كالعادة نجلس جميعا انا وأفراد العائلة نوجه انظارنا نحو شاشة التلفاز، نتابع الأخبار العاجلة والنشرات الكاملة، نتخطى في الساعة الواحدة أكثر من عشرين محطة تلفزيونية، بعضها مهتم بالشأن الأسري وأخرى تصب جل اهتمامها بالجانب الإخباري والتحليل السياسي.

ضغطت على أزرار الريمونت كونترول فلم يستجب جهاز الرسيفر، وكأنه يعلم هنالك حدث ما يرغب بان اطلع عليه، ركزت جيدا على الشاشة، فقرأت خبرا عاجلا يقول، لأول مرة في التأريخ، هبوط سعر الخام الأمريكي للعقود الآجلة الى دون الصفر، توالت العواجل واستمر السعر بالانخفاض حتى بلغ 37.8 للبرميل الواحد.

انخفاض سعر النفط لم يترك الأسواق العالمية تتنفس الصعداء، فهو ايضا اثر وبشكل كبير على البلدان المنتجة ومن بينها العراق الذي يوصف اقتصاده بالأحادي، اي يشكل النفط نسبة اكثر من تسعين بالمئة من إيراداته المالية، فانخفاض سعر النفط اصاب الاقتصاد العراقي بنوبة صحية وجعله يترنح بين تخفيض كميات الإنتاج من جهة وانخفاض الطلب الاستهلاكي الذي جعل من الأسعار تنخفض بشكل يثير الاستغراب من جهة اخرى.

مؤسف جدا ان الحكومات العراقية وعلى مدى أكثر من عقد لم تتمكن من إيجاد مصدر دخل رديف الى النفط او على الأقل تخفيف الضغط الحاصل على القطاع النفطي، تحسبا لمثل هذه التلاعبات والمتغيرات الصادمة بالأسعار.

فالقشة التي كسرت ظهر الاقتصاد الوطني وخصوصا ما يتعلق بالإنتاج النفطي هي عقود جولات التراخيص التي أُبرمت في عهد وزير النفط حسين الشهرستاني، فهي بظاهرها جيدة وتم التعويل عليها لإنقاذ القطاع النفطي في البلاد من بركة الانخفاض الانتاجي التي يقبع فيها.

لكنها كانت بمثابة السرطان الذي ينخر الجسد، ويستشري بجميع مفاصله دون القدرة على إيقافه، فأصبحت الحلول التي تطرح بين حين وآخر بمثابة الجرعة التي تعطى لميت، فلم يتمكن الاقتصاد من التعافي جراء الوعكة الصحية التي ألمّت به وجعلته نحيفا غير قادر على تحمل نفقات ابناء الشعب ونفقات الدولة العامة.

فقبل الخوض بالآثار السلبية من الانخفاض لابد من إسقاط إشارات ضوئية على آلية اتمام صفقات جولات التراخيص، فبحسب خبراء فانها تمت بصورة غير شرعية، صورة تفتقر للغطاء القانوني، اذ وضع المُشرع العراقي مادة في الدستور المعمول فيه بالبلاد، تقول ان الحقول لا تطور الا بتشريع، بمعنى المهمة هنا مهمة مجلس النواب العراقي وليس من حق الوزير المعين ان يوقع العقود مع الشركات، اي ان اصل العمل هو ناتج عن مخالفة قانونية، يجب ان يحاسب عليها من كان متصديا لإدارة ملف النفط الذي يعتبر من اهم القطاعات العراقية، والذي الصبح اليوم بمثابة جسد مُسن، يحتاج الى رعاية صحية مميزة.

ونرى كمراقبين ان الدوار الذي يعاني منه الحقل النفطي بالعراق، وجعله يسير بصورة غير متزنة، هو تكبيل العملية الإنتاجية بسعر انتاج مرتفع جدا مقارنة بالكلفة الإنتاجية في دول نفطية غير العراق، هذا يعود لافتقار الطرف العراقي الى الشخصية القادرة على تجنيب القطاع الوقوع في شرك الالتزامات الدولية الواجب إيفاءها.

وكما هو معروف فان القانون لا يحمي المغفلين، ولا ينصف المقصرين، فالعراق بحكم الانغلاق الذي عاشه منذ سنوات أصبح يعيش في اشبه بالعزلة، ما أفقدته الخبرة والمهارة اللازمتين لتخطي مثل هذه العقبات وتحقيق النجاحات.

فمن النتائج الوخيمة التي نتجت عن اجراء جولة التراخيص هي جعل الشركات العاملة في المجال النفطي تمتص الدم العراقي، ولم تتمكن الجهات الحكومية من معالجة الموقف، فهي من وضعت نفسها بهذا الموضوع ولم تفقه بعد طريقة الخلاص.

هذه الأخطاء الجسيمة التي ورطت البلد ووضعت بعنقه حبل المشنقة، واعطت الشركات المنتجة كافة الصلاحيات، فهي متى تريد تنفيذ حكم الإعلام لا احد يعترضعها سوى مزاجيتها، وهذه الفجوات والثغرات الموجودة ببنود العقد، ضيقت الخناق، وقللت مساحة الحركة للمفاوض العراقي الذي اصبح يستجدي العطف من الجهات الأجنبية المتعددة التي أنيطت بها مهام التنقيب والاستخراج والتصفية للنفط الخام.

فإذا بقي الحال على ماهو عليه ولم يتحسن، ربما تكون الموازنة العراقية العامة مهددة بالإفلاس، ولم تعد قادرة على تأمين النفقات التشغيلية، من رواتب الموظفين البالغة نحو خمسة واربعين مليار سنويا، اذ تُشير المعطيات الموجودة على الواقع الى صعوبة تأمين هذا المبلغ في ظل الأزمة القائمة.

في حال تحققت هذه النبوءة فان الامور تزداد تعقيدا وتبتعد كثيرا عن الحلول الناجعة، واي حلول عاجلة ممكن ان تنقذ الموقف؟، مادام ان الكثير من الملفات ومن بينها ملف النفط الأهم لايزال يُدار بنفس العقلية التي جاءت بعقود التراخيص التي وبحسب خبراء اننا ليس بحاجتها.

فالعراق غني بطاقاته البشرية كما الثروات الطبيعية، وما يحمله ابناءه من خبرات تفي بتطوير الحقول القائمة، والتنقيب عن اخرى جديدة، قد نكون بحاجة الى خبرات الشركات الرائدة في المجال، لكن هذا لا يعني ان نجلب الخبرات مع حامليها، فمن الصحيح ان نذهب لاكتسابها.

وهذه العملية وان كلفت الدولة العراقية مبالغ معينة، فأنها لا تصل الى ما تم ويجري هدره من المال العام الذي يُقدر بمئات الدولارات، الى جانب اغراق البلد بالديون الدولية، فلا ازدهار مالم تكن هنالك هجمة وطنية محفوفة بالغيرة الشعبية لتخليص البلد مما هو فيه وزرع الأمل في النفوس التي تحولت الى صحراء قاحلة بسبب تخبط الحاكمين.

اضف تعليق