يبدو ان العقوبات الامريكية على إيران تشكل مدخل لاستراتيجية أوسع تستهدف النظام الإيراني الذي اتهمه الرئيس الأميركي بوضع بصماته في جميع أزمات المنطقة. هذه الاستراتيجية وإن كانت لا تبدو مكتملة اليوم، تعطي ملامح اندفاعة أميركية لتغيير النظام في إيران مستفيدة من عوامل داخلية وإقليمية ودولية لهذه الغاية معظم أدواتها سياسية واقتصادية واستخباراتية وليست عسكرية.

أهمها الورقة الاقتصادية وتهاوي الريال الإيراني شجع ترامب على الانسحاب من الاتفاق لزيادة متاعب النظام، إذ يترقب الإيرانيون بقلق تداعيات المرحلة المقبلة من العلاقات مع الولايات المتحدة، وإستراتيجية واشنطن بعيدة الأمد حيال طهران. إذ دخل العقوبات الاقتصادية الأمريكية ضد إيران حيز التنفيذ، مع العلم أن الإيرانيين يرزحون أصلا تحت وطأة التراجع الكبير الذي شهده اقتصاد بلادهم وعملتهم الوطنية.

إذ سيعاد فرض عقوبات من جديد ضد إيران على مرحلتين في 7 آب/أغسطس و5 تشرين الثاني/نوفمبر. وتستهدف الحزمة الأولى قدرة إيران على شراء الدولارات، وصناعات رئيسية تشمل السيارات وصناعة السجاد التي توظف مئات الآلاف من الإيرانيين.

فيما يتوقع أن تكون المرحلة الثانية التي سيتم خلالها حظر مبيعات الخام الإيرانية هي الأشد تأثيرا، رغم أن دولا عدة بينها الصين والهند وتركيا أشارت إلى أنها غير مستعدة للتوقف بشكل كامل عن شراء النفط الإيراني.

وارتفعت أسعار النفط بعد بدء سريان العقوبات لكن المكاسب جاءت محدودة، في ظل ما قال كيلدوف إنه افتقار المتعاملين في السوق إلى مؤشرات واضحة على مدى تأثير العقوبات النفطية المقترحة على إنتاج الخام الإيراني، وقال الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في تغريدة إن العقوبات هي "الأشد إيلاما التي تُفرض على الإطلاق"، وأضاف: "كل من يعمل مع إيران لن يعمل مع الولايات المتحدة".

القاعدة الإقتصادية تقول، كلما زاد الطلب إرتفع السعر، والقاعدة الإيرانية تقول كلما إرتفع صوت ترامب أكثر كلما تأثرت العملة الإيرانية سلباً، ولهذا صلة بمستوى التوقعات من الإتفاق، أكثر منه مما قد يقوم به الرئيس الأميركي تجاه إيران في حال سقوط الاتفاق، في الوقت نفسه الاقتصاد الإيراني بشكل عام عاد للتعافي بصورة تدريجية بعد العام 2015 إلا أنه بقي هشا، وعودة العقوبات بما لا شك فيه سيزيد الوضع تعقيدا على عدد من الأصعدة من بينها تأثر الريال الإيراني الذي خسر 22 في المائة من قيمته أمام الدولار الأمريكي، وهو الأمر الذي يلقي بظلاله مجددا إن عادت العقوبات على إيران.

بينما خبراء اقتصاديين، إن الريال الإيراني شهد انخفاضا كبيرا بسبب ارتفاع الطلب على الدولار. وقد يؤدي ذلك إلى تقليص حجم التجارة الخارجية لإيران، الأمر الذي يدفع التضخم للارتفاع ويصعب الوصول إلى العملة الصعبة.

وكانت عوائد سندات الخزانة الأمريكية ارتفعت في الأسابيع الأخيرة بدعم من توقعات بأن يشدد مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي) السياسة النقدية لمواجهة التضخم وسط ضخ الحكومة حوافز مالية ضخمة في عهد (ترامب.)

وقد يؤدي ذلك إلى تقليص حجم التجارة الخارجية لإيران، الأمر الذي يدفع التضخم للارتفاع ويصعب الوصول إلى العملة الصعبة، في اقتصاد يعاني أساسا من ارتفاع معدلات البطالة، ومهدد بحدوث أزمة بين البنوك المتعثرة ماليا.

إذ تظهر المعطيات الاقتصادية الراهنة الكثير من الشكوك ازاء مستقبل الاقتصاد الايراني الذي لا يزال يعاني نتيجة العقوبات الاميركية التي لا تزال مفروضة عليه، وزاد من اجواء الغموض حول افاق الاقتصاد الايراني تصريحات ترامب بانه سيمدد العمل للمرة الاخيرة بتعليق العقوبات الدولية مطالبا اوروبا بالعمل مع بلاده من اجل "التصدي للاتفاق النووي.

ففي أقلّ من عام كسرت العملة الإيرانية أرقاما قياسية في الهبوط أمام الدولار مستقرة عند حافة الخمسة آلاف تومان، أو الخمسين ألف ريال، بين التومان والريال صفر زائد لصالح الأخير، يحذفه الإيرانيون في تعاملاتهم، لكنه صامد على الأوراق الرسمية وحتى على أوراق العملة، ومن المتوقع أن يحذف بشكل رسمي قريبا بعدما أقرت الحكومة اعتماد التومان عملة رسمية للبلاد في تموز/ يوليو 2018.

كان الاتفاق النووي مفتاح حسن روحاني للفوز في الدورة الأولى عام 2013 رئيسا للجمهورية الإسلامية الإيرانية. وعود السياسي المخضرم ومؤسس تيار الإعتدال رفعت من منسوب التوقعات في الشارع لذا رسم الإعلان عن الإتفاق في تموز يوليو 2015 للإيرانيين مشهدا ظنوا فيه أنهم قادمون على مرحلة رخاء غير مسبوق، وهو ما لم يتحقق، عام فقط فصل بين دخول الإتفاق حيز التنفيذ وبين تنصيب ترامب رئيسا للولايات المتحدة الأميركية، بعد ذلك دخل الإتفاق حيز التهديد، بالتالي دخل الإيرانيون مرحلة التشكيك. أول مظاهر حالة القلق العامة تمثل في الطلب المتزايد على الدولار وسحب الودائع خوفا من إنهيار العملة، الأمر الذي أدى إلى إفلاس مؤسسات مالية لم تستطع الإيفاء بطلبات المودعين.

ومنذ العام الماضي، يعمد المركزي الإيراني إلى خفض تدريجي لقيمة الريال للتعويض عن التضخم المرتفع في إيران والمساعدة في جعل الصادرات أكثر قدرة على المنافسة، لكن هبوط الريال تسارع في الأسابيع الماضية مما يشكل تحديا للسلطات التي انتهت للتو من احتواء موجة احتجاجات شعبية، على خلفية مصاعب اقتصادية وفساد، امتدت إلى أكثر من 80 مدينة وبلدة وأودت بحياة 25 شخصا.

وقد يؤدي ضعف كبير للعملة إلى زيادة السخط برفع التضخم، الذي يبلغ حاليا حوالي 10 بالمئة، وتآكل دخول الإيرانيين العاديين، ويقول مصرفيون تجاريون إن أحد أسباب هبوط الريال، طلب موسمي على الدولارات يميل للارتفاع في هذا الوقت من العام مع سفر الإيرانيين إلى الخارج، لكن العملة الإيرانية ضعفت أيضا بسبب الاحتجاجات الشعبية والقلق من أن الروابط الاقتصادية مع الدول الأجنبية قد يلحق بها المزيد من الضرر إذا انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق بشأن برنامج إيران النووي.

فيما يعتقد خبراء اقتصاديون كثيرون أن إيران يمكنها منع هبوط غير محكوم لعملتها. ووفقا لتقديرات صندوق النقد الدولي فإن الاحتياطيات الأجنبية الرسمية لدى إيران بلغت أكثر من 130 مليار دولار أوائل العام الماضي، ومن المرجح أنها زادت بفعل ارتفاع أسعار النفط منذ ذلك الحين، لكن تقلبات الريال في الأسابيع القليلة الماضية أبرزت المهمة الصعبة التي تواجه البنك المركزي في إدارة العملة.

اقتصاد منهك

هذه الإجراءات التي اتخذتها الإدارة الأمريكية يمكن أن تلقي بثقل كبير على الاقتصاد الإيراني. خاصة وأن العملة الوطنية، الريال، وصلت في الآونة الأخيرة إلى أدنى مستوى لها مقابل الدولار في السوق الموازية، وانخفض الريال الإيراني إلى أقل مستوياته أمام الدولار ليصل إلى 100 ألف ريال مقابل الدولار وسط أزمة اقتصادية متزايدة، ويأتي ذلك رغم مساعي السلطات الإيرانية لوضع سعر ثابت رسمي قدره 42 ألف ريال مقابل الدولار وتنفيذها حملة على السوق السوداء. في إطار خطة وصفها المحللون بالكارثية.

والأحد الماضي أعلن التلفزيون الرسمي الإيراني أن إيران اتخذت إجراءات أكثر مرونة للتعامل مع تراجع العملة وتأثير العقوبات من خلال تخفيف قواعد صرف العملات الأجنبية والسماح باستيراد غير محدود ودون ضرائب للعملات والذهب وإعادة فتح مكاتب صرف العملات.

وفي إجراء استباقي عشية استئناف العقوبات الأمريكية ضد طهران، تزودت شركة الطيران الإيرانية الأحد بخمس طائرات لتجديد أسطولها. خاصة وأن قطاع الطيران سيخضع انطلاقا من السادس من آب/أغسطس الجاري للعقوبات الأمريكية على غرار عدة قطاعات كقطاع السيارات والمعاملات المالية وتصدير المواد الخام كالألمنيوم والحديد والمعادن الثمينة.

ورغم أن بعض الشركات الأوروبية أعربت عن استعدادها للبقاء في البلاد إلا أن شركات أخرى متعددة الجنسيات مثل "بيجو" و "سيتروين" و"توتال" قد استعدت لمغادرة إيران خوفا من الوقوع تحت طائلة العقوبات الأمريكية.

توتر في الشارع الإيراني بسبب العقوبات الأمريكية

ويخشى الإيرانيون الذين يواجهون التضخم المالي منذ سنوات عديدة من ارتفاع إضافي في الأسعار خلال الأيام المقبلة، فأمام تراجع عملتهم أصبحوا يلجؤون إلى الدولار كسبيل آمن للاحتفاظ بمدخراتهم، أو كفرصة للاستثمار إذا ما استمر هبوط الريال.

هذا وازدادت حدة التوتر في البلاد، فقد اندلعت مظاهرات في عدد من مدنها مثل كرج وشيراز وأهواز... وشملت أيضا مدنا سياحية مثل أصفهان وطهران، ونشرت أشرطة فيديو عديدة على شبكات التواصل الاجتماعي تظهر هذه الاحتجاجات، من بينها احتجاجات قادها رجال دين.

وتعكس الاحتجاجات التوتر المتصاعد بين المحافظين والإصلاحيين على خلفية السخط الاجتماعي، وقبل ساعات من الموعد النهائي لتجديد العقوبات تهافت الناس على محطات الوقود وغيرها للتزود بما يحتاجونه.

النتائج المحتملة

يرى الخبراء عددا من النتائج المحتملة للسياسة الأمريكية الحالية تجاه إيران. فبإمكان العقوبات والضغوط الدبلوماسية أن تراكم ما يكفي من الضغط على النظام لدفعه للتفاوض، وهو أمر يأمل به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

فبعد شهور من التصريحات الهجومية، فاجأ ترامب المراقبين الأسبوع الماضي عندما عرض عقد لقاء مع الرئيس الإيراني حسن روحاني "في أي وقت" ودون شروط مسبقة، كما أن بإمكان الأزمة المالية في إيران أن تتفاقم، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الاحتجاجات، ما قد يجعل بقاء النظام في السلطة أمرا صعبا ، مع أن الضغوطات الاقتصادية تحمل كذلك خطر تعبئة المشاعر المعادية للولايات المتحدة وحشد الدعم للمتشددين. بحسب فرانس برس.

وهناك احتمال كذلك بأن يبدأ النظام الإيراني بالتراجع مع ما تعتبره واشنطن "تأثيره المؤذي" في المنطقة بما في ذلك دعمه للرئيس السوري بشار الأسد وتهديداته بإغلاق مضيق هرمز الإستراتيجي الذي يعد من أهم الممرات البحرية للنفط، وفي هذا السياق، يقول محللون"إن إدارة ترامب ستكون راضية عن أي من هذه النتائج".

وعليه باتت العملة قاب قوسين أو أدنى من الانهيار الاكبر، حيث تراجع سعر صرف الريال الإيراني الى أدنى مستوى له امام الدولار، مما يعني خسارة جولة جديدة لريال في مواجهة الدولار، ففي ظل الحصار الغربي على اقتصاد الإيراني وانعدام الرؤية الاقتصادية الناجعة، فضلا تراجع العملة الإيراني الى مستويات كبيرة، أصبح الريال والاقتصاد مهدد بمعضلات مستدامة ومسارات مليئة بالعقبات، وهذا يعني أن مستقبل الاقتصاد الإيراني يسير الى حافة الهاوية، لكن في الوقت الذي لا يمكن فيه الجزم بأن الانهيار حتمي، يبقى الانتظار في عامنا هذا، لمعرفة كيف ستستطيع إيران تطبيق إجراءاتها المالية الجديدة للخروج من أزمتها، وبالتالي أصبح مصير الدولة الإسلامية الإيرانية وعملتها مجهولاً لحد الآن، وعليه أيا كان مصير الريال فقد انهارت سمعة إيران بسببه.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0