الأبيض.

وما قلناه عن الثورة الإنكليزية، والثورة الأمريكية يمكن أن نقوله أيضاً عن الثورة الفرنسية التي رفعت شعار الحرية والإخاء والتساوي.

وهذه في الحقيقة إحدى مشاكل الغرب الأخلاقية، إنها مشكلة إطلاق الصرخات والشعارات بشكلها العريض الواسع نظرياً في الوقت الذي تقوم فيه بتطبيق تلك الشعارات والأهداف على أضيق نطاق ممكن، فمن م أحد يشك في أن للمساواة قيمة (اجتماعية - أخلاقية) عليا في حياة الفرد والمجتمع على حد سواء، ولا تقل قيمة الحرية والإخاء عن قيمة المساواة أبداً، ولكن المشكلة هي في الفجوة التي يصطنعها الغرب بين النظرية العريضة من جهة والتطبيق الضيق من جهة أخرى.

إن وجود هذه الفجوة بين الأيديولوجية النظرية والاستراتيجية العملية ساهمت في تكوين العديد من المدارس الفلسفية في العالم الغربي الحديث، وكانت هذه المدارس بمثابة مرايا تعكس الظروف التي نشأت فيها والعوامل التي أدت إلى انتشارها.

وبالطبع، فإننا لن نخوض في البحث عن طبيعة تلك المذاهب الفلسفية التي أفرزها العالم الغربي الحديث بنتيجة جملة من المتغيرات، والمتناقضات التي عايشها في فترة زمنية قصيرة نسبياً، ولكن لا بأس في أن نستعرض شيئاً وجيزاً من بعض أفكار تلك المذاهب التي تحدد خط سير الغرب المستلقي في أحضان المادية ولنتوقف إذا، مع بعض هذه الأفكار.

فالفلسفة (البراغماتية) فلسفة عملية من الروح المادية للقرن العشرين وهي أمريكية النشأة رأسمالية الاتجاه (13). وقد وجدت البراغماتية في النظام الرأسمالي الأمريكي خير تربة للنمو والازدهار وقد قرر (وليام جيمس)، أحد رواد هذه المدرسة الفلسفية، أن معيار الحقيقة ليس العقل وليس الحكم العقلي الناتج عنه، وإنما معيار الحقيقة هو السلوك العملي النافع المترتب على تلك الحقيقة (14) وهذا يعني أن المنفعة وحدها هي المعيار الوحيد للحقيقة بغض النظر عن الوسيلة والدوافع والثوابت الأخلاقية التي لا تخضع للمتغيرات.

أما الفلسفة (الوجودية) فقد ظهرت كرة فعل على طغيان الاتجاه المادي التجريبي الذي امتد بجذوره إلى كافة الميادين الطبيعية والإنسانية أيضاً، الأمر الذي أدى إلى محو إنسانية الإنسان الحي، والقضاء على طبيعته الحيوية التي لا يصح -من وجهة نظر البعض- إخضاعها للتحليل الرياضي الصوري، ولا يمكن تطويعها للتجريب العلمي الآلي، لأن الإنسان في جوهره واقع بشري متطور، كما أن التجربة الإنسانية في حقيقتها ليست جامدة مثل الطبيعة أو مثل أية ظاهرة من ظواهرها وقوانينها، وإنما هي تجربة نابعة عن التطور والتغير، كما وأنها تجربة لها خصائص مواصفات مغايرة تماماً لغيرها عن الظواهر الطبيعية الأخرى.

والعامل الثاني الذي ساهم في إفراز المذهب الوجودي في أوروبا هو خوض أوروبا لحربين عالميتين مدمرتين مزقتا أوروبا شر تمزيق مما جعل مشكلة حياة الإنسان الأوروبي ومصيره مرتعاً خصباً لتأمل الفلاسفة ومحاولاتهم البحث عن حلول لها ولو بشكل جزئي.

ولكن هذه المدرسة الفلسفية المعاصرة التي بدأت بنزعة إنسانية وبروح تدعو إلى الفردية أو ما يعرف باسم (المذهب الشخصاني)، سرعان ما تحولت إلى الأخذ بالمنهج الجدلي ومن ثم تحول قسم لا بأس به من روادها الأوائل عن المنهج الجدلي إلى المنهج (الفينومينولوجي) كما فعل (جان بول سارتر) وآخرون.

ولئن كانت هناك بعض النقاط المضيئة والإيجابية في هذه المدرسة الفلسفية المعاصرة، إلا أن هناك بعض النقاط المظلمة فيها لا يمكننا أن نتجاهلها أو أن نتغاضى عنها أبداً. وقد قام السيد محمد الحسيني الشيرازي بدراسة وافية عن هذه المدرسة المعاصرة ضمن كتابه (وقفة مع الوجوديين) وبين لنا جملة من المآخذ على هذه المدرسة التي تعكس جزءاً من صورة العالم الغربي وهو يسير إلى حافة المجهول.

وقد أيد سماحة الإمام الشيرازي ما ذكره الأستاذ (رمضان لاوند) عن سلبيات وترهات الفلسفة الوجودية، وقد أوجز سماحته السلبيات المأخوذة على الوجودية بعده نقاط هامة، مثل:

- تقوية الروح الفردية الحالمة، التي تبتعد عن المجتمع ومشاكله الراهنة.

- دعوة الوجودية إلى الخمول ودفعها إلى اليأس.

- اكتفاء الوجودية بتصوير مظاهر الحياة المقبرة، من جبن وفسق وميوعة، ونسيانها مظاهر الحياة الآملة القوية التي تؤمن بمستقبل عظيم.

- الوجودية لا تؤمن بالتعاون الاجتماعي.

- تنكر الوجودية لفكرة الله، وتنكرها للقيم الإلهية، وخلوها من مواقف جدية إنسانية في الحياة.

- الوجودية أداة للتفسخ الاجتماعي لأنها تحول دون أن يصدر أي من الناس حكماً على تصرفات الآخرين، بحيث يكون كل فرد عالماً قائماً بذاته في مجتمع يحتاجون إلى التعاون، والانضواء الجماعي والمسؤولية المشتركة المتبادلة (15).

إن مجموعة هذه النقاط التي لخصها الإمام الشيرازي تعطينا فكرة شاملة عن مدى عمق الشرخ الروحي الذي يعيشه الإنسان الغربي في تعامله مع ذاته ومع محيطه الاجتماعي.

وبمجرد قراءة واعية لمؤلفات (جان بول سارتر) الفلسفية والأدبية مثل: (الذباب) و (الوجود والعدم) و(التخيل) و(نقد العقل الجدلي) و (الأيدي القذرة) و (الغثيان) الخ، ولمؤلفات صديقة عمره وزوجته (سيمون وبوفوار) التي تقاسمه تيار الفلسفة الوجودية، سنتأكد من حقيقة المآخذ التي دوَّنها سماحة الإمام الشيرازي على الوجودية في كتابه (وقفة مع الوجوديين) آخذين بعين الاعتبار أن الإمام الشيرازي لم يبخس الوجودية حقها إذ أن سماحته قد قسمتها إلى قسمين.

وجودية ملحدة ووجودية مسيحية واعتبر سماحته أن نقاط الاختلاف بين هذين القسمين أكثر من نقاط التفاهم بينهما (16).

أما النظرية (الماركسية) التي بلغت أوج ازدهارها في النصف الأول من القرن الماضي واستمرت في مسيرتها بشكل عملي حتى ما قبل العقدين الأخيرين من نفس القرن، فقد أعطت الإنسان بعض المكاسب إلا أنها سلبته شيئاً واحداً مهماً، ألا وهو إنسانيته، فجعلت منه آلة في المصنع ومحراثاً في الحقل لا يختلف في وجوده وحريته عن بقية الأدوات التي يتعامل معها من اجل كسب لقمة عيشه حتى أن الفيلسوف الوجودي (سارتر) قام بانتقادٍ عنيف للفلسفة الماركسية التي (أوغلت في المادية والوجود الطبيعي الشكلية، وأهملت الإنسان الحي) (17).

كما أن ماركس وإنجلر ولينين طبقوا المنهج الجدلي على الطبيعة الجامدة وكذلك على الإنسان الحي دون تفرقة بينهما، وبالطبع فإن هذا خطأ جسيم لأن الجدل عندهم كان طبيعياً وليس إنسانياً، بينما الواجب والمفترض أن يستخدم الجدل في دراسة الإنسان المتطورة النامي بدلا من الطبيعة الجامدة التي تتناقض مع حيوية وتطورات الإنسان.

ويرى (ماركس) في أطروحته (الفرق في فلسفة الطبيعة عند ديمقريط أو بيقور) أن الدين هو إفراز خيال مريض، قرين هلوسة يظهر ويجول في بلاد اللاعقل (ففي بلاد العقل يتوقف وجود الإله) (18).

كما وترى الماركسية أن السماوات تولد من الأرض، ويشكل شقاء الأرض وبؤسها تربة ذلك الكيان السماوي، فالدين يحمل على الرغم من (أساسه الوهمي) احتجاجاً ضد البؤس، لكن هذا الاحتجاج الذي ولده البؤس بائس بدوره لأنه في جوهره استطالة وتأييد لهذا البؤس، فالبؤس الديني تعبير عن البؤس واحتجاج ضده، و(الدين هو زفرة المخلوق المعذب، وروح عالم بلا لقب، كما أنه فكر عالم يفتقر إلى الفكر، أنه أفيون الشعوب) (19). وتؤكد الماركسية على أن الله في السماء هو ظل للملك في الأرض وليس العكس (20).

إن هذه التيارات الفلسفية والمدارس الفكرية التي أفرزها الغرب نتيجة لعوامل عديدة مختلفة المنشأ والظروف لم تستطع بمجملها أن توفر الاستقرار الروحي للإنسان الغربي ولا أن تؤمن له جواً من التصالح مع ذاته.

ولذلك، فإننا نقول إن خوفنا من الغرب لا يتوقف عند حدود رؤيتنا له وهو يقوم بتصنيع القنابل النيترونية والغواصات النووية والأسلحة البيولوجية، بل إن خوفنا منه يتجلى أكثر عندما تراه يحاول تصدير أيديولوجيات غريبة تتنافى مع طبيعة الإنسان وسلوكياته التي من المفترض لها أن تقوم على أساس التوازن بين المادة والمثل، أو بين الجسم والروح.

إن إطلاق شعار الحرية الجنسية أخطر بما لا يقبل المقارنة من خطر القنبلة أو الطائرة أو حتى شبح الحروب التقليدية. والسبب بسيط، لأن آثار الإباحية الجنسية أشمل وأعمق في آثارها النفسية والجسدية من قذائف الغواصات وقنابل الطائرات. وعلى سبيل المثال، فإن ضحايا مرض الإيدز، الذي هو نتيجة حتمية من نتائج الإباحية الجنسية، أكثر من أن يتم إحصاؤهم كل عام، وتخبرنا لغة الأرقام أن هناك (1000) طفل يصاب يومياً بمرض الإيدز، وان (3000) ألف طفل فارق الحياة بسبب الإيدز عام 1995 (21)، فإذا كان هذا شأن الأطفال الأبرياء، فما هو شأن الكبار من الرجال والنساء، وكم يبلغ عددهم كل عام؟!!.

والأمر الأكثر غرابة والذي نجم عن الدعوة إلى الإباحية الجنسية أن هناك، في ألمانيا تحديداً، جمعيات تحمل أسماء وألقاباً دينية تدعو الحكومة الألمانية إلى اعتبار المومسات اللواتي يمارسن ويمتهن البغاء مواطنات وموظفات في الدولة من الدرجة الأولى، وأن على الدولة أن تدفع لهن أجور الطبابة وأن تعفيهن من ضرائب الدخل ومن الرسوم التي تترتب على بيوت الدعارة، أما في بريطانيا، فهناك جمعيات تقدمت إلى البرلمان البريطاني بطلب الموافقة على عقد زواج الرجل من الرجل، وعلى الدولة أن تقدم التسهيلات لذلك (22)!!!.

ولذلك نرى أن القنبلة أو القذيفة قد تقتل آلاف الناس بانفجارها الذريّ، وقد تبيد مدينة كبيرة بكاملها، ولكن الأثر الذي يتركه داء وبيل كالإيدز وسواه من الأمراض الناتجة عن الدعوات الإباحية والشعارات المزيفة التي يطلقها الغرب بين الحين والآخر، كفيلة بإبادة مجتمعات كاملة مشابهة لدعوات الغرب الحالية، ويكفينا ما حدث لقوم لوط (عليه السلام) كدليل قوي على ذلك.

ومن هنا ندرك أن ما قاله المفكر الألماني (ليوبولد فايس) والمعروف لاحقاً باسم (محمد أسد) كان قولاً سديداً لم يجانب فيه الصواب أبداً، وقد رأى (فايس) أن دين أوروبا اليوم هو المادية لا النصرانية، ومما لا شك فيه هو أنه (لا يزال في الغرب أفراد يعيشون ويفكرون على أسلوب ديني ويبذلون جهدهم في تطبيق عقائدهم بروح حضارتهم، ولكنهم شواذ إن الرجل العادي في اوروبا، ديمقراطياً كان أو فاشياًن رأسمالياً، كان أو اشتراكياً، عاملاً أو رجلاً فكريا، إنما يعرف ديناً واحداً، وهو عبادة الرقي المادي الاعتقاد بأنه لا غاية في الحياة غير أن يجعلها الإنسان أسهل، وبالتعبير الدارج (حرة مطلقة) من قيود الطبيعة، أما كنائس هذا (الدين) فهي المصانع الضخمة ودور السينما والمختبرات الكيماوية ودور الرقص ومراكز توليد الكهرباء، وأما كهنتها فهم رؤساء الصيارف والمهندسون والممثلات وكواكب السينما وأقطاب التجارة والصناعة والطيارون والمبرزون الذين يضربون رقماً قياسياً، ونتيجة هذه النهامة للقوة، والشره للذة، النتيجة اللازمة ظهور طوائف متناسقة مدججة بالسلاح، وبالاستعدادات الرحبية، مستعدة لإبادة بعضها بعضا إذا تصادمت أهواؤها ومصالحها، أما في جانب الحضارة فنتيجتها ظهور طراز للإنسان يعتقد الفضيلة في الفائدة العملية، والممثل الكامل عنده والفارق بين الخير والشر هو النجاح المادي لا غير) (23).

وبناء على ذلك يرى أن الغرب لا يمكن أن ينقذ المجتمعات الأخرى لأنه هو بحاجة ماسة إلى من ينقذه وينتشله من مستنقع ماديته وشكلانيته الجوفاء فالمذاهب في الغرب كثيرة ولكن أكثر هذه المذاهب رواجاً هو مذهب عبادة الدولار.

وقد أجاد الصحافي الأمريكي المشهور (John Gunther) تمثيل هذه النفسية في كتابه (Inside Europe) (داخل أوروبا) بقوله:

(إن الإنكليز إنما يعبدون بنك إنجلترا ستة أيام في الأسبوع ويتوجهون في اليوم السابع إلى الكنيسة) (24).

إذاً، فالغرب تحكمه أيديولوجيات عديدة، ومعظم هذه الأيديولوجيات تحتوي على العديد من الثغرات والفجوات التي لا تتناسب مع الطبيعة البشرية ولا تتلائم مع الأهداف التي خلق الإنسان من اجلها.

وقد عبر سماحة الإمام الشيرازي خير تعبير عن هذه النقطة الحساسة في مسار الحركة الفكرية الغربية بقوله مقارناً بين الأيدلوجيا الإسلامية وطريقة تعاملها مع الإنسان والمجمع وبين الأيديولوجيات الغربية التي تستعبد الإنسان وتفتت المجتمع:

(والإسلام يعلو على أيدلوجيات الغرب التي تتسم بالفساد والتحلل الاجتماعي والأسري، فعلاج هذه الأيدلوجيات هو الفناء حتى تتخلص البشرية من شرورها) (25).

ويتابع الإمام الشيرازي قوله مؤكداً على حقيقة تطابق الأيديولوجيا الإسلامية مع العقل ومع فطرة الإنسانية قائلاً: (فالأيديولوجيا الإسلامية بالمعنى الذي أوردناه هيا لموافقة للعقل والفطرة، وكل إنسان عاقل يميل إلى هذه الأيديولوجيا خلافاً للأيديولوجيات الأخرى.. التي لم تطابق الفطرة والكل نافر متبرم منها) (26).

وقد أورد الإمام الشيرازي في كتابه (طريق النجاة) العديد من الأقوال والشواهد لعلماء ومفكرين غربيين أدركوا أن داء العالم الغربي ليس له دواء ناجح إلا الأخذ بالأيديولوجيا الإسلامية التي تتناسب مع كل جيل ومع كل شعب. وكان من جملة هذه الشواهد الغنية، شاهد للمستشرق المعروف (غوستاف لوبون) الذي يقول: (إذا راجعنا القرآن وعقائده الرئيسية، نراه وحده يصح له أن يباهي بأنه أدخل التوحيد إلى العالم، وتشتق سهولة الإسلام من التوحيد المحض، وفي هذه السهولة سر قوة الاسلام، والإسلام إدراكه سهل خال مما تراه في الأديان الأخرى ويأباه الذوق السليم غالباً من المتناقضات والغوامض والإسلام من اكثر الديانات ملاءمة لاكتشافات العلم، ومن أعظمها تهذيباً لنفوس حملاً على العدل والإحسان التسامح، ولم يمس الزمن دين النبي الذي له من النفوذ ماله في الماضي، والذي لا يزال ذا سلطان كبير على النفوس، مع أن الأديان الأخرى التي هي أقدم منه تخسر كل يوم شيئاً من قوتها) (27).

فالغرب إذا، يعاني كثيراً من غربة أبنائه الروحية والنفسية على الرغم من كل ما أنجزه من تقدم صناعي وتكنولوجي، ولا تزال الأيديولوجيا جديدة إلى الوجود حتى تسقط أيديولوجيا أخرى وتندثر من الوجود، وما أن تنمو هذه الأيديولوجيا الجديدة قليلاً ويصبح لها أتباع في مجتمع ما، حتى تبدأ هذه الإيديولوجيا الجديدة قليلاً ويصبح لها اتباع في مجتمع ما، حتى تبدأ هذه الأيديولوجيا الجديدة نفسها بالذوبان والتلاشي تحت أشعة شمس العقل والفطرة الإنسانية.

ولذلك، فالمشكلة الآن هي مشكلة الأيديولوجيا البديلة التي تؤثر في الأجيال ولا تتأثر بمرور الأجيال، تغير في الإنسان ولا يغيرها الإنسان.

فهل الأيديولوجيات الغربية قادرة على ذلك؟.

بل كيف للغرب أن يقدم الحلول المفيدة للمجتمعات البشرية وهو الذي يعيش وفق نظرية واحدة تنطبق على معظم شرائحه، إنها كما يصفها الأديب (صاموئيل بتلر) في كتابه (Philosaph For Our Times) (فلسفة لزماننا)- قائلاً:

(إن نظرية الحياة التي تسود على هذا العصر وتحكم عليه: هي النظر في كل مسألة وشان من ناحية المعدة والجيب) (28)؟!!! ولذلك فمن البديهي أن نستنتج قائلين إن المجتمع الذي تحكمه معدته، لابد وأن قيمة أيديولوجياته تساوي قيمة ما تطرحه معدته.

إن (مآسي الخلاء الروحي) -وهذا التعبير للإمام الشيرازي- هي العقدة الحقيقية التي يعاني منها الغرب، وهو يعترف بذلك ولا ينكره أبداً، بل ويعترف أيضاً، من خلال أرباب فكره، أن القيم تؤلف عالماً متكاملاً إما أن يزدهر كله أو يتضاءل كله، لأن هناك تحالفاً قوياً بين القيم، وكل قيمة تستمد كمالها من رفد سائر القيم (29). فقدان أية قيمة أخلاقية يعني انفراط حبات المسبحة بأكملها، وبالتالي يؤدي إلى تفكك المنظومة الأخلاقي، وفقدان قيمتها الذاتية فالقيم ليست خارج الوجود أو إضافة إليه، ولكنها صورة الوجود الحقيقي الذي يتجاوز الوجود الخام (30).

فتفكك المنظومة الأخلاقية في الغرب يعني أن هناك خرقاً واضحاً للقيمة الإنسانية ذاتها، لأن الإنسان في المحصلة هو مخبر التجارب الأخلاقية وعندما نقول الإنسان هو مخبر التجارب الأخلاقية، فإن كلامنا هذا لا يعني أن القيم الأخلاقية غير مدركه بطبيعتها الإيجابية أو السلبية، بل المقصود بذلك أن تلك التجارب، من المفترض لها، أن تزيد من تفعيل القيمة الأخلاقية وان تكثف الروح الإيجابية لتلك القيمة من خلال تعامل الإنسان بها مع أخيه الإنسان في مجتمعه وبيئته.

ولذلك، فإن الاختراق الأخلاقي الذي يعيشه الغرب يجعل الإنسان يتحرك من وضعية حركية إلى وضعية حركية أخرى، ولكن هذه الوضعية الحركية الجديدة لا تعني التقدم إلى الإمام بل هي بالضرورة حركة ورائية تقذف بالإنسان إلى الوراء وكأنه يعيش قانون الفعل ورد الفعل، فالتطور التكنولوجي والصناعي الذي يسير إلى الإمام في الغرب يقابله في الجهة الأخرى رد فعل معاكس يتجلى بتقهقر الإنسان وتراجع أخلاقياته وانكفاء إنسانيته إلى الوراء.

وإن تحول بعض الشعوب الأوروبية من عبادة الله إلى عبادة الآلة (31) دليل على عدم وجود ضابطة أخلاقية مع خط سيره تقدمه التقني الذي يتجه إلى الأمام والأعلى باطراد ملحوظ يبهر الألباب.

وبقدر امتداد الفجوة بين التقدم التكنولوجي والتراجع الأخلاقي، بقدر ما يكون الخوف أكبر والمجهول اخطر. فالغرب -في الوقت الحاضر على الأقل- لا يخاف منا، بل يخاف من ذاته ومن ركبه الصناعي الأعمى الذي لا يدري إلى أين يسير بركابه النيام، ومن هنا يصدق قولنا إذ قلنا:

إننا لا نخاف الغرب بقدر ما يخاف الغرب من نفسه ومن انفراط أخلاقه ودعوته إلى (حضرنة الشذوذ)، ولذلك فإن عين الصواب ما أكد عليه الإمام الشيرازي بقوله عن (حضارة الأخلاق): (إن جوهر الحضارات الأخلاق، فإذا كانت الأخلاق خيرة كانت الحضارة خيرة والتف الناس حولها وإذا كانت الأخلاق سيئة كانت الحضارة سيئة وانفض الناس عنها، وليس الأمر بالادعاء وإنما بالواقع، فالحبة الواقعية هي التي تنبت الفسيلة التي هي تورق وتزهر وتثمر، البيضة الواقعية هي التي تفقس عن جنين، أما إذا كانت تلك صورية وخيالية فإن نصيبها الفشل والفضيحة) (32) فنحن لا نرفض حضارة الأخلاق وإنما نرفض ونخاف حضارة بلا أخلاق.

* مقتبس من كتاب (الإسلام والغرب حوار الحروف وصدام السيوف)، للكاتب (راجي أنور هيفا)، اصدار (مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث)

...................................
الهوامش
1- آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي: الغرب يتغير ص5.
2- ألبرت اشفتسر: فلسفة الحضارة مصدر سابق ص4.
3- السيد محمد الشيرازي: الغرب يتغير ص5.
4- بيير ماسيه: أزمة النمو ترجمة: صلاح مزهر، وزارة الثقافة - دمشق 1977 ص74.
5- نفس المصدر السابق: ص74.
6- إفان روبنكسي: نكون أو لا نكون، ترجمة: كمال جنبلاط، دار الحقيقة بيروت ط1/1974 ص40.
7- نفس المصدر السابق ص46.
8- د. سمير سليمان: الإسلام وإشكالية المنهج في الخطاب المعرفي الغربي، العرفان - العدد (6-7-8) المجلد الخامس والسبعون 1408هـ، تصدر المجلة من صيدا - لبنان. ص55.
9- نفس المصدر السابق ص57.
10- رامي كلاوي: روجيه غارودي من الإلحاد إلى الإيمان، دار قتيبة - بيروت ط2/1994ص12.
11- د. حسن صعب: الإسلام وتحديات العصر، دار العلم للملايين - بيروت ط2/1974 ص129.
12- نفس المصدر السابق ص129.
13- سماح رافع محمد: المذاهب الفلسفية المعاصرة، مكتبة مدبولي - القاهرة ط1/ 1973 ص49.
14- نفس المصدر السابق ص57.
15- آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي: وقفة مع الوجوديين، مؤسسة المجتبى -بيروت ط2/1999 ص69.س
16- نفس المصدر السابق ص78.
17- المذاهب الفلسفية المعاصرة: مصدر سابق ص131.
18- د. فيصل دراج: الماركسية والدين دار ابن خلدون - بيروت ط2 /1981 ص17.
19- نفس المصدر السابق ص28.
20-د. حكمت قفلجملي: الماركسية باختصار، ترجمة: فاضل جنكر، دار ابن خلدن -بيروت ط1/1979 ص54.
21- راجع مجلة النبأ العدد 27 السنة 4 شعبان 1419 هـ ص34.
22- راجي أنور هيفا: صراع الأخلاق وأيديولوجيا قيادة المجتمع، النبأ العدد 64 كانون أول 2001 ص105.
23- أبو الحسن الندوي: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، دار القلم- الكويت ط8 1970 ص197-198.
24- نفس المصدر السابق ص201.
25- آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي، مطاردة قرن ونصف، مؤسسة الوعي الإسلامي - بيروت 1999 ص37.
26- نفس المصدر السابق ص37.
27- آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي: طريق النجاة دار الصادق (عليه السلام)- بيروت ط1 1998 ص35-36.
28- أبو الحسن الندوي: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ص201.
29- أحمد حيدر: تمهيد في معنى الحضارة دار المنارة - اللاذقية ط1 1989 ص55.
30- نفس المصدر السابق ص56.
31- نفس المصدر السابق ص44.
32- آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي: طريق النجاة ص431.

اضف تعليق