بات التضخم الوظيفي أبرز المشكلات التي تطفو على سطح الحياة العملية حيث تعاني بعض الدوائر من كثرة الموظفين الذين يكون عددهم أكثر من احتياج الدائرة الرسمية، مما يتسبب في الكثير من المشاكل التي تؤثر على مستوى كفاءة الموظف وتنعكس على انجاز العمل وسرعة إكمال المعاملات الادارية وسواها.

إن كثرة عدد الموظفين لاسيما في القسم الواحد من الدائرة يؤدي الى تنامي اللامبالاة والاتكال والتخبط في أداء المسؤوليات، فيقوم كل الموظف بالاعتماد على موظف آخر، مما يؤدي الى تباطؤ الانجاز وعرقلة العمل وتعقيده من خلال ادخال حلقات ادارية فائضة عليه، وهو ما يُصطَلَح عليه بالبيروقراطية، وكذلك يؤدي زيادة عدد من الموظفين الى عدم تأدية العمل المطلوب منهم بسبب إكمال العمل من قبل باقي الموظفين، وبالتأكيد فان ذلك سوف يؤثر على آلية العمل في الدوائر والشركات بشكل عام.

علما أن ازدياد أعداد الموظفين له عدة أسباب، ومنها غياب الدور الرقابي للدولة، واتساع الصلاحيات الممنوحة للمدراء العامين، أو من لديهم صلاحية التعيين، وكذلك عدم تنشيط الضوابط والشروط الواجب توافرها لدى الشخص الراغب في التعيين وغير ذلك من الأسباب، البطالة المقنّعة هي السبب الاول الذي يقف وراء التضخم الوظيفي، والاخير يقودنا بدوره الى البيروقراطية الادارية الخطيرة، وخلاصة النتائج التي تنعكس عن التعاضد بين الثلاثة (البطالة/التضخم الاداري/البيروقراطية)، تتمثل بإضعاف الاقتصاد والاستثمار والانتاج بوجه عام، وهو إضعاف وتدمير لمرتكزات الدولة المدنية.

وقد شهد العراق مؤخرا ظاهرة تعيين الأشخاص على أساس انتمائهم الحزبي، وخاصة في فترة ما قبل الانتخابات من اجل ضمان أكبر عدد من اصوات الناخبين، كما أن هذا النوع من التعيينات لا يعتمد على أسس وقواعد صحيحة، حيث لا يتوفر الاختصاص المطلوب في اغلب التعيينات التي تتم بهذه الطريقة.

فمثلا تحتاج الدائرة الفلانية الى اختصاص القانون فيقبل من هو من اختصاصه في الآداب مثلا، وذلك بفعل الضغوط التي تضعها المصالح، والمحاصصة وكذلك إعطاء فرصة التعيين لمن هو اقل استحقاقا أو كفاءة من غيره، فبلا شك أن ذلك سيؤثر في مستوى أداء العمل بشكل عام، كما أن المشاكل والأضرار الناجمة عن التضخم الوظيفي تؤدي الى بطء ورداءة الخدمات المقدمة من قبل الموظفين، بسبب اختلاف الأمزجة والآراء فيما بينهم وكذلك في كيفية التعامل مع بعضهم البعض، فكلما كان عدد الموظفين أكثر من المطلوب، كلما ازدادت المشكلات فيما بينهم، وهذا سوف يؤدي بدوره الى خلق بيئة عمل متوترة يصعب معها إيجاد صيغ تفاهم ومشاركة متكاملة في أداء العمل.

لسبب واضح وبسيط يعود الى طبيعة أو نوعية العمل المراد انجازه، فإن أي عمل كان يحتاج الى تعاون وتضافر جهود الجميع، في ظل بيئة عمل هادئة ومناسبة، لضمان كفاءة وسلامة العمل والعمل، وخاصة تلك الأعمال التي تتطلب الدقة والانسجام بين مختلف أطراف العمل المنجز.

وكذلك فإن ازدياد عدد الموظفين يعني زيادة الرواتب التي تمنحها الدولة لهم، وبالتالي فإن ذلك يرهق ميزانية الدولة المالية، ويضيف أعباء أخرى على كاهلها، فبدلا من أن تنفق هذه الأموال في هذا الجانب الخاطئ، يمكن استثمارها في أمور ومجالات أكثر فائدة وتدر نفعنا على المجتمع بأكمله.

الخطوات التي قد تتخذها الحكومة من اجل تقليص نسبة البطالة، يمكن أن ترفع من التضخم الوظيفي اذا كانت تتم بصورة عشوائية، أو تحدث لأسباب انتخابية، او تأتي كمراعاة لأعضاء حزب او كتلة سياسية كبيرة متمكنة في المسلك الحكومي، تعد أعضاءها بالتعيين وتوفير فرص العمل، فتضطر الى تعيينهم حتى لو كانت الدوائر والمؤسسات الحكومية لا تحتاجهم!، كما يحدث في بعض الوزارات الخدمية وسواها، بمعنى اوضح هناك وزراء يفضلون كادرا معينا يعمل معهم، حتى يضمن الوزير ولاء الموظف العامل معه، خاصة من يعمل في الوزارة نفسها، او في الدوائر التي تتبع لها، وهذه ظاهرة يمكن ملاحظتها بوضوح، اذ رافقت جميع الدورات الانتخابية وما تمخض عن نتائجها!، لذلك يتولد في هذه الحالة الفائض او التضخم في أعداد الموظفين، وتبدأ مخاطر الفائض الوظيفي بالظهور، حيث تنعكس على الاداء الاداري والانتاجي بشكل عام، ويزدهر السلوك البيروقراطي، وتنتعش ظاهر الابتزاز من اجل تحصيل الرشا (الرشوة)، والاختلاس وما شابه.

وبالنظر الى البلدان المتقدمة، نلاحظ أن هذه الظاهرة باتت منحسرة وقليلة جدا إذا لم تكن معدومة، وذلك من خلال اتخاذ الطرق والإجراءات الصحيحة، بالإضافة الى استخدام التكنولوجيا بشكل فعال في مجال العمل الاداري او الانتاجي، مما أدى الى تقليل عدد الموظفين والعاملين بشكل كبير.

وفي ذلك يمكن أن تتحقق درجة عالية من الدقة، تضمن كفاءة العمل الفعلية، وأن هذا الأمر غير مفعَّل بشكل كافي وصحيح في الدوائر العراقية، مما يسبب رتابة في العمل، وقلة جدواه في بعض الأحيان، بسبب كثرة عدد الموظفين من دون توزيع مناسب لقدراتهم ومهاراتهم المهنية والإدارية والإنتاجية على نحو عام.

ولعل الجانب الاخطر في اجتماع وتآزر العناصر الثلاثة لهذه الظاهرة (التضخم الوظيفي/البطالة المقنعة/البيروقراطية)، يتمثل بالتدمير المتدرج الذي سيلحق بالاقتصاد، لهذا ينبغي أن تتحرك الجهات الحكومية المعنية بسرعة وقوة، لمعالجة هذه الظاهرة وما يتبعها من مخاطر، وفق منهجية علمية عملية تدرس الظاهرة واقعيا، بالدقة المطلوبة، وتخطط لسبل وطرق المعالجة الناجعة لها، ثم يبدأ التنفيذ الدقيق والحازم، من لدن الجهات المعنية، عبر تشريعات واجراءات عملية تتسم بالحزم، من اجل ضمان عدم انتشار النهج الاداري البيروقراطي، في المؤسسات والدوائر الحكومية.

لذلك علينا الاهتمام بهذه الظاهرة ووضع حد لازديادها وهنا يبرز دور الدولة في وضع ضوابط وشروط يجب توافرها في الشخص المتقدم للتعين وعليها أيضا تحديد الصلاحيات الممنوحة للمدراء العامين أو من تخولهم الدولة في تعين الأفراد، وكذلك أن تقوم الدولة بين فترة وأخرى بمتابعة ومراقبة تعين الموظفين الجدد ومدى خضوعهم للضوابط، وهل توفرت فيهم الشروط الأزمة ليشغلوا هذا المنصب وكذلك تفعيل استخدام التكنولوجيا لتسهيل انسيابية العمل وتقليل الاعتماد على العمل اليدوي، الى غير ذلك من الإجراءات التي لابد أن لا نغفل عنها ونسعى الى إيجاد الحلول لها ونساعد ولو بجزء بسيط بما لدنيا من إمكانيات للارتقاء بالواقع الوظيفي وبالتالي الارتقاء بواقع العمل في البلد بشكل عام.

ومن المعالجات المهمة للتخلص من ظاهرة التضخم الوظيفي نذكر:

1- إحالة المتقدمين بالسن على التقاعد إن كانت المؤهلات والخبرات متماثلة، ويتم ذلك بتبكير السن التقاعدي دون أن يؤثر ذلك على المستحقات التقاعدية للعاملين.

2- اعتماد التدريب التأهيلي والتحويلي، وذلك بزيادة مهارات وقدرات الزائدين عن العمل للقيام بوظائف مستحدثة وشاغرة.

3- تسريح نسبة محددة من الزائدين وفقاً لقاعدة من يدخل أخيراً يخرج أولاً، فالذين عينوا في السنتين الأخيرتين هم أولى بالتسريح ممن دخلوا قبلهم.

4- ترويج أسماء الزائدين ومؤهلاتهم في الأقسام المختلفة على بعضها البعض بهدف النقل وإعادة الإحلال، ويمكن أن يتم ذلك على صعيد المنظمات أيضاً.

5- اعتماد سياسة العمل بعض الوقت للأعداد الزائدة عن الحاجة بدلاً من التسريح الكلي إن كانت هناك ظروف تضخم اقتصادي أو كساد مؤقتة.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق