يتصدر رأس المال البشري جميع الكنوز والثروات التي تمتلكها الأمم والشعوب، فمن يمتلك من الأمم أكثر عدد من العقول الذكية المتميزة المبتكرة سوف تتقدم على سواها من الأمم، وقد فهم الباحثون عن السلطة هذا المطلب، فأوغلوا في صناعة الجهل وحجبوا الثقافة والعلم عن الناس، حتى تبقى العقول فارغة من التميز ومنشغلة بالتوافه أيما انشغال.

وقد لوحظ على الأمم والشعوب المُنقادة لأنظمة غير شرعية أنها تعتمد الجهل كمرتكّز لسياساتها كي يكون عاملا مساعدا على ديمومة النظام المتلكّئ، ولوحظ أيضا أن سياسة تجويع العقول وسلبها قدراتها تعد من الأساليب الرئيسة التي تعتمدها الأنظمة الفردية، كي تضمن بقاءها، وتضرب معارضيها، ذلك أن الفهم يعني زوال الجهل، ومن ثم زوال أرباب الجهل، هذا الخطر الذي يتشكل ضد النظام السياسي القمعي، يبدأ بفهم الفرد لحقوقه، فإذا فهم الفرد هذه الحقوق كما تنص عليها القوانين، سوف يثور على الظلم، لاسيما إذا آمن بأن حقوق الإنسان تمثل المبادئ الأخلاقية أو المعايير الاجتماعية التي تصف نموذجاً للسلوك البشري الذي يفُهم عموما بأنه حقوق أساسية لا يجوز المس بها، مستحقة وأصيلة، لكل شخص لمجرد كونها أو كونه إنسان، ملازمة لهم بغض النظر عن هويتهم أو مكان وجودهم أو لغتهم أو ديانتهم أو أصلهم العرقي أو أي وضع آخر، وحمايتها منظمة كحقوق قانونية في إطار القوانين المحلية والدولية، وهي كلّية تنطبق في كل مكان وفي كل وقت ومتساوية لكل الناس، تتطلب التناظر مع سيادة القانون وتفرض على المرء احترام الحقوق الإنسانية للآخرين، ولا يجوز ولا ينبغي أن تُنتزع إلا نتيجة لإجراءات قانونية واجبة تضمن الحقوق ووفقا لظروف محددة، فمثلا قد تشتمل حقوق الإنسان على التحرر من الحبس ظلما والتعذيب والإعدام، وهي تقر لجميع أفراد الأسرة البشرية قيمة وكرامة أصيلة فيهم، وبإقرار هذه الحريات فإن المرء يستطيع أن يتمتع بالأمن والأمان، ويصبح قادراً على اتخاذ القرارات التي تنظم حياته.

إن العالم كله يتفق على بنود خاصة بحماية حقوق الإنسان ويعد احترام هذه الحقوق أمرا لا نقاش فيه، فالاعتراف بالكرامة المتأصلة لدى الأسرة البشرية وبحقوقها المتساوية الثابتة يعتبر ركيزة أساسية للحرية والعدل وتحقيق السلام في العالم، وإن ازدراء أو التغاضي وإغفال حقوق الإنسان لهو أمر يفضي إلى كوارث ضد الإنسانية وأعمالا همجية آذت وخلّفت جروحا وشروخا عميقة في الضمير الإنساني ولهذا فإنه من الضروري والواجب أن يتولى القانون والتشريعات الدولية والوطنية، حماية حقوق الإنسان لكي لا يشهد العالم والإنسانية مزيدا من الكوارث في هذا الجانب الذي لا يزال هشّا ركيكا، خصوصا في الدول الضعيفة حقوقيا في ظل أنظمة محصّنة بالاستبداد، إن هاجس الحقوق في التفكير البشري لم يخفت يوما إنه شيء تكويني مخلوق مع فطرة البشر، لهذا السبب يُقال أن حقوق الإنسان حقوق متأصلة في جميع البشر مهما كانت جنسيتهم، أو مكان إقامتهم أو نوع جنسهم أو أصلهم الوطني أو العرقي أو لونهم أو دينهم، أو لغتهم أو أي وضع آخر، لذا ثمة ترابط بين العقل المتوقد بالعلم والمعرفة وتصدر رؤوس الأموال المادية، وبين عدم التخلي عن الحقوق والحريات التي تم تدوينها كحقوق أساسية عالميا.

رصد متابعون ومعنيون نواقص تهدد العقول العراقية، فينقص مجتمعاتنا وعي الناس بحقوقهم أساليب التثقيف على الحقوق غير كافية المنظمات لا تقوم بواجبها كما يجب، لم يتم توظيف وسائل الاتصال لإنعاش الحقوق وجعل هزيمة القمع والتكميم مسألة وقت أو هي أمر محتوم، كثيرا ما يتم التعبير عن حقوق الإنسان العالمية، وتضمن بواسطة القانون وفي شكل معاهدات والقانون الدولي العرفي ومبادئ عامة، أو بمصادر القانون الدولي الأخرى ويرسي القانون الدولي لحقوق الإنسان التزامات على الحكومات بالعمل بطرق معينة أو الامتناع عن أعمال معينة، من أجل تعزيز وحماية الحريات الأساسية الخاصة بالأفراد أو الجماعات متى ما كان الفرد مثقفا حقوقيا، فاهما لحرياته مطبقا لها وحاميا إياها من الطغيان تصبح جميع الحقوق مصانة، وهذه هي الغاية من صناعة ومداراة وتطوير رأس المال البشري وتفضيله على سواه من رؤوس الأموال المادية المتعارف عليها.

إن العقل المتمرس الذكي النازع إلى الحرية والتطور يرفض التقنين أو التحجيم، وغالبا يضاعف من الموارد الفكرية والعلمية المبتكرة، ويجعل الناس أكثر حفاظا على حقوقه وعلى من يعرفها أن يعلّمها للآخرين وإذا فهمها الكل يضعف الحاكم المتنمّر، في الأفق تلوح حقوق مدنية وأخرى سياسية ثمة اجتماعية أيضا وتعليمية وصحية منظومة حقوق متماسكة متداخلة مع بعضها، فجميع حقوق الإنسان غير قابلة للتجزئة سواء كانت حقوقا مدنية وسياسية مثل الحق في الحياة، وفي المساواة أمام القانون وفي حرية التعبير أو اقتصادية واجتماعية وثقافية، مثل الحق في العمل والضمان الاجتماعي والتعليم، أو حقوقا جماعية مثل الحق في التنمية وفي تقرير المصير، فهي حقوق غير قابلة للتجزئة ومترابطة ومتآزرة، وفي هذه الحالة تصبح كالسد المنيع وتقف كالبنيان المرصوص لا يمكن اختراقه من أي كان مهما كانت قوته وظلمه أو تنمّره، وهذه هي القيمة الأهم والأقوى لرأس المال البشري المحتشد بالعقول متميزة الذكاء والتفكير والتخطيط والمغايرة.

ولنا في التجارب الناجحة في تطوير رأس المال البشري دروسا كبيرة، حتى المتناظرة معنا جغرافيا كالبلدان الآسيوية (سنغافورا مثلا أو اليابان)، فهذه الشعوب أو الأمم اعتمدت الذكاء وساندت الإنسان وحفزته على العطاء، وساعد النظام الاجتماعي العام على احترام العقل والعلم والابتكارات، بفضل الحفاظ على قيمة الإنسان وحرياته وحقوقه، فأن نطور فهم الحقوق هذا هو الأهم وأن يفهمها الناس بلا استثناء هذا ركن مهم وأن نطبقها ونتمسك بها هذا أمر لا يحتاج الى نقاش أو اتفاق، بالنتيجة سوف نقطف ثمار وأرباح كبرى أنتجها رأس المال البشري متمثلة بإعمال العقل وتشغيله بدرجة الذكاء القصوى، وعراقنا لا يعوزه اليوم إلا الاهتمام الأشد والأدق نوعا وكمّا بهذا النوع من الكنوز والثروات الخلاقة.

اضف تعليق