بعد ازمة الكساد عام (1929) طالب مجلس الشيوخ وزارة التجارة لإعداد تقييم شامل للدخل القومي، وقام بتلك المهمة الخبير الاقتصادي "سيمون كوزنتس" وهذا هو النموذج الاولي للناتج المحلي، وتم نشر اول اصدار للناتج المحلي في الولايات المتحدة عام 1942، والسبب في ذلك هو الحاجة السريعة للتقييم والاستعداد لمرحلة اقتصاد ما بعد الحرب، وبعد أن تمت زيادات متسارعة في النمو الاقتصادي اثبت أن هذا المؤشر مفيد على المستوى الوطني وهو مقياس للنجاح والتطور.

عادةً ما يعبر الاقتصاديون عن الناتج المحلي كمقياس للتطور الاقتصادي في البلدان، وهو مجموع ما تنتجه البلدان لكل السلع والخدمات خلال سنة معينة، الا أن هذا المقياس فيه العديد من نقاط الضعف التي لا يتم عرضها على المجتمع او في البحوث والدراسات، أن الوسيلة الاساسية للوصول الى حالة التقدم يتم عبر الناتج المحلي ونموه، الا انه ومع مرور الوقت اثبت انه وسيلة غير كافية لتقييم التقدم، لأن التقدم يتم التعبير عنه من خلال المؤشرات الموضوعية مثل طبيعة الموارد الاقتصادية والاستهلاك والتسوق والرفاهية والتعليم...الخ.

فكثير من البلدان التي ينمو ناتجها المحلي بشكل متسارع الا انها لا تتقدم وفق المؤشرات الموضوعية المتصلة بالمجتمع تماماً، لذلك نلاحظ غالباً ما يتم قياس الناتج المحلي من خلال الجانب النقدي ويظهر في وسائل الاعلام ترادف مصطلحات النمو والتقدم والرفاهية.

روبرت كيندي عضو الكونغرس الاميركي (1968) يشكك في مقياس الناتج المحلي ويقول بأنه ليس المعيار الوحيد للتنمية والتقدم، وأن الناتج المحلي الاجمالي مرتفع فهو لا يغطي عن صحة الاطفال والمستوى التعليمي وسرورهم ورفاهيتهم، فالناتج يقيس كمية البضائع مضروباً بسعر معين فهو لا يقيس الشجاعة والحكمة والمعرفة...الخ.

لذلك لا ينبغي الافراط بتبسيط حالة التقدم عبر نمو الناتج المحلي لأنه لا يغطي جميع مفاصل المجتمع، فهو نعم مؤشر مهم لقياس قدرة الدولة المالية لكنه لا يستطيع حل الكثير من مشاكل الحياة، ففي بعض الدول نلاحظ ارتفاعا كبيرا في الناتج المحلي الا ان هذا الارتفاع لا يزيد من رفاهية المجتمعات بقدر زيادته، فالرفاهية تشمل العناصر الاجتماعية والشخصية التي توسع من قدرة الافراد ليعيشوا الحياة التي يعتبرونها جديرة بالعيش، وكذلك المؤشرات الاخرى مثل متوسط العمر المتوقع عند الولادة..

ينبغي ان يكون الاقتصاد أكثر من مجرد انتاج واستهلاك، ويعمل وفق مبادئ علم الاجتماع الاقتصادي، وهو يختلف طبعاً عن تفكير علماء الاقتصاد الذين يجردون بعض الظواهر عند تحليلهم لنموذج معين او مشكلة اقتصادية معينة.

* باحث اقتصادي

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق