أين نجحت الحركة الإسلامية وأين فشلت؟

أحمد شهاب

نجحت الحركة الإسلامية في حيازة ثقة الجمهور العربي والإسلامي بصورة غير مسبوقة، وتنقلت في أعمالها وأدوارها بين العمل الخيري والدعوي والاجتماعي والسياسي.. وحتى الاقتصادي، وهو ما أكسبها شعبية كبيرة لم تحظ بها الجماعات السياسية الناشطة الأخرى.

أخذت الحركة الإسلامية على عاتقها مهمة التواصل الدائم مع الجمهور، واعتمدت على العلماء وشيوخ الدين لتحصيل أكبر قدر من الحظوة الشعبية. كما لعبت الانتصارات المتفرقة للحركة الإسلامية، وفي مقدمتها انتصار الثورة الإسلامية في إيران، دورا بارزا نحو تعزيز مكانة الحركة الإسلامية في نفوس الناس.

ويجدر القول إن أثر الانتصار الإسلامي في إيران لم يقتصر على الحركات والتنظيمات الشيعية فقط، وإنما تفاعلت معها بصورة واضحة غالبية الحركات الإسلامية، بغض النظر عن مذاهبها وانتماءاتها، والسبب الرئيس وراء ذلك التفاعل، هو تداخل الفكر الحركي الإسلامي الذي جهد قادته على تخليصه من النزعة المذهبية.

والمتتبع لمسار الفكر الحركي يلحظ حجم التقارب بين قادة الفكر الحركي، ونشاط كل طرف لتزريق أفكار الطرف الآخر بصفته الحركية، وليست المذهبية. سنجد ذلك ملحوظا في تفاعل قادة الأخوان المسلمين وقواعدهم مع الثورة الإيرانية وشعاراتها وثقافتها. كما سنجد ذلك في اهتمام قادة الثورة الإيرانية بترجمة كتب رموز ومنظري الحركة الإسلامية السنية، وفي مقدمتها كتابات حسن البنا، والمودودي، وسيد قطب.

لم تقتصر انتصارات الحركة الإسلامية على ما حققته الثورة الإسلامية الإيرانية، بل هي أيضا عززت انتصاراتها في سنوات لاحقة بوصول الإسلاميين إلى مواقع سياسية مؤثرة في العديد من البلدان العربية، وتحول أفراد الحركة وكوادرها إلى رقم يصعب تجاهله في الواقع السياسي والاجتماعي العربي، حيث نفضوا مرحلة الخوف والحذر والتخفي بالانتقال إلى مرحلة المشاركة السياسية والتأثير في القرار الحكومي، حتى أصبحت الحركة الإسلامية من الأرقام المهمة والمؤثرة التي يصعب تجاهلها من طرف السلطات الحاكمة، أو من التيارات السياسية الأخرى. هذه المسيرة المتواصلة من الحراك الديني والسياسي الذي خاضته الحركة الإسلامية بكل اقتدار، والتضحيات الجسيمة التي قدمتها الكوادر الحركية عن طيب خاطر، وبرغبة صادقة وأمينة للمساهمة في الإصلاح العام، لم يرافقها قوة دعم فكرية تعزز انتصاراتها، فقد انشغلت الجموع الحركية في ملاحقة الفرص السياسية والاجتماعية ومحاولة اقتناص أكبر حصة منها، حتى أصبحت السمة العامة لحركة الإسلاميين هي الاستعجال في قطف الثمار، واقتحمت كوادر الحركة، ولاسيما الجدد منهم، حقول العمل السياسي الخطرة بروح نضالية عالية، ولكن بالقليل من التركيز في الأهداف والغايات والنتائج، وأهملت في المقابل التأسيس الفكري بصورة مثيرة للدهشة.

 فقد اكتفت العديد من الفصائل الحركية بالجهود الفكرية التي قدمها مفكرو الحركة الإسلامية في سنوات سابقة، ووجدت في تلك الجهود الفكرية ما يُغنيها عن الانشغال مجددا في هموم التنظير والتفكير، على رغم أن الكثير من تلك الجهود، ووجاهتها المعرفية، وقيمتها العلمية، لا تصلح لواقعنا المعاصر، أو على أقل تقدير قد تصلح لمجتمع وزمن دون آخر، لكن حالة التقاعس الفكري عند أبناء الحركة الإسلامية كانت هي السائدة، حتى تحولت بعض المقولات والأفكار القديمة إلى قيود تقف أمام العقل الحركي وتمنعه من إبداع المقولات الفكرية والثقافية الحديثة، وتنظر باستهانة شديدة إلى الآراء الجديدة التي تحاول الانطلاق من الواقع القائم ودراسة المتغيرات الراهنة.

ولا نحتاج إلى كثير من الأدلة لإثبات أن الحركة الإسلامية الراهنة، على رغم أنها لا تزال تكافح في المضمار السياسي، إلا إنها لم تُقدم ما يمكن وصفه بالأثر العلمي أو الفكري الحديث، وجُل أطروحاتها الفكرية هي قراءات في آثار أساتذة الحركة ورواد الإصلاح وشيوخ النهضة، ومحاولة إعادة إنتاج خطابات قديمة بحلة جديدة، فيما تغيب الأطروحات والمساهمات الحديثة التي يمكن أن تُحسب في مستوى التواصل، أو التكامل، أو حتى النقد والتفكيك لمقولات وخطابات مفكري الحركة الإسلامية الأوائل.

لقد تمكنت الكوادر الحركية من خوض تحديات سياسية واجتماعية أشعرتهم بالكثير من الانتشاء، وحققت لهم ما بحثوا عنه من نجاحات على مستوى الذات حيث أشعرتهم شدة التحديات بسلامة المسيرة الحركية، وبأنهم في خندق الجهاد والمواجهة والتضحية، وكذلك على المستوى الخارجي من خلال قدرتهم على تحقيق مكاسب سياسية جزئية، لكنهم أخفقوا في رسم الأفق السياسي لمسار الحركة الإسلامية من ضمن رؤية وطنية محددة وواضحة، وعجزوا عن طرح مشروعهم المستقبلي للإسلام، ولم يحددوا ماهية النصر الحقيقي الذي تحتاجه مجتمعاتنا المعاصرة؟

كما أخفقت في تقديم الإجابة عن الكثير من الأسئلة التي فرضتها تحديات الزمن الجديد، زمن لم يعد التحدي الراهن فيه يقف عند الوسائل التي يُطهر بها الفرد المسلم ذاته من أدران الخطيئة فقط، بل المطلوب وبصورة ملحة معرفة كيف يطهر المواطن المسلم واقعه السياسي من الآفات القاتلة التي تعتريه؟ وهل يمكن أن يتطهر الواقع السياسي، والحركة الإسلامية جزء من اللعبة القائمة؟ وبعضها متورط في تبادل الكثير من المصالح مع الأنظمة التي تنتقدها؟

هذه الأسئلة وغيرها كثير، لم تنشغل بها الحركة الإسلامية، بل أهملتها لمصلحة السعي وراء المكاسب السريعة، وعلى رغم تفهمي لهذا المسلك لدى أبناء الحركة، واعتقادي الراسخ بأنه نتيجة منطقية للحرمان الذي تعرضت له الكوادر الإسلامية في السنوات السابقة، إلا أن هذا الإهمال أدى في النتيجة لضمور ملكات الإبداع والتجديد الفكري والسياسي داخلها، وتحولت الحركة الإسلامية إلى مناخ طارد للكفاءات العلمية والفكرية، وهو ما حرمها من نخبة العقول القادرة على تجديد فكر الحركة الإسلامية من جديد، وإعادة ترتيب أولوياتها وفق المستجدات السياسية والاجتماعية والثقافية المعاصرة.

* كاتب كويتي

ahmed.shehab@awan.com

شبكة النبأ المعلوماتية- االاحد  6/تموز/2008 - 2/رجب/1429

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1429هـ  /  1999- 2008م