لعبت مراكز الدراسات والبحوث في امريكا وما أصطلح على تسميتها عالميا (ثينك تانك – حجر التفكير او البحث) دورا هاما في مساعدة مراكز القرار ومنها القرار السياسي في الادارة الامريكية. هذه المراكز تختلف بطبيعة الحال بتوجهاتها واهدافها ومجالات عملها وفي كونها معبرة او قريبة من تيار فكري سياسي معين او كونها "خارج الاحزاب" كما يطلقون عليها في الولايات المتحدة. ففي السياسة لا تترجم المعلومات إلى قوة ونفوذ إلا إذا قدمت بالشكل الصحيح وفي الوقت الصحيح.

لا يمكن معرفة الكيفية التي تدار بها الأمور -بصورة عامة- في أميركا بدون التوقف ملياً أمام آلية عمل المراكز البحثية الأميركية لكونها - كما أشار الرئيس الأميركي السابق بوش في إحدى كلماته - تضم أفضل العقول الأميركية بعيدا عن النظر في انتماءات هذه العقول، إنما يجري التأكيد على ما تستطيع تقديمه من مشورة يستند إليها القرار الأميركي سياسيا كان أم اقتصاديا أو اجتماعيا.

وتسليط الضوء على عمل هذه المراكز يقدم لنا تصورا ربما نحتاجه كثير في مرحلتنا الحالية من أجل خلق ركائز علمية تحرك مجمل العمليات في البلد، وبذا يكون القرار العراقي صنيعة مشتركة كما هو الحال في أميركا وغيرها من البلدان المتقدمة، ولا بد أن ننوه إلى اعتمادنا في تحرير هذه المادة على مقال مطول للكاتبة أميمة عبداللطيف، لكن بعد حذف الرؤى الذاتية التي حركت الكثير من مفاصل مادتها الأساس.

هناك استعداد شبه فطري من قبل صانعي القرار للجوء لتلك المراكز من أجل الحصول على النصائح والاستشارة حول موضوعات السياسة الخارجية والمحلية السبب الرئيس وراء انتشار المراكز ناتج عن ثلاثة عناصر: الطبيعة اللامــركـزيـة للـنـظـام الـسـياسـي الأمـريكي، وعدم وجود أسس حـزبـيـة صـارمـة، والمـعونات المالية المتدفقة من المنظمات المختلفة

ومن بين أهم اللاعبين في رسم السياسة الخارجية الأمريكية، الذين ساهموا في وضع أجندة السياسة الخارجية الأمريكية، مجموعة من الخبراء الذين ينتمون لما اصطلح على تسميته بمراكز الفكر. فأي خدمات إذن تقدمها هذه المراكز للإدارة الأمريكية وفي أي مجالات وأي أجندة تخدم؟ في السياسة لا تترجم المعلومات إلى قوة ونفوذ إلا إذا قدمت بالشكل الصحيح وفي الوقت الصحيح، هذه العبارة تختصر مهمة مراكز الفكر التي تزايدت أعدادها بشكل مطرد وتعزز نفوذها ودورها في التأثير علي مجريات النقاش العام.

في الغرب بصفة عامة وفي الولايات المتحدة بصفة خاصة. لقد أشبعت مراكز الفكر، كما يقول جيمس ماك جين أحد زملاء معهد بحوث السياسات والمعلومات والتحليل المنهجي، لقد صارت هي المصدر الرئيس ليس فقط للتزود بالمعلومات، بل في معظم الأحيان يستعان بها لوضع وتقرير أجندة السياسات.

وتبدو خطورة هذه المراكز البحثية في أمرين أساسيين:

أولا، كونها ترتدي ثوب الحياد الأكاديمي وترفع شعار المصالح الوطنية الأمريكية أمام منتقديها،

وثانيا، هو التأثير المتزايد الذي تمارسه على السياسة الخارجية الأمريكية، حيث تخلت عن هذا الحياد وأصبحت في معظمها تخدم توجهات أيدلوجية معينة. ويطرح هذا النفوذ تساؤلات مهمة بخصوص الدور الحقيقي الذي تلعبه هذه المراكز في التأثير على عملية رسم السياسة الخارجية الأمريكية من جهة، وما هي حدود هذا الدور؟ وهل ثمة سقف ما تقف عنده ولا تتخطاه؟ أم أن ما يحدد هذا النفوذ هو فقط الموضوع الذي تسعي للتأثير عليه؟ بل وتحديد الطريقة والكيفية التي يتم بها تناول قضايا بعينها؟ وبأي طريقة؟ وماهي القنوات التي تسعي من خلالها مراكز الفكر تلك للتأثير في صناع القرار من ناحية والرأي العام من ناحية أخرى.

تنبع أهمية مراكز الفكر من أنها أصبحت في السنوات الأخيرة أشبه بالظاهرة العالمية، بل وبدا أن ثمة ما هو أشبه بعملية تصنيع لتلك المراكز التي بدأت تنضج في دول عدة متخذة من النموذج الأمريكي المثال الأبرز. لقد بدأت تلك المراكز كظاهرة أمريكية بامتياز، وبالتالي فثمة فاصل يميز مراكز الفكر الأمريكية عن مثيلاتها في الدول الأخرى، وهو قدرة هذه المراكز في الولايات المتحدة على المشاركة بشكل مباشر وغير مباشر في عملية رسم السياسات، ليس هذا فحسب، وإنما- وفق قول أحد الأكاديميين الكنديين- هناك استعداد شبه فطري من قبل صانعي القرار للجوء لتلك المراكز من أجل الحصول علي النصائح والاستشارة حول موضوعات السياسة الخارجية والمحلية.

المهمة الأولى بالأساس لتلك المراكز إذن هي صناعة الأفكار والعمل على ترويجها على مستوى صانع القرار والرأي العام. في كل أنحاء العالم هناك حوالي 4500 مركزا بحثيا، وما يقارب 2000 منها موجود بالولايات المتحدة، من بينها تسع مراكز بحثية تعد من أهم المراكز البحثية وأكثرها نفوذا وتتراوح ميزانيتها مابين 3 ملايين إلى ثلاثين مليون دولار وعمالة مابين 35 إلى 200 موظفا.

يحاول الأكاديمي الكندي دونالد إبلسون في ورقة بحثية مهمة بعنوان قراءة تاريخية لمراكز الفكر والسياسة الخارجية، تفسير الصعود المفاجئ في السياسة الأمريكية لبعض مراكز الفكر والسبب الذي أدى بها لأن تكون ملمحا أساسيا من ملامح الخريطة السياسية الأمريكية، ولماذا يلجأ إليها صانعو القرارات ومشرعو الكونجرس والإدارة البيروقراطية والفيدرالية من أجل الحصول على نصائح؟.

يعزو إبلسون هذا الصعود إلى أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر دفعت بالصحفيين والميديا الأمريكية للبحث عن تفسيرات لفك ألغاز الهجوم، فتحولوا بأنظارهم كلية للمراكز البحثية التي ما كانت لتفوت هكذا فرصة دون أن تستغلها لتقوية نفوذها. فقد أمدتهم بـ خبراء السياسة والمحللين الذين وجدوا طريقهم لشبكات التلفزة والجرائد الكبرى وأصبحوا يتمتعون بظهور إعلامي مكثف. إن استعداد هذه المراكز لأن تمارس اللعبة الإعلامية التي صاحبت أحداث سبتمبر لم تكن مفاجئة لأنها أتاحت الفرصة لتلك المراكز لأن تقوي نفوذها، مما مهد الطريق لأن تنخرط بشكل نشط في عملية اتخاذ القرار وصنع السياسات.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
1