بعد هزيمة ايطاليا الفاشية في الحرب العالمية الثانية، عاد منتصرا، الامبراطور الاثيوبي هيلاسي لاسي، الذي خلعه موسوليني بعد افتعاله حربا مع اثيوبيا في العام 1935 انطلاقا من الاراضي الصومالية الخاضعة لايطاليا، حينذاك .. عاد الامبراطور بمساعدة بريطانيا واميركا. وبمساعدتهما ايضا استولى على تركة الايطاليين في القرن الافريقي وبضمنها ارتيريا، حيث اعلن في البداية عن اتحاد تكون فيه ارتيريا تحت الحكم الذاتي، لكنه ضمها لتكون جزءا من امبراطوريته، لتبدا رحلة كفاح ارتيرية مضنية، تبلورت بصورة منظمة نهاية الخمسينيات من القرن الماضي ... في العام 1974 قام الضباط الماركسيون بانقلاب عسكري بقيادة امان عندوم، اطاح الامبراطور هيلاسي لاسي، الذي لم تسر الامور بصالحه في سني حكمه الاخيرة، اذ اصابت المجاعة بعض المناطق واستشرى الفساد وضاقت الناس بالنظام الذي حاصرته معطيات الحرب الباردة، وتوسع رقعة المعارضين اليساريين في بلاده .. افضى الانقلاب الى سيطرة الضابط الماركسي الطموح منغستو هيلا مريام، على السلطة، وحظي هذا بدعم المعسكر الاشتراكي، الاّ ان الدولة ظلت قلقة داخليا، بسبب المقاومة المسلحة في اوغادين - الصومال وارتيريا ... نشطت حركة التحرير الارتيرية التي تاسست في العام 1958 مطلع الستينيات، لكن فصائلها تشظت بين القوى الداعمة، فظلت تراوح على ارض مضطربة، ( التنظيم الموحد - المجلس الثوري - المجلس الوطني ) اضافة الى الجبهة الشعبية بقيادة اسياس افورقي، التي اصبحت الاقوى بين الفصائل الاخرى .. العرب الداعمون لبعض الفصائل، كانوا يتطلعون لعودة ارتيريا الى الحاضنة العربية ولكي يحققوا حضورا ستراتيجيا على البحر الاحمر، فيما كانت للداعمين الاخرين حساباتهم ومآربهم المختلفة .. بعد ضعف المعسكر الاشتراكي نهاية الثمانينيات، كان اسياس افورقي يقرا تلك التطورات ويتفاعل معها، وفي مطلع تسعينيات القرن الماضي او قبلها بقليل، زار افورقي اسرائيل للعلاج! وهناك رسمت الملامح الاولى لصفقة كبيرة تشمل اثيوبيا وارتيريا معا، فالنظام الماركسي في اديس ابابا الذي بدا عليه الضعف بفعل التداعيات الدولية، لابد له من ان يرحل، ليحل محله نظام (ديمقراطي)، والنزعة اليسارية في حركة التحرير الارتيرية، يجب ان تكون من الماضي، ليبدا عصر جديد للبلدين، اثيوبيا وارتيريا، وكان جوهر الصفقة يقوم على تحالف الجبهة الشعبية لتحرير ارتيريا بزعامة افورقي مع المعارض الاثيوبي ميلس زيناوي المدعوم من الغرب، ويجب ان تنتهي بمنح ارتيريا حق تقرير المصير، مقابل دعم زيناوي لاسقاط نظام منغستو هيلا مريام، وان تمنح ارتيريا اثيوبيا حق استخدام ميناءي عصب ومصوغ على البحر الاحمر.

في مايس من العام 1991 هرب منغستو هيلا مريام الى زمبابوي، بعد انهيار نظامه على يد الجبهة الديمقراطية الثورية بقيادة زيناوي، وفي العام 1993 نالت ارتيريا استقلالها التام، بعد الاستفتاء، حسب الاتفاق الذي تم في لندن برعاية اميركية، وبذلك اصبحت هذه المنطقة الحساسة جزءا من المجال الحيوي لاميركا واسرائيل في القارة السمراء، من دون ان تنتهي الخلافات الحدودية الاثيوبية الارتيرية، وكان محور الخلاف هذه المرة، عائدية منطقة بادمة في مقاطعة تيغراي جنوب ارتيريا .. فالاثيوبيون يرونها لهم، وحجتهم في ذلك، ان الكثير من المسؤولين الحكوميين الاثيوبيين من ابناء تلك المقاطعة، وابرزهم رئيس الوزراء ملس زيناوي نفسه، وهذه الرمزية توازي عند الهنود، رمزية كشمير المتنازع عليها مع باكستان، حيث ولد فيها الزعيم الشهير جواهر لال نهرو! .. وعلى الرغم من تشكيل لجنة لحل المشاكل الحدودية بين البلدين بعد ان اصبحا في واقع سياسي جديد، الاّ انها فشلت، وفي العام 1998 اندلعت الحرب بين البلدين واستمرت حتى العام 2000 ولم يتم توقيع معاهدة سلام، وانما تم وقف اطلاق النار بعد تدخلات وضغوطات دولية.

نأى افورقي بنفسه عن العرب، وغابوا هم بارادتهم الواهنة ايضا، لاسيما في التسعينيات، ولم تنضم ارتيريا بعد الاستقلال الى الجامعة العربية. ومن المؤكد ان هذا احد شروط دعم افورقي اميركيا واسرائيليا. فالعرب جسدوا ضعفهم بشكل فاجع في تفرجهم على مأساة الصومال، التي كانت درسا عربيا سيئا جدا للارتيريين، سبق استقلالهم .. الصومال الذي له مشاكله مع اثيوبيا بسبب اقليم اوغادين الذي سلمته بريطانيا الى اثيوبيا في العام 1954 استنادا الى اتفاقية قديمة بين البلدين وقّعت في العام 1897، عاش التحولات الدراماتيكية نفسها. فبعد ان كان الرئيس الصومالي السابق محمد سياد بري يساريا، يناهض نظام هيلاسي لاسي (الرجعي)، استفاد من دعم المعسكر الاشتراكي واقترب من العرب، واصبحت الصومال عضوا في الجامعة العربية، وبعد ان سقط نظام هيلاسي لاسي على يد الضباط الماركسيين، تحولت وجهته الى الغرب، ليؤمن الدعم لنظامه ضد نظام اديس ابابا الماركسي الجديد! وبعد تداعي المعسكر الاشتراكي فقد البوصلة بفعل غياب عامل الاستقطاب الدولي السابق، وصار امام استحقاقات خلافاته المحلية، فبدا نظامه يترنح، وسقط اثناء الحرب على العراق مطلع العام 1991 لتدخل الصومال حربا اهلية مرعبة، لم تنته تماما الى اليوم.

التقارب الاثيوبي الارتيري الذي حصل مؤخرا بزيارة الرئيس الاثيوبي لاسمرة، ومن ثم زيارة الرئيس الارتيري لاديس ابابا، وانهاء حالة الحرب، قد يفتح الطريق امام علاقة جديدة بين البلدين، بعد ان استنفدت التكتيكات حمولتها بوصول نظامين قريبين من الغرب الى السلطة قبل نحو ثلاثة عقود، وهو غير بعيد عن ترتيبات جديدة لتلك المنطقة، رسمت وفقا لتصورات الكبار بالتاكيد.

اضف تعليق