الثوابت الأميركية والثوابت العربية

أحمد شهاب

تتقدم الولايات المتحدة على المستوى الخارجي، بينما تتخلف دول المنطقة على المستويين الداخلي والخارجي، تتقدم أميركا على الرغم من عمق الأزمة المالية وحجم الخسائر التي تقدر بمئات المليارات على خلفية الأزمة المالية الأخيرة، ومع أن علاقتها بالعديد من دول العالم تشهد توترا وربما انحسارا بسبب سياساتها الاستفزازية، فيما تتراجع دولنا مع كل ما تمتلكه من مخزون نفطي هائل، وموقع استراتيجي حيوي ومهم جدا.

إن أحد أوجه نجاح السياسة الخارجية للولايات المتحدة أنها ترتكز على ثوابت واضحة لا تكاد تتغير إلا من خلال ما تقتضيه مراحل التقدم والتأخر في علاقة الولايات المتحدة بمحيطها الخارجي، سواء تجاه الدول الأوربية، أو تجاه الدول الآسيوية، بالإضافة إلى ثوابتها السياسية تجاه منطقة الشرق الأوسط، وهو ما يعنينا في هذا المقال.

تبني الولايات المتحدة سياستها تجاه الشرق الأوسط على ثلاثة ثوابت أساسية: يرتكز الأول منها على أولية حماية مصالحها الاقتصادية والسياسية في المنطقة، من خلال التحالف مع الأنظمة الحاكمة الموصوفة بالاعتدال، وربطها بالمصالح الأميركية، مع الاستعداد التام للتضحية بأي جهة، أو نظام، يمكن أن يهدد تلك المصالح ضمن سياسة «لا أصدقاء دائمون ولا أعداء دائمون ولكن مصالح دائمة».

 وهو بالتحديد ما شاهدنا مثاله في الدعم غير المحدود الذي قدمته الولايات المتحدة لجماعة طالبان المتشددة في أثناء حربها ضد السوفييت في تحالف معلن، ما لبث أن تحول إلى عداء مفرط وحرب عسكرية طاحنة شنتها الولايات المتحدة وانتهت بإسقاط نظام طالبان بعدما أوصلوهم إلى الحكم.

أما الثابت الثاني، فهو التعهد بالدفاع الكامل عن الكيان الصهيوني، وحماية أمنه والمساهمة في بناء ترسانته العسكرية بهدف تتويجه قوة وحيدة في المنطقة، وإن اقتضى ذلك غض النظر عن الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة للمبادئ والأعراف الدولية، وسحق حقوق الناس، كما عملت الولايات المتحدة على تسويق إسرائيل كأنموذج ديمقراطي متقدم، والدفع في اتجاه تطبيع علاقاتها مع دول المنطقة، وما يتطلبه ذلك من ضغط متواصل على الدول الممانعة، أو المتحفظة على التعاطي مع الكيان الصهيوني بهدف كسر حاجز العزلة وتشجيع التبادل التجاري بين الدولة العبرية والدول العربية، وفتح مكاتب تمثيلية دبلوماسية إسرائيلية في العواصم العربية.

الثابت الثالث، يتجسد في عزل الحركات والجماعات المقاومة بحجة محاربة الإرهاب والتطرف، والدفع في اتجاه تكثيف الضغوط السياسية والجهود الإعلامية ضد المقاومة والجماعات النشطة في ميدان المواجهة وتشويه صورتها، في محاولة للحد من تأثيرها وتخفيض شعبيتها، وإن حازت تلك الجماعات ثقة شعوبها، وحققت مكاسب وانتصارات سياسية عبر صناديق الاقتراع وبرضا وتوافق سياسي عام، وتُعد حركة المقاومة حماس وحركة المقاومة اللبنانية أبلغ مثال على ذلك.

في مقابل ثوابت الخارجية الأميركية الآنفة تجاه دول المنطقة، والتي تضفي على مواقفها قوة وتأثيرا كبيرين يساعدانها على تحقيق اختراقات مهمة في اتجاه إنجاز أهدافها ومراميها السياسية والاقتصادية على المديين المتوسط والبعيد، فإن الدول العربية تفتقر إلى أي ثوابت واضحة في علاقاتها مع الآخرين، وهي في ظني نقطة الضعف الأساسية التي تسببت ولا تزال في فشل جميع التحركات والمبادرات العربية.

فعنصر المفاجأة، وقرار اللحظة الأخيرة، لا يزالان هما الثابتين الوحيدين في سياسات الدول العربية الخارجية، ولا تكاد دولتان في المنطقة تلتقيان عند إجابة محددة حول ماذا تريد من الآخرين؟ أو في أي اتجاه يجب أن تتحرك مبادراتها؟ أو ما هي أسس التعامل مع الدول الكبرى التي لها مصالح في المنطقة؟ حتى بدت الدول العربية مثل الإطفائي الذي تبدأ حركته بعد اشتعال الحرائق، وربما بعد أن تُجهز النيران على مكتسبات البشر، أو تحصد أرواحهم.

إن أول خطوة تقع على عاتق الحكومات العربية هي الاتفاق على خطوط عريضة تسم سياساتها الخارجية وتمكنها من التعاطي بندية مع الآخرين، هذه الخطوط من شأنها أن تستثمر كل المبادرات التي تنطلق في المنطقة مهما تضاءل حجمها للتقدم خطوات نحو تحقيق ما تريد.

وإن كان تحديد ثوابت عربية أمر غاية في الصعوبة ويتطلب كثيرا من الجهد والجدية، وهي الشروط الغائبة في الواقع الرسمي العربي الراهن، فإني أقترح اللجوء إلى طريق أبسط، وهو تعيين ملامح تلك الثوابت بما يسير في مقابل الثوابت الأميركية، أولها: تقديم أولوية مصالح دول المنطقة على ما عداها، لقد صرفت دولنا كثيرا من الجهد والوقت والمال في حروب ونزاعات ومشاريع ثبت أنها تصب في مصلحة الدول الكبرى، سواء من الناحية الاقتصادية أو السياسية أو الأمنية، في الوقت الذي لا تنال منها دولنا سوى مزيد من الدمار والخسائر والصراعات الداخلية، وقد آن الأوان لأن تمسك دول المنطقة بزمام المبادرات فلا تدخل في مغامرة حرب، ولا تستعدي طرفا على طرف، ولا تجازف في دخول مشروع قبل أن تحدد حجم العوائد، واحتمالات الخسارة، والنظر فيما إذا ما كانت تستحق المبادرة من عدمه.

ثانيها: مواجهة إرهاب وعنف وتعدي الدولة الصهيونية، ويتم ذلك عن طريق بيان واضح لالتزام دول المنطقة بدعم البيت الفلسطيني، والسعي إلى ترميم العلاقات الفلسطينية- الفلسطينية، ومد يد العون لها لاستثمار سنوات النضال والصمود الفلسطيني واللبناني بصفتهما جبهتي الحرب المفتوحتين ضد إسرائيل. ومن جهة ثانية على الدول العربية وشعوبها أن تعيش موقف الرافض للانتهاكات الإسرائيلية تحت أي مبرر، والضغط على الأنظمة العربية التي فتحت ذراعيها للإسرائيليين، ومطالبتها بوقف كل صور تبادل المصالح والمنافع وإحياء المقاطعة الشاملة من جديد.

ثالثها: الالتزام تجاه المقاومة العربية، ودعمها سياسيا وإعلاميا، بصفتها رد الفعل الطبيعي على استمرار السياسات العدوانية ضد دول المنطقة وشعوبها، ونتيجة منطقية لانتهاك فضاء المنطقة من قبل إسرائيل، أو الولايات المتحدة، والتأكيد على أن التشكيلات المقاومة، إنما هي أحد نتائج السياسات الاستفزازية التي تمارسها تلك الدول داخل المنطقة، وأن تحقيق الاعتدال والاستقرار هدف سوف يتحقق فور توقف تلك الاستفزازات.

وفي كل الأحوال لن يتقدم واقع دول المنطقة ولن يتطور موقعها السياسي إذا لم تُقرر أن تنتشل نفسها من هذا الواقع المأزوم والمتراجع عبر مبادرات ذاتية، ولن تُبدي الدول الكبرى استعدادها للتنازل عن مطامعها ومصالحها إذا لم تستشعر أن مصالح أكبر سوف تكون في معرض الضياع والتلف في حال أصرت على مواقفها المتناقضة مع أولويات ومصالح دول المنطقة، وإعلان ذلك كسياسة عربية موحدة تدفع الآخرين إلى إعادة النظر في طريقة تمرير ثوابتهم ومصالحهم بحيث لا تخترق أو تتجاوز الثوابت العربية.

* كاتب كويتي

ahmed.shehab@awan.com

شبكة النبأ المعلوماتية- االاثنين 9/شباط/2009 - 13/صفر/1430

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1429هـ  /  1999- 2008م