تلك الليلة الماطرة التي كانت تفصل بين يومي الثالث عشر والرابع عشر
من ديسمبر من العالم 1987، كان صوت وقع حبات البرد على زجاج النوافذ
،لا يحجبه إلا صراخ المجتمعين في مكتبة مؤسسة " المجمع الإسلامي "، في
حي " الصبرة ". كان هذا الإجتماع الحاسم الذي عقدته قيادة جماعة
الأخوان المسلمين في قطاع غزة لتحديد موقف الحركة من المشاركة في
المواجهات العفوية التي كان يخوضها الجمهور الفلسطيني والتي إندلعت اثر
مقتل ستة من الفلسطينيين اثر صدمهم من قبل شاحنة إسرائيلية، وهي
المواجهات التي أطلق عليها لاحقاً " الإنتفاضة ".
كان الشيخ أحمد ياسين، قائد الجماعة في القطاع يلتزم الصمت أثناء
الجدال الذي كان يخوضه الحرس القديم الذي كان يعارض المشاركة في هذه
المواجهات على اعتبار أن الجماعة لم تجهز بعد لمثل هذه المواجهات، في
حين كان ممثلو الشباب ! في القيادة يصرون على خوض غمار الأحداث، وكانت
حجتهم أنه بدون ذلك، فأن الجماعة تفقد مسوغات بقائها، فالشباب قد رأوا
أن هذه فرصة تاريخية تسمح للجماعة بتكريس ما كانت تدعو إليه في
أدبياتها، ولم يفت المتحمسون أن يحذروا من أن عدم الإنخراط في فعاليات
الإنتفاضة سيؤدي الى انفضاض الكثير من قواعد الجماعة عنها وتحولهم
لتأييد الحركات الفلسطينية الأخرى.
كان من بين الحضور الى جانب الشيخ أحمد ياسين، عبد الفتاح دخان، وهو
أكبر نواب المجلس التشريعي حالياً سناً، ومحمد شمعة و الدكتور ابراهيم
اليازوري، وصلاح شحادة الذي تولى فيما بعد قيادة الجهاز العسكري
للحركة، والمهندس عيسى النشار، والدكتور عبد العزيز الرنتيسي الذي كان
يقود الجماعة في منطقة " خانيونس "، جنوب القطاع، وآخرين.
تضحيات تكرس الشرعية
وفي النهاية تحدث الشيخ ياسين، فحسم الجدل لصالح المشاركة في
فعاليات الإنتفاضة بعد أن اجري تصويت على اقتراح الشباب، وتم الإتفاق
على تأسيس ذراع مقاوم للجماعة، اقترح الرنتيسي أن يطلق عليه " حركة
المقاومة الإسلامية "( حماس ). وفي ختام الإجتماع تم تكليف الرنتيسي
بصياغة أول بيان يصدر عن الحركة الجديدة ليؤكد انطلاقها للمساهمة في "
تحرير فلسطين ".
لم يكن مولد " حماس " من العدم، فقد وظفت الحركة الجديدة إمكانيات
جماعة الإخوان المسلمين التي كانت حتى في ذلك الوقت قوة كبيرة ومنظمة.
وبعد عدة أشهر على انطلاقها، اسست الجماعة ذراعها العسكري الذي
أطلقت عليه " كتائب عز الدين القسام "، تيمناً برجل الدين السوري عز
الدين القسام الذي وفد من سوريا الى فلسطين اواخر العشرينات من القرن
الماضي وكون منظمة مسلحة وقاتل الاحتلال الانجليزي حتى قتل على ايدي
الانجليز في أحراش بلدة " يعبد "، شمال الضفة الغربية في العام 1935.
كان قرار " حماس " بألا يتم الاعلان عن علاقة " كتائب عز الدين
القسام " بالحركة، فظلت " الكتائب " تقوم بعملياتها ضد الاحتلال،
وتستهدف العملاء لأكثر من عام دون أن يعرف أن " كتائب القسام "، هي
ذراع حماس المسلح. كانت " كتائب القسام " تفرض قيود مشددة على عملية
التجنيد لصفوفها تخوفاً من الإختراق، بحيث أقتصرت على تجنيد أبناء قادة
الحركة سواءً على مستوى القطاع أو على مستوى المناطق المختلفة، من هنا
فأن معظم الذين سقطوا في المواجهات مع قوات الاحتلال في بداية تشكيل
الانتفاضة كانوا تحديداً من أبناء الحرس القديم في الحركة.
العملية الإستشهادية الأولى
وعلى الرغم من أن التجربة العسكرية لجماعة الاخوان في قطاع غزة كانت
متواضعة جداً قبل اندلاع الانتفاضة، إلا أنه سرعان ما أصبحت عملياتها
العسكرية الأكثر تميزاً ضد الاحتلال. وكان أبرز القادة العسكريين لحماس
هو عماد عقل، وهو شاب يبلغ من العمر 24 عاماً قصير القامة، نحيف الجسد،
خطط وقادة الكثير من العمليات الجريئة ضد قوات الاحتلال اسفرت عن مقتل
وجرح عدد كبير من جنود الاحتلال ومستوطنيه، حتى قتل في العام 1992.
وفي وقت لاحق أعلن عن تشكيل خلايا ل " كتائب القسام " في الضفة
الغربية، مع العلم أن حضور جماعة الأخوان هناك أقل بكثير من حضورها في
غزة. في هذه الأثناء تعرضت حركة حماس لحملات اعتقال طالت الآلاف من
عناصرها. وفي العام 1992 تعرضت حماس لأكبر حملة تم خلالها اعتقال الشيخ
احمد ياسين وجميع قيادة الحركة ونخبها، وأشرف على هذه الحملة مدير جهاز
المخابرات الداخلي الاسرائيلي " الشاباك " في قطاع غزة افي ديختر،
والذي يشغل حالياً منصب وزير الأمن الداخلي في حكومة أولمرت.
وحتى العام 1994 اقتصرت عمليات حماس العسكرية على الضفة الغربية
وقطاع غزة ولم تنفذ أي عملية استشهادية داخل إسرائيل. في والخامس عشر
من شباط من العام 1994 نفذ المستوطن اليهودي باروخ جولدشتاين مجزرة
المسجد الإبراهيمي في الخليل والتي قتل فيها 29 فلسطينياً عندما كانوا
يؤدون صلاة الفجر في المسجد. المجزرة اثارت سخطاً وغضباً عارماًً في
الجمهور الفلسطيني الذي كان يتوق للرد على الجريمة. في هذه الاثناء
استطاعت "كتائب القسام " أن تجند احد طلاب قسم الهندسة الكيميائية في
جامعة " بيرزيت " الى صفوفها، وهو يحيى عياش الذي نجح في تركيب العبوة
الناسفة التي استخدمت في تنفيذ أول عملية استشهادية في قلب إسرائيل،
حيث قام أحد عناصر " الكتائب " بتفجير نفسه في مجموعة من المستوطنين في
مدينة " العفولة " الإسرائيلية وذلك في اليوم الذي صادف مرور! اربعين
يوم على مجزرة الحرم الإبراهيمي. وبعدها واصلت حماس تنفيذ العمليات
الاستشهادية. واثر هذه العمليات اصبح يحيى عياش يتربع على رأس قائمة
المطلوبين لقوات الاحتلال.
حماس تسقط بيريس
بعد ذلك وجهت قيادة منظمة التحرير نقد شديد لحركة حماس على اعتبار
أنها قامت بتوظيف العمليات التفجيرية التي قامت بها من أجل احباط تنفيذ
اتفاقية أوسلو التي سمحت بتشكيل أول سلطة فلسطينية في الضفة الغربية
وقطاع غزة. في مطلع يناير من العام 1996 قامت إسرائيل بإغتيال المهندس
يحيى عياش عبر تلغيم هاتفه الخلوي الذي اوصله له احد العملاء عن طريق
ابن اخته الذي كان يؤوي عياش في بيته في شمال قطاع غزة. قرار تصفية
عياش اتخذه رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الوقت شمعون بيريس بضغط من
كارمي غيلون رئيس جهاز " الشاباك "، الذي كان يحاول تحسين صورته بعد
فشله في منع اغتيال رئيس الوزراء الاسرائيلي الأسبق اسحاق رابين. بيريس
– كما اعلن بعد ذلك – كان متحفظاً على عملية الاغتيال، حيث كان يتوقع
أن ترد حماس بقوة، وهذا ما حدث بالفعل. فقد أرسلت " كت! ائب القسام "،
حسن سلامة احد ابرز قادتها في القطاع، الى الضفة الغربية حيث أشرف من
هناك على تخطيط وتنفيذ عدد من العمليات الاستشهادية التي هزت إسرائيل،
وأسفر عن مقتل وجرح المئات من الإسرائيليين، في وقت كانت فيه اسرائيل
تستعد لانتخابات تشريعية.
وبشكل درامتيكي انقلبت موازين القوى في الساحة الداخلية
الاسرائيلية، وبعدما كانت شعبية اليمين الإسرائيلي في الحضيض بعد
اغيتال رابين، اعادت العمليات التفجيرية التي نفذتها حماس الاعتبار الى
الخطاب السياسي لليمين بزعامة بنيامين نتنياهو. ومن اجل وقف موجة
العمليات الاستشهادية، وبضغط من بيريس والرئيس كلنتون، اصدر الرئيس
الفلسطيني الراحل ياسر عرفات اوامره بشن اقسى حملة قمع ضد حركة حماس في
الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث تم اعتقال قيادة الحركة ونشطائها، حيث
تعرضوا لتعذيب شديد داخل السجون الفلسطينية، في حين تم اغلاق المؤسسات
الحركة واعلن حظر على وجود الجهاز العسكري للحركة ومت ملاحقة اعضائه.
لكن هذه الحملة لم تفلح في تجنب ما كان يحذر منه عرفات، ففاز اليمين
وشكل نتنياهو الحكومة الإسرائيلية. فجمدت الحكومة الاسرائيلية تنفيذ
اتفاقيات أوسلو، وهو ما احرج عرفات في حينه، فكانت النتيجة تخفيف
القبضة ضد حركة حماس، فتم اطلاق سراح نشطائها من سجون السلطة.
وفي العام 1997 اضطرت اسرائيل للإفراج عن الشيخ احمد ياسين الذي
كان يقضي حكماً بالسجن مدى الحياة اثر القاء الامن الاردني القبض على
اثنين من اعضاء " الموساد " شاركا في محاولة اغتيال فاشلة لرئيس المكتب
السياسي لحركة حماس خالد مشعل. الإفراج عن ياسين اعاد الحياة لحركة
حماس، حيث تزامن الإفراج عن ياسين انتهاء محكومية عدد من كبار قادة
الحركة في سجون الاحتلال، حيث تم الافراج عن عبد العزيز الرنتيسي
واسماعيل ابو شنب وصلاح شحادة. ومنذ العام 1997 وحتى العام 2000
استأنفت الحركة تنفيذ العمليات التفجيرية بشكل متقطع.
اغفال درس 11 سبتمبر
وفي ايلول من العام 2000 اندلعت انتفاضة الاقصى اثر الزيارة
الاستفزازية التي قام بها رئيس المعارضة اليمينية ارئيل شارون للمسجد
الاقصى. في البداية قررت قيادة حركة حماس عدم المشاركة في فعاليات
الانتفاضة، حيث ارتأت أنه يتوجب عدم لعب دور فيها، على اعتبار أن عرفات
شجع على اندلاع الانتفاضة من اجل تحسين موقفه التفاوضي أمام إسرائيل،
لكن بعدما تبين لقيادة الحركة أن العلاقة بين عرفات واسرائيل وصلت الى
القطيعة، قررت المشاركة بقوة في فعاليات الانتفاضة. واصبحت حماس مسؤولة
عن معظم العمليات الإستشهادية التي شهدتها اسرائيل.
لم تستوعب قيادة حماس الدرس المطلوب في اعقاب احداث الحادي عشر من
سبتمبر وحقيقة أن الظروف الدولية الجديد تسمح لإسرائيل رفع سقف القمع،
وهذا ما كان. ففي ابريل من العام 2002 شنت اسرائيل حملة " السور
الواقي " ضد قوى المقاومة في الضفة الغربية، حيث استهدفت جميع الفصائل
الفلسطينية، لكن الضربة التي نزلت بحماس كانت الأكثر إيلاماً، حيث طالت
الاعتقالات حتى الصف الثالث في الحركة. وفي غزة شنت اسرائيل حرب
اغتيالات ضد الحركة، وصلت ذروتها في مارس من العام 2004 عندما اغتالت
اسرائيل الشيخ ياسين وبعد عشرة أيام تم اغتيال خليفته في قيادة الحركة
الرنتيسي، بعد ان تم اغتيال القادة الكريماتيين امثال الدكتور ابراهيم
المقادمة واسماعيل ابو شنب وصلاح شحادة، ونجا رئيس الوزراء الحالي
اسماعيل هنية الذي كان يعمل كمدير لمكتب الشيخ ياسين من محاولتي
اغتيال.
الإستدراج للسلطة
في هذه الأثناء طورت حركة حماس لأول مرة قذيفة صاروخية اطلقت عليها
"صاروخ القسام"، وهو صاروخ بدائي، واستهدفت به المستوطنات في داخل قطاع
غزة وبعد ذلك قامت بإطلاقه على المستوطنات اليهودية في محيط القطاع،
الى جانب مواصلة تنفيذ عمليات الكمائن والأنفاق المفخخة.
وبينما كانت هذه الاحداث تتوالى اعلن رئيس الوزراء الاسرائيلي
السابق ارئيل شارون عن خطة " فك الارتباط "، والتي بموجبها قرر تفكيك
جميع مستوطنات قطاع غزة وسحب الجيش الاسرائيلي منها. و في ايلول من
العام 2005، انسحب الجيش الاسرائيلي من القطاع، فهناك من رأى في خطوة
شارون مجرد احدى آليات ادارة الأزمة في مواجهة الشعب الفلسطيني، في حين
رأت فيه الفصائل الفلسطينية ومن ضمنها حماس انتصاراً للمقاومة.
وبعد تنفيذ خطة " فك الارتباط " بأربعة اشهر، اجريت اول انتخابات
تشريعية تشارك فيها حركة حماس، وبعكس كل استطلاعات الرأي فازت حماس
بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي، وكان فوزاً ذو مذاق مر. شلكتى حماس اثر
ذلك حكومة فلسطينية لوحدها، ففرضت اسرائيل والعالم الحصار على قطاع
غزة، في حين اتهمت حماس الرئيس محمود عباس والاجهزة الامنية التي تقع
تحت امرته بالتآمر لإسقاط الحكومة. الى جانب تدهور الاوضاع الاقتصادية،
تفاقم الفلتان الامني، حيث اتهمت حماس الاجهزة الامنية بتشجيع حالة
الفلتان.ازداد التوتر بين حكومة هنية وحركة حماس من جهة وابو مازن
واجهزته الامنية وحركة فتح من جهة اخرى، فكان الصدام، والمرحلة الاولى
من الاقتتال الداخلي الذي تم وضع حد له باتفاق مكة الذي تم التوصل اليه
في 8 شباط من العام 2006، والذي على اثره تم تشكيل حكومة الوحدة
الوطنية.
وما أن مضى ثلاثة اشهر على تشكيل الحكومة حتى اندلعت المواجهات
العسكرية من جديد بين حماس وفتح، والتي انتهت بسيطرة حركة حماس على
قطاع غزة وفرار قيادات الاجهزة الامنية من القطاع.
إشكالية السلطة والمقاومة
التجربة اثبتت بما لا يقبل الشك أنه من الصعب جداً لحركة سياسية أن
تجمع بين المقاومة وبين السلطة، سيما في ظل ظروف كتلك التي تحياها
الاراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث أن أي سلطة ستنشأ
هنا ستكون بدون استقلال و لن يكون لها سيادة على مواردها الطبيعية.
فهناك الكثير من اللاعبين في الساحة الفلسطينية الذين يتوجب على كل
سلطة أن تتعاطى معهم،فلن يكون هناك من الممكن لأي سلطة تنشأ في الضفة
والقطاع أن تحكم بدون الاتصال بإسرائيل التي تسيطر عمليات على مقاليد
الامور في هذه المناطق. فكيف سيكون بإمكان حماس مواصلة الحكم وإسرائيل
تسيطر على المعابر الحدودية التي عن طريقها يتم التحكم بحركة الصادرات
والواردات للاراضي الفلسطينية. من غير المعقول أن يتوقع المرء أن تسمح
إسرائيل بنجاح حركة حماس في الوقت الذي تعلن فيه هذه الحركة أنها مصممة
على مواصلة المقاومة المسلحة ضدها أن حركة حماس كحركة مقاومة ليس
بإمكانها الوفاء بالاستحقاقات السياسية والإلتزامات الدولية التي يتوجب
على كل السلطة الوفاء بها، وإلا فأنها ستفقد مسوغات وجودها والاحترام
الشعبي لها. رهانات حركة حماس على بعض الدول في المنطقة ليست في مكانها
بسبب الارتباط بين هذه الدول والولايات المتحدة، فالأساس في العلاقات
الدولية هي المصالح وليست الأطار الاخلاقي.
www.naamy.net |