حالة التململ السياسي التي تسود البلد من أداء نواب مجلس الأمة،
أخذت بالتحول من شعور يُداخل بعض المواطنين إلى مطالبات صريحة تدعو
إلى تعطيل عمل البرلمان، والعزوف عن أحد أهم منجزات الديمقراطية في
العالم المعاصر. من المؤكد أن جميع المهتمين بتطوير الشأن السياسي
المحلي، والحريصين على تنامي الديمقراطية في البلد، يرفضون أي عبث
يستهدف تقييد البرلمان، كما يستنكفون العودة خطوات إلى الوراء
بالممارسة الديمقراطية، أو المراهنة على مستقبل الحرية في البلد،
لكن ثمة من يدفع نحو الحل بقوة وشراسة، ويبدو أن ثمة قناعة لدى
العديد من الأطراف، الرافضين والمؤيدين، أن الحل غير الدستوري، هو
خطوة لا بد من أن نصل إليها، رغم المساعي الحثيثة لتجنبها.
الدافعون إلى الحل غير الدستوري، يبررون موقفهم في ما آلت إليه
الصراعات الدائرة بين أعضاء المجلس بصورة خاصة، وبينهم وبين
الحكومة بصورة عامة، بالحجم الذي حول تلك الصراعات إلى عائق يُعطل
التقدم التنموي للبلاد، فخلال السنوات الأخيرة، تأكد المتابعون
لأداء النواب أن بعض أعضاء المجلس تحولوا من داعم للتنمية إلى
مُعطل يُثقل كاهل الدولة بنزاعات مُفتعلة، ودونما مبررات تذكر، عدا
الرغبة في كسب الشارع الانتخابي باستعراض القوة.
ويخلص هؤلاء إلى أن مجلس الأمة وقف كحجر عثرة أمام تحقيق كثير
من الإصلاحات السياسية في السنوات الأخيرة، وأسهم في تعطيل مشروعات
الدولة الأساسية، وهو أمر مفهوم نظرا إلى طبيعة المجلس، والذي
يتكون في معظمه من وجهاء، وقبليين، وطائفيين، يقدمون مصالحهم
الخاصة أولا، ومصالح قبائلهم وطوائفهم ثانيا، ويتم ذلك على حساب
إهمال مصالح البلد وأهلها.
دعوة بعض أعضاء المجلس الحكومة إلى كسر القوانين، والالتفاف على
النظم الرسمية، والتهديد بإقحام البلد في أزمة مفتعلة، إذا لم
تستجب الحكومة إلى مطالبهم، كما حصل لدى مطالبة بعض أعضاء المجلس
بالسماح بإنشاء الدواوين على أملاك الدولة، على الرغم من أنف
القانون، والتلويح باستجواب الحكومة في حال إصرارها على تنظيف
البلد من التجاوزات، هو دليل بالغ على سوء استخدام الموقع
البرلماني.
كما أن استهداف أحد وكلاء الوزارات لأسباب طائفية صرفة، على رغم
نظافة يد هذا الوكيل، وشهادة الجميع بحسن إدارته للعمل في الوزارة،
هو دليل آخر على محاربة وتطفيش أعضاء المجلس للكفاءات الوطنية، أضف
إلى ذلك استمرار المطالبات الهامشية، وإشغال البلد في معارك وهمية
لا طائل منها، ولا يستفيد المواطن من إثارتها والنفخ فيها شيئا
يذكر، هو إثبات إضافي على أن أعضاء المجلس فقدوا بوصلتهم السياسية.
أما المنافحون عن الديمقراطية، فيعتقدون أن الممارسات الخاطئة
التي يقوم بها بعض النواب لا تبرر على الإطلاق الدعوة إلى تنقيح
الدستور، أو التقليل من شأن ودور أعضاء مجلس الأمة، إذ يبقى وجود
البرلمان ضمانة على عدم انجراف السلطة التنفيذية في إجراءات غير
مقبولة على المستوى الوطني، ومساهمة السلطة التشريعية ورقابتها على
أداء السلطة التنفيذية، هو بمثابة الحصانة للإبقاء على قوة وحضور
الرأي الشعبي عند مصادر القرار.
يستذكر هؤلاء بمرارة تجربة العام 1976، عندما دعت بعض الشخصيات
إلى حل مجلس الأمة تحت مبرر تعطيله للتنمية في البلد، لكن تلبية
الدعوة لم تقف عند حل مجلس الأمة فحسب، وإنما تطورت إلى فرض سلسلة
من القيود على حرية التجمع، وعلى حرية التعبير عن الرأي، كما أنها
أدخلت البلد في أزمة سياسية داخلية طاحنة لم ينجح معها التوجه لعقد
مجلس استشاري، فقد اضطربت العلاقة مع القوى السياسية، ومع جمعيات
النفع العام، وتوتر الشارع المحلي ضد الإجراءات الحكومية، وضد
تعسفها في استخدام السلطة.
هذا الاستذكار يرافقه قلق من الوثيقة الأخيرة التي وقعت من قبل
مجموعة شخصيات بارزة اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا قبل أيام، ورفعت
إلى أمير البلاد، فهي في نظر المراقبين تتضمن دعوة مبطنة إلى الحل
غير الدستوري. وعلى رغم أن بعض المشاركين في التوقيع على الوثيقة
ينطلقون من رغبة صادقة في الإصلاح، فإن فكرة تعليق عمل البرلمان
تُثير المخاوف من عودة البلاد إلى مرحلة الفراغ السياسي، من خلال
انهيار العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، والذي يؤدي
غياب أحدهما بالضرورة إلى سيادة الأخرى على المشهد السياسي
الداخلي، وهي مرحلة خطرة بكل المقاييس، لأنها يمكن أن توفر فرصة
سانحة لأعداء الديمقراطية للتأكيد على توجهاتهم الفردية، وتهميش
فكرة المشاركة السياسية، والدفع نحو مواجهة سياسية شرسة قد تُدخل
البلاد والعباد في أزمات وتوترات مستمرة.
وهو ما يؤكد أن المطلوب في المرحلة المقبلة، ليس التفكير في حل
البرلمان، وكتابة الوثائق بهذا الشأن، مهما حسنت نية القائمين
عليها، فعلى الرغم من إقرارنا بكثرة الأخطاء الصادرة عن أعضاء مجلس
الأمة، وتداخل أولويات البرلمان بصورة مثيرة للدهشة، إلا أن الحل
ليس في الحل، وإنما عبر تصحيح المسار. وأعتقد أن الخطوة الأولى
والصحيحة تقع في يد القوى السياسية التي لديها تمثيل في البرلمان،
فهي معنية بتجميع صفوفها، وتحديد مطالبها السياسية المنسجمة مع
الواقع المحلي، والمتغيرات الدولية بكل وضوح.
تحتاج البلاد اليوم إلى مبادرات جدية وجديدة تُخرجها من حالة
السكون الإبداعي في الحقل السياسي، والتقدم إلى الأمام بخطوات
ثابتة في بناء الديمقراطية المحلية، كما تحتاج إلى تدعيم الحرية
داخل الدولة والعمل الدؤوب نحو اكتشاف الأولويات الوطنية، بدلا من
الانشغال في بناء المواقع للأشخاص، أو القبائل، أو الطوائف داخل
الدولة، ومن الملح في هذه المرحلة الخروج من بيع الشعارات
والعناوين السياسية، فهي تجارة رابحة في السوق الانتخابية، لكنها
أرهقت الجميع، دفع الوطن، ولايزال يدفع، ثمنها.
* كاتب كويتي
Ahmed.shehab@awan.com |