إن كل من يتنبأ بمستقبل أسوأ للبشرية هو لا يختلف عن أولئك الذين يحملون السلاح، ويبثون الخوف والرعب في نفوس الناس، جهارا نهارا، وهي جريمة لا تقل أهمية عن أي جريمة أخرى، تُرتكب بحق الأجيال الحاضرة والقادمة، ينبغي للسلطات أن تجرمها، كما تجرم الأفعال الأخرى، وينبغي للدين القيم أن يحرمها، مهما كان فاعلها مشعوذ؛ أم مفكر؛ أم رجل دين، وإليكم القصة:

كلما يمر العالم بأزمة سياسية؛ أو اقتصادية؛ أو صحية؛ أو عقائدية، يظهر عدد من المشعوذين والدجالين، أو بعض من المفكرين والمتأملين، أو بعض من الذين يدعون التدين، يخبروا البشرية أو جزء من المجتمعات المحلية أن (القادم سيكون هو الأسوأ) وأن (المستقبل مدجج بالأحداث المأساوية) فيفصلون بين حاضر المرء ومستقبله، وبين الجيل الحاضر والجيل القادم، وبين الحياة والأمل... ويدفعون البشرية أو جزء منها إلى الإحباط؛ واليأس؛ والجزع؛ والكفر؛ والموت... وكأن الحياة ستعلن نهايتها في الأجل القريب...

نعم؛ يمكن أن نتفهم تلك التنبؤات التي يشيعها بين الحين والأخر أولئك المشعوذون والدجالون الذين امتهنوا مهنة الكذب والغش لتجميع ثروتهم من الفقراء، والسفهاء، والمرض النفسيين، فلا يذهب إليهم أحد إلا وقالوا له أنت ممسوس أو مسحور، مجنون أو مهوس، مريض بمرض خطير أو متمارض... وعلاجك لا يوجد في أي مكان في الدنيا إلا عندنا. أو يعلنوا في قنواتهم الفضائية أن رئيس الدولة الفلانية سيموت، أو يتعرض لمحاولة اغتيال، أو أن المسؤول الفلاني مراقب من المخابرات الفلانية، وأن هناك مصائب ستحل بالدولة الفلانية، وغيرها من قراءات للمستقبل التي لا يعلمها إلا الله قطعا، وإن وقعت حقا، فقد (كذب المنجمون وإن صدقوا).

ولكن كيف لنا أن نتفهم تنبؤات بعض الكتاب والمحللين السياسيين، وبعض رجال الدين من أن (القادم هو الأسوأ) ذلك كلما داهمتنا دُهمة، أو نزلت بنا مُصيبة، أو حل بنا قحط، ولأنكأ أن بعض هؤلاء يربطون بين المصائب الحاضرة أو المصائب القادمة والدين، أو بين هذه المصائب وعقيدة ظهور المهدي (ع) وكأن الدين لا يقوم ولا يستقيم إلا بالمصائب والمحن والآلام، وكأن الإمام المهدي لا يظهر إلا في بيئة يسودها الفقر والقهر والمرض، بل هو الذي أرسل إلى البشرية فايروس كارونا، ليكون نذيرا لظهوره على حد قول أحدهم!

وأما قولهم إن كل ما حل وسيحل بالبشرية من فقر ومرض وجهل هو بسبب ابتعاد الناس عن الدين، فان هم اقتربوا من الدين زال عنهم الفقر والمرض والجهل. فهذا لا يصدقه الواقع أبدأ، فالفقر كما المرض والجهل يشمل المؤمن وغير المؤمن، والمسلم وغير المسلم، على حد سواء. فالغنى والفقر مسألة نسبية ليس لها علاقة بدين الشخص، فهناك متدينون أغنياء، وهناك متدينون فقراء، وهناك غير متدينين أغنياء، وهناك غير متدينين فقراء. والمرض كذلك، فهو يمكن أن يصيب المؤمن وغير المؤمن، ولم نسمع لا في الماضي ولا في الحاضر أن إنسانا لأنه متدين لم يمرض أو لم يصب بآفة، كما لم نسمع أن المرض يصيب غير المتدنيين حصرا.

والحقيقة أن فقر الإنسان أو مرضه مرهون بأعماله واستقامته في الحياة، فإتباع قواعد الانتقال من حياة الفقر إلى حياة الغنى، ومنها ما جاء في شرائع السماء، كفيل بالحد من الفقر الذي يعيشه الإنسان الفرد، وهكذا فيما يتعلق بالمجتمعات الفقيرة أيضا فان إتباعها لمنهج اقتصادي ومالي صحيح وسليم قائم على أساس مراعاة العيش المشترك والتكافل المجتمعي، هو كفيل بتحول المجتمعات من بؤر الفقر إلى رحابة الغنى.

والمرض هو الأخر نتيجة الممارسات الصحية الخاطئة التي اعتاد عليها الإنسان من مسائل الأكل والشرب، وممارسات الحياة اليومية، فان كانت ممارستنا الصحية صحيحة فان المرض سيكون أبعد ما يكون عنا، وإن كانت ممارستنا الصحية خاطئة، فان المرض يجر المرض، وهكذا. وهناك الكثير من النصائح والقواعد الصحية والممارسات الحياة المتعددة التي جاءتنا من الشرائع السماوية، ومنها شريعة الإسلام تساعدنا على العيش بصحة وعافية جيدتين.

إذن؛ الفقر والمرض اللذان يمكن أن يصيبا الإنسان، فردا أو مجتمعا، لا يكونان بسبب الدين، كما يصورها بعض الرافضين للدين، ولا يكونان بسبب ابتعادنا عن الدين، كما يصورها بعض المتدينين، إنما يوجدان لأننا لا نتبع قواعد العمل الصحيحة، ويذهبان لأننا نتبع قواعد العمل الصحيحة، وعليه؛ فان الحد من الفقر والمرض يحتاج إلى حزمة من الإصلاحات، منها: الرجوع إلى المبادئ العامة للشريعة، ومنها القيم التي دعت إليها الشريعة، ومنها تغيير العادات والتقاليد الاجتماعية المسببة للفقر والمرض، ومنها تطبيق القوانين العدالة الاجتماعية، ومنها القوانين والنظم المكتشفة حديثا، وغيرها.

وأما أن الفقر والمرض والجهل، والمحن والمصائب كلها تأتي إلى البشر، لأنها تمهد لظهور المهدي (ع) بل إن المهدي هو الذي أسهم في وجودها لتسهيل ظهوره، مثلما أرسل لنا فايروس كارونا! ومثلما يسهم بعض المنحرفين في إشاعة الفساد والإفساد المجتمعي تمهيدا لظهوره، فهذه عقيدة باطلة ومرفوضة، شرعا وعقلا، ولا يمكن الركون إليها البتة.

فغيبة المهدي (ع) كما هو ظهوره كانت لحكمة إلهية لا يعلمها إلا الله والراسخون في العلم، وليس لها علاقة بالفقر والمرض والجهل، فلا هي سبب لظهوره، ولا هو يصنعها في الخفاء، تمهيدا لظهوره، ولا هو يسخر الجن، ولا الفايروسات، ولا الناس الاشرار، ولا غيرها من الأساليب الرخيصة التي لا يقوم بها إنسان يمتلك أدنى قيم الإنسانية، فضلا عن إمام قائد مرسل من الله.

نعم؛ سيظهر المهدي (ع) في زمان ما لا يعلمه أحد، كما حدثتنا الروايات، ولديه مسؤوليات كثيرة، ومن مسؤولياته أن يزيل عن العالمين الظلم والجور، وينشر بينهم العدل وقسط. ولكن الظلم والفقر ليس شرطا لظهوره، ولا هو يصنعهما إيذانا بظهوره، فهذا كذب محض. فالذي يأتي بالغنى لا يصنع الفقر، والذي يأتي بالصحة والعافية لا يصنع المرض، والذي يأتي بالسلام لا يصنع الرعب والخوف، والذي يحقق العدل لا يأتي بالظلم...

وعليه؛ فكل ما يقوله هؤلاء من تنبؤات هي محض تصورات متشائمة متناقضة مع العقل والمنطق والشرع، ولا ينبغي الأخذ به أو البناء عليه، وقد ورد ذلك عن أمير المؤمنين (عليه السلام) عندما عزم (عليه السلام) على السير الى تأديب الخوارج، وقال له بعض أصحابه:

إن سرتَ في هذا الوقت خشيتُ ألا تظفر بمرادك من طريق علم النجوم، فقال له الإمام: أتزعم أنّك تهدي إلى السّاعة التّي من سار فيها صرف عنه السّوء؟ وتخوّف من السّاعة الّتي من سار فيها حاق به الضّرّ؟ فمن صدّق بهذا؛ فقد كذّب القرآن، واستغنى عن الاستعانة باللّه في نيل المحبوب ودفع المكروه. وتبتغي في قولك للعامل بأمرك أن يوليك الحمد دون ربّه لأنّك بزعمك أنت هديته إلى السّاعة الّتي نال فيها النّفع وأمن الضّرّ. أيّها النّاس، إيّاكم وتعلّم النّجوم إلاّ ما يهتدى به في برّ أو بحر، فإنّها تدعو إلى الكهانة والمنجّم كالكاهن، والكاهن كالسّاحر، والسّاحر كالكافر، والكافر في النّار، سيروا على اسم اللّه.

فأيها الكتاب والمفكرون، ويأيها المتدينون أتقوا الله في أقوالكم، فأنها مهلكة لكم ولمجتمعاتكم، وحثوا الناس على إتباع قواعد البناء السلمية في الحد من الفقر والمرض والجهل، ولا تقنطوا الناس من رحمة الله، فقد قال الله على لسان يعقوب عليه السلام (يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ).

.......................................
** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
http://ademrights.org
[email protected]
https://twitter.com/ademrights

اضف تعليق