|
في العام 1990 وجدت دول الخليج أن أمنها واستقرارها أصبحا في مهب
الريح، فالجموح الأرعن لطاغية العراق لم يتوقف عند احتلال دولة الكويت
فقط، بل بدا واضحا أنه يمد عينيه لتهديد أمن بقية الأسرة الخليجية، وهو
ما اضطرها للاستعانة بالقوات الأجنبية، والاستقواء بدول التحالف للتخلص
من تلك التهديدات العسكرية والأمنية. إن فكرة الاستعانة بالقوات
الأجنبية لم تعن بتحرير الكويت وتخليصها من براثن الاحتلال فقط، بل
كانت في جزء كبير منها تستهدف حماية دول الخليج الأخرى وضمان أمنها
واستقرارها.
تكشف تلك الحقيقة الدوافع والأسباب التي وقفت خلف استعداد بعض
الأنظمة الخليجية للدخول في مواجهات عنيفة داخليا مع التيارات المتشددة
التي عارضت استقدام الأجانب في جزيرة العرب، وتضحيتها بحالة التوافق
التاريخي بينها وبين المؤسسة الدينية أو أقطاب مهمة داخلها، وهو الأمر
الذي أدى إلى انهيار العلاقة الوطيدة بين الطرفين بصورة دراماتيكية،
وفي مشهد لافت للنظر أصاب أكثر المراقبين بالدهشة.
لم تضح دول الخليج بعلاقتها الحميمة مع المتشددين السُّنة فحسب، بل
والأهم من ذلك أنها اضطرت للتضحية بنظام الإدارة السياسية المُغلق الذي
كان يسم غالبية نُظم الحُكم الخليجية، فعلى وقع ضغوط الدول الديمقراطية،
وفي مقدمتها الولايات المتحدة، خطت دول الخليج خطوات ملموسة في درب
الإصلاحات السياسية، واستجابت لدعوات الحوار الداخلي مع بقية الطيف
الاجتماعي والسياسي، والذي كان غالبيتهم يشعرون بحالة من الغبن السياسي
والاجتماعي.
الهدف الأساسي الذي يقف خلف الضغوط الغربية، والأميركية على وجه
الخصوص، على دول الخليج للتحول الديمقراطي هو تقليص نفوذ الجماعات
المتطرفة المعارضة للوجود الأميركي في الجزيرة العربية، والتي كان
يُعتقد أنها ستعمل على عرقلة مشروعهم في المنطقة، فالديمقراطية وتفعيل
المشاركة السياسية هي السبيل لمزاحمة المشروع المتطرف، وتقليص نفوذ
الإسلاميين المتشددين، وتدعيم ثقافة القبول بالسياسات الليبرالية، فمن
خلال ربط دول الخليج ومجتمعاتها بالمشروع السياسي الأميركي، يمكن
التقدم خطوة في إعادة رسم خارطة المنطقة ككل وفق السيناريو الأميركي.
بالنسبة إلى الكثير من الإصلاحيين والمثقفين في الخليج، فإن ثمرات
الضغط الأميركي في اتجاه الديمقراطية والمفاهيم السياسية الحديثة هو
أمر مطلوب بحد ذاته، ولا يمكن التنكر لفوائده في تقليص المفاسد
السياسية، ولجم استفراد الأنظمة بالحكم، لكن المخاوف برزت مع شعور عدد
كبير من الإصلاحيين أن مقاصد الولايات المتحدة كانت أبعد من تنفيذ
مشروع الإصلاح السياسي في الخليج، ولاسيما بعدما ارتبطت حركة الشد
والجذب الديمقراطي بظروف ليست لها علاقة بدعم الإصلاح وحركاته الناشطة
في المنطقة.
لقد تحول الضغط الأميركي باختصار، من أمل ديمقراطي ومفصلي يحلم به
جميع الإصلاحيين في الخليج إلى ورقة ابتزاز يتم استخدامها في الأوقات
المناسبة، ودعَّم من هذا الاعتقاد توقيت التقارير الأميركية حول انتهاك
حقوق الإنسان في الخليج، وتقييم الحال الديمقراطية، والحديث عن واقع
الأقليات الدينية، ووضع العمالة الوافدة، والتي كانت تتزامن، إما مع
تمرير صفقات عسكرية ضخمة، أو مع تنشيط مسار المصالحة العربية
الإسرائيلية.
هذا الشعور بالابتزاز الديمقراطي، هو بالتحديد الذي يُحرك اليوم
مشاعر القلق عند الإصلاحيين بعد الأزمة الاقتصادية الأخيرة، تنطلق
مخاوف الإصلاحيين في دول المجلس من قناعة مفادها أن الضغوط الأميركية
على دول الخليج انطلقت بعد حرب الخليج الثانية من موقع القوة العسكرية
والسياسية والإعلامية، ومن رؤية إصلاحية تؤمن بأن الديمقراطية هي الحل
من كوارث الاستبداد من جهة، ومن توتر الإسلام المتشدد من جهة أخرى.
إن نجاح المشروع السياسي في النظرية الأميركية لا يتحقق من خلال
تكثيف الوجود العسكري في المنطقة فحسب، وإنما من خلال تغيير قواعد
الحكم في تلك الدول، وقد استجابت سائر دول الخليج في ذلك الوقت للضغوط
الديمقراطية تماشيا مع القوة والرؤية الأميركية الصارمة تجاه الإصلاح،
وفي وقت كانت تشعر فيه هذه الدول بأنها مدينة للولايات المتحدة
بحمايتها وتخليصها من خطر النظام البعثي، وصيانة أنظمتها وضمان
استقرارها، والمشكك في هذه الفكرة عليه أن يتخيل شكل ومستقبل المنطقة
السياسي بعيدا عن تلك الضغوط.
رفعت الولايات المتحدة راية تصدير الديمقراطية بامتياز، ولم تتأخر
عن تقريع الأنظمة الحاكمة في الكثير من دول العالم، بما فيها دول
المجلس، ومطالبتها باستعجال خطوات الإصلاح الديمقراطي وتصحيح المسار
السياسي. كما دفعت بشدة في اتجاه فتح العملية السياسية نحو المزيد من
المشاركة والمزيد من الفعالية الشعبية، حتى ظن البعض أن الولايات
المتحدة اتحدت مع الشعوب ضد الأنظمة، ودعمت المعارضات ضد الحكومات،
وعول البعض الآخر على أن التغيير سوف يأتي من «جهة الغرب» فقط، وحسبوه
طوق النجاة الأخير، وصوت المخلص المنتظر.
لكن هذا الظن أخذ بالتلاشي تدريجيا مع السلوك غير المنضبط لمسار
المشروع الديمقراطي، وجاءت الأزمة الأخيرة لتطرح حزمة جديدة من الأسئلة
المشككة حول المستقبل الذي ينتظر ما تبقى من مشروع «دمقرطة الخليج»
ودول المنطقة، تشكيك ينطلق من التغيرات الجوهرية التي أصابت موازين
القوة والرؤية، فمن حيث القوة فإن الولايات المتحدة والدول الغربية
استعانت أخيرا بصناديق الاستثمار الحكومية في دول الخليج لسد
احتياجاتها، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه بعد العاصفة المالية التي ضربت كبرى
الشركات الغربية، فهل يمكن للدول المستنجدة أن تفرض قراراتها وسياساتها
وديمقراطيتها على حكومات أقرضتها مليارات الدولارات، وسدت جزءا كبيرا
من احتياجاتها المالية؟
من حيث الرؤية، فإن دعم الحكومات الحليفة يبدو أكثر أولوية اليوم من
دعم الشعوب، بخاصة بعدما أثبتت الشعوب العربية أنها تستفيد من ثمار
الديمقراطية، لكنها لا تُمرر أجندات خارجية، فعلى رغم الزخم الديمقراطي
الذي مر على المنطقة، إلا أن حالة الممانعة والمقاومة لاتزال سيدة
الموقف في الشارع العربي ككل، فبينما تبدي الحكومات العربية الكثير من
المرونة في البدء بالحوار العربي الإسرائيلي، فإن الشعوب بصورة عامة،
لاتزال ترفض التفكير في الأمر. كما أن استقبال الإصلاح السياسي في
العالم الإسلامي لم يُدشن عصرا جديدا في مكانة الولايات المتحدة في
الذهنية الإسلامية، فهل ستغلق الولايات المتحدة ملف تصدير الديمقراطية
في العالم، وتعمق من تحالفاتها مع الأنظمة؟
* كاتب كويتي
ahmed.shehab@awan.com |