مصطلحات اجتماعية: التبعية

التبعية: Dependance

شبكة النبأ: يدل هذا التعبير على مجمل العلاقات غير المتساوية مع ميل تراكمي إلى التفاقم، في الأنظمة الاقتصادية والسياسية والثقافية.

إنه يستعمل غالباً لوصف الوضع في البلدان النامية بمواجهة البلدان المتقدمة – أو أيضاً، كما يقول المؤلفون الأمريكيون – اللاتينيون، بلدان (الأطراف) بمواجهة بلدان (المركز)، وله مفهوم إيديولوجي قوي، بما أنه مأخوذ غالباً كمرادف (للاستغلال) و(الهيمنة).

مع ذلك، وبشكل عام، يمكن أن تؤخذ التبعية في معنى محايد، يدل حينئذ على مجمل العلاقات الوظيفية التي يحافظ عليها أحد عناصر النظام مع العناصر الأخرى ومع النظام نفسه. ففي سوق تنافسية صافية وكاملة، يمكننا الحديث عن تبعية بين العارضين والطالبين. في هذه الحالة، التبعية تعني التكامل. ثمة أوضاع أخرى من التبعية تظهر على شكل نظام الاحتكار الثنائي أو الأقلاوي. عرض بلوblau تحليل علاقة تبعية، تذكر بتبعية الاحتكار الثنائي. إن موظفاً جديداً في جهاز المنازعات يجد صعوبة في حل الحالات التي تعرض عليه. يساعده موظف (قديم) في خطواته الأولى. ويقوم بينهما تبادل منتظم. يقدم (القديم) آراءه (للجديد) الذي يدفع (للقديم) بتقديم مظاهر التقدير. ثمة تبعية، ولكننا لا نستطيع القول أن (القديم) يستغل (الجديد) ولا أن (الجديد) يستغل القديم. وبالفعل، لا هذا ولا ذاك ملزم بمتابعة التبادل، ومن جهة ثانية، إنهما قادران الواحد والآخر، بواسطة تصويب متبادل طفيف، على تصحيح معدل الاستبدال الذي يتخلى الأول في سبيله عن جزء من وقته ليحصل عبر إشارات التقدير التي يمنحه إياه الثاني على تدعيم لوضعه، في حين أن الثاني، في مقابل الاحترام الذي يبديه للأول، يعالج بشكل أسرع وبفاعلية أكبر، الحالات التي تعرض عليه. إن هذه التبعية حتى ولو لم تؤد إلى توزيع متساوٍ بدقة بين الشريكين، فإنها لا تنشئ بينهما خضوعاً دائماً.

إن المبادلات بين أمتين، درجة تطورهما غير متساوية، تختلف بداهة، وفي نقاط أساسية عن نموذج بلو. إن نظرية ريكاردو الشهيرة حول الأكلاف والفوائد المقارنة، تفكر كما لو أن المتبادلين، حائكي الصوف المقيمين في إنكلترا ومنتجي النبيذ البرتغاليين، لهم مصلحة في تبادل إنتاجهم، بما ان حياكة الصوف تكلف في إنكلترا أقل مما تكلف في البرتغال، وأن نبيذ البورتولا يمكن في أي حال أن ينتج في إنكلترا. هذه الطريقة في التفكير التي استخدمت طويلاً، كأساس للنظرية الليبرالية في التجارة العالمية، يمكن مناقشتها، بما أنها، كونها لم تتفحص سوى أزواج من السوق، محكومة بإهمال آثار التبادل على الاقتصاد الوطني، الذي يعتبر كلاً شاملاً، في ظل إلزامات سياسية دقيقة نوعاً ما، لعدد كبير من الأسواق المتنافرة جداً سواء في حجمها أو في بنيتها أو في طبيعة المنتجات التي يتم تبادلها فيها.

عندما يعترف منظرو التجارة الخارجية أن التبادل لا يحصل بين متبادلين كائناً من كانوا، وإنما يجد هؤلاء أنفسهم متأثرين، بقوة إلى حد ما، بانتمائهم إلى مجمل سياسي هو الأمة، توصف العلاقة المتبادلة بالتبعية، وبالفعل إن المتبادلين الفرديين أو الجماعيين لا يتبعون استراتيجيات مختلفة وحسب، وإنما يتمتعون بموارد غير متساوية تماماً. في بداية القرن العشرين، حاول المنظرون الماركسيون للإمبريالية إعطاء عدم التناسق هذا تفسيراً وظيفياً، إذا كان ثمة بلدان متخصصة في التصدير الكثيف لمواردها الأولية، ومحكومة باستيراد الرساميل والتقنية الضرورية لاستغلال مواردها الطبيعية ضمن شروط مفروضة عليها، وإذا كان من جهة أخرى ثمة بلدان محكومة تقريباً بتصدير رساميلها وتقنياتها، فإن هاتين الواقعتين المتناقضتين والمتكاملتين، تفسرهما المتطلبات الوظيفية للرأسمالية (المتأخرة). وبالفعل، إن (تبعية) البلدان المصدرة للمواد الأولية والمستوردة للرساميل تتزايد بمقدار ما يرغم التركيب العضوي لرأس المال والانخفاض التأشيري لمعدل الربح، الرأسماليين، على الانخراط بصورة نشطة أكثر فأكثر، في طريق التصنيع الاستهلاكي للمواد الأولية، وإلى البحث في البلدان المستعمرة عن معدل لاستغلال اليد العاملة التي لا يستطيعون تأمينها في بلدانهم.

هذه الأطروحات التي أعطاها لينين شكلاً كلاسيكياً، استعيدت بعد الحرب العالمية الثانية. وقد سبق ذلك بين الحربين العالميتين، وبالتحديد في أمريكا الجنوبية، وعبر وعي الوجه الثقافي المحض لتبعية البلدان المستعمرة قديماً التي تتلقى، على الرغم من كونها تشكلت منذ أكثر من قرن في دول قومية مستقلة رسمياً، الأفكار والمؤسسات والأنماط المعدة في أوروبا وأمريكا الشمالية، جاهزة تماماً، فالبلدان التابعة لا تستورد فقط الرساميل والتقنية. إن الأيديولوجيات السياسية والأنماط الثقافية التي كانت معتمدة خلال القرن التاسع عشر في المكسيك والبرازيل والأرجنتين، تتبع مع بعض التأخير حركة تجد أصلها في باريس أو لندن. للفلسفة الوضعية الفرنسية امتداداتها المختلفة مع ذلك، بين المكسيك والبرازيل، إلا أنه في سنوات العشرينات من هذا القرن، سعت حركة (بلدية) (Indigeniste)، وبخاصة في مجالات الأدب والرسم والفولكلور وعلم الأعراف إلى إيجاد أو بناء )(هوية) ضائعة. فبمقابل الثقافة النخبوية، هذا التركيب الذي يسيطر عليه الإسهام الأوروبي للأقلية (البيضاء) يقدم هايا دولا تور (أمريكا الهندية). وقد استعيد نفس هذا الشعار من قبل قادة الثورة المكسيكية.

إن التبعية إزاء أوروبا الرأسمالية والإمبريالية الأمريكية – التي حلت في سنوات (1920 محل الرأسمالية الإنكليزية – لا يمكن محاربتها بفعالية إلا عبر سياسة إجمالية، يسميها هايا دو لا تور منذ عام 1927 (بالمعادية للإمبريالية)، والتي تتميز عن الماركسية – اللينينية في آن معاً بطبيعة السلطة وبممارستها وكذلك بتقييم متفائل نسبياً للإمكانيات المتوفرة (للبلدان التابعة) في التفاوض حول علاقاتها مع (البلدان المهيمنة) وبعد 1935 ستأخذ أطروحات التبعية منحى أكثر تقنية وأكثر فأكثر جذرية، إن تطور تعابير التبادل، أي علاقة الثمن بين الأموال الأولية المصدرة من قبل بلدان الأطراف والرساميل المصدرة من قبل بلدان المركز، تقدم على أنها دلالة لسوء وضع بلدان الأطراف المتزايد. ينتج عن ذلك مسيرة تراكمية لا يمكن معها لتبعية بلدان الأطراف بالنسبة لبلدان المركز إلا أن تتفاقم. إن العلاجات المقترحة من قبل خبراء اللجنة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية وهي المؤسسة التي حملت خلال سنوات 1950 – 1960 رسالة هذه الأطروحات، كانت تتضمن إصلاحاً زراعياً وتصنيعاً مستقلاً نوعاً ما عبر استبدال المستوردات، وسياسة قطع تستطيع أن تحمي بلدان الأطراف، عبر إعادة تقييم منظمة لعملاتها ضد الآثار السيئة لقيم التبادل.

إن نظرية التبعية، على الرغم من أنها أعدت أولاً بناء على معطيات أمريكية – لاتينية، يمكنها أن تعمم على حالة مختلف البلدان النامية، كانت تتلون بتلاوين تشاؤمية وإرادية أصبحت أكثر بروزاً خلال سنوات الستينات. كان الشعار الشهير عن (تنمية التخلف) يدعو إلى اعتبار التبعية بمثابة (واقع بنيوي) لا يمكن أن يكون موضوعاً لتصحيح متدرج، ولكن يقتضي (تجاوزه) (بقفزة في الحرية) من النوع الثوري، إن سحر الكاستروية على العديد من المثقفين في أمريكا اللاتينية يفسر عبر القناعة بأن التبعية هي حالة تعرّف بصورة كاملة وشاملة علاقة (الأطراف) (بالمركز).

تصطدم هذه القناعة بثلاث سلاسل من الوقائع. أولاً، يمكن أن تكون التبعية قوية بمنظار عدد معين من المؤشرات، وضعيفة بمنظار أخرى. مثلاً، في نهاية القرن التاسع عشر، كانت تبعية الأرجنتين لإنكلترا باردة جداً من وجهة نظر اقتصادية، على الأقل فيما يتعلق ببعض المتغيرات الاقتصادية، وبالتحديد المستوردات الأرجنتينية من اللحم والقمح نحو السوق الإنكليزية، وتمويل البنى التحتية الأرجنتينية بواسطة الرساميل اللندنية. ولكن التبعية السياسية للأرجنتين إزاء إنكلترا كانت ضعيفة نسبياً، ومن قبيل سوء الاستعمال اللغوي القول بأن الأرجنتين كانت في ذلك العصر (مستعمرة) إنكليزية. فضلاً عن ذلك، اقترنت تبعية الارجنتين حيئذ بمعدل مرتفع جداً للنمو. كما أنها ترافقت بتقدم اجتماعي سريع في مجال الخدمات العامة مثل الصحة والتربية. إن التبعية، أبعد من أن تشكل ظاهرة بسيطة، كما يمكن أن يبدو لنا عندما نكتفي بنظرة حدسية وإجمالية لهذا المفهوم، تظهر للتحليل الأقل تطلباً في عدد كبير من الوجوه التي تعتبر العلاقة بين موضع خلاف، وأبعد من أن تقترن بالتراجع أو بالركود، يمكن أن تكون التبعية، خلال فترة طويلة إلى حد ما، متلائمة مع نمو اقتصادي سريع، من جهة ثانية، إن تدهور قيم التبادل على حساب الأطراف يمكن اعتباره بصعوبة وليد وضع بنيوي محض. إن ارتفاع أسعار الموارد الأولية يتأثر بالتغيرات الدورية لاقتصاديات (المركز). وإن أثر المقص (الغارق بين أسعار المواد الأولية المصدرة واسعار المستوردات الصناعية) ليس دوماً لغير صالح جميع بلدان (الأطراف). فضلاً عن ذلك، يمكن لهذه البلدان أن تفيد من ريع كثيف في المدى الطويل، كما نرى ذلك اليوم في مثل النفط. وأخيراً، ليست التبعية الثقافية لبلدان (الأطراف) ضرورية، حتى خلال الفترة التي يمتص فيها اقتصاد بلدان (الأطراف) تدفقاً واسعاً للتكنولوجيا الآتية من بلدان (المركز) ذلك ما يوحي به مثل اليابان في عصر ميجي (Meiji). قد يعترض البعض أن التقنية الغربية في ذلك العصر لم تكن غرضاً إلا لعمليات نقل محدودة ومتدرجة ومتسامح بها تماماً. وإن مثل البلدان الإسلامية النفطية القريب أكثر تعقيداً. إن نقل التقنية والرساميل والواردات أدت في بعض هذه البلدان، مثل إيران، إلى تفكك المجتمع التقليدي. ولكن النواة الصلبة للثقافة الإسلامية، حتى وإن ثلمت في عدة نقاط، يبدو أنها صمدت. إن ما يسميه إذن أيديولوجيون متعجلون بالتبعية ليس إذن حالة بسيطة ومحددة تماماً، وإنما مجمل معقد من الآثار المتجمعة كثيراً، التي يصعب جداً على التحليل استعادة الصلاة بينها.

متعلقات

ما التبعية السياسية ؟(1)

التبعية، أكثر المصطلحات السياسة المستخدمة في الأدبيات السياسية المعاصرة لدول العالم الثالث . والخطاب الشمولي الديكتاتوري ، عادة ، يوظف هكذا مصطلح في وصف أفراد أو حركات اعترضت , فكريا أو سياسيا , على الواقع المفروض قسرا , وقدمت (كبديل لهكذا واقع) فكرا أو برامج طبقت في الخارج وحققت أهدافها المرجوة هناك. و نتيجة لطبيعة الأنظمة الشمولية التي لا تسمح بالرأي الآخر-المخالف , ولا تعترف بالمعارضة الحقيقية ، فقد اضطرت حركات التحرر المعاصرة إلى نقل مراكزها القيادية إلى خارج بلدانها , كي تتمكن من إدارة عملية التغيير مرحليا من الخارج , ولإعطائها فرصة اكبر في التحرك و تجاوز ماكينة القمع الحكومية المنظمة . اونسبة إلى هوية المكان الجغرافي لمركز القيادة في الخارج ، فقد اتهمت الأنظمة المتسلطة في الداخل تلك الحركات الوطنية بأنها تابعة أو عميلة للبلد المستضيف , متجاهلة قصدا(الأنظمة المتسلطة ذاتها) أن أسباب تواجد تلك الحركات في الخارج هو طبيعة النظم الشمولية التي لا تعترف بحق الآخر في الوجود , والتعبير , والمشاركة في السلطة , إلا عن طريق العنف والقمع الذي تعتبره مرادفا لشرعية الحكومة. التبعية ، كمفردة سياسية , تشمل العديد من المفاهيم والتعريفات التي لا يمكن تناولها هنا جميعا , لذا سأسلط الضوء على مفهوم تبعية الأجنبي ، أي تبني أفراد أو مجموعات ما لمنظومة فكرية معينة , أو لمجموعة برامج محددة تعود لأفراد أو مجموعات أخرى من خارج البلد , ومحاولة الأخذ بها أو تطبيقها محليا. تختلف أسباب تلك التبعية وفقا لماهيتها أو سياقها الزمني . والعلاقة التي تربط التابع بالمتبوع لا تأخذ خطا بيانيا ثابتا وهي متغيرة دائما وتعكس ظروفها الزما-كانية , وما كان تابعا بالأمس قد يكون شريكا اليوم , وما قد يراه البعض تبعية يراه الآخرون انتماء ,،تبني أو شراكة , أو قد يفسر في مكان ما على انه حالة طبيعية من حالات التطور الإنساني لتبنى الأفضل والأصح .. المقتبس من الخارج , وأقلمته مع خصائص البلد الجديد لتحقيق أهداف( مشابهة لمثيلاتها الناجحة في الخارج) في البيئة الجديدة .سأسلط الضوء هنا على عملية الاختيار الحر لفرد أو مجموعات في تبني منظومة فكرية ما , أو تطبيق برنامج عمل ثبت نجاحه علميا وعمليا وحقق أهدافه المرجوة في موطنه الأصلي. عملية الاختيار الحر، هنا، تختلف كليا عن التبعية المفروضة وهي عملية الإلحاق القسري عبر وسائل عسكرية (أو وسائل أخرى) تفرضها قوة كبرى مهيمنة على قوة صغرى راضخة وتتميز تلك العملية بالهيمنة المطلقة على مقدرات الأخر والسعي إلى تكريس حالة الانحطاط والتخلف وفقدان الهوية الوطنية والعمل دائما من أجل مصالح القوة الكبرى المهيمنة. على النقيض من ذلك, هنالك علاقة الشراكة المتكافلة بين إطراف معينة من اجل الوصول إلى أهداف محددة تخص الشركاء وهكذا أهداف لا يمكن تحقيقها إلا إذا أتفق الشركاء على أهمية العمل المشترك الذي ينتجه تخطيط مشترك ورؤية واضحة لأهداف يعود نفعها على الشركاء ذاتهم.بكلمات أخرى، "التبعية" التي اعنيها هنا هي عملية تبني اختيارية لأفكار أو برامج معينة طبقت على ارض غير محلية وأثبتت إمكانيتها في تحقيق أهدافها المرجوة هناك ومحاولة الأخذ بجزء أو كل ما فيها لتطبيقها على ارض الواقع المعني من أجل السعي للوصول إلى نتائج مشابهة لما تحقق في مواطنها الأصلية. ونتيجة للتطور العلمي الحاصل في الغرب فقد ظهرت ردود فعل متباينة من مختلف دول العالم ومنها بالتأكيد الدول النامية والتي رفضت(أو قسم منها) أن تواكب ذلك التطور وقدمت مشروعها السياسي والفكري الرافض(كليا أو جزئيا) للتطور العام العالمي على انه ضرورة مصيرية حتمية للمحافظة على الذات وتكريس الهوية الوطنية. ووفقا لتلك الرؤية فقد اعتبرت تلك الأنظمة إن محاولة إبداء النقد العلمي الموضوعي للواقع المعاش ومحاولة الأخذ بتجارب الدول المتقدمة وتطبيقها جزئيا أو كليا في بلدانها يعتبر نوعا من الانسلاخ عن الهوية الوطنية والذي سيقود إلى ضياع الملامح المحلية(الهوية الوطنية) والانصياع الأعمى للطرح الأجنبي الجديد الداعي إلى دراسة علمية معاصرة لأنظمة قديمة انتهت صلاحيتها وما زالت مطبقة قسرا على ارض الواقع.إن التطور العلمي المتزايد الذي يشهده العالم في جميع المجالات وفي مقدمتها مجال الاتصالات جعل سكان الأرض يعيشون في قرية صغيرة ويأخذون من الإبداع الإنساني ما يجعل حياتهم أفضل وأسهل. بغض النظر عن انتماءات سكان الأرض العرقية والدينية والسياسية ومدى تقبلهم للنظام العالمي الجديد هم، اليوم، فعلا، أعضاء في البناء العالمي الجديد، لذلك فان ما يمارس في الغرب سينعكس على مايحدث في الشرق والعكس صحيح. وبناء على مدى استيعاب أو تفهم هذه الحقيقة التي لا مهرب منها، تبلورت أفكار ومحاور وقوى جديدة في العالم استفادت من تجارب ونظريات الآخرين (وان كانوا غير محليين) وطبقتها بتصرف على ارض الواقع المحلي لتحقيق أهدافها الذاتية. حين قدمت شركة مايكروسوفت إبداعاتها في عالم الحواسيب في نهاية الثمانينيات، صار الناس في الشرق والغرب يستخدمون الكومبيوتر والإنترنيت بدون أي سؤال عن هوية مخترع الكومبيوتر أو نظام الويندوز ويمكن تطبيق هذا المنطق على أجهزة الهواتف النقالة ونظريات علم الجبر التي أبدع فيها العرب وإبداعات ومخترعات أخرى من الصين والهند وأوروبا وأجزاء أخرى من العالم. لم يبدأ مؤسسو الولايات المتحدة من الصفر بل كتبوا دستورهم بعد أن استوعبوا مفاهيم الديمقراطية اليونانية الكلاسيكية ومؤلفات فلاسفة الرومان وغيرهم من ناضلوا من أجل حرية الأفراد ضمن دولة توفر لهم الفرص المتساوية. من أهم النظريات القديمة-الحديثة التي رافقت التطور الصناعي وعصر النهضة هي آلية الديمقراطية التي أثبتت نجاحها في المجتمعات التي تبنتها وذلك لاستنادها على أسس علمية ديناميكية متجددة قابلة للنقد والتغير ومرونتها وتقبلها لجميع الإفراد والمحاور في عملية صناعة القرار وفي إدارة المصالح المشتركة. لذلك فالنظام الديمقراطي الحديث يعد من أكثر الأنظمة نضوجا وموضوعية في التعامل مع أهداف ومشاكل الجماهير وحتى يتم إيجاد نظام أكثر تطورا من النظام الديمقراطي المعاصر فستبقى آلية الديمقراطية الأكثر كفاءة ونجاحا وملائمة من الناحية التطبيقية لكل الأفراد والشعوب التي تطمح العيش بحرية بعيدا"عن آليات النظم الشمولية . بعبارة أخرى، الديمقراطية ليست أيدلوجية حزبية نحاول الترويج لها ضد أيدلوجية أخرى بل هي وسيلة، من ضمن الوسائل المتوفرة للجميع لاستخدامها في عملية التمثيل الشعبي في صناعة القرار الذي يخص الشعب وفي إدارة العلاقة بين الحكومة (بكافة مؤسساتها المتنوعة) والمواطنين. نتيجة لما تقدم، هنالك جملة من التساؤلات أود طرحها للنقاش: * ما الضير في تبني أفكار وبرامج جديدة عادت بالخير والرقي على مجتمعات أخرى (وان كانت أجنبية) تميزت بتعدد أطيافها العرقية والدينية والسياسية !؟ * ما الضير في طلب المساعدة من الآخرين في أمور يجيدونها(أو لهم خبرة فيها) ونحن في حاجة لها في الوقت الراهن , وسوف نبذل جهدا ووقتا وتضحيات فيما لو قمنا بتطبيقها بمفردنا في أراضينا ! ؟ * ما الضير في تقييم أو تحديث نظام تقليدي مفروض أثبتت الوقائع المادية والمنطقية عدم صلاحيته لتحقيق طموحات الجماهير ؟ * ما الضير في الاعتراف الصريح بحقائق مادية ومعنوية نراها ونعرفها وأصبحت حقيقة واقعة في عالمنا الحالي ؟ * ما الضير في رفض السلبي المفروض , وإبداله بالجديد المطلوب , والمثبت علميا وعالميا فاعليته في بناء مجتمعات حرة تمضي إلى المستقبل بخطى مدروسة ومتسارعة.؟

الإعلام العربي بين التبعية الثقافية وغياب الإرادة السياسية(2)

مما لا شك فيه أن الإعلام في عصرنا الحديث يعتبر الشريان الأساس لأي تغيير تعرفه الانسانية والدينامو الرئيس لكل بناء مجتمعي باعتباره المادة الأولية للمعرفة والحقل الوحيد الذي تتقاطع فيه كل المجالات الحياتية لقابليته في انتاج وتقييم واستغلال كل ثروة من ثرواتها. وهذا ما نلحظه في حياتنا اليومية فيما يخص سرعة انتقال المعلومات وتداولها وآنية ودقة معالجتها واستغلالها، ولهذا السبب ليس من الغريب من شيء في أن تصب توقعات المختصين في مجال الاعلام ودارسي المستقبليات في كون المجتمع الحالي المتسم بالإنتاج الصناعي يتجه نحو مجتمع الإعلام والمعرفة إن لم يكن قد أصبح كذلك.

ولنفس هذه لاعتبارات السالفة الذكر يمكن أن نقول وبدون مواربة أن الإعلام هو الرأس المال –إلى جانب الموارد البشرية- والمحدد لكل سياسة اقتصادية واجتماعية وثقافية حديثة، الأمر الذي ولسوء الحظ تتجاهله السلطات المسؤولة الرسمية في بلداننا العربية بغياب إرادة سياسية تقوده نحو ثورة حقيقية في هذه المجالات.

وبعكس الدول المتقدمة التي تجعله في طليعة رهاناتها الاستراتيجية من أجل تحقيق مكاسب سياسية وثقافية وحتى عسكرية، نجد أن الاعلام العربي منمط بشكل مثير للقرف إذ لاهم له سوى نظم القصائد واختيار القوافي والمدح والتصفيق والتطبيل والتزمير للسياسات الحكومية، أما عقلانية هذه المنظومة كسبيل لمشروع مجتمعي واعد ينمي مساراتها السياسية والإقتصادية ويحترم تركيبتها الإجتماعية ومكتسباتها الثقافية فإلى إشعار آخر.

فالإعلام العربي لم يستطع أن ينتزع استقلاليته لعقود وذلك لكونه بعيدا كل البعد عن صوت السواد الأعظم في المجتمع العربي ولإرتباطه الدائم بالنخب المسيطرة على كل دواليب الدولة ولعدم مسايرته للتحولات الإجتماعية التي يعرفها الشارع إضافة إلى "المسخ" الثقافي الذي يعبر عنه بشكل حاد في السنوات الأخيرة.

ففي بلد كالمغرب مثلا، لايمكن الحديث عن مشهد إعلامي خارج التبعية السلطوية من جهة والتبعية الثقافية من جهة أخرى، كما يمكن الذهاب أكثر من ذلك بالحديث عن توليفة يمكن ملاحظتها مصاغة بين هاتين التبعيتين، فيها يختلط النفوذ السياسي بالاقتصادي بالثقافي حيث يكون الضحية هنا هو الشعب والمكتسبات التاريخية والحمولة الثقافية للبلد، وهذه التوليفة تتمثل وبلا شك في المد الفرنكفوني المتنامي والسطوة الفرنسية على كل مناحي الحياة الإعلامية بالمغرب، إذ يقول الكاتب والإعلامي المغربي عبد الصمد بن شريف " فسطوة وهيمنة اللغة الفرنسية أصبح معطى ملموسا وأنصارها يتزايدون بأعداد هائلة" ويضيف في فقرة أخرى من مقالته "فإنهم (أي الوزراء) يحرصون على أن يفعلوا ذلك (أي الحديث وإلقاء التصريحات) بفرنسية تنم عن تشبتهم بشروط ومعايير الإنخراط في صف الحداثة والديمقراطية"، وهذا قول صحيح إذ كثيرا ما لايخجل بعض الحداثويون الفرنكفونيون المغاربة في استشهاداتهم بالنماذج الحداثية من تكرار عبارة "ففي الدول المتقدمة وفرنسا مثلا..." ثم يواصلون ويغالون في تأملاتهم النرجسية اتجاه نموذجهم الأم. كما لايمكنني أن أمر على ما كتبه الأستاذ عبد الصمد بن شريف دون إبداء تحفظي عن الموقف الذي كان قد خلص إليه في بداية مقالته على أنه سيكون في طليعة المطالبين بضرورة تحويل اللغة الفرنسية إلى اللغة الرسمية بالمغرب، كما لو أن الصحفي العامل بالقناة الثانية الدوزيم مع احترامي الشديد له يريد ترويج الأفكار ذاتها ويود القول بصريح العبارة "دستروا الفرنسية أيها البلهاء" رغم أنني لا أنكر، صراحة، واقعية الكاتب في تحليله واستدلاله بالنخب المسيطرة على أجهزة الدولة والإدارة والإقتصاد والاعلام، الشيء الذي يؤكد هذه التوليفة.

وباعتبار الإعلام (بكل أشكاله، الصوت والصورة والنص والإعلان...) منبعا ومصبا في الآن ذاته لكل تصور سياسي إجتماعي واقتصادي وثقافي، سيكون بالنسبة لأبناء ركلوس (سواء منهم الأصليون أو المعدلون وراثيا لهذا الغرض) رهانا أساسيا بغياب استراتيجية وطنية (وأسطر على وطنية) لبسط السيطرة ومسخ الهوية المغربية بكل مكوناتها الإسلامية والعربية والأمازيغية من أجل الترويج للبديل الفرنكفوني في أفق "فرنسا الأم".

إنه لمن العار أن تحضى الفرنسية في القناة الأولى المغربية بنسبة30 بالمائة فيما يخص البرامج المبثوتة، وهي لغة المستعمرين الفرنسيس كما عرفوهم أباءنا وأجدادنا، بينما يبلغ الحيف اللغة الأمازيغية إحدى اللغتين الأصليتين للبلاد ويتم تقزيمها واستصغارها وعرضها على شكل صور فولكلورية كأنها ثقافة عصر حجري عبر واندثر وفي أحسن الأحوال في مادة إخبارية مملة ساعة ما بعد الظهيرة حيث المغاربة نيام.

وحدث ولا حرج عن القناة الثانية، معقل الإعلام الفرنكوفي الأكبر بالمغرب، أسستها في البداية شبكة تي إف 1 الفرنسية إلا أنها عرفت الإفلاس بداية التسعينات وهذا أكبر دليل على إفلاس الطرح الفرنكفوني بالمغربي وأن طبيعة الشعب المغربي ذات المناعة الثقافية القوية لفظتها لفظ النواة لو لا تدخل الدولة بضغوط اللوبيات الفرنكفونية لشراء أسهمها وإنقاذها من البوار. وتقدر المواد المقدمة بالفرنسية فيها بأكثر من 70 بالمائة، ولا أذيع سرا إن قلت أنه من الأشياء التي أشعرتني بالحكة وبالإستفزاز معا هو العلامة الجديدة لهذه القناة على الساتل دوزيم موند، إقتداءا بأختها بالرضاعة تي في 5 موند، كما لو أن القاموس العربي خالية صفحاته من أسماء كـ "العالمية" أو "الفضائية".

وأكتفي هنا بالقناتين الأولى والثانية كنموذجين للتغلغل الفرنكفوني دون ذكر باقي المنابر الإعلامية الفرنكفونية الأخرى البارزة منها والمجهرية التي تتكاثر هذه الأيام كالفطر.

وإن كان الإعلام الفرنكفوني هو النموذج السائد بالمغرب ومعظم البقية الباقية من البلدان المغاربية نظرا لتبعات تركة الحقبة الإستعمارية، فإن المشرق العربي نفسه لم يسلم من التبعية الإعلامية (مع تسجيل بعض الإستثناءات التي يمكن أن تمثل بارقة أمل)، ما يظهر بشكل واضح من ناحية السيطرة والغزو الإعلامي والثقافي الأمريكيين، إذ أن بعض المحطات العربية تنهج إعلاما أمريكيا بالوكالة بدعوى تلفزيون الواقع أو ما شابه، ناهيك عن عدم تمكنه من فرض نفسه كإعلام مستقل بذاته عن السلطات الرسمية من جانب والإديولوجيات الطائفية من جانب آخر.

يقول غريغوري باتسن عن الإعلام بأنه "التباين الذي يصنع التباين"، ولذلك ليس غريبا أن تحظى صناعة الإعلام بكل هذا الإهتمام من طرف الدول المتقدمة والمهيمنة على الوضع العالمي باعتباره عنصرا أساسيا في عملية التغيير وسبيلا استراتيجيا نحو كل هيمنة سياسية واقتصادية وثقافية وعسكرية، بعكس ما يجري ويدور في عالمنا العربي بكونه مجرد بوق للسلطة الحاكمة وأداة للمتلاعبين بماضينا وحاضرنا ومستقبلنا.

تكريس التبعية

"من الإنفتاح الى الإصلاح فى الإقتصاد المصري"(3)

الجزء الأول

لفهم معنى الانفتاح الاقتصادي وطبيعة هذه السياسة ودلالتها، لابد من الرجوع إلى الوثائق القومية الأساسية وبالذات ورقة أكتوبر، والتي أصدرها الرئيس محمد أنور السادات ونشرها في 1974.[1]

فلقد جعلت ورقة أكتوبر من الانفتاح احد المهام الرئيسية للمجتمع المصري في المرحلة القادمة، وجاء هذا انطلاقا من تشخيص الورقة لمشكلات مصر الاقتصادية، فهي ترى أن عبء الإنفاق العسكري قد هبط بمعدل النمو في مصر 6.7% سنويا خلال ألفترة 1956 - 1965 إلى اقل من 5% سنويا بعد ذلك، وهي ترى أن استعادة المعدل القديم للنمو يجعلنا "في أمس الحاجة إلى موارد خارجية" ومن هنا كانت الدعوة للانفتاح الاقتصادي، وهي دعوة مبنية على تقدير لاحتياجات الاقتصاد المصري من ناحية والفرص المتاحة للتمويل من ناحية أخرى، ولا تتمثل فائدة الانفتاح طبقا لورقة أكتوبر في تزويد مصر بالموارد المالية اللازمة للتنمية فحسب، بل وأيضا في تزويد مصر "بأحدث وسائل التكنولوجيا الحديثة" ولا يفوت ورقة أكتوبر أن تؤكد أن "الانفتاح الذي اعلناه هو انفتاح على العالم كله شرقه وغربه" مع الترحيب بالاستثمار الأجنبي لما يحمله معه من معرفة تكنولوجية نحتاج إليها، فالانفتاح الاقتصادي في تصور ورقة أكتوبر، وهي الوثيقة الأساسية في هذا المجال، يعنى فتح الاقتصاد المصري للاستثمار الخاص المباشر من الخارج. [2]

ومن أهم العلامات البارزة على طريق الانفتاح ما يلى:-

1) القانون رقم 43 لسنة 1974 وتعديلاته، وهو أهم خطوة منفردة اتخذت على طريق الانفتاح، فقد فتح باب الاقتصاد المصري لراس المال العربي والأجنبي في شكل استثمار مباشر في كل المجالات تقريبا، وعلى وجه التحديد، يذكر القانون مجالات التصنيع والتعدين والطاقة والسياحة والنقل واستصلاح الأراضي والإنتاج الحيواني والثروة المائية والإسكان والامتداد العمراني وشركات الاستثمار وبنوك الاستثمار وبنوك الأعمال وشركات إعادة التامين والبنوك وبيوت الخبرة ألفنية وغيرها من المجالات، وتقرير انفراد راس المال العربي والأجنبي في مجالات بنوك الاستثمار وبنوك الأعمال التي يقتصر نشاطها على العمليات التي تتم بالعملات الحرة حتى كانت فروعا لمؤسسات مركزها بالخارج، وعدم جواز تأميم المشروعات أو مصادرتها فضلا عن إعفاء الأرباح التي تحققها المشروعات التي تنشا طبقا لهذا القانون من الضريبة على إيرادات القيم المنقولة وملحقاتها والضريبة على الأرباح الصناعية والتجارية وملحقاتها الضريبة العامة على الإيراد لمدة خمسة سنوات ويسرى الإعفاء ولذات المدة على عائد الأرباح التي يعاد استثمارها في المشروع والاحتياطيات الخاصة وتعفي الأسهم من رسم الدفعة النسبي لمدة خمس سنوات، كما يكون الإعفاء بالنسبة لمشروعات التعمير وإنشاء المدن الجديدة واستصلاح الأراضي لمدة عشر سنوات يجوز مدها "بقرار من رئيس الجمهورية" إلى خمسة عشر عاما...... الخ.

2) القانون 118 لسنة 1975 للاستيراد والتصدير، وهذا القانون ينص على أن يكون الاستيراد مفتوحا للقطاع الخاص كما هو مفتوح للقطاع العام وكذلك مجال التصدير، وكنتيجة لهذه التعديلات تم تفكيك احتكار الدولة وسيطرتها على التجارة الخارجية.

3) قانون النقد الأجنبي رقم 97 لسنة 1976، وهذا القانون قصد به تحرير معاملات النقد الأجنبي في الداخل وبذلك مكن البنوك الخاصة والتي يشارك فيها راس المال الأجنبي بحكم القانون 32 لسنة 1977 من الحصول على الودائع بالعملات الأجنبية.

4) نظام الاستيراد بدون تحويل عملة، والذي استحدث عام 1974، ومكن هذا النظام أي شخص لديه موارد بالنقد الأجنبي أن يستخدمها في الاستيراد مباشرة دون الحاجة للرجوعللجهاز المصرفي.

5) إنهاء العمل باتفاقات التجارة والدفع، والتي أدت إلى الانتقال لممارسة التجارة الخارجية على أساس المعاملات الحرة وأصبح بذلك تخطيط التجارة الخارجية مستحيلا، وجعل تجارة مصر الخارجية عرضه لقوى السوق وتقلباتها الحادة، ومثل هذا الإجراء خطوة حاسمة في سبيل إعادة تشكيل العلاقات الاقتصادية الدولية لمصر وإعادة ربط الاقتصاد المصري بعجلة السوق الرأسمالية العالمية.

6) إعادة تنظيم القطاع العام، وقد بدأت سنة 1975 حين صدر القانون 111 بإلغاء المؤسسات العامة التي تقوم بدور الشركات القابضة التي تنسق وتخطط وتتابع أنشطة الشركات التابعة لها.[3]

تلك هي نقاط الارتكاز الأولى لسياسة الانفتاح الاقتصادي والتي أحدثت تحولات هيكلية في الاقتصاد المصري من عدة وجوه، ففي المقام الأول، نجد أن باب الاقتصاد قد فتح بعد سلسلة من التعديلات على مصراعيه لراس المال الأجنبي والتي تسيطر عليه الشركات متعددة الجنسيات مما أدى إلى تكريس سيطرة هذه الشركات على الاقتصاد المصري وبالتالي فكل التنمية الحادثة لابد أن تكون "تنمية تابعة".

وفي المقام الثاني، فرغم انه من المبادئ الدستورية المقررة في مصر أن القطاع العام يسيطر على القطاعات الاستراتيجية للاقتصاد القومي إلا أن القانون 43 لسنة 1974 معدلا بالقانون 32 لسنة 1977 لا يحدد مجالا معينا للقطاع العام، فكل مجالات النشاط الاقتصادي تقريبا مفتوحة للاستثمار الأجنبي الخاص، وفي المقام الثالث، فطالما أن الشركات التي تنشا طبقا للقانون المذكور تعتبر من شركات القطاع الخاص أيا كانت صفة رؤوس الأموال المساهمة فيها، فأن هذا يقلص حجم القطاع العام بالمقارنة إلى القطاع الخاص. [4]

لقد أدى الانفتاح الاقتصادي إلى نتائج اقتصادية عديدة، كان أبرزها من ناحية أولى، أدى الانفتاح الاقتصادي إلى تجزئة الاقتصاد المصري، فقد تحول إلى مجموعة متمايزة وأحيانا متنافرة من الاقتصاديات، فلم يعد الأمر قاصرا على القطاعيين العام والخاص والقطاع التعاوني، وإنما ظهرت إلى جانب هذه القطاعات أربعة قطاعات أخرى هي القطاع المحلى المختلط القائم على المشاركة بين راس المال المحلى وراس المال العام، والقطاع الأجنبي الخالص المملوك للأجانب، والقطاع المشترك الذي يقوم على المشاركة بين راس المال العام وراس المال الأجنبي، والقطاع المختلط القائم على المشاركة بين راس المال الخاص المحلى وراس المال الأجنبي، وبالتالي أصبح الاقتصاد المصري منقسما إلى أجزاء عديدة، فكل منها قواعده والياته الخاصة، مثل السوق الخاصة وقواعد خاصة بالتسعير وتشغيل العمال والأجور والتمويل...... الخ.

ومن ناحية ثانية، فقد أدى الانفتاح إلى أضعاف القطاع العام، والذي كان يمثل الركيزة الأساسية لما حدث من نمو اقتصادي في الستينات، وكان الأداة ألفعالة للسيطرة المركزية على الاقتصاد و السند الرئيسي في ممارسة التخطيط، وإذا كان القطاع العام لم يتعرض بأكمله للتصفية "الجسدية" في زمن الانفتاح، فمن المؤكد انه قد تعرض لما هو اخطر، وهو التصفية في زمن الانفتاح، فمن المؤكد انه قد تعرض لما هو اخطر، وهو التصفية "الروحية" والتفريغ "المعنوي" فقد انخفض نصيب القطاع العام في الاستثمارات الإجمالية بانتظام من نحو 90% في أوائل السبعينات إلى نحو 77% في عام 1979 وإلى نحو 75% خلال سنوات الخطة الخمسية "82 / 83 - 86 / 87" ولا يقل أهمية من ذلك ما جرى للقطاع العام من استنزاف للخبرات والمهارات والعمالة المدربة، ليس فقط بالهجرة إلى الدول العربية، بل وانتقالها إلى الشركات الانفتاحية، أي لتشغيل القوة المنافسة للقطاع العام ذاته.

ومن ناحية ثالثة، أدى الانفتاح إلى ظهور مراكز قوى جديدة، فقد نشأت مراكز قوى اقتصادية اكتسبت نفوذا وهيمنة لا يستهان بها على توجيه السياسات الاقتصادية ووضع القرارات العامة.

ومن ناحية رابعة، أدى الانفتاح الاقتصادي إلى "نمو هشا" في الاقتصاد المصري، فهو نمو خدمي بالدرجة الأولى لم تكن الأولوية فيه للقطاعات السلعية كالزراعة والصناعة وإنما للقطاعات غير السلعية كالتجارة والتوزيع والمال والإسكان ألفاخر والنقل الخاص وسياحة الأغنياء وما إليها فبينما بلغت معدلات النمو في القطاعات الخدمية من 12% إلى 14% لم يزد معدل نمو الزراعة عن 2% على أكثر تقدير ولم يتعد معدل النمو في قطاع الصناعة والتعدين 6% طبقا للإحصاءات الرسمية، كذلك فانه نمو لا يستند إلى عناصر القوة الذاتية للاقتصاد المصري بقدر ما يستند أما إلى اعتبارات طبيعية كالطفرة في استخراج البترول وتصديره أو اعتبارات خارجية مثل حركة الملاحة العالمية وتأثيرها على إيرادات قناة السويس أو الأوضاع الخاصة بدول الخليج وتأثيرها على استيراد العمالة المصرية، أو تدفق الاستثمارات الخارجية الأخطر من ذلك القروض والمعونات الخارجية، وهو نمو هش لا يستمر لأمد طويل، هذا فضلا عن انه نمو "مرهون" للأجانب، فهو مثقل من البداية بعبء دين خارجي ضخم، اتجه للتزايد في سنوات الانفتاح، على الرغم من أن أحدى ذرائع الانفتاح هي تقليل الاعتماد على القروض الأجنبية وإحلال الاستثمارات الأجنبية محلها، غير أن ما جاء إلى البلاد من استثمارات أجنبية كان قليلا، ولم يزد في مجموعه عن 2 مليار دولار طوال السنوات من 1974 - 1979، ولم تتعد رؤوس الأحوال العربية والأجنبية ثلث رؤوس أموال الشركات الانفتاحية التي تم الموافقة عليها منذ 1974 وحتى 1985 ومن جهة أخرى فقد قفز حجم الدين الخارجي من 2.1 مليار دولار سنة 1973 إلى نحو 15 مليار دولار في 1979 ثم ما يقرب من 20 مليار دولار 1983، وبالجملة لم تر البلاد من غيث الاستثمار الأجنبي سوى القطرات وتم إغراقها في بحر من الديون الخارجية بالإضافة إلى ذلك فأن هذا "النمو الهش" اقترن باتساع الفوارق بين الطبقات، وبالتالي ازدياد حدة الصراع الطبقي في المجتمع.

ومن ناحية خامسة، أدى الانفتاح إلى "تفشى الطفيلية" فقد شهدت مصر نموا هائلا في الأنشطة الطفيلية منذ أن دخلت عهد الانفتاح، وقد اتخذ النشاط الطفيلي صورا عديدة مثل استغلال النفوذ السياسي والإداري، والارتشاء، والتواطؤ مع القطاع الخاص على حساب القطاع العام، والمضاربة في الأراضي والمباني، وتضخيم الأزمات، والاتجار في السوق السوداء، والتهريب، والتهرب من دفع الرسوم والضرائب الجمركية، والاستيلاء على أموال الدولة، وغيرها مما ظهر في محاكمات الفساد بعد رحيل السادات، وهي ظواهر بالغة الخطورة، وأثرت سلبيا على نظام القيم في المجتمع لما تنطوي عليه من استغلال ومن انفصام في العلاقة بين الجهد والكسب، ولها عواقب وخيمة في المجال الاقتصادي سواء من حيث العبث بنظام الحوافز الذي يقوم على مبدأ ربط الأجر بالجهد ولما يترتب عليها من انصراف عن العمل المنتج الذي هو أساس النمو الاقتصادي ولما تضعه من عراقيل أما التخطيط، حيث يتعذر معها إجراء الحسابات الاقتصادية المعتادة والتنبؤ بالسلوك المحتمل للاقتصاد القومي.

ومن ناحية سادسة، أدى الانفتاح إلى التضخم الانفجاري، فقد اتخذ التضخم صورة انفجارية في سنوات الانفتاح، فالثابت من الإحصاءات الرسمية للأسعار أنمعدل التضخم لم يكن يتجاوز 3% - 4% حتى سنة 1973، بينما بدا المعدل في الزيادة بخطوات متسارعة منذ سنة 1974 فقد قفز معدل التضخم إلى 11% في عام 1974 ثم إلى 13% في 1977 ثم إلى 21% في 1980، وطبقا لتقرير صادر عن وزارة الاقتصاد، فأن التضخم قد بلغ في المتوسط 13.5% خلال ألفترة من 1973 - 1979 ونحو 22.3% في المتوسط خلال السنتين 1978 - 1979، وقد بلغ 25% في 81 / 82 طبقا لتصريح وزير الاقتصاد د. مصطفي السعيد في ذلك الوقت.

ومن ناحية سابعة، أدى الانفتاح الاقتصادي إلى اغتيال التخطيط، وكانت أسوأ نتائج الانفتاح الاقتصادي، فبرغم أن المادة 3 من قانون الاستثمار قد نصت على أن "يكون استثمار المال العربي والأجنبي في جمهورية مصر العربية لتحقيق أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية في إطار السياسة العامة للدولة وخطتها القومية" فأن أحدا من المسئولين عن الانفتاح لم يأخذ هذه المادة مأخذ الجد، بما فيهم السادات نفسه، فقد قال "يوم أن تكون هناك خطة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية فأن راس المال سيهرب" مما يوحى بأن غياب التخطيط لم يكن من قبيل السهو، وإنما كان مقصودا أو مدبرا من البداية لتهيئة المناخ المناسب للانفتاح.

لقد كانت النتيجة النهائية لسياسة "الانفتاح الاقتصادي" هي وقوع الاقتصاد المصري في فخ التبعية، فلم يعد محلا للجدل أن مصر في عهد الانفتاح قد صارت تابعة تبعية كاملة للمركز الرأسمالي العالمي، فقد كان عام 1976 شاهدا على تجربة التحديث التابع وتدخل صندوق النقد الدولي ضامنا لتدفق قروض الحكومات والمصارف العالمية بهدف فتح الاقتصاد أمام صادرات ورؤوس أموال المركز الرأسمالي، ثم عودة الصندوق للتدخل في أعوام 1977 و 1978 و 1981 و 1986 بعد رصف سبل التدخل، فالافتراض عن الخارج أصبح الوجه الآخر لعجز البناء الاقتصادي التابع، حيث يؤدى عجز ميزان المدفوعات إلى اللجوء للاقتراض الخارجي، ويؤدى الاقتراض إلى تراكم أعباء خدمة الدين من أقساط وفوائد، بما يؤدى إلى الاقتراض من جديد لعلاج العجز، ويتدخل الصندوق لعلاج عجز المدفوعات وتسهيل الاستدانة من الخارج ثم لإعادة جدولة الدين، وتكون النتيجة تكريس التبعية. [5]

 الجزء الثاني

مع تغير القيادة السياسية المصرية في 1981، تردد التعبير عن الحاجة إلى إعادة النظر، على نحو جدي، في السياسات الاقتصادية المتبعة بهدف وقف التدهور في حالة كل من المديونية الخارجية والهيكل الاقتصادي. [6]

فعندما تسلم الرئيس مبارك مقاليد الحكم، كانت سحب الأزمة الاقتصادية التي تراكمت في سماء الاقتصاد المصري قد بدأت تتكاثف على نحو واضح وكانت أهمها هي تراكم جبل من الديون الخارجية وارتفاع واضح في أعباء خدمتها وعجز مستمر في ميزان المدفوعات المصري مع تضاؤل واضح في حجم الاحتياطيات الدولية النقدية وتزايد شديد في اعتمادنا الغذائي على الخارج، وتدهور بليغ في معدل الادخار المحلى واعتماد مصر على الموارد الخارجية لتمويل الاستثمارات المحلية، وعجز كبير في الموازنة العامة للدولة، وزحف راكض للتضخم المحلى والمستورد وبطء في معدل النمو الاقتصادي. [7]

وفي ضوء هذا الوضع الاقتصادي الحرج، وعدم وضوح الصورة وفقدان مصداقية الخطاب الإعلامي الساداتي،والتي كانت تؤكد دوما على سلامة أوضاع الاقتصاد المصري وإننا سائرون على طريق الرخاء بعد التوقيع على معاهدة "كامب ديفيد" وأن موارد مصر التي كانت توجه وتبدد في الحروب سوف توجه إلى اقتصاديات السلام وإنعاش الاقتصاد المصري، وأن إنهاء حالة الحرب مع "إسرائيل" سوف يجعل المعونات والاستثمارات الأجنبية تتدفق على مصر للإسراع بخطاها على طريق النمو.

في ضوء هذا الوضع حرص الرئيس حسنى مبارك في أوائل حكمه على أن يتعرف على حقيقة الوضع الاقتصادي المصري، ومن هنا جاءت دعوته إلى عقد مؤتمر اقتصادي على مستوى عال، يضم نخبة مختارة من الاقتصاديين المصريين، وهو المؤتمر الذي عقد في ألفترة ما بين 13 - 15 فبراير 1982، وشارك في حضور بعض جلساته، وكان هناك إحساس بأن الأوضاع والسياسات الاقتصادية القائمة تحتاج إلى مراجعة، لأن الاستمرار في هذه السياسات سوف يؤدى إلى أخطار شديدة ينعكس أثرها ليس على الاقتصاد فحسب بل أيضا على الأوضاع الاجتماعية والسياسية، الداخلية والخارجية، وعقد المؤتمر وحضره ثمانية وأربعون اقتصاديا مصريا. [8]

وقد تم الاتفاق على كثير من القضايا والتي رفعت إلى الرئيس مبارك ولخصها أستاذنا الدكتور رمزي زكى في الآتي:-

1) أن التعديلات المقترحة لإصلاح المسار الاقتصادي سوف تتم مع المحافظة التامة على المقومات الرئيسية الحالية للاقتصاد المصري بقيادة الدولة والقطاع العام والتنسيق بينهما وبين الدور الضروري للقطاعين الخاص والتعاوني والاستمرار في سياسة الانفتاح والتعاون الدولي الخارجي مع التعديلات التي تزيل ما شابها من سلبيات.

2) حشد الطاقات القومية الطبيعية والبشرية والمالية والتنظيمية، حكومية كانت أو شعبية، ووضع السياسات ألفعالة في مختلف المجالات وفقا لتخطيط قومي شامل، تلتزم به الدولة والقطاع العام، ويسترشد به القطاع الخاص والفردي بما يخدم خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية وفقا لأسلوب التخطيط القومي المناسب مما يؤدى إلى التكامل والتنسيق بين مختلف السياسات وتحديد الأولويات.

3) أن تكون التغيرات المطلوبة ذات بعد اجتماعي واضح وذلك بالتركيز على خلق فرص للعمالة الحقيقية المنتجة، بدلا من تكدس التوظيف العاطل، والعمل على تحسين توزيع الدخول ورعاية الطبقات الأقل دخلا، وضمان التنسيق بين عوامل الإنتاج المختلفة من راس المال وإدارة وعمالة ماهرة لرفع مستوى الإنتاج السلعي خاصة وزيادة الدخل القومي عامة.

4) تبنى المؤتمر قضية مكافحة البطالة والحرص على تحقيق التوظف الكالم كهدف عزيز، باعتبار أن اثمن ما تملكه مصر هم البشر.

5) ولمواجهة عجز الموازنة العامة نادى المجتمعون بضرورة تخفيض الإنفاق العام غير الضروري وكذلك الإنفاق المظهري، نظرا لما يستنزفه من موارد ومن تأثير سلبي على معنوية مختلف طبقات الشعب وضرورة تحسين تحصيل الضرائب وزيادة الضرائب على الاستهلاك الترفي.

6) كذلك نوقشت قضية الدعم وسبل ترشيده، وكانت هناك بالمؤتمر معارضة شديدة بعدم المساس بالدعم، إلا بعد استنفاذ إجراءات الوفر في أوجه الإسراف في الإنفاق الحكومي وبقدر ما يتحقق من زيادة في الأجور وتحسين في توزيع الدخل، حيث أن الدعم يكفل الرعاية الضرورية للطبقات الشعبية ويحميها من التضخم وارتفاع الأسعار وازدياد نفقات المعيشة.

7) أما فيما يتعلق بدعم قطاعات الإنتاج السلعي "الزراعة والصناعة" فقد اتفق المجتمعون على ضرورة زيادة إنتاج هذه القطاعات بما يفي بالاحتياجات الأساسية للشعب وفقا لخطط محددة ومتناسقة ضمن إطار الخطة العامة للدولة، ففي المجال الزراعي لاحظ أعضاء المؤتمر كيف تدهور نصيب ألفرد من الرقعة الزراعية "سبع فدان" وانه يلزم للمحافظة على هذا النصيب حتى عام 2000 أن تكون هناك إضافة تقدر بثلاثة ملايين فدان جديد، وهو ما يعنى ضرورة استصلاح ما بين 150 - 180 ألف فدان سنويا مع الاهتمام بزيادة الإنتاجية وموارد المياه، وفي المجال الصناعي، كان هناك إجماع على أن تكون الأولوية لإنتاج السلع الوسيطة اللازمة للإنتاج الزراعي والتشييد ولقطاع الصناعة والبترول والقطاعات الأخرى وتنفيذ برنامج لإحلال الواردات عن طريق صناعات تنتج سلعا ضرورية محلية بدلا من الاستيراد، وذلك على أسس اقتصادية، وفي ظل حماية محددة ومحسوبة، مع رقابة الأسعار والجودة.

8) ليس من مصلحة الاقتصاد المصري أن يظل اعتماده متزايدا على العالم الخارجي، خاصة أن تزايد أعباء خدمة الدين وأقساطه قد تزيد على موارده السنوية مما يلقى عبئا على الموارد الذاتية فضلا عن مخاطر الاعتماد على موارد خارجية، وكذلك ضرورة إصلاح الخلل في ميزان المدفوعات وما يتطلبه ذلك من ترشيد للوارداتوزيادة في الصادرات وفي معدل الادخار المحلى وضرورة تخصيص عائد تصدير البترول لتمويل الاستثمارات المحلية.

9) أما فيما يتعلق بالقطاع الخاص، وهو ركيزة أساسية في الانفتاح الاقتصادي، فقد أشار المجتمعون إلى غلبة النشاط التجاري والمضاربات العقارية على سلوكه في تلك الآونة، واستغلاله مزايا قانون الاستثمار الأجنبي لإنتاج السلع الاستهلاكية والكمالية ولهذا كانت هناك توصية بأن يراعى مستقبلا الموافقة على المشروعات التي تتفق مع سياسة الدولة في توفير الاحتياجات الضرورية للشعب، ورفع المستوى التكنولوجي وتشجيع التصدير السلعي، واجتذاب رؤوس الأموال العربية والأجنبية للتنمية والاستثمار وتفضيل المشروعات التي تقام خارج المدن وفي المناطق الجديدة. [9]

كانت هذه تقريبا، هي أهم الرؤى التي تمخض عنها المؤتمر الاقتصادي والتي وأن لم ترسم في مجموعها استراتيجية شاملة لتنمية مصر ونهوضها ولكنها في جميع الأحوال رسمت في مجموعها ملامح توجهات اقتصادية واجتماعية أفضل مما كان سائدا في فترة الانفتاح المنفلت في عقد السبعينات.

والمثير للدهشة حقا، هو أن المؤتمر عقد وانتهي دون أن تنعكس هذه الرؤية في إصلاح مسار الاقتصاد المصري فيما بعد، إذ سرعان ما نسى المؤتمر وعلقت الأتربة بأوراقه وبحوثه التي كان وراءها جهد ضخم ودراسات عديدة وأفكار مصرية مبدعة. [10]

وجاءت الخطة الخمسية الأولى للسنوات (81 / 1982 - 86 / 1987) مخيبة للآمال، بل جاءت على الضد تماما مما كان عليه الاجماع في المؤتمر، فقد تزايد الاعتماد على القروض الخارجية، وتراجع دور التخطيط، وتخلت الدولة عن قيادة التنمية، وفككت وأضعفت القطاع العام تمهيدا لبيعه، وألغت الدعم، وأطلقت حرية تكوين الأسعار، ولم تهتم بمشكلة العمالة وزيادة البطالة، وتزايد التعاون في توزيع الدخل والثروة، ففي 30 يونيو 1986 كان إجمالي مديونية مصر الخارجية قد زاد بنسبة 26% عما كان في 1981 فزاد من 30 بليون دولار إلى حوالي 37.8 بليون دولار، وانخفضت إيرادات مصر من البترول بنسبة 36%، وظلت المصادر الثلاثة الرئيسية الأخرى للعملات الأجنبية (تحويلات العاملين بالخارج وقناة السويس والسياحة) راكدة تقريبا، وثبت معدل تدفق الاستثمارات الأجنبية الخاصة عند نحو بليون دولار سنويا، ولم يتجاوز معدل الزيادة في صادرات مصر من السلع الأولية "غير البترول" 4% في السنة، ومع تواضع الزيادة في الصادرات الصناعية، كان إجمالي قيمة الصادرات من السلع والخدمات في 85 / 86 اقل في الواقع مما كان في 81 / 82 بنسبة 11% وارتفع العجز في ميزان الحسابات الجارية بميزان المدفوعات من 1.7 بليون دولار في 81 / 82 إلى 3.5 بليون دولار في 85 / 1986. [11][11]

ولم تك الخطة الخمسية الثانية (86 / 1987 - 91 / 1992) بأحسن حال من سابقتها، فبعد أن بلغ معدل النمو في الناتج القومي الإجمالي، بالأسعار الثابتة 8% في ألفترة (75 - 1982) انخفض إلى 5% في السنوات الثلاث التالية (83 - 1985) ثم إلى نحو 1% في ألفترة (86 / 1987 - 98 / 1990) ومع معدل لنمو السكان يبلغ نحو 2.7% تدهور مستوى المعيشة خلال النصف الثاني من الثمانينيات بمعدل سنوي قدره نحو 1.7% في السنة، زاد الأمر خطورة أن مصر أصيبت بصدمة خارجية في مطلع عام 1986 متمثلة في انخفاض نفاجئ وكبير في أسعار البترول، ولم يقتصر اثر هذه الصدمة على الانخفاض الكبير في إيرادات مصر من صادرات البترول، بل كانت لها آثار غير مباشرة تمثلت في تراخى تحويلات المصريين العاملين في الدول العربية الغنية بالبترول، وانخفاض إيرادات السياحة بسبب انخفاض عدد السياح العرب من نفس هذه الدول، كما أن هذا الانخفاض في إيرادات البترول اقترنت به زيادة حادة في التزامات مصر المتعلقة بخدمة الديون، فطبقا لاحد المسئولين في صندوق النقد الدولي، بلغ حجم هذه الالتزامات في 85 / 1986 ما لا يقل عن 5.5 بليون دولار (2.9 بليون لسداد جزء من اصل الدين و 2.6 بليون كفوائد) وهو ما يكاد يساوى ضعف مبلغ خدمة الديون في 1981، وأكثر من 50% من قيمة إجمالي الصادرات من السلع والخدمات في 85 / 1986. [12]

وكان لابد لذلك كله وما عكسه من سياسات أن يثمر في النهاية تلك الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي انتهت بنظام الحكم أن يوقع مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في عام 1991 اتفاقا من شانه أن تتولى هاتان المؤسستان رسم وتحديد سياستنا الاقتصادية والاجتماعية عبر ما عرف باسم سياسة "الإصلاح الاقتصادي". [13]

وثمة نقطة هامة جديرة بالتسجيل في هذا المقام، وهي أن الإتجاه نحو تنفيذ برامج التثبيت الإقتصادي والتكيف الهيكلي و المعروفة بما يسمى بسياسة " الاصلاح الاقتصادى " ،وما تنطوي عليها من إنفتاح وتحرر وإعمال لآليات إقتصاد السوق، هذا الإتجاه لم يأت كنتيجة لضغوط داخلية من قبل القوى والفئات الرأسمالية، التي إتسمت – ولا تزال – بالضعف والهشاشة والتبعية لرأس المال العالمي في عديد من الدول، ولكنه اقترن في جانب هام منه بضغوط بعض القوى والمؤسسات الخارجية وبخاصة صندوق النقد والبنك الدوليين، كما أن الدولة بأجهزتها ومؤسساتها هي التي تدير عملية تطبيق برامج التثبيت والتكيف.(4) وبذلك فإن العوامل الخارجية خاصة الضغوط التي مارستها مؤسسات التمويل الدولية هي العامل الحاسم في توجيه السياسة الإقتصادية لإتخاذ إجراءات ما يسمي " بالإصلاح الإقتصادي "..

ففي عام 1989 صاغ الإقتصادي "جون ويليمسون" نائب رئيس البنك الدولي ما عرف " بتوافق واشنطن".. وهو مجموعة السياسات والتوصيات والمبادئ التوجيهية التي تم التوصل إليها بين صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وحكومة الولايات المتحدة، ومقر هذه الأطراف الثلاثة العاصمة الأمريكية واشنطن [14]...

كما يحتوي على مجموعة من الإتفاقات غير الرسمية "إتفاقات جنتلمان"، عقدت طيلة الثمانينات والتسعينات بين الشركات الرئيسيةالعابرة للقارات وبنوك وول ستريت، وبنك الإحتياطي الإتحادي الأمريكي والمنظمات المالية الدولية " البنك الدولي صندوق النقد الدولي".([15][15])وقد صاغ جون ويليمسون "التوافق" ومبادئه الأساسية بزعم أنها تطبق على أي فترة تاريخية، وأي إقتصاد، وأي قارة، وبإستهداف التوصل بأسرع ما يمكن إلى تصفية أي هيئة أو تنظيم من جانب الدولة، والتحرير الأكمل بأسرع ما يمكن لكل الأسواق "الثروات، رؤوس الأموال، الخدمات، البراءات " 0

وفي النهاية إقامة حكم كونى بلا دولة، وسوق عالمي موحد ومنظم ذاتياً تماماً.

وهذه هي المبادئ الرئيسية التي يقوم عليها:

1- من الضروري – في كل بلد مدين – البدء في إصلاح المالية العامة وفق معيارين: تخفيض العبء الضريبي على الدخول الأكثر إرتفاعاً، لحفز الأغنياء على القيام بإستثمار إنتاجي، وتوسيعالقاعدة الضريبية، وبوضوح، منع الإعفاءات الضريبية للأفقر، من أجل زيادة مقدار الضريبة.

2- أسرع وأكمل تحرير ممكن للأسواق المالية.

3- ضمان المساواة في المعاملة بين الإستثمارات الوطنية والإستثمارات الأجنبية من أجل زيادة مقدار – وبالتالي ضمان – هذه الأخيرة.

4- تصفية القطاع العام بقدر الإمكان، وخصخصة المنشآت التي تملكها الدولة، أو هيئة شبيهة بالدولة.

5- أقصي حد من إلغاء الضوابط في إقتصاد البلد، من أجل ضمان الفعل الحر للمنافسة بين مختلف القوي الإقتصادية الموجودة.

6- تعزيز حماية الملكية الخاصة.

7- تشجيع تحرير المبادلات بأسرع الوسائل الممكنة بهدف تخفيض الرسوم الجمركية بنسبة 10 في المائة كل سنة.

8- لما كانتالتجارة الحرة تتقدم بواسطة الصادرات فينبغي في المقام الأول تشجيع تنمية تلك القطاعات الإقتصادية القادرة على تصدير منتجاتها.

9- الحد من عجز الميزانية.

10-  خلق شفافية الأسواق: فينبغي أن تمنع معونات الدولة للعاملين الخاصين في كل مكان، وعلى دول العالم الثالث التي تقدم دعماً من أجل إبقاء أسعار الأغذية الجارية منخفضة أن تتخلي عن هذه السياسة، أما عن مصروفات الدولة فينبغي أن تكون للمصروفات المخصصة لتعزيز البني الأساسية الأولوية على غيرها.[16]

فتوافق واشنطن، "Washington Consenus"، كانت أهم توجيهاته، مبدأ حكومة الحد الأدنى، وأقل تدخل ممكن من جانب الدولة، التثبيت الإقتصادي بغرض السيطرة على التضخم " التضخم المنخفض "، عدم الحرص الزائد على خفض البطالة، وتجنب العمالة الكاملة " الكثيفة "، إحلال الواردات، عدم وجود معدلات شديدة الإرتفاع للإدخار، مثل تلك الموجودة في اليابان، تيسير الخصخصة، دعم الأسواق .[17]

والحديث عن "توافق واشنطن" لا ينبغي أن يمر دون الإشارة إلى الأسباب الجوهرية التي أدت إليه.

فحينما اندلعت الأزمة الإقتصادية في المنظومة الرأسمالية منذ بداية حقبة السبعينات من هذا القرن، وأنهت بذلك سنوات الإزدهار اللامع لعالم ما بعد الحرب (1945 – 1971)، وكان من الواضح أن تلك الأزمة تختلف عن الأزمات الدورية العادية (الدورات الاقتصادية القصيرة والمتوسطة المدى) من حيث أنها ذات طابع هيكلي طويل المدى وذلك بسبب طبيعة المرحلة الجديدة التي إنتقلت إليها الرأسمالية بعد تسارع عمليات التدويل وسرعة حركة الثورة العلمية والتكنولوجية وما أحدثته من تغيرات مذهلة في قوي الإنتاج، على أن هذه الأزمة قد عبرت عن نفسها، في التحليل النهائي، في أزمة تراكم رأس المال سواء في صعيده المحلي (حيث تدهورت معدلات الربح وزادت البطالة مع التضخم)، أو على صعيده العالمي (إنهيار عصر ثبات أسعار الصرف وإضطراب أسواق النقد الدولية، أزمة أسعار النفط، تغيير علاقات القوي النسبية بين اليابان، وأوروبا، والولايات المتحدة، الإضطرابات الحادة في علاقات العجز والفائض بين الدول).

وفي الوقت الذي حاولت فيه البلاد الرأسمالية الصناعية أن تواجه هذه الأزمة داخلياً من خلال الليبرالية الجديدة التي راهنت على إضعاف تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي وتغيير أشكال علاقتها بالقطاع الخاص، وهو الأمرالذي ترجم في النهاية التراجع عن الكينزية والإتجاه نحو السياسات النيوكلاسيكية المحافظة التي تؤمن بالفاعلية المطلقة لقوي السوق والحرية الفردية، فإن الرأسمالية حاولت في صعيدها العالمي أن تواجه أزمتها عن طريق تطبيق نوع من الكينزية العالمية خلال الفترة من 1973 – 1982 حينما راحت تضخ كميات هائلة من القروض إلى بلدان العالم الثالث عن طريق تدوير فوائض النفط الدولارية و السيولة المتراكمة فى السوق الأوربية للدولار لتمويل عجز موازيين مدفوعات هذه البلاد و تمكينها من تمويل وارداتها من الدول الرأسمالية الصناعية، صحيح أنهذه الكنزية العالمية قد خفضت، إلى حد ما من حدة الكساد التضخمي في المراكز الرأسمالية، لكن هذه الكنزية التي إستهدفت زيادة حجم الطلب الكلي الفعال العالمي من خلال الإئتمان الدولي المفرط سرعان ما أدت إلى اندلاع أزمة مديونية عالمية مزعجة أصبحت تهدد بإنهيار نظام الائتمان الدولي وحركات رؤوس الأموال القصيرة والطويلة الآجل، وأدت من ثم إلى حدوث إضطراب في علاقة الشمال بالجنوب.[18]

ونظراً لأن الرأسمالية تتعلم دائماً من أزماتها، فقد أدركت أن ضبط وتنظيم علاقاتها مع بلاد العالم الثالث في مرحلة التوسع القادمة وعلى النحو الذي يجنبها من تكرار الوقوع في أزمة المديونية وعلى النحو الذي يؤهلها لإستمرار نقل ونزح الفائض الإقتصادي من هذه البلاد، أدركت أن ذلك يتطلب خلق آليات جديدة للسيطرة على مجمل الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية في تلك البلاد " نمط التخصص وتقسيم العمل، توزيع الدخل، دور الدولة، العلاقات الاقتصادية الخارجية، ضبط قوة العمل عند مستويات أجرية منخفضة.". وهذه الآليات الجديدة، التي تعرف الآن تحت مصطلح المشروطية Conditionality التي تنطوي عليها برامج التثبيت والتكيف الهيكلي، قد شكلت، في الحقيقة عبر دقة صياغتها وشروطها ما يمكن أن يسمى بأول مشروع أممي مُحكم لرأس المال الدولي بهدف إخضاع الجنوب لشروط التراكم والتوسع الرأسمالي في الشمال. وهذا المشروع تروج له المنظمات الدولية (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي) والشركات دولية النشاط والمستثمرين الأجانب على أنه سيمكن بلاد العالم الثالث من التغلب على إختلالاتها الهيكلية والقيود التي تعوق النمو الإقتصادي وعلاج مشكلات الفقر والبطالة. وعليه فإن هذا المشروع هو عملية لا مهرب منها ويجب قبوله كما هو، وإلا فإن الأحوال الإقتصادية والإجتماعية لهذه البلاد ستستمر في التدهور، وستفرض عليها العزلة الدولية، وستستبعد من التعامل. ويعتمد هذا المشروع، في خطابه الإعلامي والأيديولوجي، على الليبرالية المطلقة التي ترتكز على إضعاف قوة الدولة وإبعادها عن التدخل في النشاط الإقتصادي، والإعتماد على آليات السوق والمراهنة على الدور " القائد " الذي سيلعبه القطاع الخاص (مع تصفية القطاع العام) والإنفتاح بقوة على الإقتصاد الرأسمالي العالمي.[19]

......................................................

هوامش/

[1] محمد انور السادات: ورقة اكتوبر ,, القاهرة ,, هيئة الاستعلامات ,, ابريل ,, 1974

[2] د. جودة عبد الخالق: اهم دلالات سياسة الانفتاح الاقتصادي ,, منشور فى الاقتصاد المصري فى ربع قرن 1952 - 1977 ,, القاهرة ,, الهيئة المصرية العامة للكتاب ,, 1978 ,, ط1 ,, ص364

[3] المرجع السابق ,, ص 367: ص 372

[4] د. جودة عبد الخالق:السابق ,, ص 373

[5] تم الاعتماد على رصد نتائج الانفتاح الاقتصادي على د. ابراهيم العيسوى: فى إصلاح ما افسده الانفتاح ,, كتاب الاهإلى ,, العدد الثالث ,, القاهرة ,, سبتمبر 1984 ,, ط1 ,, ص 16: ص 30

[6] د. جلال امين: معضلة الاقتصاد المصري ,, القاهرة ,, دار مصر العربية للنشر والتوزيع ,, ط1 ,, 1994 ,, ص 32

[7] د. رمزى زكى: فى وداع القرن العشرين - تاملات اقتصادية فى هموم مصرية وعالمية ,, القاهرة ,, دار المستقبل العربي ,, ط1 ,, 1999 ,, ص 189

[8] د. رمزى زكى: المرجع السابق -,, ص 90

[9] د. رمزى زكى: فى وداع القرن العشرين - تاملات اقتصادية فى هموم مصرية وعالمية ,, القاهرة ,, دار المستقبل العربي ,, ط1 ,, 1999 ,, ص 192: ص 196

[10] د. رمزى زكى:المرجع السابق,, ص 196

[11] د. جلال امين: معضلة الاقتصاد المصري ,, القاهرة ,, دار مصر العربية للنشر والتوزيع ,, ط1 ,, 1994 ,, ص 32، 33

[12] د. جلال امين:المرجع السابق ,, ص 35، 36

[13] د. رمزى زكى: فى وداع القرن العشرينمرجع سابق,, ص 196

[14] جون جراى، الفجر الكاذبأوهام الرأسمالية العالمية ، القاهرة، المجلس الاعلى للثقافة، ط1، يناير 2000، ص9

[15] جان زيجلر، سادة العالم الجدد، كتاب سطور، دار سطور للنشر، القاهرة، ط1، 2003، ص65

[16] المرجع السابق، ص 6768

[17] جون جراى، مرجع سابق، ص9

[18] لستر بيرسون و أخرون: ماذا يجرى فى العالم الفقيرشركاء فى التنمية ، ترجمة ابراهيم نافع، دار المعارف، القاهرة، 1971أ0د رمزى زكى، الليبرالية المتوحشةملاحظات حول التوجهات الجديدة للرأسمالية المعاصرة، القاهرة، دار المستقبل العربى، ط1، 1993، ص184 185 0 ولنفس المؤلف: الليبرالية المستبدةدراسة فى الآثار السياسية و الاجتماعية لبرامج التكيف فى الدول النامية، القاهرة، دار سينا للنشر، ط1، 1993

[19] المرجع السابق، ص 186

توابع التبعية: دراسة في ميكانزمات أزمة تخلف المجتمعات العالمثالثية(4)

.ـإن الاشكالية الرئيسية التي تحاول هذه الدراسة ملامستها تتجلى في ظاهرة خطيرة ،ظهرت ملامحها بجلاء ووظوح،مع بداية العشرية الأخيرة من القرن العشرين أي مع تدشين ما أصبح يصطلح عليه بالنظام العالمي الجديد الذي يقوم على عولمة العالم وجعله قرية صغيرة تذوب فيها الحدود الوطنية واقتصادياتها وثقافاته،هذه الظاهرة هي "ظاهرة التبعية"..

. ــ فما هي تعريفات هذه الظاهرة ؟

ــ وما هي أبرز تجلياتها و انعكاساتها على اقتصادات و ثقافات وسياسيات الدول التابعة ؟ بإعتبارها البنيات الأساسية التي تقوم عليها كل حضارة..

. ــ وهل هذه الظاهرة تشكل قدر محتوم على الدول الضعيفة تبعا للمنطق الخلدوني القاضي بأن" المغلوب مجبول على تقليد الغالب في كل شيء"؟.

. ــ من هو المسؤول الريئيسي عن ظاهرة التبعية ومن هو المستفيد الأكبر منها ؟.

. ــ وما هي الآليات الكفيلة بمواجهة هذه الظاهرة ؟وكيف السبيل للحد من انعكاساته الخطيرة على كل ما يتعلق بالهوية والثقافة والاستقلال السياسي..

. مفهوم التبعية: .

. إن مصطلح التبعية من المصطلحات السياسية ذات الطبيعة المطاطية، لتميزها بتعدد تعاريفها وبإختلاف .

. استعمالاتها ،فمن التوصيفات التي تعطى له نجد على سبيل المثال لا الحصر تبعية الفرد لوطنه الانتماء .

. القانوني للفرد بوطنه وهذه تسمى بالتبعية الوطنية فنقول مثلا (فلان تابع لدولة فرنسا،وفلان تابع لدولة الجزائر..).ثم نجد أيضا التبعية السياسية ومعناه انتماء الفرد لتوجه سياسي معين....

. لكن من التوصيفات المهمة لمصطلح التبعية والتي عليها معولنا في هذه الدراسة نجد مصطلح التبعية للغرب أي تبعية المجتمعات المتخلفة بقواعدها السياسية الاقتصادية والثقافية إلى المنظومة الرأسمالية العالمية المتمثلة في دول المركز..

. وهذا ما سنعمل على تحليله وتبيان أبعاده وتجلياته وكذا وجوه تأثيره على وتيرة التطور والتنمية في البلدان التابعة..

. فمفهوم التبعية إنطلاقا من التوصيف الأخير هو عبارة عن علاقة تنطلق من التابع إلى المتبوع،عبر عملية إلحاق قصري بوسائل سياسية وإقصادية وعسكرية،وغزو ثقافي وفكري لتعميم نظام الانتاج الرأسمالي ،وتسويغ للهيمنة التي تمارسها دولة عظمى أو مجموعة دول أحرزت تقدما في محال الاقتصاد والتيكنولوجيا والتعليم فتستخدمها لتحقيق أهداف مادية واستراتيجية ،بما تفرظه على أمم وشعوب أخرى أقل تقدما من إجراءات تلزمها بها وتجبرها على تنفيدها كي يمكنها البقاء والإستمرار.(1).

. إذن فالتبعية هي ظاهرة ملموسة وواقع سياسي واقتصادي مفروض ومعاش،والحديث عنها يجعلنا ننطلق من فرضية أساسية مفادها أن النظام العالمي الجديد يتميز بتركيبة تنقسم إلى صنفين من البنا الاجتماعية : الصنف الأول تمثله الدول الصناعية الرأسمالية الكبرى وتسمى بدول المركز(centre) أو ما يعرف في المفهوم الشائع بدول الشمال و التي لا تمثل إلا 20 في المائة من مجموع سكان العالم،أما الصنف الثاني فيتمثل في التشكيلات الاجتماعية المتخلفة والتي تسمى بدول الهامش (peripheral) أو ما يعرف في المفهوم التقليدي بدول الجنوب و التي تشكل الحصة الكبرى من مجموع سكان العالم ب 80في المائة.وهذا التقسيم الطبقي ما هو إلا نتيجة للإستعمار الكلاسيكي الذي خلف مجتمعات متأخرة خاضعة لمنظومة كونية globalization تشكل حياتها وتحدد مساراتها السياسية والاقتصادية والثقافية،وهو ما أكده المفكر "محمد عابد الجابري" عندما قال(لقد شكلت الدول المستقلة عن الاستعمار الكلاسيكي ما يسمى بالعالم الثالث ،وهي تشكل دول التخلف بالمقارنة مع الدول التي كانت تستعمرها من قبل، والتي بقيت تتحكم في اقتصادياتها، مما جعل العلاقة بين الطرفين تبدو لبعض الكتاب أنذاك في صورة علاقات طبقية على مستوى عالمي،من هنا وصفتأمام البلدان المستقلة حديثا بكونها أمم بروليطارية). ونفيد من هنا أن السياسة الطبقية إذا كانت على المستوى الوطني تتجلى في إستغلال الطبقة البورجوازية التي تسيطر على معظم وسائل الانتاج ومختلف آليات السلطة للطبقية البروليطارية التي تتكون في معظمها من الطبقة المسحوقة في المجتمع ،فإن السمة البارزة التي تطبع العلاقة ما بين دول الشمال التي كانت تشكل دول الاستعمار المباشر في السابق ودول الجنوب التي كانت تشكل الدول المستعمرة (بفتح الميم) ،هي علاقة العبد بالسيد، والنبيل بالعامي ، والمنتج بالمستهلك...،والمستغل (بكسر الغين) والمستغل (فتح الغين) أو بمعنى آخر هي علاقة طبقية على مستوى عالمي،يترتب عنها تكريس وتعميق وضعية الانحطاط والتخلف التي يقبع فيها المجتمع الجنوبي، عن طريق سلب إرادة الشعوب و إستقلالها السياسي والاقتصادي والثقافي ، وعن طريق تقييد حريتها وسيادتها وسط عصر سريع الاقاع تظل الشعوب المتعثرة فيه تهرول وراءه كالعطشان الضمآن وسط الصحراء القاحلة الذي يلهث نحوالسراب دون جدوى..

. وهنا يثار سؤال ماهي وجوه تأثير ظاهرة التبعية على اقصادات وثقافات وسياسات دول الجنوب؟.

. توابع التبعية الاقتصادية:.. .

. يقوم الاقتصاد العالمي في ظل النظام العالمي الجديد على التبادل الغير متكافئ بين البلدان الاستعمارية الرأسمالية التي تسيطر على معظم الخدمات التيكنولوجية والتي تحتكر إنتاج السلع المصنعة وبيعها بأسعار إحتكارية لدول الجنوب التي تقتصر في عملياتها الانتاجية على تصدير المواد الأولية وإنتاج بعض الصناعات .

. الخفيفة وكذا تقديم بعض الخدمات المعدنية فتقوم ببيعها بأسعار زهيدة تفرضها طبيعة السوق .مقابل .

. الأسعار النارية للمواد المصنعة القادمة من الشمال.مما يجعل عملية التكافئ بين هاته البلدان غير ممكنة بل قل مستحيلة خصوصا إذا علمنا أن دول المركز التي تسيطر على العوامل الرئيسية للتبادل والرساميل تجبر بلدان الهامش من خلال الشركات المتعددة الجنسية على نمو غير متوازن بالتخصص في إنتاج المواد غير مصنعة ذات القيمة المضافة الضعيفة ــ المواد الأولية والخدمات المعدنية البسيطة والطاقة الرخيصة ــ(2).

. وبهذا الشكل ستضمن الدول الرأسمالية الكبرى سوقا خصبة تروج فيها سلعها ورساميلها وتحقق من خلالها ثروات ضخمة وتراكمات مالية هائلة على حساب أزمات دول الجنوب التي تعتبر في خضم هذه المعادلة مجرد مجتمعات مستهلكة بإعتمادها على بنا اقتصادية مشوهة وعلى آليات تدبير بدائية لا تناسب مستوى مثيلتها لدى بلدان الشمال .فماهي إذن الغايات الحقيقية وراء استنزاف اقتصاديات دول الجنوب من قبل دول الشمال؟ هناك حقيقة أكدتها الدراسات الفكرية التي قام بها مجموعة من المفكرين الاقتصاديين بتعدد توجهاتهم وتلويناتهم الفكرية ،على أن معدل الربح في النظام الرأسمالي يتجه على المدى نحو التدهور والتراجع عن مستوياته .

. العالمية. ومن هنا تتأكد نظرية الدورة الاقتصادية التي تبدأ في مراحلها الأولى بالازدهار ثم تليها بعد ذلك فترة من الكساد والأزمة. .

. ومن هنا صيغت المقولة الشهيرة التي تأكد أن تاريخ الرأسمالية عبارة عن سلسلة من الأزمات الدورية ،و المتضرر الأول من هذه الأزمات هي الطبقة الكادحة ،ففي فترة الرواج تكون تحت طائلة الاستغلال البشع ،وفي فترة الكساد تعاني من تخفيضات الأجور أو تجميدها. وعلى العموم يؤدي هذا التناقض على المدى الطويل إلى التفاوت ما بين قدرة النظام الرأسمالي الكبيرة على الانتاج و التراكم المالي من جهة وبين التدهو الكبير على القدرة على تصريف المنتجات واستهلاكها نتيجة سوء توزيع الدخل الوطني .

. وتدهور القدرة الشرائية لدى العمال الذين يشكلون القوة الاستهلاكيةالرئيسية للنظام من جهة أخرى... من هنا يشرع النظام في البحث عن سبل تدبير أزمته بدلا من علاجها، حيث يكون الهدف إنتاج نفس الشروط السابقة للإنتاج والتراكم على الصعيدين الداخلي والخارجي ثم السقوط بعد ذلك في أزمة جديدة. ويشكل التفاوت الدائم بين القدرة الهائلة على زيادة حجم الانتاج وبين القدرة المحدودة على تصريف المنتجات ،تناقضا أساسيا يهدد النظام الرأسمالي بعدم التوازن وبصعوبات تكرار الانتاج الموسع واندلاع الأزمات، لذلك يصبح تصريف فائض الانتاج داخل النضام الاقتصادي الرأسمالي مع مرور الوقت مستحيلا. لذا وجد النظام الرأسمالي أن حل التناقض يجب أن يكون خارجيا ،أي خارج دائرة الاقتصاد الوطني،وفي بيئات غير رأسمالية، أي في مناطق وبلاد لم تتحول بعد إلى النظامالرأسمالي،لأنه لو تمت محاولة التصريف في بيئات رأسمالية مماثلة، فإن المشكلة ستستفحل أكثر.(3).

. من هنا يلجأ النظام الرأسمالي لتصريف أزمته، عن طريق غزو إقتصاديات الدول السائرة في طريق النمو، بضخ استثماراتها في شرايين اقتصاديات هاته البلدان، وبتسهيل عملية التنشيط المالي عن طريق تقديم الديون والمساعدات المالية وكذا بتخصيص برامج اقصادية إصلاحية لها ،وهذا إن دل على شيء إنما يدل كما أكدت"روزا لوكسومبورغ"على أن الانتاج الرأسمالي لا يقدر على الوجود بذاته فهو في حاجة إلى أنظمة اقتصاديةأخرى كأدوات وكتربية للنمو والتكاثر. فالنظام الرأسمالي يجد نفسه عاجزا عن النمو والتطور بدون أسواق شاسعة تمكنه من بسط نظمه ومناهجه الاقتصادية التي تعتبر الأساس لتحقيق أطماعه وغاياته الوحشية..

. هذه الأطماع التي تنحصر في استنزاف الثروات الباطنية واستتباع الطاقات المادية والبشرية لدول الهامش،وكذا في زرع الثقافة الانهزامية، حتى تتمكن الدول الامبريالية من عزل الدول الفقيرة وحصرها في قاع الاقتصاد .

. العالمي.(قي الوقت التي تنمي هي الثروة وتدفع بعجلة نمو اقتصادياتها مخلفتا العوز والتدهور لذا دول الهامش التي ستبقى دائما وفق هاته الخطط الوحشية على هامش التاريخ).فالامبريالية كما يعرفها المفكر .

. الاقتصادي "أندريه جندر فرانك"بأنها أسلوب للإستعمار والاستغلال تتوجه إلى ؛حصر النمو الاقتصادي للدول المتخلفة في قطاعات التعدين و الزراعة ،لكي تأمن المواد الخام للدول الرأسمالية المتقدمة في توجهها إلى .

. تصنيع أكبر، ليزيد الغني في غناه وليستمر الفقير في فقره وباستمرار العوز والتدهور ستبقى دول .

. الهامش في حاجة دائمة إلى إستثمارات ولأموال وصناعات المركز، وبالتالي ستبقى في تبعية دائمة لهذا الأخير الذي سيعتبر بهذا الشكل قد حقق أسما غاياته الاستعمارية..

. لكن ماهي الآليات التي يعتمد عليها النظام الرأسمالي لتحقيق ذلك؟.

. لقد لعبت الشركات المتعددة الجنسية(multinational firm) لمدة تزيد عن خمس عقود دورا محوريا في تنامي .

. الرأسمال الغربي وفي تمتين أدواته ومرتكزاته لدى دول الجنوب، بإعتبارها تقوم على منطق أن الرأسمال .

. لا وطن له أولا حدود له، وبهذه الطريقة شكلت الشركات العبر وطنية إحدى أقوى الآليات .

. التي إعتمدها المركز الرأسمالي لإمتصاص أزماته الاقتصادية والمالية، فالتأثير القصير المدى لهذه الشركات على إقتصاديات دول الهامش كما يرى ذلك "بيكفورد"يزيد من حجم الدخل القومي ويفتح مجالات جديدة للإنتاج، ولكن تأثيره المؤسساتي البنيوي الطويل الأجل يتمثل في تشويه استخدام الموارد في إقتصاد المحيط وكذا في إستخدام الأرض و أسواق العمل وحصص الاستثمار، و يضيف" بيكفورد" أن المنطق الذي تعمل بيه هذه الشركات مشتق من هدف المشروع ككل، ومن ضمنها عملية التصنيع والتسويق في المركز، وبالتالي فهو يؤثر في تخصيص الموارد من وجهة نظر هذه بإستخدام عيوب السوق(قوة الاحتكار في المبيعات والاستهلاكات) للوقوف ضد مخاطر الكوارث الطبيعية والاستهلاكية. إن إهتمامهم بالحفاظ على عمالة رخيصة نسبيا وعلى ضرائب منخفضة وعلى حرية المناورة لا يناسب عادتا التنمية المتوازنة لدول المحيط التي ينتجون فيها.(4).

. وهكذا يلاحظ أن عملية الاستيطان التي تقوم بها هذه الشركات تمر بمرحلتين:.

. تتمثل الاولى في عمليات الاستثمار والتوسيع من نطاق الانتاج وضخ العملة الصعبة في البلد، كل هذه العوامل تساهم في الرواج الاقتصادي وفي الرفع من مستوى الدخل الإجمالي للبلاد.وعلى العموم فهذه المرحلة تتسم بالليونة واللطافة إن صح التعبير، بيد أن، هذه العملية تعتبر مرحلية أو بمعنى أصح مجرد تبسيط للساحة، من أجل عملية ومرحلة أخرى تتمثل في إحتكار الانتاج الصناعي و السيطرة على المنافذ المالية، و التحكم في آليات التسويق ثم الاستحواذ على معظم الاستثمارات في مجال المواد الأولية ،وهذه المرحلة التي يمكن تسميتها بالمرحلة الوحشية على نقيض سابقتها تؤدي إلى إفقار الانتاج المحلي ثم القضاء عليه وكذا نمو نشاط إقتصادي تصديري موجه للخارج، إنفصام البنية الانتاجية وتفاوت في توزيع الدخل ثم بزوغ بورجوازية تجارية كمبرادورية مرتبطة بالرأسمال الأجنبي،و بالتالي تشويه البنية الاقتصادية المحلية وجعلها في علاقة تناسبية مع الاقتصادات المستعمرة. .

. وهذا ما يفسر سيطرة ثلة قليلة جدا من الشركات معظمها أمريكية على معظم إقتصادات العالم، إلى درجة أصبح الدخل الإجمالي للواحدة منها يفوق الدخل الإجمالي لمعظم دول جنوب الصحراء..

. و تتجلى ظاهرة التبعية الإقتصادية بجلاء خصوصا على مستوى العلاقات التجارية لدول الهامش ، حيث نجد الأرقام الإحصائية والنسب المأوية واضحة وفاضحة في هذا الجانب:.

. ــ فعلى المستوى التيكنولوجي تستورد هذه الدول جل مستلزماتها من الصناعات الثقيلة والخفيفة والمتوسطة من دول المركز بنسبة تزيد عن 70 في المائة من إستعمالاتها..

. ــ وعلى المستوى الغذائي تصل نسبة المواد الغذائية القادمة من المركز إلى الجنوب إلى 60 في المائة حتى تتمكن من هذه الأخيرة من تحقيق حاجاتها و أمنها الغذائي. كما أن مساهمة التجارة الخارجية في الناتج المحلي لهذه البلدان تفوق 80 في المائة وهو رقم جد مهول..

. ــ وعلى المستوى المالي فإن المديونية الإجمالية للدول العربية على سبيل المثال لا الحصرـ كنموذج لدول الجنوب ـ تبلغ اليوم حوالي 380مليار دولار وهي بذلك تساوي إجمالي الدخل السنوي لبلدان الوطن العربي مجتمعة..

. ويجب التذكير بأن المديونية الخارجية كانت دائما هي السبيل الناجم عن التحكم المطلق للرأسمالية على الصعيد العالمي، ويعتبر هذا التحكم المطلق هو التعبير الاقتصادي و السياسي على بلوغ مرحلة العولمة الليبرالية.(5).

. فهذا الرقم الفاحش من المديونية العربية سيبقى كرقم سجين على صدرها، لأنها ستبقى حبيسة الرأسمال الأجنبي ورهينة لمناهج ونظم إقتصادها ،تفرضها عليها بعض المنظمات التي وجدت خصيصا لخدمة ظاهرة التبعية ولتنميط النظام الرأسمالي على سائر بقاع العالم في ظل ما أصبح يصطلح عليه بالنظام العالي الجديد، و نجد من بين أبرز هذه المنظمات و المؤسسات الإستعمارية (البنك الدوليworld bank، صندوق النقد الدوليinternational monetary find، الجاط gatt، منظمة التجارة العالمية...)..

. كما أنه بقراءة بسيطة للأرقام السالفة الذكر يتضح أن أسواق دول الهامش تمثل أسواقا إستهلاكية وتربة خصبة للخدمات القادمة من دول المركز،وبالتالي سيبقى مصير هاته الأسواق محكوما بمدى توسع و انكماش وضعية الرأسمال الأجنبي ففي الوقت الذي سيعرف فيه إنتعاشا وزيادة في حجم التراكمات الماليةسيصل هذه البلدان نصيبها من فتات التنمية و الرخراء،أما في الأوقات التي سيمر فيها الرأسمال الأجنبي من لحظات الانكماش فإن الواقع سيكون مهولا على الدول التابعة له. وهنا تكمن المفارقة التي تبين مدى ضخامة الوحشية الرأسمالية ، حيث أن الازدهار المالي الناتج عن التراكم المالي الذي تم تصريفه في دول الهامش لا تستحق منه هذه الأخيرة إلا الفتات القليل، بيد أن ثقل الأزمة وظروف الأزمة التي قد يمر بها الوضع الرأسمالي العامي لبرهة لا تتحملها ولا تتكبدها إلا الدول المستضعفة. وهذا ما يفسر حالات البطالة والعطالة والفقر والتهميش والفساد والتشظي الأمني والأهلي الذي تمر به معظم دول الهامش. بحيث لايعقل أن تستحوذ دول المركز التي تمثلها الدول الأكثر غنا في العالم على معظم الثروات المالية في العالم مع العلم أنها لا تمثل سوى20 في المائة، في الوقت الذي تقبع فيه 80 في المائة من سكان العالم الذين يمثلون الدول الفقيرة على عتبات الفقر و الجوع والحرمان والكساد والإنفلات الأمني. .

. وحاصل القول في هذا الجانب هو أن التبعية الإقتصادية وما لها من إنعكاسات على إقتصادات دول الهامش من خراب في هياكلها وفي نظم تسييرها وفي إستقلالية قراراتها الإقتصادية، و كذا في إنعكاساتها على مستوى معيشة الشعوب، تلك ماهي إلا شكل من أشكال التبعية الممنهجة للغرب الرأسمالي الذي لا تنحصر أطماعه في بسط يده على إقتصاد العالم فقط بل يتعدى ذلك إلى الإختراق والتعدي على ثقافات وحضارات الشعوب وأيضا حتى إستقلالها السياسي..

. فكيف يتم ذلك؟.

. توابع التبعية الثقافية:.

. إذا كانت من الانعكاسات السلبية "للتبعية " على المستوى الإقتصادي كما سلف الذكر تتجلى في بوغ درجات دنيا من مستويات التنمية وفي تفشي ظواهر خبيثة من فقر وعوز وبطالة وركود و إنهيار مهول للخدمات الاجتماعية والصحية و إفتقاد شروط الحياة الكريمة وبزوغ هوة ضخمة بين طبقات المجتمع ،فإن إنعكاسات هذه الظاهرة على المستوى الثقافي والحضاري ــ وهو ما يسمى بالغزو الثقافي أو التغريب الحضاري ــ يكون أكثر كارثية بحيث يتجلى ذلك في تفكيك قيم المجتمعات وتدمير نسيجها الثقافي والتاريخي و إستبدالها بمنظومات قيم أخرى وبنيات ثقافية جاهزة يقال عنها أنها الأرقا..

. فماهي أشكال هذا الغزو الثقافي؟ وماهي أبرز مظاهره الحالية؟و أين تتجلى نتائجه وانعكاساته على مستوى الثقافات الوطنية والقومية؟.

. يختلف الغزو الثقافي عن الغزو العسكري في أن هذا الأخير كان يستمد قوته من آليات الإخضاع الخارجي، من إستراتيجيات عسكرية ومن أسلحة فتاكة ومن جيوش ضخمة بالإضافة إلى المناورات والضغائن السياسية. .

. بخلاف الغزو الثقافي الذي يعتمد على آليات الإخضاع الداخلي وهي أشد خطرا من سابقتها، لأنها من جهة غير ظاهرة ومن جهة أخرى غير خشنة بإعتمادها على أساليب لينة ومهظومة،وبالتالي فعدو الأمس كان محترسا لأنه كان يعلم بأنه سيواجه مقاومتا شديدة ورفظا مطلقا من أصحاب الدار، بينما عدو اليوم هو في أتم راحته وطمأنينته لأنه يعلم ببساطة أنه يستطيع أن يخترق جميع البيوت حتى المحكمة إغلاقا أبوابها ونوافذها. وهكذا فالاستراتيجية القديمة التي كانت قائمة على منطق "إخضاع الأبدان أولا... ثم إخضاع النفوس" تحولت اليوم إلى إستراتيجية إخضاع النفوس أولا التي ستعبد الطريق إلى إخضاع الأبدان بعد ذلك بكل سهولة ويسر، وبدون إستخدام أي نوع من أساليب الضغط العسكر..

. فلا جرم من القول إذن بأن "الغزو الثقافي" هو آلية لتذويب الثقافات الوطنية والثافات القومية بزعزعة هوياتها وطمسها وسلب مكوناتها وجعلها رهينة لنمط ثقافي واحد و وحيد هي ثقافة المركز المهيمن بزعامة أمريكا.وقد سبق أن قال الرئيس الأمركي السابق "غروفور كليفلاند"(1893)في إحدى خطبه :"إن دور أمريكا الخلاق هو تحضير العالم ليصبح أمة واحدة تتكلم لغة واحدة" أي بمعنى آخر جعل الأمم سجينة سلوكيات وثقافة أمريكا الهجينة، بنقل هوامش الثقافة التي تعبر عن واقع وطن أو أوطان أخرى أجنبية ذات ماض وحاضر مختلفان، بقدر كبير، إلى حاضر وطن آخر بل إلى ماضيه وحتى مستقبله..

. ووبهذه الطريقة ستفرز لنا الثقافة التابعة أو "التبعية الثقافية" مجتمعات معادلة للثقافة اللاوطنية و اللاقومية، بإعتبارها قائمة على تجاهل تراثها وقيم تاريخها. وهنا يلاحظ بأن مفهوم التبعية الثقافية مرتبط كل الإرتباط بمفهوم التغريب والإستلاب، أي الإحتداء بالغرب و بأنماط عيشه المختلفة، وخلق هوة شاسعة مابين المرء و واقعه. حيث تسكن الذات مشاعر التغرب والانسلاخ عن الذات،الشيء الذي يحولنا (نحن الأمم التابعة) إلى أمم ميتة، جامدة مقلدة، مستهلكة وغير منتجة، مفعول بها وغير فاعلة..

. وهنا يقدم جبران خليل جبران توصيف عميق يصلح لتصوير حالة الاستلاب و العجز التي أصبحت تعرفها البلدان المتخلفة بصفة عامة والبلدان العربية بصفة خاصة في ظل ما أصبح يصطلح عليه ب (النظام العالمي الجديد)، حيث يقول(كان الغربيون في الماضي يتناولون ما نطبخونه فيمضغونه محولين الصالح منه إلى كيان غربي، أما الشرقيون في الوقت الحاضر فيتناولون ما يطبخه الغربيون ويبتلعونه ولكنه لايتحول إلى كيانهم بل يحولهم إلى أشبه غربيين وهي حالة تبين لي الشرق كعجوز فقد أضراسه و طور آخر كطفل بدون أضراس)..

. وتتم عملية التنميط الثقافية عبر شتى وسائل السيطرة التقنية والمعلوماتية والإتصالات، ولاسيما إستعمال الأقمار الصناعية.ولا شك أن أخطر مظاهر التنميط وسيلتا هو شيوع ثقافة الصورة بديلا عن ثقافة الكلمات ، و إنتشار الكتاب الإلكتروني (أقراصcd.rom) مما يضع جمهور الأطفال والناشئة أمام الاستبداد التقني الذي يقلل الخيال والإبداع جراء ذلك، ناهيك عن سرقة الوقت... والمشاعر والأفكار ووضع هذا الجمهور في حالة عطالة ذهنية وثقافية أمام منتجات التنميط الثقافي وقوتها الهائلة.(6).

. وبهذا الشكل يسهل على الإحتلال الثقافي أن يرسي جذوره و أن يوسع مقامه داخل الثقافات المحتلة بعدما يكون قد تخلص من كل ما له صلة قريبة أو بعيدة من الثقافة المحتلة..

. فبرؤية بسيطة لمجال الإعلام على سبيل المثال لا الحصر نجد الإحصاءات أيضا واضحة وفاضحة، بحيث تسيطر دول الشمال على 95 في المائة من وسائل الإعلام العالمي مقابل 5في المأة لدول الجنوب. فألا تدل هذه المعدلات على مدى السيطرة الغربية على مجال الإتصال بكافة أنواعه، من القنوات الفضائية ومن الأقمار الصناعية ومن الصحف والمجلات والإذاعات والكتب، بالإضافة إلى وكالات الأخبار التي تسيطر على جل مصادر الخبر. و بالتالي قدرتها على تسريب ما يحلو لها من الأفكار والبرمجيات والثقافات التي تخدم مصالحها وتذكي علوها وهيمنتهان على حساب خصوصيات الآخر وثقافته وحضارته..

. فخطاب الغر المستعلي في ظل زمن العولمة أو مايسمى بالنظام العالمي الجديد، هو خطاب العقل والنفوس، وعليه (فإن الهجوم الثقافي الواسع يحمل خطاب متعدد الأوجه والأبعاد. .

. و ملتمس بمائة خطاب، وهو موجه بالدرجة الأولى إلى العالم الثالثي بغية تذليله وتحويله إلى مجرد جهاز مستقبل مكدود ومحدود). الشيء الذي سيجعله جهاز سلبي وفقير مسلب الخصوصية والهوية ومفتقد إلى روح الإبداع والإبتكار لأنه مجرد عقل تابع وجامد..

. وفي خضم هذه البهرجة الغربية نجد معظم النخب المثقفة في بلدان العالم الثالث تتشبث بالأنجاد والأوتاد بالتجربة الغربية وبإستراتيجيتها الحداثية المبنية على منطق وحشية الرأس مال، بل تعمل على إستلهامها وزرع كيانها داخل تراب أوطاننا و أراظينا وواقعنا.وبالتالي تكريس ثقافة التبعية للغرب وتسليمه مصيرنا و أوراق إعتمادنا له بإعتباره الوكيل الذي يملك المفاتيح التي ستخرجنا من غيابات التخلف واللا إستقرار .غافلين غير شاعرين بمسوؤولية هذا الملاك الوهمي عن هذا التخلف وحالة البطالة والعطالة التي نتكبد خسائرها يوما بعد يوم، و ما إنغماسنا في نظمه الثقافية والإقتصادية إلا تعميق للأزمة المعاشة وتكريس لمنطق الهزيمة التي يريدها لنا الغرب. فإنصراف النخب للإنبهار بالغرب والإنشغال بالجدل اللفظي والحوار العقيم، بدل أداء دورها التحسيسي والتوعوي بالأخطار الحقيقية التي تصدر عنه، يجعلها نخبة عميلة ومستلبة تضر ثقافات وحضارات وقيم بلدانها أكثر مما تنفعها..

. ومخلوص القول هو يجب الاعتراف بأننا نعيش حالة من غزو الثقافات والخصوصيات وهذا ما أكدته أطروحات غربية عديدة"كصراع الحضارات لهنغتنتون"،و"نهاية التاريخ لفوكويام" وغيرها من الالأطروحات (التي سنحاول إلقاء شيء من الضوء عليها في مقالات مقبلة )..

. فما هو السبيل للتصدي لهذا الغزو؟ و أليس التبعية السياسية هي التي تمهد للتبعية الاقتصادية وكذا للتبعية الثقافية؟ وبالتالي الحد منها هو الحل في التصدي لذلك؟.

. توابع التبعية السياسية: .

. أدى إنهيار المعسكر الاشتراكي و توحيد الألمانيتين عشية بداية التسعينات، إلى تغيير واضح على مستوى النظام الدولي ودواليبه وتشكيلاته، بحيث برزت مجموعة من القوى العالمية والإقليمية الجديدة والتي أخذت تنافس الدول في المجال السياسي، و من أهم هاته القوى المجموعة الأوربية التي تشكل أكبر تكتل إقليمي في العالم، ثم نجد إنفراد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة العالم بعد إنزياح السوفييت عن الطريق..

. كل هذه العوامل وعوامل أخرى ستساهم في رسم حريطة جديدة للعالم من أبرز سيمها، بروز مايسمى بالقطبية الأحادية و أطماع السيطرة على العالم من طرف الولايات المتحدة الأمريكية عن طريق" الإستتباع السياسي " الذي يعتبر الممر للتبعية الإقتصادية ثم التبعية الثقافية والاجتماعية..

. فكيف يتم إخضاع القرارات السياسية للإرادة الأمريكية؟ و ماهي أبرز تجليات هذا الإخضاع على السيادات الوطنية؟.

. إن سيادة الدولة وإستقلالها السياسي كانا يشكلان دائما الوحدة الارتكازية لممارسة الدولة لصلاحياتها ونشاطاتها وقراراتها وتشريعاتها ومراقباتها لأراضيها وثرواتها، أصبحت الآن مجرد حلقة صغيرة ضمن سلسلة من العلاقات و التأثيريات في عالم يزداد إنكماشا يوما بعد يوم " فالقرارت التي تتخد في عاصمة من العواصم العالمية، والتشريعات التي تخص دولة من الدول تستحوذ مباشرة على إهتممام العالم بأسره.والسياسات التي تستهدف قطاعات اجتماعية في مجتمع من المجتمعات تؤثر تأثيرا حاسما في السياسات الداخلية والخارجية لكل المجتمعات القريبة والبعيدة" .

. فالبلدان المتخلفة في ظل النظام العالمي الجديد ونظام الأحادية القطبية، هي مجرد مفعول بها بفعل فاعل الفعل السياسي الدولي، الذي تلعب فيه أمريكا و من حولها باقي البلدان عالم المركز، مركز صنع القرار السياسي وترسيم الخيار الاقتصادي ورسم التصور الأيديولوجي للعالم..

. وهذا ما يظهر بجلاء على ساحة العلاقات الدولية التي أصببحت محكومة بسياسة softpower تارتا و hardpower تا رتل أخرى، الهادفة إلى سلب إرادة الشعوب السياسية و إخضاع قراراتها و إختياراتها السياسية،حتى تتمكن من تحقيق مخططاتها التوسعية في المجال الإقتصادي و حتى الحضاري. سواء من خلال سياسة القوة الناعمة softpower التي ترمي إلى إخضاع الشعوب للقرارات الأمريكية بالوسائل السلمية، أو من خلال سياسة hardpower التي تستعمل فيها قوة السلاح والعسكر والقمع والحصار ضد الشعوب الرافض لسياسة أمريكا التسلطية. و أبرز توصيف لهذه الآلية الحرب على العراق الذي رفض الرضوخ للمخططات الأمريكية فكان مصيره الغزو العسكي الذي إستطاع بقوة الحديد والنار أن يخضع مصيره وفق المصالح الأمريكية. ونفس المآل عرفه الأفغان حيث تم إستبدال نظام الدولة السياسي بنظام يتوافق مع الإرادة الأمريكية وكذلك وذواليك مع الحصار الذي كان مضروبا على ليبيا بالإضافة إلى إيران وسوريا....

. كما تتجلى أشكال التبعية السياسية حتى في أحقية تقرير مخططاتنا الإصلاحية، فها هو "مشروع الشرق الأوسط" يطل علينا مبشرا بالإصلاح والتنمية المزعومة، وهو مشروع أمريكي محض مضمونه الأساسي الليبرالية وفق المقاصاة الأمريكية، أي ديمقراطية إطلاق العنان لحرية السوق وللمضاربات الرأسمالية دون التفكير فيما يتفاقم عن هذه القوانين المضنية من إضعاف إرادة الدولة ونهب خيراتها وإحتكارها بيد طبقة واحدة وبالتالي تنامي المشاكل الإجتماعية وسحق الطبقات الدنيا وبروز طبقة بورجوازية عميلة لأطماع المركز. ب.

. الإضافة إلى إقحام إسرائيل في المنطقة و إعطائها الدور الريادي في تسيير دواليبها، وكذا الترويج لمصاح الشركات الإستيطانية، إضافتا إلى حراسة المصالح الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة..

. ولا تتجلى التبعية السياسية فقط في إخضاع سيادة الدول للمركز، بل تتجلى أيضا في إخضاع وتوظيف بعض المنضمات الدولية كالأمم المتحدة و مؤسسات التمويل الدولية كالبنك الدولي و منظمة التجارة العالمية من أجل خدمة مصالح القوى العظمى في العالم، بالضغط على حكومات الدول وخاصة دول العالم الثالث، والتأثير على سياستها وقراراتها السيادية..

. ونخلص مما ذكر إلى أن التبعية السياسية تعتبر المفتاح والقنطرة التي يمر منها إلى التبعية الإقتصادية والثقافية. لأن الإرادة السياسية والإستقلال الوطني والحرية في الإختيارات السياسية هي المحدد لمصير الشعوب( فلو حصنا ذاتنا مثلا بفرض أنظمة سياسية ملائمة للمعطيات الإجتماعية الوطنية و للخصوصيات الثقافية المحلية، وفرضنا قيود صارمة على الإملاءات التي تأتينا من المركز من المأكد أنه سنستطيع بناء مجتمعات مستقلة صامدة ضد كل الرياح التي تأتي من الخارج ولو كانت من طينة الأعاصير..

. نهاية من أجل البداية:.

. وبعد إننا نخلص من هذه الدراسة المقتضبة حول إنعكاسات وتجليات ظاهرة التبعية على النظم السياسية و البنيات الإقتصادية و السوسيوثقافية للمجتمعات العالم الثالثية إلى نتيجة واضحة وفاضحة، مفاذها:.

. ــ أننا نعيش في مجتمع عالمي طبقي تستحوذ فيه أقل من 300 عائلة غربية على 80 في المائة من ثروات العالم..

. ــ زرع إستراتيجية "تنمية التخلف" داخل البلدان النامية من أجل تمتين جذور التبعية..

. ــ تفشي الإستيلاب الثقافي الناتج عن الإنبهار بالحضارةالغربية..

. ــ ظهور بورجوازية كمبرادورية داخل البلدان التابعة كعملاء للإستراتيجيات الغربية..

. ــ تبعية القرار السياسي للغرب الرأسمالي عن طريق سلب إرادة الشعوب بمختلف وسائل الإخضاع الوحشية..

. ــ هيمنة النظام الرأسمالي الإحتكاري بمبادئه و قواعده على الإقتصاد العالمي..

. كل هذا وذاك يجعلنا نعيش اليوم في مرحلة مواجهة بين الشمال والجنوب، بحيث لا يمكن وضع حد لهذا الصراع .

. إلا بتغيير حقيقي للنظام الدولي، بما يحقق دمقرطة العلاقات الدولية وتطبيق المبادىء .

. الديمقراطية التي ينادي بها الغرب داخل بلدانه على الصعيد العالمي و تحقيق العدالة الإجتماعية و الإقتصادية و محاربة الرشوة و الفقر والأمية و الأمراض داخل بلدان العالم الثالث. إذ لا يعقل أن يبقى الغنى الفاحش في مناطق جد محدودة من العالم و الفقر المدقع في بقية المعمور.(7) بيذ أن لاشك من أنه لابديل عن السير قدما نحو الخلاص من دواليب التبعية وتبعاتها و رسم أفق التقدم والإزدهار الإقتصادي، إلا بإحداث طفرات واسعة على مستوى الإطار السياسي و الإقتصادي و الثقافي الذي نعيش فيه، وإقامة مجتمعات مدنية مستقلة الإرادة تستمد قوتها من أسس ديمقراطية متينة. ورسم مشاريع سياسية وإقتصادية إنتاجية متحررة عن النموذج الغربي ..

. ثم وضع خطط إستراتيجية دفاعية ضد كل الأطماع الأجنبية على ثرواتنا و على أسواقنا. وتكثيف التعاون الإقتصادي جنوب ــ جنوب و إحداث تظيملت مالية خاصة بها.بيذ أن هذا لايعني إحداث قطيعة تامة مع الغرب الرأسمالي بل بالعكس من ذلك من الضروري إحداث تلاقح معه على كافة المستويات و المجالات على أساس الإستفادة من تجاربه التيكنولوجية وكذا الإقتصادية و الإجتماعية ومحاولة تبيئتها وفق أنساقنا السياسية ووفق خصوصياتنا السوسيوثقافية.فهل يمكن ذلك؟.

. ســـؤال فـــيـــه نــظــر....

. ســـؤال يــؤســس لــقــول و لإشــكــال آخــر..... .

. /المغرب /تاونات.

. في 22 غشت 2005 .

. (1) محمد سعيد الطالب : الثقافة والتنمية المستقلة في عصر العولمة.(من منشورات إتحاد كتاب العرب )عن موقع إتحاد كتاب العرب.دمشق..

. (2) نفسه....

. (3) عبد السلام أديب : الأزمة الإقتصادية في المغرب إلى أين؟منشورات النهج الديمقراطي 2005 ص:23و24..

. (4) تيمونز روبيرتس، أيمي هايت، ترجمة: سمر الشيشكلي: من الحداثة إلى العولمة. سلسلة عالم المعرفة .

. عدد 310 ص:57. (5) عبد السلام أديب نفس المرجع السابق... ص:19..

. (6) عبدالله أبو هيف.الغزو الثقافي.مجلة النبأ العدد 63..

. (7) المهدي المنجرة.حوار التواصل (من أجل مجتمع معرفي) دار وليلي 200 ص:60. .

العرب بين التبعية... والتصحر السياسي(5)

 يمرّ العرب في أصعب مرحلة سياسية تستهدف وجودهم السياسي على مستوى الأمة وعلى مستوى البلاد المستقلة حيث يواجهون مصير الانقياد والتبعية على ثلاثة مستويات (الفرد... الدولة... الأمة).

فعلى مستوى الفرد يتعرّض الإنسان العربي لحالة مسح لذاكرته التاريخية والثقافية والعقائدية لتحويله إلى فرد تابع دون جدال لا يملك حق تقرير مصيره فيصادر فكرياً وثقافياً ليغرق في العولمة الاقتصادية والعلمية والسياسية بدأت تنعكس على مظهره الخارجي ومفرداته وسلوكياته المتنوعة ليقلد بالشكل ما يفترضه انسجاماً مع الآخر (الغربي) أو إنكاراً لانتمائه ظناً بأنه الطريق لكسر الحصار المفروض عليه خارجياً وفراراً من القيود الداخلية التي تقزمه وتصنعه كآلة بشرية بما يخدم النظام عليها أن تقنع بما يعطى لها لتأمين الحياة دون أن تتدخل بالسياسة او التفكير وتمارس نشاطها الديني الجاف المحصور بطقوس بين المخلوق والخالق دون انعكاس للدين على السلوك الفردي والجماعي مما صنع إنساناً عربياً على نوعين:

ـ إما مستسلماً للواقع المفروض طلباً للسلامة أو بالتالي الرضى بالإلغاء من حركة المجتمع العامة.

ـ أو متمرداً على الواقع فيتحول الى سجين في المعتقلات او مطارداً كإرهابي او خارجاً على القانون.

ـ مهاجراً كلاجئ سياسي في بلاد الله الواسعة وبالتالي يختار الإلغاء السلبي خارج المعادلة، ولأن الكيان الاجتماعي هو البناء المتكامل للأفراد فبعد ضياع الفرد وتصنيعه بشكل يتلائم مع النظام فيؤدي ذلك لهدم البنية الاجتماعية وتدمير المجتمع الأهلي بصفاته السياسية والفكرية، ويبدأ تتلاشى هوية الدولة ويتحول النظام الى مجلس إدارة سياسي او عسكري لتنظيم عملية القيادة والضبط العام لما يسمّى (الشعب) المفرغ من طاقاته والذي يحتفظ بدوره الذي يصفق للزعيم أو القائد او يكون عدداً يحقق نسبة الـ 98٪ في الاستفتاءات الشعبية.

ـ وبعد تفكك الدائرة الأولى على صعيد الفرد والمجتمع يرى النظام نفسه في مرحلة الصراع الدائم مع شعبه أو الانشغال بضبطه وتصبح قاعدة استقراره معرضة للاهتزاز الدائم وعدم الحماية الداخلية فيصبح لقمة سائغة بيد الدول العظمى التي تعرض خدمات الحماية السياسية والأمنية والمساعدات الاقتصادية مقابل مصادرة سياساتها الخارجية والعمل الأمني المقابل بما يعني التبعية الكاملة والانقياد الأعمى للخارج بحيث يصبح الحاكم وكيلاً سياسياً عن الدولة التي يحكم لمصلحة الدولة الراعية مقابل مكاسب شخصية له ولعائلته وبطانته.

هذا الواقع السياسي للعرب والذي تم التفلت منه بشكل ما في الفترة ما بين الحرب العالمية الثانية والسبعينيات، حيث حصلت بعض الانقلابات الوطنية او الثورات، تعرض لانتكاسات سياسية وجيو سياسية باحتلال فلسطين عام 1948 او بانتكاسة حزيران عام 1967 وحاول العرب النهوض من هذه النكسات عبر حرب تشرين عام 1973 بالتعاون مع الاتحاد السوفياتي السابق حيث نجحوا الى حد ما في إعادة الحياة لقرارهم السياسي والاقتصادي (النفط) وإدارة التكامل بين الاقتصاد والسياسة، لكن ما لبثوا أن دخلوا في سبات عميق بعد الانكفاء السياسي لمصر بعد اتفاقية كامب دايفيد مع الكيان الصهيوني.

وتجاوز هذا السبات الثلاثة عقود حتى الآن، وبدأ انفراط عقد الموقف العربي الموحد من خلال تقويض العمل العربي المشترك وإلغاء الجوامع المشتركة بحيث تم تهميش الجامعة العربية ودورها واستبدالها بكيانات اقليمية عربية (مجلس التعاون الخليجي...) والتحالفات الثنائية او الرباعية ومن ثم تكوين ثلاثية سياسية عربية (مصر ـ السعودية ـ سوريا...) في القرارات المصيرية الكبرى كعمود فقري يجمع الشتات العربي، وبدأ عقد الدول العربية بالانفراط واحداً تلو الآخر، العراق يجتاح الكويت، يهدّد السعودية ويستفز سوريا، الأردن توقع اتفاقات السلام مع اسرائيل، وتوتر مع سوريا حول المياه، ليبيا تحت الحصار بعد حادثة لوكربي، الجزائر وإلغاء الانتخابات النيابية بعد فوز جبهة الانقاذ والحرب الأهلية التي حصلت وجعلت الجزائر على هامش الفعل السياسي العربي والعالمي وإلغاء دورها الجامع او المساند، حصار العراق وبعده الاجتياح الاسرائيلي للبنان، واحتلاله وعمليات الاغتيال، موريتانيا والعلاقات مع اسرائيل، حروب السودان الداخلية التي بدأت ما بين النظام وحركة حسن الترابي الاسلامية لإضعاف مركزية الحكم قبل إعطاء الزخم لحركة الانفصال في الجنوب السوداني، ولحركة التمرد في الشمال.

وبالتالي دخل العالم العربي القرن الواحد والعشرين أشلاء سياسية متناحرة إما بين بعضه البعض كدول، او داخلياً كأنظمة وشعوب، وبالتالي أسقط لفظ العالم العربي كواقع سياسي وجغرافي وجيو سياسي وتحول الى (الشرق الأوسط) لتكون اسرائيل جزءاً من هذه المنظومة السياسية دون غربة مع العالم العربي (السابق) ومن ثم تم تطوير الشرق الأوسط الى الجديد وفق الرؤيا الأميركية، بإضافة الوجود الاميركي إقليمياً في أفغانستان والعراق والكويت وقطر.. والأردن وبقية البلاد العربية أُعطي هذا الشرق الأوسط إسماً جديداً هو (الشرق الأوسط الجديد) الذي يرتكز على قواعد جديدة تحدّد هويته وهي:

1ـ شطب الهوية العربية الحضارية والثقافية والتاريخية.

2ـ إلغاء السلاح الاقتصادي (الأساس) في العالم العربي وهو النفط إما عن طريق المصادرة المباشرة (الاحتلال) او التحكم بالأسعار (20 دولاراً او استرجاع عائدات النفط بطرق الخداع كما حصل في قضية الأسهم في السعودية والخليج عام 2006 حيث بلغت خسائر المملكة العربية السعودية 243 مليار دولار بينما بلغت عائدات النفط لعام 2006 ما يقارب 170 مليار دولار، وكذلك فإن خسائر دول الخليج في البورصة عام 2006 بلغت 423 مليار دولار أي ما يوازي مرة ونصفاً مبيعات النفط عام 2006 للدول الخليجية.

3ـ إحداث الثقوب السياسية والأمنية في العالم العربي على مستويين:

أ ـ على مستوى الصراع بين الأنظمة والحركات الأصولية (القاعدة).

ب ـ الاحتلال المباشر او التدخل الأمني المباشر.

اسرائيل في فلسطين والتهديد والتدخل في دول الطوق (لبنان ـ سوريا ـ الأردن ـ مصر)، أثيوبيا (الصومال)، الوجود الأميركي (العراق ـ الكويت ـ قطر ـ البحرين)، السودان (حركة الجنوب ـ والشمال..) الجزائر (الحرب مع الجماعات الاسلامية)، المغرب (الصحراء الغربية)، السعودية (القاعدة)، مصر (الأخوان المسلمين)، وبعدها تحريكاً لأقباط (بعد شق الكنيسة القبطية لحصار البابا شنودة) المعارض لأي تحرك عدائي ضد النظام او الانتماء القومي العربي.

4ـ مسح الهوية الثقافية والعربية للشعوب، وصف الإسلام بالفاشية او الارهاب وتفريغه من محتواه الحضاري وإعطاؤه الوجه الدموي غير الحضاري الذي يعتمد القتل (الذبح) وليس الحوار.

5ـ تدمير الهوية العربية الجامعة واللغة الواحدة وإظهار الهويات الأمنية والعرقية والطائفية فيصبح العرب (عرباً ـ أكراداً ـ بربراً ـ أمازيخ ـ مسيحيين ـ مسلمين ـ أقباطاً ـ سنة ـ شيعة ـ علويين متطرفين... معتدلين.. عرباً... وعرباً أفارقة..)، فتصــبح الأمـة مقسمة إلى أكثر من خمس عشرة جماعة حضارية متناحرة وتتحوّل من جماعة سياسيــة مؤثـرة الى جماعة سياسية تابعــة ومـن جماعــة اقتصــادية غنية إلى جماعة فقيرة تعيــش على المسـاعدات، وفي هذا يكون العالم العربي على أعتاب صحراء عربية سياسية واقتصادية وثقافية تنسجم مع الصحراء العربية ورحالها ويصادر الغرب (أميركا) بشكل خاص ما فيها من كنوز (نفط ومواد أولية) وتصادر من الصحراء البشرية ما فيها من كنوز عقلية وفكرية (علماء... مبدعون) من خلال فتح أبواب الهجرة إلى الخارج ويتحوّل هذا العالم العربي (من أمة) تعطي الى أمة تستجدي، لكنها أمة تستجدي بكامل أناقتها تلفها الأوسمة والنياشين وتنقلها السيارات الفخمة وتسكن القصور المزينة، لكنها تعطي كل ما تملك وكل ما لا تملك فتبيع الماضي والحاضر وترهن المستقبل باتفاقيات تصادر القرار والهوية.

فهل يمكن لبعض الواحات المقاومة والممانعة أن تمنع هذا التصحر السياسي وتعيد للصحراء العربية أخضرها الفكري والثقافي أم ستحترق بوهج براميل ويغطينا دخانه الأسود لنغرق في عالم النسيان؟

نظريات الخطاب النقدي لعولمة أنظمة الاتصال العالمية والتبعية الإعلامية(6)

توقف الخطاب النقدي العالمي والعربي طويلاً أمام مظاهر الخلل في بيئة النظام الاتصالي والإعلامي الدولي، إذ اجتهد هذا الخطاب في رصد وتحليل مظاهر وآليات هيمنة الدول الصناعية المتقدمة والشركات المتعددة الجنسيات سواء على منتجات تكنولوجيا الاتصال والإعلام والمعلومات أو على عمليات الإنتاج وتوزيع الأخبار والمضامين الإعلامية التي تبثها وسائل الإعلام في عصر العولمة والسماوات المفتوحة، وفي محاولة لفهم وتفسير عدم التوازن في النظام الاتصالي الدولي، ورصد آثاره ونتائجه، طرحت مجموعة من النظريات لعل أهمها:

- أولاً: نظرية التبعية الإعلامية: ظهرت هذه النظرية في إطار مقولات مدرسة التبعية التي ظهرت في أمريكا اللاتينية في أواخر الستينيات كرد فعل لفشل كثير من النظريات الاجتماعية والاقتصادية الخاصة بتنمية دول الجنوب، واهتمت مدرسة التبعية بتحليل العلاقات الاقتصادية بين دول الشمال والجنوب، وتفسير أسباب تخلف دول الجنوب. ويذهب أنصار مدرسة التبعية إلى أن الاستعمار كان أحد أهم أسباب تخلف دول الجنوب، إذ ارتبطت الظاهرة الاستعمارية بتطور الرأسمالية في الغرب. وقد أسس الاستعمار ظاهرة التبادل الاقتصادي اللامتكافئ بين دول المركز الرأسمالي، أي الدول الصناعية المتقدمة التي مارست الاستعمار، وبين دول الهامش أو الأطراف، وهي دول الجنوب المستعمرة. إن هذه العلاقة قامت على قاعدة إخضاع البنية الاقتصادية في الدول المستعمَرة (بفتح العين) لاحتياجات ومقتضيات نمو الدول المستعمِرة (بكسر العين). أو بعبارة أخرى نشأت علاقة تبعية بين اقتصادين يتوسع أحدهما (الطرف المسيطر) ويواصل نموه الذاتي، على حين لا يمكن للطرف التابع أن يحقق ذلك إلا بشكل محدود وكانعكاس لهذا التوسع.

على الرغم من حصول دول الجنوب على الاستقلال إلا أن دول المركز حافظت على علاقات التبادل اللامتكافئ والتبعية مع الدول التي كانت تحتلها عسكريا، أي أن الاستقلال السياسي لم يؤد إلى استقلال اقتصادي، بل ظهرت علاقات تبعية وآليات تحكم اقتصادية وسياسية وتكنولوجية جديدة. وحتى عندما سعى كثير من دول الجنوب نحو إنجاز التنمية، فإن هذا المسعى لم يقد إلى تنمية مستقلة، بل إلى تنمية تابعة ومشوهة. فقد ظلت علاقات التبعية والتبادل غير المتكافئ قائمة، وأدت الثورة التكنولوجية وتطور الرأسمالية العالمية إلى تعميق مظاهر وآليات التبعية التي اتخذت أشكالاً اقتصادية واجتماعية وسياسية وتكنولوجية وثقافية وإعلامية. فأصبحنا نجد الكثير من دول الجنوب غير قادر على اتخاذ مواقف سياسية مستقلة عن مواقف دول المركز أو الدولة الصناعية المتقدمة التي ترتبط بها اقتصادياً وتكنولوجياً. ذلك أن دولة المركز تستطيع من خلال علاقات التبعية ممارسة ضغوط قوية على الدول المتمردة أو التي تريد إنهاء علاقات التبعية. ولعل المساعدات الاقتصادية والعسكرية هي من أهم أدوات سيطرة دول المركز على دول الأطراف (أي الدول التابعة).

والحقيقة أن مدرسة التبعية لم تهتم بالجوانب الثقافية والإعلامية إلا في أواخر السبعينيات إذ أشارت إلى دور الثقافة والإعلام في تكريس علاقات التبعية وتعزيزها. وظهرت كتابات عديدة ترى أن التبعية الإعلامية يجب أن ننظر إليها في إطار مجمل علاقات التبعية التي تربط دول المركز بالأطراف، أي أن التبعية الإعلامية هي سبب، وفي الوقت نفسه نتيجة، لوجود واستمرار علاقات التبعية الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية والثقافية والإعلامية. أيضاً يمكن النظر إلى التبعية الإعلامية لمجمل علاقات التبعية بين دول المركز والأطراف، وفي الوقت نفسه يمكن النظر إلى التبعية الإعلامية كأحد أسباب بقاء وتعزيز مجمل علاقات التبعية الاقتصادية السياسية والثقافية والتكنولوجية. وعلى الرغم من التماسك المنطقي لنظرية التبعية، إلا أن النقد الذي يمكن توجيهه هو عدم اهتمامها بتحليل الجوانب الداخلية والتاريخية التي ربما تفسر أسباب التبعية في دول الجنوب، كذلك هذه النظرية لم تهتم بطرح حلول أو تصورات عملية لمواجهة التبعية الإعلامية والحد من آثارها السلبية.

- ثانيا: نظرية الإمبريالية الاتصالية: تعتمد هذه النظرية على المقولات الرئيسية لمدرسة التبعية وقد طرحها غالتنغ (Galtung ) عام 1971، إذ يرى أن العالم منقسم إلى دول مركز قوية وغنية، ودول أطراف ضعيفة وتابعة. لكن بداخل دول المركز والأطراف على حد سواء نخب مهيمنة اقتصادياً وسياسياً وثقافياً مقابل جماهير أقل نمواً وتطوراً تمثل دور الأطراف أو الهوامش، ويوجد تنسيق في المصالح بين المراكز أو النخب في دول المركز والأطراف، بينما تختلف مصالح الأطراف (الجماهير) في دول المركز والأطراف. وأشار غالتنغ إلى أن التدفق الاتصالي يجري من المركز إلى الأطراف، وليس العكس، في الوقت نفسه يقل التدفق والتفاعل بين دول الأطراف، وأكد غالتنغ أن هذه المظاهر تعبر عن إمبريالية اتصالية أو إعلامية هي أحد جوانب ظاهرة الإمبريالية بعامة التي تشمل الإمبريالية الاقتصادية، والإمبريالية السياسية، والإمبريالية العسكرية، والإمبريالية الثقافية، والامبريالية الاتصالية. وأوضح غالتنغ أن الإمبريالية الإعلامية أكثر ارتباطاً بالإمبريالية الإعلامية أو الاتصالية. أما ظاهرة الإمبريالية أي الاستعمار فقد مرت بثلاث مراحل، الأولى: مرحلة الاستعمار العسكري المباشر، والثانية: مرحلة الاستعمار الجديد التي تقوم على منح الدول المستعمَرة (بفتح العين) الاستقلال مع إيجاد آليات ومصالح النخب في دول المركز مع النخب في دول الهامش (الأطراف)، أما المرحلة الثالثة فهي أكثر أشكال الاستعمار جدة أو ما يطلق عليه الاستعمار الجديد - الجديد. وستشهد هذه المرحلة توحيداً ودمجاً بين النخب المسيطرة في المركز والهامش (الأطراف) من خلال سرعة الاتصالات الدولية. من هنا يمنح غالتنغ وزناً كبيراً في نظريته لوسائل الاتصال الدولية. ويؤكد أن السيطرة على وسائل الاتصال الدولية هي نمط مميز من الإمبريالية، لأنها تتيح للنخب في المركز والأطراف (الهامش) سرعة الاتصال وتنسيق المصالح لمواصلة ودعم كل أشكال الإمبريالية. كذا تكشف لنا نظرية غالتنغ عن جانب من أسباب حرص الدول الصناعية الكبرى والشركات المتعددة الجنسيات على الهيمنة على بيئة الاتصال الدولي وعلى وسائل الاتصال الدولية. لكن هذه النظرية لا تطرح علينا حلولاً لمواجهة الإمبريالية الإعلامية أو الحد من الآثار والتداعيات السلبية لعدم التوازن في النظام الاتصالي العالمي، أي أنها اكتفت بالتفسير والتحليل من دون أن تطرح وسائل لتغيير الواقع أو على الأقل تحسينه.

- ثالثاً: نظرية الهيمنة الثقافية: طرحها سنغهام وهون (Hune - Singham ) في أواخر الثمانينيات، واعتمد فيها على مفهوم المفكر الإيطالي غرامشي لهيمنة الطبقة الحاكمة على المجتمع بطرق وأساليب غير عنيفة، أهمها التعليم والإعلام. وأشار الباحثان إلى أن الدول الكبرى وخاصة الولايات المتحدة تهيمن على النظام الاتصالي العالمي وترفض أي محاولة لتعديله أو إصلاحه، لأنه يضر بمصالحها ومصالح الدول الرأسمالية المسيطرة على العالم. وميز سنغهام وهون بين أنواع مختلفة من الهيمنة هي: الهيمنة النووية، والهيمنة السياسية، والهيمنة الاقتصادية، والهيمنة الثقافية. وأوضحا أن الهيمنة الثقافية تتطلب وتتضمن بالضرورة هيمنة اتصالية وإعلامية، وأكدا أن الهيمنة على الاتصال والإعلام الدولي تدعم أشكال الهيمنة الأخرى من خلال نشر نماذج النمو الرأسمالي، والترويج لأنماط من السلوك والاستهلاك التي تدعم من هيمنة الدول الصناعية المتقدمة أو دول المركز الرأسمالي. كذلك فإن الهيمنة على الاتصال والإعلام تمكن من الهيمنة السياسية على النظام الدولي. وعلى سبيل المثال يشير الباحثان إلى تأييد الإعلام الغربي للحكومات المتحالفة مع الدول الغربية، وهجومه بل وتشويهه للحكومات المعارضة للسيطرة الغربية. وكذلك قيام وسائل الإعلام الغربية بتعريف العناصر والقوى التي تقاتل من أجل تحرير بلادها بالعناصر الإرهابية ما دامت هذه القوى لا تتفق والمصالح الغربية (مثل حركة حماس في فلسطين وحزب الله في لبنان). في الوقت ذاته فإن الإعلام الغربي يطلق على عناصر وقوى تقاتل في أماكن أخرى من العالم تعبير المدافعين عن الحرية، ما دامت مصالحهم تتفق مع الغرب (مثل المقاتلين ضد الحكومة في جنوب السودان).

- رابعاً: نظرية التدفق الحر للمعلومات: تعتمد هذه النظرية على الفكر الليبرالي الداعي لحرية الفكر والتعبير وحرية الاقتصاد، والحد من تدخل الدولة في تنظيم حياة الفرد والمجتمع. وفي إطار حرية الفكر والتعبير تطرح أفكار أساسية في مجال الاتصال والإعلام، أهمها الحق في الاتصال وتسهيل التدفق الحر للمعلومات الذي يشمل الحصول على المعلومات، والمشاركة بحرية في عمليات الاتصال. وفي هذا الإطار يؤكد أصحاب نظرية التدفق الحر أن تسهيل التدفق الحر للمعلومات يشمل جميع أنحاء العالم، وعلى الحكومات أن تلتزم بها، لأن أي نوع من التدخل - أيا كانت أسبابه - هو انتهاك لحق أصيل من حقوق الإنسان واعتداء على حريته. وعلى هذا الأساس يرى أنصار نظرية التدفق الحر للمعلومات أن ما يقال عن عدم التوازن في النظام الدولي هو أمر طبيعي يعكس عدم التوازن في عناصر القوى بين دول العالم المختلفة. وحقيقة أن معظم الأخبار والمعلومات تنتج في دول الشمال، ثم تنقل من الشمال إلى الجنوب، وبالتالي يرى أنصار التدفق الحر أن أي اقتراح بتعديل النظام الاتصالي، وجعله أكثر توازناً وعدلاً، ستقود عملياً إلى الاعتداء على حرية الوصول إلى المعلومات، وستسمح للحكومات المستبدة في دول الجنوب بوضع قيود وعقبات تحول دون التدفق الحر للمعلومات.

هكذا ترفض نظرية التدفق الحر للمعلومات أي تعديل أو تغيير في النظام الاتصالي العالمي على الرغم من توازنه، وعلى الرغم مما ينتج عن ذلك من مشكلات. فمن البديهي أن التدفق الحر للمعلومات بين أطراف غير متساوية في القوة الاقتصادية أو السياسية أو التكنولوجية سيكون في مصلحة الأطراف الأكثر قوة، كما أوضحنا ذلك من قبل، من هنا تبدو نظرية التدفق الحر للمعلومات وكأنها تبرر عدم عدالة الأوضاع الحالية في بيئة الاتصال الدولي وفي النظام الاتصالي الدولي.

محنة العقل العربي بين التبعية والسلفية(7)

«من الاضطرار يكون الاختيار وليس من الاختيار يكون الاضطرار»

أبو حيان التوحيدي

سمحت الطفرة التكنومعلوماتية وما صاحبها من تأثيرات في وعي الإنسان وسلوكه، له بأن يدخل محطة نوعية جديدة في تاريخ البشرية، أولها أن العالم أصبح قرية صغيرة تتحكم فيه الثورة التقانية والمعلوماتية، ما ذلل بعد المسافات وغيّر من مفهوم الزمن والمكان. إلا أن ما نود الإشارة إليه تأثير العولمة الاقتصادية والطفرة التكنومعلوماتية التي اخترقت جميع المجالات الإنسانية ساهمت في التعجيل بوحدة فتحت آفاقا جديدة من نوع ومقاس جديدين في أوروبا.

 من الآثار المهمة لتفوق المجال التكنومعلوماتي على ما عداه من المجالات الإنتاجية كان خروج العالم من الهندسة الميكانيكية والحرفية الصناعية إلى عصر الهندسة الإلكترونية والمعلوماتية، بحيث حلت التقانة محل الأيدي في إدارة عجلة آلات العديد من المصانع. ولن نبالغ اذا قلنا أن العصر الذهبي للبترول إلى زوال حثيث، بحيث أن كبار أثرياء العالم اليوم هم من المشتغلين في قطاع الهندسة المعلوماتية والإلكترونية، ولربما في الأمد القريب في مجال الهندسة الجينية الذي يبشر العديد من الخبراء أنها ستكون من دون شك مجالاً للتنافس مستعر الأوار.

ولعل موضوع السياسة والقيم في عصر التقنية متعدد ويشتمل على أبواب وتقاسيم وموضوعات عدة، إلا أننا سنقصره على موضوع باهتمام بالغ.

لقد أثارت مسألة الوحدة بين شعوب أوروبا ودولها وقضايا التكتل السياسي والاندماج الاقتصادي في زمن العولمة اهتماما كبيراً، نظراً لما تطرحه التغيرات التقنية المتسارعة من التحديات على الشعوب والدول، وما تفرضه من متطلبات تفوق أحيانا بكثير قدرات كل دولة على حدة. ومن أبرز نتائج العولمة يمكن إجمالا الوقوف عند خمس:

1- إلى جانب القطيعة التراجيدية، التي برزت في العالم المتقدم، بين من يمتلكون مهناً ووظائف ومندمجين تمام الاندماج في المجتمع، ومن لفظهم سوق العمل وأصبحوا على هامش المجتمع وعلى قارعة الرصيف، أضيفت القطيعة الثقافية والنفسية بين أفراد بوسعهم العيش كمواطنين كاملي الحقوق في هذا العالم، متدثرين بدثار العولمة التي وصل إليها كوكب الأرض، وأفراد يعيشون حالة من الاستبداد والوصاية والفزع ولا يستطيعون مسايرة هذا التطور ولا اللحاق به. إذ أصبحت العولمة بالنسبة إليهم شبحا يهدد بتصاعد البطالة وسببا لاندثار العديد من المهن والحرف، وإعلانا لأمية معلوماتية أشد وقعا على النفس من الأمية الأبجدية.

ويعزز هذا الإحساس لديهم عدم قدرة الدولة ـ الأمة على ضبط موازين الأمور وتضارب المصالح الاقتصادية والاجتماعية والجهوية داخلها على نحو لا يساعد على فهم ما يجري، لدرجة أن كابوس الخوف مما تحمله الأيام لم يعد يهدد الفرد وحده، بل أصبح يهدد الدولة نفسها في الوجود كما حدث للاتحاد السوفياتي ويوغوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا من انفجار أو للأرجنتين عند إشهار إفلاسها المالي...

ضعف الدولة ـ الامة

2- أصبحت الدولة - الأمة في هذا العالم الواحد غير قادرة على مباشرة مهام الدفاع والحماية والأمن بكل ضروبه (إحدى المهام الأولى التي كانت منوطة بها) بحيث لم تعد قادرة على تقنين قوى الإنتاج وضبط النفوذ المالي الدولي الذي أصبحت تترنح تحت قبضته.

ولعل التعارض القائم اليوم بين الديموقراطية واقتصاد السوق مؤشر نوعي للأزمة التي تعيشها الدولة في عصر العولمة، بحيث بدأنا نعي أن طبيعة الديموقراطية مختلفة عن طبيعة السوق، لأن