مصطلحات اجتماعية:الانتحار

 الانتحار: Suicide

شبكة النبأ: يتعلق الأمر بموضوع كلاسيكي في علم الاجتماع. وبعد ما تطرق إليه الإحصائيون (الأخلاقيون) جري ومورسلي مثلاً، كان موضوعاً (لدراسة سوسيولوجية) شهيرة وضعها دوركهايم الانتحار Le Suicide (1897). وقد أعيد النظر فيما بعد بأطروحات دوركهايم وصححت عدة مرات ولاسيما من قبل هالبواش في (Les causes du suicide) (1930) أو من قبل هنري وشورت (Suicide and homicide) (1964) تقع كل هذه الدراسات في مجرى (الإحصاء الأخلاقي) كونها تتناول جميعها الانتظام والتغيّر والفروقات في معدلات الانتحار كما تلاحظها الإحصاءات الرسمية. ومنذ فترة غير بعيدة كانت صحة هذه الرؤية الكمية موضوعاً للنقد الجذري على الأقل، إذا لم يكن مبطلاً لاسيما من قبل دوغلاس (1967).

يمكن تفسير اهتمام الإحصائيين الأخلاقيين بظاهرات الانتحار بواسطة ثلاثة أسباب. أولاً، ثمة في العديد من البلدان، أحياناً منذ البدء، وغالباً اعتباراً من النصف الثاني للقرن التاسع عشر، إحصاءات رسمية للانتحار: إنها تشكل مدونة إحصائية متميزة تسمح بالمقارنة في الزمان وفي المكان. ثانياً، كانت معدلات الانتحار تظهر بصورة عامة متصاعدة بانتظام خلال القرن التاسع عشر بكامله: أليس ثمة مادة متميزة للتأمل حول نتائج ما سيسمى فيما بعد (الثورة الصناعية)؟ ثالثاً، الانتحار هو عمل فردي دون منازع. ولكن المعطيات الإحصائية تبدو وكأنها تتميز بانتظام ملفت للنظر. ذلك أن النصف الثاني من القرن التاسع عشر يهيمن عليه فيما يتعلق بابيستمولوجيا العلوم الاجتماعية تيار طبيعي قوي (ليس ثمة فرق بين الظاهرات الإنسانية والظاهرات الطبيعية) وتيار وضعي (ينبغي أن تدرس الظاهرات الإنسانية على غرار الظاهرات التي تدرسها العلوم الأخرى ولاسيما الأولى بينها وهي الفيزياء). كانت دراسة الانتحار (مثل دراسة الجريمة) تمثل إذن فائدة خاصة من وجهة النظر الابيستمولوجية: لقد سمحت بإثبات أن الأفعال الأكثر فردية في الظاهر يمكن اعتبارها عن حق نتاج القوى (كما يقول الإحصائيون الأخلاقيون مستعيدين بمغزى، مفهوماً رئيسياً في الفيزياء) الجماعية ومظهراً لها.

إن كتاب الانتحار لدوركهايم هو بالتأكيد المؤلف الأساسي الصادر عن تيار الإحصاء الأخلاقي. فدوركهايم يحاول أن يبرهن، مستعملاً مجموعة هامة من المعطيات، أن الانتحار لا يمكن اختزاله إلى ظاهرة نفسية أو نفسانية مرضية: فلا نرى علاقة إحصائية بين معدل الانتحار ومؤشرات حدوث الأمراض العقلية. ولكن برهان دوركهايم حول هذه النقطة ليس مقنعاً كثيراً. وبالفعل، إنه يقفز فوق صعوبة التفسير التي أبرزها التحليل الأيكولوجي الكمي للترابطات المحسوبة على وحدات جماعية والانتحار لا يمكن أن يختزل حسب دوركهايم إلى التاثير الفيزيولوجي للعوامل الجوية والمناخية، رغم وجود دورات فصلية للانتحار، وبالفعل، تترافق الدورات الفصلية للانتحار بدورات أسبوعية ودورات يومية. الأولى وحدها يمكن أن ترتبط بتأثير من هذا النمط، وهذه الفرضية ايضاً يقتضي رفضها ليس إلا لأن الدورات الفصلية للانتحار أكثر بروزاً في الريف منها في المدينة. فأشكال الانتحار التي لا يمكن ربطها لا بالأسباب الفردية ولا بالأسباب (الطبيعية) ينبغي إذن أن تدرك حسب دوركهايم بصفتها أثراً لمتغيرات اجتماعية.

حينئذٍ يوسع دوركهايم نظريته الشهيرة عن الأنماط الأربعة للانتحار: إن تكيف الفرد مع المجتمع يفترض ألا تكون التفردية فظة جداً أو قصوى جداً. إذا كانت قصوى جداً، تولد فردية مفرطة يسميها دوركهايم بالأنانية. وعندما يميل الفرد لأن ينقطع عن محيطه وأن ينعزل فيتطور الانتحار من النمط الأناني. إذا كانت التفردية فظة جداً فإن الانتحار من النمط الغيري يصبح أكثر حدوثاً. من جهة أخرى، يفترض التوازن بين الفرد والمجتمع ألا تكون الضوابط الاجتماعية إكراهية جداً ولا قليلة الإكراه أو مشكوكاً فيها: إن الضوابط الشديدة الإكراه تساهم في حدوث انتحارات من النمط القدري. وإذا أخذنا مثلاً لاحقاً لدوركهايم فإن انتحار الكاميكاز من هذا النمط. وإن الضوابط القليلة الإكراه تترافق بتطور الانتحار من النمط الارتباكي. وإن عدم توجيه الفرد برؤية واضحة للأغراض والوسائل ذات القيمة اجتماعياً، يضله.. لقد قاد دوركهايم برهانه ببراعة منهجية كبيرة، وحلل تحليلاً جيداً في مقالة مهمة لسيلفان وأخترع دوركهايم مستبقاً الآخرين، ما سيسميه المنهجيون فيما بعد التحليل المتعدد التنوع، والتحليل (الأيكولوجي) الكمي، الذي ينسى مع ذلك مبادئه – كما رأينا – عندما يقود إلى استنتاجات تبدو له غير مرغوب فيها. فلكي يبين مثلاً أن الانتحار ينمو مع الأنانية، يبحث دوركهايم عن عدد معين من المؤشرات لهذا المتغير (غير المرئي) بحد ذاته: إن الديانة البروتستانتية باعتبارها تترك مكاناً واسعاً (لحرية الضمير) تبدو له أنها تدفع إلى الأنانية أكثر من الديانة الكاثوليكية. ذلك أننا نرى أن معدلات الانتحار تكون بصورة عامة أعلى في البلدان البروتستانتية، وأنها تتغّير (في المقاطعات الألمانية أو الكانتونات السويسرية مثلاً) وفقاً لنسبة البروتستانت فيها. فضلاً عن ذلك، تبرهن معطيات فردية (وغير متجمعة كما في الأمثلة السابقة) أن البروتستانت لديهم معدلات انتحار أعلى من الكاثوليكيين. وكان أن الأنانية – حسب دوركهايم – تميل إلى الانخفاض في فترات الأزمات السياسية والحرب، كذلك الانتحار الأناني فإنه يتراجع بشكل موازٍ. والمسيرة هي نفسها فيما يتعلق بالأنماط الأخرى للانتحار (لنشر مع ذلك إلى أن الانتحار القدري ليس موضوعاً إلا لملاحظة قصيرة). وهكذا يظهر دوركهايم وجود ما سيسمى فيما بعد (الترابط) بين معدلات الانتحار ومؤشرات الارتباك. فالانتحار أكثر حدوثاً مثلاً في مرحلة الازدهار الاقتصادي المفاجئ، ويكون أكثر حدوثاً في المهن المميزة للمجتمعات الصناعية الحديثة منه في المهن التقليدية. وهو يتزايد في الوقت نفسه مع الطلاق، الخ.

إن هالبواش، خلال تفحصه لنظرية دوركهايم بعد مرور ثلاثين سنة عليها، يؤكد قسماً من استنتاجاته. وهكذا، إن تنوعات الانتحار المرافقة للأزمة البولانجية (Boulangiste) ولقضية دريفوس تظهر بوضوح أن معدلات الانتحار تميل إلى النمو في فترة الأزمة السياسية. وفي الوقت نفسه، إن المعطيات الإضافية التي توفرت لهالبواش بالنسبة لدوركهايم والنقد الدقيق لنص دوركهايم سمحت له بإظهار هشاشة بعض البراهين الواردة في كتاب الانتحار والمتعلقة مثلاً بالتعارض الكاثوليكي البروتستانتي: فالدانمارك والسويد وبخاصة النروج عرفت اعتباراً من عام 1900 بالنسبة للبلد الأول واعتباراً من عام 1840 بالنسبة للبلدين الآخرين، معدلات انتحار أدنى بكثير من معدلات فرنسا مثلاً. هل كان ذلك ناجماً عن أن السويد والنروج، كانا في تلك الحقبة بلدين زراعيين؟ من الصعب قول ذلك. من جهة أخرى، يظهر هالبواش بوضوح أن استنتاجات دوركهايم بخصوص ألمانيا مشكوك فيها: فالبروتستانتيون ليسوا فقط بروتستانتيين؛ إنهم كذلك بصورة عامة، متمركزين على الأغلب في المدن مثل الكاثوليك، وتوزعهم في المدى الاجتماعي – المهني يختلف عن توزع الكاثوليك؛ وفضلاً عن ذلك ، تحتوي مقاطعات ألمانيا الشرقية أقليات مهمة من أصل بولوني. يمكن تلخيص نقد هالبواش بالطريقة التالية: ثمة العديد من استنتاجات دوركهايم كانت افترضت أن التحليل المتعدد التنوع (كما يقال في اللغة الحديثة) يمكن أن يدفع أكثر من ذلك. وكان يقتضي إدخال عدد أكبر من متغيرات الرقابة. ولكن بالنسبة لنقاط جوهرية، تكون مثل هذه الرقابة غير قابلة للتطبيق بسبب الترابط الذي تقيمه المتغيرات (التفسيرية) فيما بينها. إن الكاثوليكيين أقل تمثيلاً في الواقع من البروتستانتيين في بعض المهن وأكثر منهم في البعض الآخر. كيف يمكن في هذه الحالة، فصل أثر المعتقد على أثر المهنة؟ هل أن معدلات الانتحار عند البروتستانت أعلى لأنهم بروتستانت. أم لأنهم يمارسون أكثر من غيرهم مهناً مثيرة للضيق؟ لقد كان دوركهايم واعياً في بعض الحالات للمشكلة التي يطرحها وجود ترابط بين المتغيرات التفسيرية. ولكن في حالات أخرى، لا يرى أن هذه الظاهرة التتابعية – كما سيقال فيما بعد – يمكن أن تحول دون الحسم بين الفرضيات المختلفة جداً. وبمواجهة هذه الصعوبة، كان لديه ميل بالأحرى إلى الخيار، كما يشير إلى ذلك خفية هالبواش، بالنسبة للتفسيرات التي تظهر له بأنها الأكثر اتفاقاً مع نظريته العامة للانتحار.

فيما تبقى، تتناول مساهمة هالبواش ثلاث نقاط رئيسية. من ناحية أولى، أنه يبين بوضوح مصاعب التفسير لإحصائيات الانتحار التي تنجم عن التنوع في الزمن وفي المكان لنمط إبرازها. ومن ناحية ثانية، إنه يشير بحق إلى الأهمية الناجمة عن الأخذ بعين الاعتبار ليس فقط عمليات الانتحار (الناجحة)، وإنما كذلك محاولات الانتحار، فكلتاهما تظهران موزعتين بطريقة مختلفة ومرتبطين بمتغيرات مثل السن أو الجنس بطريقة غالباً ما تكون متناقضة. وهكذا، تكون عمليات الانتحار (الناجحة) أكثر عدداً عند الرجال، ولكن محاولات الانتحار أكثر عدداً عند النساء، ومن ناحية ثالثة، بعد أن عمل هالبواش أكثر من ربع قرن بعد دوركهايم، استطاع أن يبين أن معدلات الانتحار، التي تزايدت بصورة عامة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر تميل إلى الاستقرار، وحتى التناقض في بعض البلدان من بداية القرن العشرين إلى الفترة التي كتب فيها. وإذا مددنا ملاحظات هالبواش، نذكر أن التطورات كانت من ثم متنوعة جداً من وضع إلى آخر: وهكذا، بين 1903 – 1913، 1970 كان الانتحار مستقراً في هانوفر، في هس وفي بيد – ورتنبرغ ولكنه تزايد في بافاريا ووستفاليا، (ألمانيا)؛ وكان مستقراً في لندن من 1900 إلى 1970، ولكنه يتناقص بقوة في باريس خلال المرحلة نفسها. إن مثل هذه التنوعات تستبعد دفعة واحدة كل تفسير مجتزأ. وليس مؤكداً أننا نستطيع اليوم تأكيد استنتاج آخر من استنتاجات هالبواش، القائل بميل إلى التماثل في معدلات الانتحار، رغم أن معدلات الانتحار تظهر ميلاً إلى التزايد منذ عقد من الزمن.

نستخلص من التفحص النقدي لدوركهايم الذي قام به هالبواش – والذي يفرض نفسه بشكل أقوى أيضاً عندما نتفحص معطيات الانتحار اللاحقة التي كان يمكن أن تتوفر لهالبواش – إن التحليل (المتعدد التنوع) المستعمل من قبل دوركهايم، إذا كان حقاً طريقة فعالة لتحليل معطيات الانتحار، فعليه أن يتضمن عدداً مهماً من متغيرات الرقابة، وكما أنه في العديد من الحالات، لا يمكن ملاحظة متغيرات مهمة على مستوى التحقيقات الاحصائية، يكون من الضروري إكمال هذه التحقيقات بتحقيقات على العينات تسمح في آن واحد بإدخال هذه المتغيرات غير المرئية وبإبعاد آثار المتغيرات التي تظهر أنها مرتبطة على المستوى الإحصائي. وحتى اليوم، فإن الدراسات الخاصة بحالة معينة والدراسات الخاصة بالعينة والدراسات المنطلقة من الإحصائيات، هي موضوع لتحليلات غير منسقة. ينجم عن ذلك أن سببية الانتحار وتنوعاته في الزمن وفي المكان تفوتنا في جزء كبير منها على الرغم من النتائج التي أبرزها دوركهايم ودققت من قبل هالبواش. إننا نقدّر اليوم إلى أي حد تكون سببية الانتحار معقدة. كيف نفسر مثلاً أنه منذ عام 1830 وحتى الفترة التي كتب فيها هالبواش، تزايد الانتحار والإدمان على الكحول بشكل مضطرد في فرنسا، وتراجعت الظاهرتان في النروج، بينما في السويد تدنى الإدمان على الكحول في حين تزايد الانتحار؟ هذه التطورات المعقدة تحث على أن نتفحص بتأنٍ النظريات التي تزعم أنها تكشف تأثير بعض السمات الثقافية الوطنية على معدلات الانتحار. وحتى لو احتوت هذه الفرضيات الثقافية قسطاً من الحقيقة، من الصعب الاعتقاد – قد يقتضي في كل الأحوال إثبات ذلك باللجوء المنهجي إلى التحليل المتعدد التنوع الذي رأى دوركهايم بوضوح أهميته الأساسية في تحليل وتفسير المعطيات الإحصائية – إن معدلات الانتحار مرتفعة في فرنسا وفي ألمانيا لأنه يوجد في هذين البلدين بورجوازية صغيرة واسعة تميل بصورة خاصة إلى الزهد.

إن الصعوبات التي يصادفها تطبيق الطرائق الإحصائية على تحليل الانتحار ولّدت نقداً جذرياً: نقد دوغلاس في الولايات المتحدة وعلى أثره بشلير في فرنسا لقد دعا دوغلاس، بعد أن دفع إلى الحد الأقصى بشكوك هالبواش حول مدى صحة الإحصاءات حول الانتحار، دعا إلى تحليل من النمط البيوغرافي والنوعي؛ إن الهدف الذي عليه أن يسعى إليه عالم الاجتماع المهتم بالانتحار لا يمكن أن يكون إلا إظهار تفسير الانتحار بالنسبة للفرد الذي يرتكبه.

من الصعب تخيل موقع أبعد لدوركهايم من موقع دوغلاس. لقد سعى الأول ليبين أن حوافز المنتحرين هي في آن واحد أصعب من أن يتناولها التحليل وذات فائدة علمية ضعيفة. وأراد الثاني ألا تمثل الحوافز وحدها فائدة علمية وحسب، وإنما أن تكون وحدها سهلة المنال اعتباراً من الوقت الذي يحكم فيه على المعطيات الإحصائية بأنها غير قابلة للاستعمال. لقد طوّر بشلير بشكل رائع المنهج المقترح من قبل دوغلاس: فانطلاقاً من مدوّنة لتاريخ الانتحار، بذل جهده لكي يبين أنه بالإمكان دائماً، عندما تتوفر عناصر المعلومات الكافية، تفسير الانتحار باعتباره جواباً على وضع معين: كل عمليات الانتحار تنجم عن كون المنتحر ترك نفسه ليحشر في فخ. ينبغي إذن أن يفسر الانتحار باعتباره حلاً (استراتيجياً) أعطاه الفرد لمشاكل وجودية. ومع أن مثل هذه النظرية تتضمن قسطاً مهماً من الحقيقة. فإنها دون شك، على غرار نظرية دوركهايم التي تعارضها، عامة جداً في طموحها. من الصعب القبول أن الانتحار ينجم دوماً عن أسباب اجتماعية، كما أراد دوركهايم. ومن الصعب كذلك القبول بأن نظرية (استراتيجية) للانتحار يمكن أن تكون ذات مدى عام. إن النظريتين، بإنكارهما لتأثير العوامل التي وصفها دوركهايم (بالنفسانية المريضة) تبديان تسلطية سوسيولوجية ذات أساس ضعيف على الأرجح فيما يتعلق بتحليل الانتحار.

من الصحيح، كما كان قد أوحى بذلك هالبواش، أن دراسة الانتحار لا يمكن إلا أن تتعمق إذا كان بمقدورنا تحليل دوافع الانتحار – هذا الغرض الذي اعتقد دوركهايم دوغماتياً وجوب إنكار فائدته – من الناحية المثالية، تقتضي معرفة الدوافع، أي توزيع دوافع الانتحار والأسباب الاجتماعية المؤثرة على توزيع هذه الدوافع وكذلك على تنوعات هذا التوزيع في الزمان وفي المكان. يفترض ذلك التخلي عن الرؤية السوسيولوجية التي تعتبر أن لا دوافع الانتحار، ولا بصورة عامة أسباب الانتحار المرتبطة ببنية الشخصية، يمكن أن تمثل (وقائع اجتماعية) ملائمة، وكذلك الرؤية الذرية التي تعتبر أن عالم الاجتماع عليه أن يقتصر على إقامة تصنيفية لسلوكيات الفرد التي تؤدي إلى الانتحار.

الانتحار

Suicide

عدوان على الذات، شعوري وإرادي، يسبّب الموت.

الانتحار أكثر تواتراً لدى الرجال منه لدى النساء (أكثر بمرتين إلى ثلاث)، ولكن محاولات الانتحار منتشرة لدى النساء أكثر من الرجال بمرتين. ويزداد عدد حوادث الانتحار مع العمر (لثلثي ضحايا الانتحار عمر يزيد عن خمسة وأربعين عاماً)، ولكن محاولات الانتحار تنجز على الأغلب قبل الأربعين عاماً. ويمثل الانتحار في فرنسا 16% من مجموع وفيات المراهقين من خمسة عشر عاماً من العمر إلى عشرين (مقابل 1.65% لدى الراشدين)، وثمة، في رأي ف. دافيد سون وب. أنجل (1978)، نحو أربعين ألف شاب يعتدون على حياتهم سنوياً. أما أسباب الانتحار فمعقدة ولا تزال غير معروفة بصورة كاملة، ونجد على الغالب، لدى الشباب، إخفاقاً مدرسياً أو عاطفياً، والانعزال الوجداني (طلاب، متدربون، انتقلوا إلى مدن كبيرة)، وغياب التواصل، والإرهاق، وانشغال البال بالمستقبل والصعوبات المادية، والعدوى الذهنية، والمحاكاة، يمكنهما أن يؤديا دوراً في الانتحار. والواقع أننا نسجل في بعض الأحيان أوبئة حقيقية من الموت الإرادي في بعض الأماكن المعينة (بركان، سكة قطار، الخ) بحيث أن السلطات المحلية مرغمة على حراستها، وسلوكات التدمير الذاتي يمكن أن يحرضها مؤلف فلسفي أو فني أو أدبي مثل آلام فرتر لغوته (1774)، أو الباب الضيق (1909)، لأندره جيد، أما عوامل الانتحار لدى الأكبر عمراً فهي التدهور الجسمي والعاهات، والوحدة، والصعوبات المادية، والشعور بعدم الجدوى، بل الاستبعاد من الجماعة الاجتماعية، والصورة النموذج (للمرشح) إلى الانتحار في الولايات المتحدة الأمريكية هي صورة رجل (75% من المنتحرين) من عمر معين، من العرق الأبيض (عدد المنتحرين من البيض خمس أضعاف عددهم من السود)، أرمل أو مطلق، يعيش وحده، مريض ودون عمل. وعدد المنتحرين يظل مرتفعاً في فرنسا لدى سكان الأرياف والأطر العليا، وينقص عدد المنتحرين في زمن الحرب، ولكنه يزداد خلال مراحل (الازدهار) الاقتصادي. ويبدو أيضاً أن الشروط الجغرافية وشروط التغيرات الجوية تؤدي دوراً في هذه الظاهرة، ذلك أن انخفاضات الضغط الجوي المفاجئة يرافقها ازدياد حوادث الانتحار، وهي أكثر تواتراً في الشتاء منها في الصيف، في الوديان وعلى طول الشاطئ أكثر منها في الجبال وبلدان الغابات. وبين عوامل الانتحار الأخرى الممكنة، يمكننا أن نلاحظ ضرباً من الاستعداد الأسري المسبق، المرتبط بوراثة مثقلة (ذهان الهوس الاكتئابي على الأغلب).

وكوّنت العلاقات بين الانتحار والاضطرابات النفسية موضوع مناقشات محمومة. والمقبول في الوقت الراهن أن للمرضى العقليين نزوعاً إلى التدمير الذاتي أقوى من نزوع الأفراد الأسوياء. فالفعل يمكنه أن يكون اندفاعياً أو، على العكسن موضع تأمل طويل. والموت الإرادي متواتر بصورة خاصة لدى السوداويين، حتى لدى أولئك الذين يبدون في مرحلة خمود، وغير نادر أن يرى المرء هؤلاء المرضى يسببون الموت لدى بعض أعضاء محيطهم. ونلاحظ بخاصة لدى المكتئبين، غير السوداويين، محاولات انتحار. وفعل تدمير الذات، لدى الفصاميين، طارئ اندفاعي، ترافقه تشويهات في بعض الأحيان، وبتر أعضاء يتحقق دون انفعال ولا ألم ظاهر. والانتحار نادر لدى المصابين بالهذيان المزمن. إن له عندئذ دلالة الهروب بالنسبة إلى (مضطهد)؛ والتضحية بالنسبة لهاذ صوفي؛ وقرارٍ بطولي لدى المصاب بالذهان الهذائي. وتظل أفكار الانتحار لدى المصابين بالعصاب الوسواسي على الأغلب في مرحلة الفكرة الثابتة المرهقة. ونواجه عادة لدى الهستيريين محاولات انتحار مشهدية، ولكنها يمكنها أيضاً أن تؤدي بهم إلى الموت. ومحاولات التدمير الذاتي لدى المصابين بعدم التوازن في الطبع متواترة، اندفاعية دائماً على وجه التقريب، ونقول أخيراً أن الارتكاسات الانتحارية متوافرة إلى حد كاف في حالات السكر الكحولي ولدى المصابين بالصرع.

ويؤكد إميل دوركهايم، في دراسته الانتحار (1897)، إذ قارن تواتر الموت الإرادي في مختلف الجماعات الإنسانية، أن هذا التواتر يزداد طرداً مع تراخي الروابط الاجتماعية.

والسلوكات الانتحارية يمكنها أن تكون ذات وظائف مختلفة ثلاث: فالانتحار، بالنسبة لبعض الأفراد، يكوّن وسيلة تجنب، الهروب من وضع هم عاجزون عن قبوله. وهو، بالنسبة لآخرين، يقابل الارتداد ضد الذات، ارتداد دافع عدواني لم يكن يمكنه أن يوجه ضد الغير. إنهم يعتدون مع ذلك على من يحيطون بهم حين يعتدون على حياتهم هم، ذلك أن على من يحيطون بهم أن يواجهو الحزن، بل تأنيب الضمير، والانتحار بالنسبة للكثيرين، أخيراً، رسالة يائسة تعبر عن ضروب اللوم الموجهة إلى الغير على اللامبالاة، كما تعبر في الوقت نفسه عن العجز عن الاضطلاع بوضع صعب. ويعاني كثير من المنتحرين عاطفة العزلة والنبذ. وهذا هو السبب الذي من أجله تكوّنت هيئات الوقاية من الانتحار، في كل أنحاء العالم على وجه التقريب، بدءاً من الأربعينيات من هذا القرن، وحددت لنفسها مهمة مفادها أن تستجيب لكل نداء هاتفي، في النهار والليل، وتصغي دون أن تطلق حكماً، وتسكّن حصر صاحب النداء، وتبذل جهدها في نقل بعض من الدفء الإنساني إلى المتحدثين المغفلين، وتعيد إليهم شيئاً من الأمل. وأشهر هذه التنظيمات هما تنظيم (S.O.S للصداقة) يُعنى بالإصغاء الهاتفي المغفل وتنظيم (بحث ولقاء) لاستقبال الذين يشعرون بالعزلة.

متعلقات

انتحار(1)

الانتحار شنقا: الانتحار هو التصرف المتعمد من قبل شخص ما لإنهاء حياته. يرى آخرون أنه قتل النفس تخلصا من الحياة التي وهبها الله لعباده، وقد اختلفت الآراء حول الانتحار هل يعكس شجاعة الشخص المنتحر أم جبنه وانعكاس لفشله وعدم الحاجة لاستمرار حياته.

بعض الشعوب لديها رمزية خاصة للانتحار كما هو عند اليابانين. يحرم الإسلام قتل النفس بأي حال من الأحوال ويشير إلى أن حياة الإنسان ليست ملكا له وبالتالي لا يجوز التحكم بها من قبله. على الرغم من ذلك فإن حالات انتحار لغرض قتل الأعداء تم عملها بشكل كثير في فلسطين والعراق في الآونة الأخيرة لقتل المحتل وقد اختلف علماء المسلمين على شرعيتها إلا أن الكثير من العلماء اباحوه (وهذا يعكس التخبط الدائم ما بين الآراء التنويرية والآراء السلفية الجهادية بين مشايخ المسلمبن)، ويطلقون عليهم في العالم الإسلامي لقب "استشهاديين" ويضفون عليهم هالة من القداسة وصور للتضحية بالنفس في سبيل الإسلام، ولكنهم من وجهة النظر النفسية والمجتمعية "إنتحاريون" ويائسون وكارهون للحياة ويطمعون في الثواب الوهمي (جنة الحور العين) على قتلهم لأنفسهم وللأبرياء من المدنيين، مثلما حدث في الحادي عشر من سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة

 أسباب الأنتحار

حوالي 35% من حالات الانتحار ترجع إلى أمراض نفسية وعقلية كالأكتئاب والفصام والهستيريا

والباقي وهو 65% يرجع إلى عوامل متعددة مثل التربية وثقافة المجتمع والمشاكل الأسرية أو العاطفية والفشل الدراسي والآلام والأمراض الجسمية او تجنب العار أو الإيمان بفكرة أو مبدأ مثل القياك بالعمليات الانتحارية

 ملاحظات على الانتحار

الذين يحاولون الانتحار ثلاثة أضعاف المنتحرين فعلا

المنتحرون ثلاثة أضعاف القتلة

محاولات الانتحار أكثر بين الإناث

الانتحار الفعلي أكثر بين الذكور

أكثر وسائل الانتحار استخداما عند الإناث الأدوية والحرق وعند الذكور الأسلحة النارية

تقل نسبة الانتحار بين المتزوجين ومن لهم أطفال

أعلى نسبة انتحار في العالم في الدول الأسكندنافية

خمس المنتحرين يتركون رسائل وعلامات تشير إلى انتحارهم

تقل نسب الانتحار في الحروب والازمات العامة

 الانتحار في الإسلام

الانتحار محرم في الإسلام لقول الله تعالى في القرآن

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً }النساء29

فالنفس ملك لله وليس لأحد أن يقتل نفسه ولو زعم أن ذلك في سبيل الله (1)

اسباب الانتحار لدى المراهقين

أهم الاسباب التي تدفع المراهقين الى الانتحار

تجمع الدراسات في تحليل أسباب الانتحار لدى المراهقين، على وجود أسباب كثيرة ومتنوعة تختلف باختلاف الأفراد واختلاف البيئة الاجتماعية والظروف التي يعيش فيها الفرد. ويتبين من هذه الدراسات أن أهم الأسباب التي تدفع المراهقين الى الانتحار أو محاولة الانتحار هي:

أ_ أسباب ظرفية: يمكن ربطها بالأحداث التي يعيشها المراهق، انطلاقاً من الأحداث البسيطة الى الأحداث الأشد خطورة، وهي تتعلق في أكثرها بنظام العلاقات القائمة بين المراهق وأهله من جهة، وعلاقاته بالآخرين من جهة ثانية. ويمكن تحديد هذه الأحداث بالشكل التالي: المنع المفروض على المراهق في البقاء خارج المنزل لوقت متأخر، رفض الأهل تحقيق بعض من متطلباته، قصور الأهل المادي لشراء ما يرغب به، المشاحنات مع الرفاق، الفشل الدراسي، علاقة فاشلة مع الجنس الآخر، ادخاله في مدرسة داخلية، انهيار وضع الأسرة الاجتماعي _ الاقتصادي، فقدان شخص عزيز، وخصوصاً الأب أو أحد المقربين.

ب_ أسباب اجتماعية: يمكن تصنيفها بنوعين:

1_ أسباب عائلية:

_ التفكك العائلي

_ انعدام الأمن والعاطفة نتيجة عوامل مختلفة أهمها: تعاطي الأب أو الأم الكحول.

_ المشاحنات بين الزوجين _غياب أحد الوالدين _ موت الوالدين أو أحدهم_ مرض الأهل الطويل.

ولقد استأثر الاهتمام في دراسة الأسباب العائلية بمشكلة غياب الأب انطلاقاً من فكرة أن سلطة الأب وعاطفة الأم هما الركنان الأساسيان في توازن العلاقات الأسرية. فالسلطة ليست قمعاً دائماً، بل هي أيضا سند ودعم عاطفي. فالأب الذي لا يعرف إلا القساوة، ولا يستطيع تأكيد ذاته إلا من خلال الصراخ والعقاب الجسدي، لا يمكنه أن يفرض السلطة العادلة والثابتة، فينشأ الأبناء على فكرة السلطة القاسية والقمعية، وعندما يصلون الى مرحلة المراهقة فانهم يستجيبون بطريقة عدوانية مماثلة.

التحليل الفرويدي: اعتبر ان وظيفة الأب ذات أهمية كبيرة في مرحلة المراهقة، أولاً للخروج نهائياً من "الأوديب" ثم ثانياً من أجل تكامل الاستقلالية واعادة تنظيم الواقع الذاتي. والخلل في الصور العائلية في مجموعها، في الوقت الذي يحصل فيه انبعاث جديد للشحنات السابقة، يمكن أن يكون له التأثير الكبير على مصير الميل الاندثاري القومي في هذه المرحلة.

ب_ أسباب اجتماعية: تظهر الدراسات على أن مستوى الأسرة الاجتماعي _ الاقتصادي والمستوى الثقافي ليس لهما تأثير كبير في دوافع الانتحار لدى المراهقين. فلقد تبين من هذه الدراسات ان المراهقين الذين ينتحرون أو يحاولون الانتحار ينتمون الى جميع الطبقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية بشكل متعادل. وكذلك عامل السكن الذي يؤثر فقط في حال شكل انعكاساً لمآزم عاطفية.

فالسبب الاجتماعي الأكثر تأثيراً يرجع الى الفشل المدرسي الذي يعيشه المراهق كجرح نرجسي عميق. ومما يزيد في خطورة هذا العامل، موقف الأهل الذين يسقطون الآمال على ابنائهم ويأملون تحقيق ما لم يتمكنوا من تحقيقه من خلالهم. فيلجأون الى استعمال القمع والقوة للوصول الى ما يبتغون.

وهكذا، فان الفشل المدرسي يشكل نقطة التقاء ظروف سلبية وشكل خاص من التوظيف والتأثير القمعيين.

ج_ الانتماء الى جماعات الرفاق

ان عجز المراهق عن الانخراط في مجموعة ما، أو بمعنى آخر، عزلة المراهق الاجماعية، هي ظاهرة ترجع في الواقع الى مرحلة الطفولة. وهذا العزل الاجتماعي يتخذ أشكالاً مختلفة:

_ العزل نتيجة لشعور المراهق بضعفه وعجزه عن تحمل المنافسة ضمن المجموعة.

_ العزل نتيجة للنظر الى المجموعة على أنها ليست بذي فائدة، وان الانتماء اليها لا يعود عليه بأي نفع.

_ وأحياناً يكون العزل نتيجة لشعور المراهق بأنه لا يملك الحق في ترك أهله لأنه يشعر بالارتياح معهم.

_ فاستمرار العلاقة الطفلية السابقة بين المراهق وأمه، وظهور الأب كأول غريب في علاقة الأم/ الطفل، واستحالة تخطي العلاقة الثلاثية، تشكل جميعها العوامل التي تفسر عدم امكانية التنشئة الاجتماعية.

من المعلوم اليوم ان الانتماء الى عُصب الأحداث، له نتائج ايجابية بالنسبة الى المراهق:

_ ينزع عن المراهق الميل الى الاندثار الذاتي من خلال تفريغ العدوانية في تصرفات جماعية.

_ يعزز ويقوي الميول "اللبيدية"، وبالتالي يعزز الأواليات الدفاعية ضد شحنات الاندثار والموت.

_ اتحاد الطاقات يقوي مشاعر الحماية ضد اتحاد الأخطار الخارجية المتأتية من عالم الراشدين.

هكذا فان العزل الاجتماعي يعيق تشكل الأوليات الدفاعية ضد الميول الاندثارية.

د_ أسباب نفسية

ان بعض الخصائص النفسية تظهر بشكل ثابت، وتبين خاصية مزدوجة: قدمها وتثبيتها.

1_ خصائص المزاج: التي أساسها ليس الخور بل شكل من أشكال الكآبة وعدم الرضى المستمرين والعميقين اللذين يسترهما نشاط زائد ظاهري. واستجابات الخيبة والخجل هي أكثر شيوعاً من مشاعر الذنب. ان هذه الخصائص جميعها ذات علاقة بقلق منتشر من نمط سلفي لا يشبه مطلقاً قلق الخصاء بسبب خاصيته الكثيفة التي لا لبس فيها ولا بروز. ان المراهق الذي لا يعرف إلا قانون "الكل أو لا شيء" يمكن ن يكشف عن مزاج ضعيف.

2_ اضطراب الارصان: الذي هو في الأساس اضطراب ناتج عن عجز في التفكير والتعبير اللفظي للمُعاش العاطفي والانفعالي. وبشكل عام فان هذا الاضطراب شبيه بالاضطرابات التي تلاحظ عند الجانحين وفي بعض الاضطرابات النفسبدنية ، ويؤلف حلقة من الحلقات التي تربط هذين النمطين من السلوك. والانتحار يتعلق بهذين النمطين، أولاً كفعل وثانياً كتدمير ذاتي.

ان اعتماد المراهق العقلنة لا يمنع وجود هذا الاضطراب. فالعقلنة عادة، وبفعل وظيفتها الدفاعية والنمائية، هي مرحلة من مراحل النمو الارصاني، وهي مشحونة بالعاطفة ولها تأثير في تنظيم الانفعال. ولكنها هنا، على العكس، تبنى على فراغ، والكلمات لا تحمل أي شحنة عاطفية.

3_ تنظيم مثال الأنا: يظهر أيضاً خصائص نفسية. فالأمر يتعلق بمثال "أنا" سلفي وعظامي مع خصائصه الطبيعية: مطلب المطلق _غياب أو عدم كفاية في التغير. ويمكن الاشارة هنا الى العجز عن التكامل الزمني، إذ إن الزمن المُعاش بالنسبة للمراهقين الذين يقدمون على الانتحار لا يحتوي لا على فكرة الماضي ولا الحاضر ولا المستقبل. وفي الوقت نفسه، سلوك الانتظار الذي ينظم الفعل، والذي يشكل سلوكاً مؤجلاً يصبح سلوكاً لا يحتمل.

ان هذه الاضطرابات ليست بالضرورة اضطرابات مكثفة، ويمكن أن تظل خفية، ولكنها في الواقع متجذرة بعمق. وهي تُصاحب بعدم امكانية تحمل الصدّ، وشدة الأحباط تترجم درجة العذاب والألم أمام العجز في امكانية التأثير على الواقع للتوصل الى اشباع الرغبات. وأحياناً الاحباطات المتلاحقة يمكن أن تأخذ شكل النقد الذاتي الذي يخفي متطلبات على مستوى مثال الأنا. ولا شك ان الميل المطلق والمتطلبات تجاه الذات نجدها لدى جميع المراهقين. ولكن المراهقين الذين يحاولون الانتحار يتميزون بأن مثال "الأنا" السلفي لديهم يظهر قبل البلوغ، واثناء المراهقة يلاحظ من خلال تثبيته وصلابته وعدم تأثيره التدريجي بواسطة اختيار الواقع. فكل مجابهة مع الواقع ليست عامل تطور، بل جرح وتعزيز لوضعيات سلفية.

ح_ عدم كفاية الأواليات الدفاعية الطبيعية

ان هذه الخاصية هي احدى السمات الأكثر ثباتاً لدى جميع الأحداث الذين يقدمون على الانتحار. فالمراهق يملك وسائله الدفاعية ضد جروحه النرجسية وما يتعرض له مثال "الأنا" وفقدان الموضوع. ومن أهم هذه الوسائل أواليتان ولكنهما غير كافيتين:

1_ حركية التوظيفات: اننا نجد لدى جميع المراهقين الذين يقدمون على الانتحار العجز في رفع التوظيف عن الموضوع المخيب أو الضائع. وبالرغم من العذاب الذي يشعر به المراهق فانه يبقي على توظيفاته ويكرر تصرفاته ويجتر خيبته ويغلق ذاته عن كل ما هو آخر. بتثبيت خاص يشكل انحرافاً في عملية المراهقة الطبيعية.

2_ أوالية الاسقاط: تجاه هذا التباعد الذي يشعر به ما بين رغباته وطموحاته المثالية من جهة والامكانيات المتواضعة المتوفرة له من جهة ثانية يستجيب المراهق عادة، بواسطة أوالية دفاعية اسقطاية. وبحسب مستوى طموحه فانه يبني مشاريع وأنظمة نظرية تهدف الى جعل الواقع، لاحقاً، يتوافق مع الصورة المثالية التي كونها عن هذا الواقع، أو أنه يستجيب من خلال المحاولة في تعديل الواقع مباشرة بواسطة الانتقال الى الفعل الذي يمكن أن ينتهي بالجنوح.

ان هذه الأوالية لدى المراهق الذي يقدم على الانتحار، تكون معطلة أو غير كافية أو لا وجود لها على الاطلاق. فاما ان يوجه عندئذ عدوانيته مباشرة تجاه ذاته، واما ان يحاول التأثير على الواقع في مرحلة أولى من خلال الانتقال الى الفعل. ولكن امام الاحباط الذي يصيبه فانه يتخلى عن ذلك ويوجه الى ذاته الفعل العدواني.

الإنتحار(2)

تعريفه: محاولة ناجحة أو فاشلة لإنهاء الحياة عن قصد.

طريقة الإنتحار  

تختلف طريقة محاولة الإنتحار بإختلاف الأساليب فمنها غير العنيفة نسبياً (مثل تعاطي السُم أو تعاطي جرعة أكبر من اللازم ) إلى الطرق العنيفة (مثل إطلاق النار وقطع الشريان). ويميل الرجال إلى إختيار الطرق العنيفة وهذا يُرجح إحتمال أن تحظى محاولات الإنتحار عند الرجال بالنجاح. يتم عدد كبير من محاولات الإنتحار غير الناجحة بكيفية تجعل الإنقاذ ممكناً وأن تعتبر هذه المحاولات بمثابة صرخة لطلب المساعدة والنجدة. 

لماذا يُقدم الناس على الإنتحار   

الإكتئاب ، الشعور بالعجز واليأس ، مشاعر وإتجاهات سلبية لدى الشخص عن نفسه ، التفسخ الإجتماعي وإنهيار معنويات الشخص ، العزلة الإجتماعية أو الهيكل الإجتماعي المتفكك ، البطالة ، الإصابة بالأمراض الفتاكة مثل الأيدز ، الإختلالات العقلية الوراثية ، عدم توازن الكيماويات الحيوية في المخ . 

اشارات تحذيرية   

يشعر الشخص بالكأبة من وقت لآخر . حتى يمكن الجزم بأنها أعراض الإكتئاب ، عادة ما تظهر العلامات التالية بصفة واضحة ومستمرة : الإحساس بالكسل والتبلد العام والإهتياج ، فقدان الإهتمام بالأنشطة اليومية ، الإنطواء على النفس ، الحزن الشديد أو الشعور بالفراغ ، ضعف معنويات الشخص ، اليأس ، القلق ، الصعوبة في التركيز وفقدان الذاكرة ، النقد الذاتي، الإنتقاص من قيمة الإنسان لنفسه ، تغييرات في عادات الأكل ، إضطرابات النوم (الأرق وما شابه) ، الأرهاق المزمن ، فقدان الطاقة ، عدم الإرتياح البدني مثل الإمساك وحالات الصداع.

اشارات تحذيرية   

تغيرات في الشخصية أو العادات ، الإكتئاب ، التوتر أو القلق ، الشعور بالعجز ، الشعور باليأس ، عدم القدرة على التمتع بالحياة ، العصبية ، التهور ، الأرق ، فقدان الشهية ، فقدان وزن الجسم ، الإهانة وسوء المعاملة، إعطاء الممتلكات للآخرين بدون مقابل ، تصريحات بالشعور بالذنب ، تصريحات متكررة بنية الإنتحار. 

العلاج   

قد تستلزم الضرورة إجراءات طارئة إذا حاول الشخص الإنتحار. وغالباً ما يحتاج الأمر إلى الإقامة بالمستشفى لعلاج المحاولة الحالية ولمنع أي محاولات في المستقبل . ومن أهم جوانب العلاج توفير المشورة والتوجيه النفسي .

ما الذي تستطيع أن تفعله ؟   

إذا كنت تشعر بالإحباط . إقبل الحقيقة في أنك لا تستطيع أن تكون سعيداً كل الوقت وعليك أن تبني على مكامن القوة لديك وتحسّن من مهاراتك وتقبل قيودك وحدودك . تحدث إلى الناس عن شعورك : الأصدقاء وأفراد العائلة والمدرسين والطبيب . عبّر عن نفسك بالموسيقى أو بالكتابة أو في المسرح أو في الألعاب الرياضية . عليك أن تتواصل مع الآخرين . تطوع لعمل معين أو إنضم إلى ناد . قم بعمل إتصالات مع الناس الذين لديهم نفس الإهتمامات أو الهوايات مثلك ، حدد ميزانية وإلتزم بها ، فإن المحافظة على شؤونك المالية داخل حدودها يُزيل الإجهاد بشدة. إقبل التغيير . تناول الطعام بطريقة صحيحة . مارس التمرينات الرياضية. إعترف بوجود علامات الاكتئاب لديك واشارات التحذير للشروع في الإنتحار لديك ولدى الآخرين، واحصل على مساعدة من أحد أفراد عائلتك أو من طبيب أو من أصدقائك .

قائمة بأشهر المنتحرين(3)

 هتلر انتحر مع عشيقته إيفا براون عند هزيمته

الملكة كليوبترا، انتحرت بواسطة وضعها للصل على ذراعها وهو نوع من انواع الحيات الخطيرة .

أيمن السويدي زوج المطربة التونسية ذكرى

ديبندار بيكرام شاه ولي عهد مملكة نيبال, أطلق النار على جميع أفراد أسرته ثم انتحر بالرصاص

المشير عبد الحكيم عامر

ادوارد جون سميث ، قبطان السفينة "تيتانيك" التي غرقت في المحيط عام 1912م, فضل الموت على ألا يغرق بقية عمره في الندم والمعاناة .

سعاد حسنى الممثلة المصرية المشهورة

أميمة عبد الوهاب، أحد أشد المعجبات بالمغني عبد الحليم حافظ ففي عام 1977 حينما سمعت خبر وفاته ذهبت إلى شقته في الزمالك ومن الدور السابع ألقت بنفسها منه منهية حياتها فقط من أجل هذا الفنان

الروائي الأمريكي الشهير أرنست همنجواي الذي حاز بروايته الرائعة: الشيخ والبحر.. جائزة نوبل للآداب، حيث أصبح بعد ذلك من رواد الأدب العالمي، وبلغت شهرته الآفاق بكتابته للأدب الإنساني الراقي، الذي يصبه في قوالب روائية جميلة، ولكن همنجواي وجد نفسه وحيداً في آخر حياته رغم شهرته الواسعة بين الناس، وبدأ المرض يفتك به، فقرر الخلاص من الحياة بطريقته الخاصة، وذلك عن طريق بندقية قديمة كان يملكها، حيث وجهها إلى رأسه وأطلق النار ليخر صريعاً، وليصحوا العالم صباح أحد أيام 1961 م على خبر انتحار الروائي الأمريكي الشهير.

الكاتب الأمريكي دايل كارينجي صاحب أروع الكتب في فن التعامل مع الناس، وصاحب أكثر الكتب مبيعاً في العالم، حيث بيعت ملايين النسخ من كتبه، وترجمت إلى أكثر اللغات العالمية، فهو صاحب كتاب: كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس.. وكتاب: دع القلق وابدأ الحياة

وقد وضع قواعد رائعة في كيفية طرد القلق والانطلاق في الحياة العامة بكل سعادة وثقة ولكن كل ذلك لم يمنع القلق من أن يسيطر على حياة كارينجي، فعصفت الكآبة بحياته، وسادت التعاسة والشقاء أيامه، فقرر هو أيضاً التخلص من حياته عن طريق الانتحار قال للإنسان: دع القلق وابدأ الحياة .. ثم انتحر

فان جـوخ كذلك الفنان الهولندي الشهير فان جوخ والذي تباع لوحاته اليوم في مزادات لندن وباريس بملايين الدولارات.

وقد بيعت أخيراً لوحته الشهيرة: زهور عباد الشمس.. بستين مليون دولار وكان قد بدأ حياته قسيساً، ثم تحول إلى الرسم، واحترف هذا الفن حتى أصبح من أبرز الأسماء اللامعة عالمياً في مجال الفن التشكيلي، لكن ذلك لم يحقق له السعادة التي كان يطلبها ويتمناها، وأراد أن يضع حداً للشقاء النفسي الذي كان يعانيه، وكان ذلك في يوم 29 يوليو 1980 م، حيث أمسك مسدسه وأطلق على نفسه الرصاص ليموت بعد ذلك بيومين، ووضعت زهور عباد الشمس التي كان يرسمها على قبره

اسماعيل أدهم ذلك الكاتب المصري الشاب الذي حصل على الدكتوراه في الرياضيات من جامعة موسكو أيام فورة الشيوعية الماركسية

لذلك فعندما رجع إلى بلاده كان قد امتلئ بالنظريات الماركسية حول الحياة والكون والتاريخ، وألف فيها عدداً من الكتب كان أشهرها كتابه: لماذا أنا ملحد.. الذي أثار ضجة كبرى في الساحة الثقافية آنذاك وكان إسماعيل أدهم، يجيد عدداً من اللغات، وله كثير من الدراسات والكتب والبحوث، لكنه كره الحياة التي لا تنتهي إلى شيء .. فكانت النهاية ففي يوم 23 يوليو 1940 هـ فوجئت الأوساط العلمية والثقافية بخبر انتحار الدكتور إسماعيل أدهم بإلقاء نفسه في البحر على شاطئ الإسكندرية، حيث وجدت جثته، ووجدت في ملابسه رسالة تؤكد انتحاره بسبب سأمه من الحياة.

الشاعر اللبناني خليل حاوي فقد اختار نفس النهاية، فبعد ما سمع وهو في منفاه في استراليا بخبر اجتياح الجيش الإسرائيلي لجنوب لبنان وحصاره لبيروت عام 1982 م أصابه حزن عميق، وساده القنوط، فقرر الانتحار لإنهاء حياة العذاب التي كان يعانيها.. وأطلق الرصاص على نفسه.

كريستينان أوناسيس كانت من الأسماء اللامعة:هي ابنة الملياردير اليوناني أوناسيس صاحب الجزر والأساطيل البحرية والطائرات والمليارات، الذي يعد من أكبر أثرياء العالم .. ولأن كريستينان وريثته الوحيدة فقد ورثت عن أبيها كل ثروته الهائلة، إلا أن ذلك لم يحقق لها السعادة التي تبحث عنها، فقد تزوجت عدداً من المرات، وكان زواجها الأخير من أحد الشيوعين، حيث سئمت حياة الترف والثروة، وذهبت لتعيش مع زوجها في منزل متهالك في أحد أحياء موسكو الفقيرة، إلا أن الفشل لاحقها في هذا الزواج أيضاً، ففارقت زوجها بعد أن أصيبت باكتئاب مزمن وحزن مرضي متصل، ولم تستطع الثروة والمال أن تحقق لها أبسط معاني السعادة الإنسانية، وأقل درجات الرضى والطمأنينة، فقررت الانتحار ووجدت ميتة على أحد السواحل الأرجنتينية، بعدما ابتلعت عدداً كبيراً من الحبوب المنومة، وكان عمرها آنذاك سبعة وثلاثين عاماً فقط.

داليدا قبل أن تنتحر: الحياة لا تحتمل.. سامحوني

نفس النهاية اختارتها المغنية العربية داليدا خرجت داليدا من أحد الأحياء الشعبية في القاهرة لتسافر إلى فرنسا عام 1956 م، وحققت هناك شهرة واسعة لم تصل إليها أي مغنية عربية من قبل، وباعت على مدى عشرين عاماً ما يزيد على 85 مليون شريط لـ 600 أغنية بثمان لغات، وحصدت الكثير من الجوائز والأوسمة العالمية، لكنها مع ذلك ضاقت بالحياة، وسئمت الأضواء، واستسلمت لليأس، وأرادت النهاية، حيث استيقظ العالم في أحد أيام 1987 على خبر انتحار المغنية داليدا لألتهامها عدداً كبيراً من الأقراص المنومة، ووجدت بجانبها رسالة تقول فيها: الحياة لا تحتمل.. سامحوني.

مارلين مونرو، نجمة السينما الأمريكية الأكثر شهرة عالمياً، تلك التي تربعت على عرش السينما العالمية سنين طويلة، ودخلت البيت الأبيض بارتباطها بعلاقات محرمة مع الرئيس الأمريكي جون كيندي ومع أخيه روبرت... وحتى اليوم رغم مرور ثلاثين عاماً على وفاتها، إلا أن الإعلام ما زال يتكلم عنها في كل ذكرى لوفاتها، وما زالت كثير من صورها تباع حتى اليوم بالملايين، حتى صارت أشبه بالأسطورة السينمائية التي يمجدها الغرب في كل مناسبة .. لكن مارلين مونرو رغم شهرتها الواسعة عالمياً كانت غير سعيدة، وصرحت بذلك عدداً من المرات

وكانت مصابة بقلق حاد وكآبة مستمرة، بل أصيبت في آخر أيامها بالهستيريا ولم تطق ذلك العذاب.. وبعد أيام صعق المجتمع الأمريكي بخبر انتحار مارلين مونرو نجمة السينما الأمريكية وهي أوج شهرتها، وذلك بالتهامها الكثير من الحبوب المنومة

الدكتورة درية شفيق التي حصلت على الدكتوراه من باريس، وأسست أول حزب نسائي في مصر، وأصدرت عدداً من المجلات، وقادت الثورات والمظاهرات المطالبة بتحرير المرأة، ثم كانت نهايتها بأن ألقت من شقتها في الدور السادس

الروائية فرجينيا وولف حيث أخذت طريقها في البحر ووضعت حجراً ثقيلاً في ملابسها، وألقت بنفسها في البحر، ولم تكتشف جثتها إلا بعد ثلاثة أيام، وكانت قد تركت لزوجها رسالة تقول فيها: سأفعل ما أراه أفضل

الكاتبة أروى صالح التي كانت تكتب في كثير من الصحف والمجلات الشهيرة، ضاقت بالحياة وألقت بنفسها هذه المرة من الدور العاشر، وذلك قبل عدة أعوام

الممثلة والمغنية اللبنانية داني بسترس، بعدما سئمت الحياة هي أيضاً، فقامت بإطلاق الرصاص على نفسها

ظاهرة الانتحار.. كيف عالجها القرآن(4)

 لم أكن أتصور أن عدد حالات الانتحار في العالم تصل إلى أكثر من 800 ألف حالة وذلك كل عام!! وأمام هذا العدد الضخم كان لا بدّ من إجراء العديد من الدراسات والأبحاث حول هذه الظاهرة الخطيرة.

ففي كل 40 ثانية هناك شخص ينتحر في مكان ما من هذا العالم! وفي كل عام هنالك مئات الآلاف من الأشخاص يموتون منتحرين في العالم. وفي كل عام يموت 873 ألف إنسان بعمليات انتحار مختلفة . إنها بحق ظاهرة تستدعي الوقوف طويلاً والتفكر في أسبابها ومنشئها، بل وكيفية علاجها.

وفي مقالتنا هذه سوف نرى الأسباب الحقيقية الكامنة وراء الانتحار، هذه الأسباب هي نتيجة أبحاث كلّفت ملايين الدولارات، والهدف منها إيجاد علاج ناجع للانتحار، وعلى الرغم من الأموال الطائلة التي يتم إنفاقها كل عام لعلاج هذه الظاهرة إلا أن إعداد المنتحرين كل عام لا تتغير بل تزداد أحياناً.

وسوف نتساءل أيضاً: هل غفل كتاب الله تعالى وهو الكتاب الذي أنزله الله تفصيلاً لكل شيء، هل غفل عن ذكر هذه الظاهرة وعن ذكر علاج لها؟ بل سوف نقارن العلاج العلمي بالعلاج القرآني لنرى التطابق المذهل، بل لنرى أن القرآن يتفوق على العلماء وأبحاثهم العلمية.

حقائق حول الانتحار

- حسب إحصاءات الأمم المتحدة فإنه في أية لحظة ننظر إلى سكان العالم نجد أن هنالك 450 مليون شخص يعانون من اضطرابات نفسية وعصبية. إن أكثر من 90 % من حالات الانتحار يرتبط سبب انتحارهم باضطرابات نفسية وتحديداً الكآبة، أي فقدان الأمل الذي كان موجوداً لديهم .

- يعدّ الانتحار السبب الثامن لحالات الموت في الولايات المتحدة الأمريكية.

- الرجال أكثر عرضة للانتحار من النساء بأربعة أضعاف تقريباً. ولكن محاولات الانتحار عند النساء أكثر.

-  في 60% من حالات الانتحار يتم استخدام الأسلحة النارية مثل المسدس.

- تشير الدراسات إلى أن قابلية الانتحار لدى الشخص تكبر مع تقدم سنّه، ولذلك نرى بأن هنالك أعداداً معتبرة بين الذين يموتون منتحرين وأعمارهم تتجاوز 65 عاماً. وهؤلاء معظمهم من الرجال.

عوامل تؤدي للانتحار

- إن عنصر الكآبة هو الأوفر حظاً في السيطرة على مشاعر من لديه قابلية للانتحار.

- كذلك مشاعر اليأس لها دور كبير في التمهيد للانتحار.

- إن تكرار محاولات الانتحار أو التفكير في الانتحار هي أسباب قوية لتنفيذ هذا الانتحار فيما بعد.

- إن الإدمان على الكحول والمخدرات قد يكون أحد الأسباب المؤدية للانتحار.

- المعتقد الديني حول الانتحار له دور أساسي في قبول فكرة الانتحار، فعند جهل الإنسان بأن الانتحار محرّم قد يستسهل هذه العملية. وقد يعتبر البعض أن الانتحار هو قرار نبيل للدفاع عن أخطاء أو خسارات كبيرة لا يتحملها العقل.

- فقدان شيء غالٍ أو خسارة كبيرة، وهذا يؤدي لنوع من رد الفعل قد ينتهي بالانتحار.

- عوامل نفسية مثل العزلة أو العدوانية قد تؤدي إلى التفكير بالانتحار.

عوامل الوقاية حسب معطيات العلم الحديث

يؤكد العلماء الذين درسوا آلاف الحالات لأشخاص قد ماتوا منتحرين على ضرورة العناية بمن لديهم اضطرابات نفسية قد تؤدي بهم إلى الانتحار. وضرورة رعايتهم من الناحية الطبية وتوفير الحالة النفسية السليمة لهم.

وبالطبع هؤلاء العلماء لا يعالجون المرض إلا بعد وقوعه، فالطبيب ينتظر ظهور المرض ثم يقوم بدراسته وتحليله وإيجاد العلاج الملائم له. ولكن هؤلاء العلماء لم يتمكنوا بعد من وضع علاج يخفف من حالات الانتحار، لأن الإحصائيات العالمية تظهر أن نسب الانتحار شبه ثابتة وتتأرجح حول معدل قد يصل إلى مليون منتحر كل عام.

أرقام مرعبة!

ولكي لا يظن أحد أننا نبالغ في هذه الأرقام، فإننا نقدم إحدى الإحصائيات الدقيقة جداً والتي تمت عام 2002 في الولايات المتحدة الأمريكية  وكان بنتيجتها:

بلغ عدد المنتحرين أكثر من 31 ألف حالة. عدد الرجال منهم 25 ألف رجل، و6 آلاف امرأة.

أكثر من 5000 شخص بين هؤلاء هم من المسنين الذين تتجاوز أعمارهم 65 عاماً.

أما عدد الشباب بين هؤلاء (15-24 سنة) فقد بلغ 4000 منحراً.

وبناء على هذه الأرقام فإنه يمكن القول بأنه في أمريكا هنالك شخص يقتل نفسه كل ربع ساعة!!

وفي هذه الإحصائية تبين بأن هنالك 17 ألف إنسان قد قتلوا أنفسهم بإطلاق النار من مسدسهم.

وهنالك أكثر من 6 آلاف شخص فضَّلوا شنق أنفسهم.

أكثر من 700 من هؤلاء ألقوا بأنفسهم من الطوابق العليا.

وأكثر من 300 شخص رموا بأنفسهم في الماء فماتوا غرقاً.

ويمكن القول وسطياً بأنه في كل عام يُقتل 100 ألف شخص بحوادث مختلفة مثل حوادث السيارات وغيرها، وبالمقابل نجد أن 30 ألف شخص يقتلون أنفسهم، فتأمل هذه النسبة العالية جداً للذين يقدمون على الانتحار.

والعجيب في هذا التقرير أن هنالك 5 ملايين أمريكي حاولوا قتل أنفسهم!!!

وعلى الرغم من الوسائل المتطورة التي تبذل في سبيل معالجة هذا الداء فإن نسبة الانتحار زادت 60 بالمئة خلال النصف القرن الماضي! .

لقد كان الاعتقاد السائد قديماً أن أشخاصاً محددين فقط لديهم ميول نحو الانتحار، ولكن أثبتت الحقائق العلمية أن كل إنسان لديه إمكانية الإقدام على الانتحار فيما لو توفرت الظروف المناسبة.  كما كان الاعتقاد السائد أن الحديث مع الشخص الذي ينوي الانتحار حول انتحاره سيشجعه على الانتحار أكثر، ولكن الدراسات أظهرت العكس، أي أن الحديث عن عواقب الانتحار ونتائجه الخطيرة وآلامه يمكن أن تمنع عملية الانتحار.

والسؤال: ماذا عن كتاب الله تعالى؟

ولذلك نجد أن القرآن العظيم لم يهمل هذه الظاهرة، فقد أعطى أهمية كبرى حول هذا الأمر وعلاجه فتحدث بكل بساطة ووضوح عن هذا الأمر. بل أمرنا أن نحافظ على أنفسنا ولا نقتلها فقال: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) [النساء: 29]. إنه أمر إلهي يجب ألا نخالفه.

ولكن هل يكفي هذا الأمر لعلاج هذه الظاهرة الخطيرة؟ لا، لأن الدراسات الحديثة تؤكد على ضرورة بث الأمل لدى أولئك اليائسين المقدمين على الانتحار، وضرورة معاملتهم معاملة رحيمة. ولذلك نرى مئات المواقع والمراكز قد خصصت لعلاج ومواساة من لديه ميل نحو الانتحار أو يحاول ذلك.

ولذلك فقد أتبع الله تعالى أمره هذا بخبر سار لكل مؤمن، يقول تعالى (إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا)[النساء: 29]، إنه نداء مفعم بالرحمة والتفاؤل والأمل. ولكن لماذا هذا النداء؟

إذا علمنا بأن معظم حالات الانتحار سببها فقدان الأمل من كل شيء عندها ندرك أهمية الحديث عن الرحمة في هذا الموضع بالذات.

ولكن هل يكفي الحديث عن الرحمة والأمل؟ لا، لأن بعض الناس لا يستجيبون لنداء الرحمة، ولا بدّ من تخويفهم من عواقب الانتحار. ويؤكد العلماء في أبحاثهم عن منع الانتحار أنه لا بدّ من تعريف الأشخاص ذوي الميول الانتحارية إلى خطورة عملهم وعواقبه وأنه عمل مؤلم وينتهي بعواقب مأساوية.

وهذه الطريقة ذات فعالية كبيرة في منعهم من الانتحار. وهذا ما فعله القرآن، يقول تعالى في الآية التالية مباشرة: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا)[النساء: 30]. وتأمل معي هذا العقاب الإلهي: (فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا)إنها بحق نتيجة مرعبة لكل من يحاول أن يقتل نفسه.

 من هنا ندرك أن القرآن العظيم لم يغفل عن هذه الظاهرة بل عالجها العلاج الأمثل. ولذلك نجد أن أخفض نسبة للانتحار هي في العالم الإسلامي!!! وذلك بسبب تعاليم القرآن الكريم. بينما يعاني الغرب من عدم وجود تعاليم تمنعه من الإقدام على الانتحار فتجد نسبة الانتحار عالية لديهم.

بين الأسطورة والعلم والقرآن

عندما نزل القرآن العظيم كانت هنالك مجموعة من المعتقدات عند الشعوب، ومن هذه المعتقدات أنه لا ينبغي الحديث عن الانتحار لأن ذلك سيشجع على الانتحار  ولو كان القرآن كلام محمد صلى الله عليه وسلم وأنه قد جمعه من الأساطير السائدة في عصره كما يدعي بعضهم، إذن كان الأجدر به ألا يتحدث عن الانتحار! استجابة للأسطورة التي تمنع الحديث عن هذه الظاهرة.

ولو كان القرآن كلام بشر كما يدعون إذن كيف علم بأن العلاج الفعال للانتحار هو إعطاء جرعة من الرحمة والأمل للشخص وإعطائه بنفس الوقت جرعة من الخوف من عواقب هذه العملية؟ كيف علم هذا البشر بعلاج الانتحار قبل أن يكشفه العلماء بأربعة عشر قرناً؟؟

إن وجود هذه الحقائق العلمية دليل صادق لكل من لديه شك بأن القرآن كتاب صادر من عند الله القائل: (قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا)[الفرقان: 6].

لنقرأ النص الإلهي كاملاً ونتأمل ما فيه من خطاب مليئ بالرحمة، يقول تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا)[النساء: 26-31].

الانتحار على الإنترنت(5)

معلومات على الانترنت لمساعدة الراغبين في التخلص من حياتهم

مارتين بايبر أب مكلوم، فقد انتحر إبنا له يبلغ من العمر ستة عشر عاما في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي.

وأشد ما يزعج عائلة بايبر هو اكتشافهم أن ابنهم المولع بالكمبيوتر وبالاستماع لأغاني مغنية البوب الأمريكية بريتني سبيرز كان ينقب على شبكة الإنترنت عن طريقة يقتل بها نفسه.

وللأسف وجد تيم عدة نصائح ومعلومات عن كيفية الانتحار كانت لها أهمية كبرى عندما قرر التخلص من حياته، وقام بشنق نفسه في غرفة نومه، واكتشفت أمه وشقيقه جثته.

وترغب الأسرة التي دمرها هذا الحدث في اتخاذ إجراءات ضد مواقع الإنترنت التي تساعد الراغبين في الانتحار.

وقال الأب مارتين: "لقد صافحته هذا المساء، وقلت له طابت ليلتك، وابتسم لي ابتسامة عريضة، وفي اليوم التالي، قتل نفسه".

وأضاف: "إنني أتذكر كيف كان ولدا صالحا، وكيف كان سيبدو وسيما عندما يكبر، وأعتقد أن ما كان خسارة فادحة"

اجتماع انتحار

إحدى جماعات الإنترنت أثارت جدلا إعلاميا كبيرا في بداية العام الحالي عندما وضعت إعلانا يقول: "إجازة للإنتحار"، وكان الجدل حول شخص حرض وساعد شخصا آخر على الإنتحار.

كان لويس جيليس من جلاسجو قد التقى مايكل جودين من إيست ساسيكس لأول مرة في الثامن والعشرين من مايو/ أيار 2002 على الإنترنت.

وعبر هذه الجماعة التي تكونت على الإنترنت شكل الإثنان ما يبدو وكأنه نوع من اتفاقيات الانتحار ثم التقيا وجها لوجه في المرة الأولى في محطة إيستبورن.

وتناول جودين عشاءه الأخير في أحد الفنادق المحلية، ثم إتجها معا إلى تلال بيتشي هيد العالية حيث تجرد جودين من ملابسه تماما وقفز.

كان جودين قد حاول الانتحار من قبل، غير أنه لم يفلح. وبانتحار جودين بدأ الناس ينتبهون إلى خطورة مثل تلك الجماعات على الإنترنت.

"هراء لا معنى له إطلاقا"

البروفيسور كولين بريتشارد، خبير الانتحار من جامعة بورنيموث غاضب تماما من انتشار هذه المواقع على الإنترنت.

وقال إنه على الرغم من ذلك، فإن الإنترنت لا تقدم معلومات دقيقة.

وقال: "لا يمكن بأي حال أن تطلق على ذلك صفة الخبرة، إنه هراء لا قيمة له إطلاقا، إنني في الواقع أعتقد أنه نوع من الاغتصاب الأخلاقي"

إن مدة قصيرة من البحث على الإنترنت تكفي للعثور على جماعات الإنتحار.

إحدى القوائم على الإنترنت تحدثت عن شخص اسمه "سلاد"، وحكت عن محاولته "اللحاق بالحافلة" وهو المصطلح المستخدم على الإنترنت للتعبير عن الإنتحار، وكان يبحث عن طريقة محددة للإنتحار.

وكانت سلاد إمرأة في العشرينات من عمرها تعيش في غرب أمريكا.

وتضمنت مداخلتها على الإنترنت تفاصيل محاولة إنتحار فاشلة توقفت خلالها عن التنفس، واضطرت السلطات لحملها في طائرة من غابات كولورادو إلى المستشفى.

فمن إذا يعطي المعلومات والنصائح عن الإنتحار لضحايا مثل سلاد وتيم بايبر؟

"المفترسون"

بحث آخر على الإنترنت أظهر شخصا يسمي نفسه "بوبوروشي"، وقد كتب مقالات مطولة عن أفضل طرق الإنتحار، بالإضافة إلى إجاباته على رسائل وصلته تسأله النصيحة في أمور الإنتحار.

أحد المداخلات تضمنت سطرا يقول: "هذا المقال محاولة للتشجيع على الإنتحار"

وفي مداخلة أخرى أجاب على شاب يسمي نفسه "جوي الأصغر" كتب قائلا: "إنني أريد المساعدة لقتل نفسي، أنا أعرف أنني أحتاج ذلك، ولكن الشجاعة خانتني"

وكانت إجابة بوبوروشي سريعة، وصفة للإنتحار.

مارك ويليامز من قسم الصحة النفسية بجامعة أوكسفورد، يعمل بشكل قريب إلى الإنتحاريين، ولديه بحث أجراه عليهم وكتب كثيرا في هذا الشأن.

وعندما سألناه عن تعليقه على ما كتبه بوبوروشي، قال مارك ويليامز: "عند هذه المرحلة يصل الأمر إلى حد السيكوباتية، وانعدام الشعور بالذنب، والاستفزاز والعداوانية، والتعامل مع الآخرين على أنهم أشياء، وليسوا أشخاصا"

جاذبية وخطر شبكة الإنترنت يكمنان في القدرة على إخفاء الهوية، والمدافعون يقولون إن ذلك مطلب مهم للغاية للراغب في الإنتحار.

عائلات الضحايا، الذين بحثوا عن الإنتحار على الإنترنت مثل تيم بايبر، يشعرون أن الإنترنت قد حكمت عليهم حكما مؤبدا بالحزن والأسى.

الإنتحار بين المرض والاختيار(6)

على الرغم من قوة وعنفوان غريزة الحياة ( حب البقاء ) لدى الإنسان والتى تدفعه نحو التشبث بالحياة والتملك والتفوق والزواج والإنجاب والإنتاج والتعمير ، إلا أن هناك غريزة أخرى كامنة فى الظل تدفعه – حين تنشط – إلى تدمير كل هذا ، تلك هى غريزة ، الموت الرابضة فى اعماقنا والمحركة للسلوك الانتحارى الذى نهتز له وتهتز به ثوابتنا ، ويجعلنا فى مواجهة حادة ومباشرة مع حقيقة الموت وحقيقة الحياة ودوافع كل منهما بداخلنا .

والانتحار سلوك متعدد الدوافع ينشط حين يختل التوازن بين غريزتى الحياة والموت ، وهو لا يولد فى لحظة تنفيذه أو محاولة تنفيذه وإنما يكون رابضاً كخيار فى طبقات الوعى الغائرة إلى أن يطفو فوق السطح وينشط فى ظروف بعينها ليكون الخيار الوحيد الذى يراه الشخص فى تلك اللحظة على أنه أفضل الحلول .

والانتحار بهذا المعنى ليس حدثاً عشوائياً ، وإنما هو منظومة فكرية ووجدانية وسلوكية تنتظم أجزاؤها عبر السنين والأحداث ليبرز كوسيلة للخروج من مأزق أو أزمة فى شخص وصل إلى حالة من انعدام الأمل وقلة الحيلة Hopelessness and Helplessness)) وقع تحت ضغوط فاقت احتماله ، وضاقت أمام عينيه الخيارات أو تلاشت ، أو أرادها هو أن تضيق وتتلاشى، عندئذ أعذر وأنذر، وأرسل إشارات استغاثة لكنها لم تصل إلى من يهمه الأمر ( فعلاً ) ، أو وصلت ولم يسمعها أحد، أو سمعت ولم يفهمها أحد، أو فهمت ولم يستجب لها أحد، وهنا وقعت الواقعة .

معدلات الانتحار ( أرقام ودلالات ) :

غالبية المنتحرين ( 98 % منهم) كانوا مصابين بأمراض نفسية أو عضوية فى حين أن نسبة ضئيلة جداً منهم ( 2 % ) كانوا أسوياء ( بمعنى أنهم غير مرضى ) . وهذا الرقم الإحصائى يكاد يغرى باستنتاج متعجل وهو : هل هؤلاء المنتحرين المرضى ( 98 % ) كانوا فاقدى القدرة على التحكم فى دوافعهم نحو الإنتحار ( أى مجبرين ) ، وأن 2 % فقط من المنتحرين ( وهم الأسوياء ) هم الذين انتحروا مختارين .. ؟ .. والإجابة بنعم هنا تتوق إليها كثير من القلوب لأناس فقدوا أعزاء عليهم منحرين ويتمنون لو تزول عنهم فكرة اختيار الانتحار ( وبالتالى مسئولية الإنتحار الأخلاقية والدينية ) ويصبحوا فى نظرهم بشهادة العلم الإحصائى مرضى مجبرين غير مسئولين عما حدث ، بل ويستحقون الشفقة والتعاطف بل والإحساس بالذنب من جانبنا نحوهم . ولكن هذا التعميم _ حين عرضه على النظرة الموضوعية _ يبدو ضعيفاً ، حيث لا يستطيع أحد أن يقول بأن كل مريض انتحر كان فاقد الاختيار أو فاقد الوعى والبصيرة على الرغم من ضغوط المرض القاسية . وحتى على المستوى القانونى لا يعفى المريض من المسئولية فى كل الحالات ، بل يعفى فقط فى حالة عدم البصيرة بالفعل وعواقبه وعدم القدرة على التمييز وعدم القدرة على الاختيار واضطراب الوعى أو الارادة ، ولهذا نجد كثير من المرضى النفسيين عرضة للمساءلة القانونية ولكن تتدرج المسئولية حسب تأثير المرض على العناصر المذكورة سلفاً من المسئولية الكاملة إلى انتفاء المسئولية وبينهما درجات تقدر بقدرها . وعلى أية حال سنترك هذا الاستطراد الذى استدرجنا إليه لنعود إلى باقى الأرقام ، والتى تقول بأن 1000 شخص ينتحرون كل يوم على مستوى العالم أى حوالى 42 شخص كل ساعة وأن الإنتحار هو ثامن سبب للوفاة فى مجموع السكان فى أمريكا وهو ثالث سبب للوفاة بين المراهقين عموماً ، وثانى سبب للوفاة بين المراهقين البيض ، ففى أمريكا ينتحر 75 شخص كل يوم ، أى شخص كل 20 دقيقة ، أى 25 ألف حالة انتحار فى السنة .وقد وجد أن أشهر مكان للانتحار فى العالم هو جسر البوابة الذهبية فى سان فرانسيسكو ( Golden Gate Bridge ) ، فقد انتحر من أعلى هذا الجسر 900 شخص منذ إنشائه عام 1937 .

والرقم العالمى المتوسط لمعدل الإنتحار هو 12,5 شخص لكل 100,000 من مجموع السكان ، وهناك ما يسمى بحزام الإنتحار وهو يضم الدول الاسكندنافية وسويزرلاند وألمانيا والنمسا ودول أوروبا الشرقية بالإضافة إلى اليابان حيث يبلغ معدل الإنتحار فى هذه الدول 25 شخصاً لكل 100,000 من السكان .

وأعلى معدل للانتحار قد سجل فى هنجارى ( المجر ) وهو 35 منتحر لكل 100,000 من السكان .

وفى المقابل وجد أن أقل معدلات الانتحار 10 لكل 100,000 من السكان توجد فى مصر وأيرلندا وأسبانيا وايطاليا .

وقد تختلف معدلات الانتحار داخل البلد الواحد لأسباب اجتماعية أو اقتصادية أو عقائدية فمثلا وجد أن ولاية نيوجرسى فى أمريكا هى أقل الولايات من حيث معدل الإنتحار مقارنة بولاية نيفادا التى سجلت أعلى معدل بين الولايات الأخرى .

وعلى الرغم من أن النساء هن أكثر تهديدا بالانتحار وأكثر قياماً بالمحاولات الانتحارية إلا أن الرجال أكثر تنفيذاً للانتحار فعلاً . وبالمثل فإن صغار السن يهددون كثيراً بالانتحار ولكن كبار السن ينفذونه أكثر ، فقد وجد أن أعلى نسبة انتحار فى الرجال تحدث بعد سن 45 سنة وفى النساء بعد سن 55 سنة . والمنتحرين من كبار السن الذين تعدوا 65 عاماً يشكلون 25 % من حالات الانتحار على الرغم من أنهم يشكلون 10 % فقط من السكان .

الإنتحار بين الأسوياء :-

ونقصد هنا بالأسوياء أنهم غير مصابين بأمراض نفسية أو عضوية ، ولا نعنى بها أنهم أسوياء فى التفكير أو الاعتقاد أو السلوك ، لأن دوافع الإنتحار فى هذه الفئة التى تشكل 2 % من المنتحرين تكون فى صورة أفكار أو معتقدات أو عادات ، ولذلك يكون الفعل الانتحارى سلوكاً مختاراً ، ونذكر من أمثلة الإنتحار فى هذه الفئة ما يلى :-

الإنتحار الوجودى :-

ويقوم به من يعتنقون الفكر الوجودى والذى يعلى من قيمة إرادة الإنسان واختياره ومسئوليته بالدرجة التى تجعله مسئولاً عن كل شئ فى حياته مسئوليه مطلقه ، وأن عليه أن يحقق ذاته ويطلق إمكاناته كما يريد ، وإذا عجز عن ذلك فعليه أن يختار توقيت إنهاء حياته بالطريقة التى يريدها .وفى بعض مدارس الفكر الوجودى المتطرفة يعتبرون قرار الإنتحار شجاعة وسلوكاً شريفاً ونبيلاً من الشخص حيث قرر الانسحاب فى اللحظة التى شعر فيها أنه غير قادر على العطاء . وليس بالضرورة أن يكون الشخص المنتحر طبقاً لهذه المفاهيم منتمياً إلى الفكر الوجودى بشكل أكاديمى أو فلسفى ، وإنما يمكن أن تتسرب هذه الأفكار إلى أشخاص بسطاء لم يقرأو حرفاً عن الوجودية وإنما تشربوا أفكارها من الحياة اليومية ، أو من القصص والمسلسلات والأفلام والبرامج الإعلامية المختلفة .

تقليد { سوتى } فى الهند :-

يطلب المجتمع من المرأة التى يتوفى زوجها أن تحرق نفسها مع جثة زوجها المتوفى .

عروس النيل عند قدماء المصريين :-

فقد أعتاد القدماء المصريون أن يقدموا اجمل فتاة لديهم كل عام هدية للنيل يلقونها فيه فتموت غرقاً حتى يجود النيل بخيره عليهم ، ولم يتوقف هذا التقليد إلا بعد دخول الإسلام مصر .

الإنتحار الإيثارى :-

مثل انتحار كبار السن فى الإسكيمو الذين يشعرون أنهم أصبحوا عالة على ذويهم ولم يعودوا قادرين على العمل فيدفن الواحد منهم نفسه فى الثلج ويظل هكذا حتى يموت وهدفه من ذلك أن لا يكون عالة أو عبئاً على أبنائه .

الإنتحار لفقدان عزيز:-

مثل انتحار كليوباترا بعد موت أنطونيو ، أو انتحار أى محب بعد موت حبيبه . وفى هذه الحالة يكون هناك نوع من التوحد بين الحبيبين بحيث أن موت أحدهما يعنى موت الآخر معنوياً فيلجأ هذا الآخر إلى تفعيل موته المعنوى إلى موت حسى . وتزيد احتمالات الإنتحار هنا إذا كان المحبوب قد مات منتحراً ، وليس بالضرورة أن تكون العلاقة هنا علاقة حب عاطفى بالمعنى المعروف ، ولكن يمكن أن تكون علاقة أخوة أو علاقة أستاذيه أو أى علاقة أخرى قوية ، فقد انتحرت مثلاً أحد المطربات الإستعراضيات بعد موت أستاذها الشاعر الغنائى الذى كان مؤلف لها أغانيها ، لأنه كما كان مثلاً أعلى لها فى حياتها فإنه يصبح مثلاً أعلى لها فى طريقة موتها .

المشكلات العاطفية :-

وجد أن 30 % من حوادث الإنتحار عند البالغين سببها مشاكل الحب .

انتحار الذكرى السنوية :-

كأن ينتحر الشخص يوم عيد ميلاده أو عيد زواجه أو الذكرى السنوية لطلاقه .

الإنتحار الجماعى :-

حدثت حالات انتحار جماعى بين بعض القبائل بدأت بانتحار شيخ القبيلة وتبعه بقية أفرادها . وهناك أيضاً انتحار الفرسان حيث يتجمع عدد من الفرسان فى جيش مهزوم ويقومون بقتل أنفسهم كنوع من التكفير عن أخطائهم أو قتل الشعور بالذنب الذى أصاب الجيش من جراء الهزيمة . وإذا كنا ننظر إلى عمليات الإنتحار الجماعى السابقة على أنها تمت فى مجتمعات بدائية تفتقد إلى المنطق السليم وإلى الرقى الحضارى ، فإننا سوف نندهش حين نستعرض عملية الإنتحار الجماعى التى حدثت فى سان ديجو فى كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية يوم 26 مارس 1997 حيث قام مارشال هيرف أبل هوايت قائد الجماعة الدينية المسماة بوابة السماء ( Heaven‘s Gate ) بالانتحار بواسطة تعاطى حبوب فينوباربيتال وقد تبعه فى الانتحار 38 شخصاً من أتباعه اجتمعوا فى مكان واحد ليموتوا سوياً خلف زعيمهم الروحى الذى أطلق شائعة بأنه مصاب بسرطان الكبد وأنه لابد وأن يموت فى هذا اليوم وأن موته يفتح له أبواب الجنة حيث ستصعد روحه فى سفينة فضاء لتخترق حجب السماء نحو الجنة . وقد وجد أتباعه أنفسهم يفضلون أن تتبع أرواحهم روح زعيمهم فى الصعود إلى السماء ؛ خاصة وأنهم _ كما عبر أحدهم _ لا يجدون للحياة أى قيمة بعد خلوها من زعيمهم الروحى . والمثير أن هذه الجماعة الدينية قد تكونت من خلال الإنترنت حيث تعرف الأعضاء على زعيم الجماعة وعلى بعضهم البعض من خلال تلك الشبكة العالمية للاتصالات وكانت تعاليم الجماعة تصل إلى أعضائها عبر هذه الشبكة وقد احتار علماء النفس كثيراً فى محاولة تفسير ظاهرة الانتحار الجماعى فبعضهم يرجعها إلى تبنى أفكار ومعتقدات تتصل بالموت الذى هو نهاية لمعاناة الإنسان وبداية لخلاص روحه من هذا العالم وتوجهها نحو السماء حيث السلام والخلود . وقد تم زرع هذه الأفكار بواسطة زعيم ذو شخصية كاريزمية مؤثرة فى أناس أصابهم الإحباط فى الحياة المعاصرة فاستجابوا تحت تأثير شخصية زعيم الجماعة وتحت ضغط الجماعة على أفرادها لدعوة الخلاص . ومن المحتمل أن أعضاء هذه الجماعة كانوا من الشخصيات الانقيادية التى تتبع قائدها دون تفكير ، وأنها لعجزها عن مواجهة الضغوط الخارجية وجهت غضبها وعدوانها نحو الداخل فى صورة سلوك انتحارى جماعى خاصة وأن هذه النوعية من الأشخاص تكون قابلة للإيحاء والاستهواء لذلك تسلك سلوك الآخرين دون تفكر .

انتحار التقليد :- ( Copycat Suicide )

عندما ينتحر طفل أو مراهق فى مدرسة أو نادى أو أى مجموعة ، تحدث حالات انتحار مشابهة فى المجموعة تقليداً للطفل أو توحداُ أو تعاطفاً معه . ويحدث هذا أيضاً بعد رؤية بعض الأفلام أو المسلسلات والتى انتحر فيها أحد الأشخاص فى هذا السن . وقد نشرت روايه فى أوربا منذ 200 عام بعنوان " أحزان الصغير ويرزر" ( The sorrows of young Werther ) وحدثت بعدها موجه من الانتحار فى صغار السن ، وكانوا يلبسون لحظة انتحارهم مثل " ويرزر " بطل القصة أو ينتحرون والقصة بجوارهم .

انتحار المشاهير :-

تطالعنا كثيراً أخبار انتحار مشاهير كانوا ملئ السمع والبصر فى مجالات الأدب أو الفن أو الرياضة أو العلوم ، ونهتز ونحتار ونتساءل : لماذا ؟ .. وماذا كانوا يريدون أكثر ؟ .. ونقف حائرين إلى أن تقرع

آذاننا أخبار انتحار جديد لمشهور ( أو مشهورة ) .. فهذا إرنست همنجواى الذى ارتفع اسمه فى سماء الأدب ليحصل على جائزة نوبل ومع هذا يتخلص من حياته التى أصبح يراها لا تستحق .. وهذه مارلين مونرو ممثله الإغراء تفيض شباباً وحيوية وجمالاً وإثارة يتوق إليها جميع الرجال .. فجأة تتوقف وتكره كل هذا فتقتل نفسها ( أو تدفع نفسها ليقتلها غيرها ) لأن الحياة لا تطاق . ثم تتبعها داليدا تلك المطربة المتألقة التى اكتشفت أن حياتها كانت عبئاً رغم أنهم صنعوا لها تمثالاً ووضعوه فى أحد ميادين باريس عاصمة الفن والجمال . وهذا شاعر غنائى كبير ملأ الدنيا بشعره الجميل ومعانيه الرائعة وبساطته القريبة من القلوب .. عانى ويلات المرض النفسى وانتصر عليها وطوعها لإبداعه فكتب وهو حزين فأبدع وكتب وهو فرحان فأبدع ، ولكن فى لحظة ما قرر الاستسلام .. وهذه فنانه استعراضيه موهوبة ومحبوبة أخذت من الشهرة ما تقر به عينها ، ولكن حين ابتعدت عن الضوء بسبب المرض وابتعد عنها الناس بسبب الانشغال أو الإهمال .. وجدت نفسها وحيده فى بلاد غريبة فهوت . وهذا عالم أنثروبولوجى عظيم منح بلده كل كيانه ولم يأخذ شيئاً من أحد ..عاش فقيراً معدماً على الرغم من ثرائه الفكرى الهائل ، وكان راضياً بهذا الموقف الصوفى الزاهد طوال حياته .. ولكن فى لحظة نكران وجحود ممن حوله ضعفت مقاومته فاحترق .

والمشاهير يشتركون مع بقية البشر فى كثير من صفاتهم ، ولكنهم يختلفون عنهم فى تميزهم بامتلاك مصادر القوه أو الجمال .. تلك المصادر التى تجعل الأنظار تتجه إليهم مبهورة والقلوب تهفو نحوهم معجبة ومحبة .. وتكون نتيجة إحاطتهم بالانبهار والإعجاب والحب أن يتعودوا أنهم شى مميز فتتضخم ذواتهم وتكبر نرجسيتهم .. فإذا حدث وفقدوا مصادر قوتهم أو مصادر جمالهم ، وانصرف الناس عنهم ، فإنهم لا يحتملون الحياة ويجدونها غير جديرة بأن تعاش ، ويعجزون عن الرضا بما حققوه وبما أخذوه ، ولا يستطيعون التكيف مع الواقع الجديد فتنفجر الذات المنتفخة ويحدث انفجارها دوياً هائلاً يجمع القلوب حولها مرة أخرى ولكنها فى هذه المرة تجتمع باكية آسفة نادمه .

الإنتحار بين المرضى :-

فى بحث اجرى سنه 1957 لدراسة حالات الانتحار بمقابله ذويهم وفحص ملفاتهم الطبية ومقابله طبيب العائلة وجد أن 98% كانوا يعانون أمراضاً نفسيه أو جسمانية ، وكانت أشهر الاضطرابات المصاحبة للانتحار هى الاكتئاب وإدمان الكحوليات . وأجرى بحث تتبعى للمقارنة بين مجموعتين : المجموعه الأولى مصابه بأمراض نفسية مختلفة ، والمجموعة الثانية مصابه بأمراض جسمانية مختلفة ، ووجد أن نسبه الإنتحار فى المجموعه الأولى ( النفسية ) وصلت إلى 5,5% فى حين كانت المجموعه الثانية ( الجسمانية ) 0,6% . ووجد أن نسبة الإنتحار بين أقارب المجموعة الأولى كانت أكثر 8 مرات من عامه الناس .

العوامل المصاحبة أو المؤثرة فى حالات الإنتحار :-

السن : الأصغر سناً أكثر تهديداً بالانتحار لكن الأكبر سناً أكثر تنفيذاً له .

الجنس : النساء أكثر تهديداً بالانتحار والرجال أكثر تنفيذا له ( المنتحرون من الرجال ضعف المنتحرات من النساء )

الحاله الاجتماعية : المتزوجون أقل انتحاراً من غير المتزوجين .

التدين : المتدينون أقل انتحاراً من غير المتدينين ، ومعدلات الانتحار أقل فى المسلمين واليهود والكاثوليك مقارنه بالبروتستانت . وهذه ملحوظة هامة نشهدها فى تعاملنا مع المرضى ذوى الميول الانتحارية حين نسألهم عن نواياهم الانتحارية فيقرون بوجودها ، ثم نسألهم : وما الذى منعكم من الإنتحار ؟ .. وتكون الإجابة دائماً : الخوف من الله . ففى النصوص الدينية نهى عن قتل النفس وتحذير من عواقب قتلها . يقول تعالى (( ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً * ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً وكان ذلك على الله يسيراً )) (النساء 29 –30)

وهذا الموقف الدينى الحاسم من مسألة قتل النفس كان له أثر كبير فى انخفاض معدلات الإنتحار فى الدول الإسلامية بشكل عام . وهناك اختلافات بين الطوائف الدينية من حيث معدلات الإنتحار طبقاً لمعتقدات كل طائفة ودرجة الترابط الاجتماعى بينهما . ويبدو أن حاله التدين لدى الإنسان تعطيه دعماً روحياً واجتماعياً يجعله لا يسقط فى قاع اليأس والقنوط ، وتعطيه حالة من الرضا تجعله يتقبل احباطاته ومعاناته بدرجه أفضل من غير المتدين ، وتعطيه أملاً فى انفراج الأزمة مهما اشتد حصارها .

العرق (السلالة ) : البيض أكثر انتحاراً من السود . والانتحار يكون أقل بين الأقليات والمجموعات العرقية المترابطة ، وتكون نسبته أكثر فى المهاجرين .

الوظيفة : أعلى نسبه للانتحار توجد بين المهنيين PROFESSIONALS وعلى رأسهم الأطباء البشريين وأطباء الأسنان والموسيقيين وضباط تنفيذ الأحكام والمحامين والعاملين فى شركات التأمين وتوجد أعلى نسبه للانتحار فى الطبيبات ( 41 حاله انتحار فى كل 100,000 ) وخاصة غير المتزوجات يليها الأطباء الذكور ( 36 فى كل 100,000 ) . واعلى نسبه انتحار بين الأطباء تحدث فى الأطباء النفسيين ثم أطباء العيون ثم أطباء التخدير . وعلى الجانب الآخر تزيد معدلات الانتحار فى العاطلين .

المستوى الاجتماعى : تزداد معدلات الانتحار فى المستويات الاجتماعية الأعلى ، وفى المدن أكثر من القرى .

الحاله الصحية الجسمانية : المرضى المزمنون والمصابون بأمراض مستعصية كالإيدز والسرطان وغيرها يكونون أكثر عرضه للانتحار من غيرهم .

الحاله الصحية النفسية : يعتبر المرض النفسى من أقوى الدوافع نحو الانتحار ويدل على ذلك الإحصاءات التالية:

-  تزيد خطورة الإنتحار فى المرضى النفسيين من 3-12 مرة بالمقارنة بعموم الناس .

-  نسبه الانتحار بين مرض الاكتئاب من 15 –18,9% وأخطر الحالات النفسية من ناحية القابلية للانتحار هى نوبات الاكتئاب الجسيم . والمكتئبون يكونون أكثر عرضه للانتحار فى بداية الشفاء حيث تتحسن قدرتهم على الحركة بسبب تأثير الدواء قبل أن تتحسن الحاله المزاجية بشكل كاف لذلك يصبح المكتئب قادراً على تنفيذ الانتحار من ذى قبل وأهم الأعراض التى تدفع المكتئب للانتحار هى انعدام الأمل وانعدام الحيلة ، وتظهران فى صورة أرق فى النوم ، وإهمال للنظافة الشخصية وضعف فى الذاكرة

-  نسبه الانتحار بين مرضى الفصام ( الشيزوفرينيا ) 10% ووجد انه كانت توجد أعراض اكتئابية فى ثلثى مرضى الفصام المنتحرين .

-  نسبه الانتحار بين المدمنين15%

-  نسبه الانتحار بين حالات اضطرابات الشخصية تتفاوت حسب نوع اضطراب الشخصية ولكنها فى مجملها اعلى من عموم الناس .

  وهناك مجموعتين رئيستين خطرتين : الأولى : مجموعه الاضطرابات النفسية ( الاكتئاب والفصام والإدمان) والثانية مجموعه مترددة بشكل متكرر على مستشفيات الطوارئ وهذه المعدلات للانتحار بين المرضى قد سجلت فى المجتمع الأمريكى ، وللآسف لا توجد إحصاءات كافيه فى المجتمعات العربية للمقارنة حتى الآن ، ولكن العاملون فى مجال الطب النفسى يلحظون ان معدلات الانتحار بين المرضى النفسيين فى تلك المجتمعات اقل بكثير من المعدلات الغربية ويفسر هذا بقوة العامل الدينى ووجود قدر كاف من الترابط الأسرى والاجتماعى .واختلاف معدلات الانتحار بين المرض النفسيين فى المجتمعات المختلفة تنفى فكرة الاضطرار للانتحار لدى المريض النفسى بسبب المرض وتؤكد فكرة أن قرار الانتحار تحيط به عوامل كثيرة يكون المرض أحدها .

10 – محاولات الانتحار السابقة : هى أفضل مؤشر لمعرفة مدى خطورة الحاله . وحين ندرس المحاولات السابقة للانتحار فإننا نركز على شيئين هامين للغاية :

أولاهما : نية المريض فى أن يموت ،وهى تظهر من خلال تعبيراته وسلوكياته والتى تبرز مدى رغبه الشخص وعزمه وإصراره على أن يموت .

ثانيهما : جديه المحاولة ، فمثلا إذا كان قد حاول ان يلقى بنفسه من الدور العاشر فى ظروف لم يكن أحد موجود بالمكان وإنما اكتشف مصادفة ، أو حاول قتل نفسه بمسدس أو إشعال النار فى جسده ، فكل هذه المؤشرات على خطورة وجديه المحاولة ، وهى مؤشر على ان هذا الشخص معرض وبشده للانتحار.

فقد وجد أن 40% من المكتئبين الذين انتحروا كانت لهم محاولة سابقه للانتحار . ووجد أيضاً أن 10% ممن قاموا بمحاولات انتحار قد انتحروا فعلاً فى خلال السنوات العشر التالية للمحاولة

11-الطقس : لا يوجد موسم معين خاص بالانتحار ولكن لوحظ زيادة بسيطة فى معدلات الانتحار فى الربيع والخريف

أسباب الانتحار :

عوامل اجتماعية :

حاول عالم الاجتماع إميل دوركايم أن يستقرئ حالات الانتحار فى نهاية القرن التاسع عشر وتوصل إلى تقسيم لحالات الانتحار طبقاً للموقف الاجتماعى :

الانتحار الأنانى ( Egoistic) : وهنا يكون المنتحر فى حاله عزله وليست له ارتباطات بأى مجموعات اجتماعيه وهذا يؤكد زيادة الانتحار بين غير المتزوجين ، وزيادة الانتحار فى المدن أكثر من القرى وزيادة الانتحار فى المجموعات الدينية الأقل ترابطاً كالبروتستانت مقارنه بالمجموعات الدينية الأكثر ترابطاً كالمسلمين والكاثوليك .

( الانتحار الايثارى ( :- ( Altruistic ) : وهنا يحدث العكس حيث نرى المنتحر شديد الانتماء إلى مجموعته وهو لذلك يضحى بنفسه من اجلها ، ومثال على ذلك الجندى الذى يدفع نفسه للموت فى المعركة فى سبيل وطنه .

الإنتحار الشاذ ( Anomic ) : والذى تضطرب وتتشوه فيه العلاقة بين الشخص والمجتمع لذلك يسلك سلوكاً مناقضاً للأعراف والتقاليد أو غريباً عليهما . وهذا الشذوذ يمكن أن يحدث من جانب الشخص حين يمر بظروف مادية شديدة الاضطراب تجعله مضطراً للخروج من السياق الاجتماعى المألوف ، او ان يحدث هذا من جانب المجتمع فى مراحل الانهيارات والتحولات الاجتماعية المفاجئة .

عوامل نفسيه :

نظريه فرويد : يرى فرويد ان الانتحار هو عدوان موجه إلى الداخل يستهدف موضوع للحب تم استدماجه وثارت نحوه مشاعر متناقضة من الحب والكره ، فمثلا الشخص الذى يستدمج صورة أمه بداخله ولكنه يشعر نحوها بخليط من مشاعر الحب لرعايتها له ومشاعر الغضب والعدوان بسبب حرمانه منها فى فترات معينه أو بسبب إحباطها له فى مواقف أخرى ، ولذلك فهو حين يقتل نفسه فانه فى الحقيقة يوجه العدوان نحو الأمم المستدمجه فى داخله نظراً لغضبه وإحباطه منها . إذن فقتل النفس هنا يعنى قتل شخص آخر داخل هذه النفس .

نظرية ميننجر : وقد بنى كارل ميننجر نظريته على تصورات فرويد واصدر كتابه "الإنسان ضد نفسه" وأوضح فيه أن الانتحار هو قتل مرتد (Retroflexed Murder ) قتل مقلوب

Homicide) (Inverted نتيجة لغضب المنتحر من شخص آخر فيقوم بتحويل هذا الغضب إلى داخله ، أو انه ينتحر عقاباً لنفسه على وجود هذا العدوان بداخله نحو هذا الشخص . وقد قسم ميننجر العدوان فى الانتحار إلى ثلاثة عناصر :

رغبه الشخص فى أن يقتل ، ورغبته فى أن يٌقتل ورغبته فى أن يموت .

النظريات الحديثة :

أصحاب هذه النظريات الأحداث لا يوافقون على ان للانتحار ديناميات نفسيه خاصة أو أن شخصيات معينه تكون اكثر عرضة للانتحار ، ولكنهم يعتقدون أننا يمكن ان نتعلم الكثير عن ديناميات الانتحار بشكل مباشر من تخيلات الأشخاص الذين قاموا بالانتحار لما سوف يحدث لهم إذا هم أقدموا على ذلك . ومن خلال الدراسات الإسترجاعيه لتاريخ الأشخاص المنتحرين وجد انه كانت لديهم التخيلات التالية :الرغبة فى الانتقام أو القوه والسيطرة أو العقاب . الرغبة فى التكفير أو التعويض أو التضحية أو العودة أو الهرب أو النوم أو الإنقاذ أو الولادة من جديد أو التوحد مع أحد الموتى الأعزاء أو الحياة الجديدة .وكما يبدو فان هذه الخيالات براقة ومغرية للشخص الذى ينوى الانتحار ، ويساعده على تنفيذها أو تفعليها أن يكون واقعاً تحت معاناة نتيجة فقد شخص أو شى عزيز أو نتيجة جرح نرجسى مؤلم ( كالفنانة التى فقدت اهتمام الناس بها نتيجة تقدمها فى السن ومرضها) أو يكون مشحوناً بمشاعر طاغية من الغضب والإحساس بالذنب ، أو يكون متوحداً مع شخص آخر منتحر ( كالشاب الذى انتحر بعد انتحار أخيه الأكبر الذى كان يحبه) . أما عمليات الانتحار الجماعية فيمكن تفسيرها بواسطة ديناميات الجماعة من الإيحاء والانقياد وضغط المجموعه والتوحد والمحاكاة .... الخ

عوامل بيولوجية :-

الوراثة :

من الملاحظ اكلينيكيا أن هناك عائلات يكثر فيها الإنتحار والمثل الشهير لذلك عائلة إرنست همنجواى الروائى الشهير فقد انتحر همنجواى وانتحرت أخته وانتحر الأب قبلها ، وانتحر أشخاص آخرون فى العائلة . وبدراسة التوائم المتماثلة وجد أن هناك 9 حالات فقط انتحر فيها التوأمين من بين 51 حالة أى بنسبة تقترب من 20 % فى حين أن التوائم غير المتماثلة لم يحدث أى اتفاق فى الانتحار بين التوأمين . وهذا يشير إلى احتمالات الوراثة الجينية ولكن بشكل جزئى وغير حتمى ويحتاج إلى عوامل أخرى تؤكده . وقد وجد أن معدل الإنتحار فى أقارب الدرجة الأولى للمرضى النفسيين يزيد 8 مرات عن معدل الإنتحار بين سائر الناس .

ويمكن أن تكون الجينات الخاصة بالانتحار جينات منفصلة تؤدى إلى نوع من السلوك الإندفاعى من خلال اضطراب فى مستوى مادة السيروتونين فى المخ أو تكون هى نفس جينات الإضطرابات النفسية كالاكتئاب وإدمان المخدرات والفصام واضطرابات الشخصية .

الكيمياء العصبية :

اتضح من خلال الدراسات أن مستوى السيروتونين ينخفض فى مرضى الاكتئاب الذين يحاولون الإنتحار ويتم رصد هذا الانخفاض بقياس مادة ( 5 - هيدروكسى إندول أسيتيك أسيد ) فى السائل النخاعى وقد وجدت علاقة ارتباط بين انخفاض السيروتونين والسلوكيات الإندفاعية والعدوانية . ووجد فى بعض الحالات ارتفاع مستوى الكورتيزول فى البول ، وعدم استجابة الغدة الدرقية للتأثير المحفز

لهرمون TSH ..الخ.

الاضطرابات العضويه :-

تزيد معدلات الانتحار فى وجود الأمراض العضوية التالية :

السرطان : خاصة سرطان الثدى والأعضاء التناسلية .

أمراض الجهاز العصبى : مثل الصرع والتليف المتناثر ، وإصابات الرأس واضطرابات الدورة الدموية المخية ومرض هنتجتون والعته والإيدز . وقد وجد أن هذه الأمراض جميعاً يحدث معها اضطرابات فى المزاج .

اضطرابات الغدد الصماء : مثل مرض كوشنج ، فقد الشهية العصبى ، لزمة كلينفيلتر والبورفيريا

(أيضاً معها اضطراب فى المزاج ) .

اضطرابات الجهاز الهضمى : مثل قرحه المعدة وتليف الكبد ( لاحظ أن هذين الاضطرابين يمكن أن يوجدا أيضاً فى الكحوليين )

اضطرابات الجهاز البولى والتناسلى : مثل تضخم البروستاتا وحالات الفشل الكلوى والحالات الخاضعة للغسيل الكلوى .

الأدوية :

هناك الكثير من الأدوية المتداولة والتى يمكن أن تؤدى إلى حالات اكتئاب شديدة تكون مصحوبة برغبة فى الإنتحار فى أشخاص يعيشون حياه عادية ولا يوجد فى ظروفهم الخاصة والعامة ما يبرر هذا الاكتئاب وما يصاحبه من رغبه شديدة فى الانتحار . وللأسف فإن هذه الأدوية كثيرة التداول ومع ذلك لا ينتبه لتأثيرها الكثير من الناس ، ونذكر منها أدوية الضغط وأدوية القلب ومضادات الروماتيزم والكورتيزونات وأدوية علاج السرطان ...إلخ .

توقع الانتحار :

نحن لانملك أن نفعل شيئاً لأولئك الذين ماتوا منتحرين ، ولكننا نستطيع أن نفعل الكثير للأشخاص المعرضين للتفكير فى الانتحار أو محاولات الانتحار ، وخاصة أنه فى 70% فى حالات الانتحار كانت توجد علامات إنذار ولكن أحداً لم ينتبه إليها أو لم يدرك مدى خطورتها ، وهناك فترة حضانة لفكرة الانتحار قد تبلغ 3 شهور أو أكثر . وبناءاً على دراسات عديدة أجريت تم وضع علامات الخطر مرتبة حسب أهميتها كالتالى :

السن : كلما زاد السن عن 45 سنة كان ذلك مصدر خطر .

تعاطى الكحوليات : حيث تزيد نسبة الانتحار فيهم 50 مرة عن عموم الناس .

الاستثاره والغضب والعنف

محاولات انتحارية سابقة : خاصة إذا استخدمت فيها وسائل شديدة الخطورة كالأسلحة النارية أو السقوط من عل أو الشنق .

الذكورة : حيث أن الرجال أكثر إقداماً على الإنتحار كما ذكرنا من قبل .

رفض المساعدة .

طول مدة نوبة الاكتئاب أكثر من المعتاد .

تاريخ سابق للدخول فى مصحة نفسية .

فقد شئ غالٍ أو الافتراق عن شخص عزيز فى الفترة الأخيرة .

الاكتئاب خاصة نوبات الاكتئاب الجسيم .

فقد الصحة الجسمانية .

عدم وجود عمل أو الإحالة للمعاش .

شخص أعزب أو أرمل أو مطلق .

هؤلاء الأشخاص الذين يعيشون فى مثل هذه الظروف لابد وأن ننتبه إليهم وأن يسألهم الطبيب النفسى المعالج بشكل واضح وصريح عن أفكارهم نحو الموت ثم يستفسر عن أية خطط فى أذهانهم للانتحار ثم يستفسر عن محاولات الانتحار السابقة بالتفصيل ، ثم يبحث فى مصادر التدعيم الذاتية للشخص مثل إنجازاته الحياتية السابقة وبصيرته ومشاعره ثم مصادر التدعيم الاجتماعية مثل الأسرة أو الأصدقاء أو الجمعيات الخيرية المساندة ، وبناءً على ذلك يقرر الخطوات التالية المطلوبة لمساعدة هذا الشخص .

والعرضين الأشد خطورة هما الإحساس بفقدان الأمل (Hopelessness) والإحساس بقلة الحيلة (Helplessness) فإذا ظهر على أى شخص منفصلين أو مجتمعين وجب علينا الانتباه .

وأحياناً نجد أن الشخص الذى كان كثير الشكوى وكثير التهديد بالانتحار فجأة أصبح هادئاً ويبدو راضياً على غير عادته ولا يتكلم كثيراً ولا تبدو عليه علامات الاضطراب التى عهدناها فيه من قبل . هذه الحالة يجب أن تثير اهتمامنا لأن كثيرين ممن قاموا بالانتحار وصلوا إلى هذه الحالة من الهدوء والرضا بعد اتخاذهم قرار الانتحار وظلوا على هذه الحالة عدة أيام قبل التنفيذ ، وهذا مما يحير المحيطين بهم حيث يقولون :

"إنها كانت فى أحسن حالة فى الأيام الأخيرة ولم يكن يبدو عليها أى علامات اضطراب" .

وهناك عرض آخر يقوم به من قرروا الانتحار وهو الاتصال ببعض الأصدقاء وحين يرد الصديق لا يجد الشخص شيئاً يقوله فيضع السماعة ، أو يضعها قبل أن يتمكن الطرف الاخر من الرد . وكأنها صرخات استغاثة يائسة .

التعامل مع الحالات المعرضة للانتحار :

بعد دراسة تاريخ الحالة المرضى ودراسة عوامل التدعيم والمساندة المحيطة بالشخص والقيام بالفحوصات الطبية اللازمة يقرر الطبيب النفسى ، إذا كان المريض يحتاج لدخول مصحة نفسية أو أنه سوف يعالج من اضطراباته النفسية وهو وسط أسرته .

فإذا لم يكن هناك دعماً أسرياً كافياً ، أو كانت تصرفات المريض مندفعة وفجائية أو كان يعانى من اضطرابات نفسية شديدة ، أو كان غير قادر على تناول الطعام والشراب بشكل كاف ، فإن هذا المريض لابد وأن يوضع فى المصحة النفسية تحت ملاحظة شخصية لصيقة طوال الوقت ولا يترك وحده حتى أثناء النوم أو أثناء دخول الحمام ، لأن هذا المريض ينتظر أى لحظة مناسبة لتنفيذ فكرة الانتحار وبعضهم كان ينتظر تغيير دوريات التمريض أو لحظة دخول الحمام أو أى غفلة ولو قصيرة من فريق التمريض لينفذ الإنتحار وأثناء وجوده فى المصحة أو المستشفى يتم علاج الاضطراب النفسى الموجود بجرعات كافية ومؤثرة من الدواء بجانب العلاج النفسى المكثف والعلاج الإجتماعى المناسب والعلاج الدينى الذى يحيى فى المريض الأمل ويجعل خيار الإنتحار مستبعداً . وتتم مناظرة المريض عدة مرات يومياً بواسطة الفريق العلاجى ، ولا يسمح له بالخروج إلا بعد التأكد من زوال الأفكار والخطط الانتحارية واستقرار حالته النفسية . وإذا تقرر علاج المريض فى بيته فيجب أن يتأكد الطبيب من وجود الدعم والمساندة من الأسرة والملاحظة الكافية للمريض طوال الوقت واستبعاد أى آلات حادة أو أسلحة نارية أو حبال أو أحزمه أو أى شئ يمكن أن يقتل به المريض نفسه . ولا بد وأن يكون الطبيب متاحاً للمريض طوال الأربع وعشرين ساعة يومياً حيث يعطيه أرقام تليفوناته ليتصل به فى أى وقت وأيضاً يأخذ الطبيب كل أرقام تليفونات المريض وعنوانه لكى يستطيع التدخل فى حالات الطوارئ . وتتلخص خطة العلاج سواء فى المستشفى أو خارجها فى ثلاث نقاط : الأولى : تخفيف الألم النفسى بكل الوسائل ، الثانية : التدعيم والمساندة ، الثالثة : إعطاء بديل للانتحار .

وفى المجتمعات ذات الدوافع الدينية القوية ، من المفيد جداً أن نساعد المريض بأن يغير تصوراته وتخيلاته نحو الإنتحار ، ففى التعاليم الدينية زجر وتخويف من خيار الإنتحار وبدلاً من كونه نوع من الراحة والخلاص فى خيال المريض نجد أن التصور الدينى يجعله مصيراً مخيفاً حيث يخلد المنتحر فى جهنم ويتعذب بالوسيلة التى استعملها فى الإنتحار ، وهذا التصور وحده يعكس المنظومة الانتحارية برمتها ويغلق باب الخيار الانتحارى ، وفى ذات الوقت يفتح باب أمل فى رحمة الله والأمل فى تفريج الكربات مهما اشتدت ، وأن الله قادر على كل شئ حين يعجز البشر ، وأن الدنيا دار ابتلاء واختبار وأن الصبر والرضا فضيلتان جزاؤهما الجنة ، وأن لا شئ يحدث عبثاً فى هذه الدنيا ، بل كل شئ يدور فى هذا الكون بمراد الله وحكمته ، وأن الله الذى منح الإنسان هذه النفس هو وحده الذى يقرر متى يقبضها .

الخيانة الزوجية و العنوسة و الصدمات العاطفية تدفع السيدات

إلى الإنتحار(7)

أكد الدكتور محمود محمد عمرو مدير المركز القومى للسموم الإكلينيكية أن المركز يستقبل شهريا ما بين 50 إلى 60 حالة إنتحار نصفهم أو أكثر من الإناث .. و أضاف بأن أسباب إقدامهم على الإنتحار يرجع إلى العنوسة أو الخيانة الزوجية أو الصدمات العاطفية ، و تقول منى محمد الإخصائية الإجتماعية بالمركز و أول من تستقبل المريض بعد شفائه: إن الحالة النفسية التى يأتى بها المريض تتميز بالإضطراب و إنعدام الثقة بالنفس و رفضه الحياة و أكدت أن سم الفئران لا يزال هو المتصدر لأفضل سبل الإنتحار لدى الفتيات إلى جانب قطع شرايين الأيدى .. و من أبرز الحالات التى وردت إلى المركز حالة سيدة تدعى "فوزية" و كانت تعمل مدرسة بإحدى الدول العربية و كانت ترسل بأموالها أولا بأول إلى زوجها لتجديد المنزل و الإنفاق على الأولاد على مدار 5 سنوات و يوم أن قررت الإستقرار مع أسرتها وجدت أن كالون الشقة تم تغييره و فتحت لها سيدة أخرى أخبرتها أنها الزوجة الجديدة و على الفور تناولت جرعة من سم الفئران للتخلص من حياتها لكن تم علاجها فى المركز بأقصى سرعة و بعد لحظات من نجاتها غافلت الممرضة و ألقت بنفسها من الدور الثانى .. تنتحر مرة ثانية و أيضا تم إسعافها بسرعة و نجت بكم هائل من الجروح و الكسور أما منى 20 سنة فقد تناولت كمية لا بأس بها من المبيد الحشرى بعد أن رفضت أسرتها الإرتباط بالشاب الذى تحبه و لكن وقفت الظروف المادية له حائلا دون إتمام الزواج و لأنها تقيم مع جدتها بعد إنفصال الأب و الأم فلم يكن أمامها سوى اللجوء إلى الإنتحار بهذا الشكل و تم إنقاذها فى المركز..أما هبة الله من منطقة أم المصريين فقد تعرفت على شاب فى أحد الأندية الرياضية و أخبرها أنه يعمل فى ألمانيا و سيسافر لإنهاء بعض الأمور المتعلقة بالعمل و يعود ليتزوجها لكنها فوجئت به فى أحد الأيام بصالة بلياردو بصحبة فتاة و إكتشفت أنه كذاب و على الفور عادت إلى منزلها و تناولت كل كمية الأدوية الموجودة فى ثلاجة المنزل و تم علاجها بصعوبة بالغة و خرجت حالتها النفسية سيئة للغاية.

علامات وبوادر منذرة عن الرغبة في الإنتحار(8)

الإنتحار نادراً ما يكون قرار إرتجالي وليد اللحظة . ففي الأيام والساعات قبل أن ينهي الإنسان حياته وينتحر، عادة ما تكون هناك بوادر وعلامات منذرة.

وسوف تجد أن أقوى العلامات والبوادر وأكثرها قلقاً التفوه بعبارات مثل - " انني لا استطيع الإستمرار" ، " لم يعد هناك شيء يهم بعد " أو حتى "إنني أفكر في إنهاء الأمر كله" . يجب أن تؤخذ مثل هذه الملاحظات دائمـاً بجدية تامة .

ومن العلامات الشائعة الأخرى المنذرة نخص بالذكر ما يلي :

يُصبح الشخص مكتئباً أو منطو على نفسه

التصرف بتهور وطيش

عمل الترتيبات وتسوية الشئون والتخلص من الممتلكات الثمينة

إبداء تغير ملحوظ في السلوك أو المواقف أو المظهر

تعاطي المخدرات أو الخمر

المعاناة من خسارة كبيرة أو تغيير في طبيعة الحياة

توضح القائمة التالية بعض الأمثلة ، يمكن أن تكون كلها علامات وبوادر تفيد بأن شخصاً ما يفكر في الإنتحار. وبالطبع، لا تؤدي هذه المواقف في معظم الحالات إلى الإنتحار. ولكن ، بصفة عامة ، كلما ظهرت بوادر أكثر على الشخص كلما كان إحتمال الإنتحار أرجح .

المواقـف

الإعتداء الجنسي أو التعذيب الجسماني

تاريخ في العائلة لحدوث حالات إنتحار أو عنف

وفاة صديق حميم أو أحد أفراد العائلة

طلاق أو إنفصال لإنهاء علاقة

الفشل في الجناح أكاديمياً أو وجود إمتحانات وشيكة أو نتائج إمتحانات أو فقدان الوظيفة

أو مشاكل في العمل.

قضية بالمحاكم وشيكة

السجن مؤخراً أو إطلاق سراح وشيك من السجن

أنماط السلـوك

البكاء

الشِجار

مخالفة القانون

الإندفاع والتهور

الإيذاء والتشويه الذاتي

الكتابة عن الموت والإنتحار

محاولة إنتحار سابقة

سلوك متطرف

تغيرات في السلوك

تغيرات بدنيـة

الإفتقار إلى الطاقة

أنماط نوم متقلبة - النوم لفترة أطول من اللازم أو أقل من اللازم

فقدان الشهية

إزدياد في الأمراض الطفيفة

تغير في الرغبة الجنسية

تغير مفاجىء في المظهر

فقدان الإهتمام بالمظهر

أفكار ومشاعـر

التفكير في الإنتحار

الشعور بالوحدة والإنطواء - نقص المساندة )المساندة من أفراد العائلة والأصدقاء(

الرفض ، والشعور بالعزلة والإنعزال على هامش الحياة

حزن عميق أو شعور عميق بالذنب

عدم التمكن من الرؤية مادون إطار ضيق

أحلام اليقظة

القلق والإجهاد تحت الضغوط

الشعور بالعجز والضعف

فقدان الشعور بالإستحقاق الذاتي والقيمة الذاتية

كيف يمكن منع الانتحار؟(9)

ج: لا يمكن منع جميع أشكال الانتحار، ولكن يمكن منع غالبيتها. وهناك عدد من التدابير التي يمكن اتخاذها على المستويين المحلي والوطني للحد من احتمال وقوع حالات انتحارية، بما في ذلك ما يلي:

الحد من فرص الحصول على وسائل الانتحار (مثل مبيدات الهوان والأدوية والأسلحة)؛

علاج الأشخاص من ذوي الاضطرابات النفسية (خصوصاً من يعانون الاكتئاب والفصام وإدمان الكحول)؛

متابعة الأشخاص الذين سبق لهم القيام بمحاولات انتحارية؛

الإبلاغ عن الانتحار بطريقة مسؤولة في وسائل الإعلام؛

تدريب القائمين على الرعاية الصحية الأولية.

ومن الأهمية بمكان، على المستوى الشخصي، إدراك أنّه ليس هناك سوى عدد قليل من حالات الانتحار التي تحدث بدون إنذار. فمعظم المنتحرين يعطون إنذارات واضحة عن نواياهم. وبناء عليه، ينبغي إيلاء الاهتمام الواجب لجميع التهديدات المتعلقة بإيذاء الذات. وإضافة إلى ذلك، فإنّ غالبية الأشخاص الذين يحاولون الانتحار هم أشخاص يكتنفهم التناقض وعدم اليقين من الرغبة في الموت.

وتحدث حالات انتحار كثيرة في فترة التحسّن، أي عندما يكتسب الشخص ما يلزم من طاقة وإرادة لتحويل الأفكار اليائسة إلى عمل بناء. غير أنّ الشخص الذي حاول الانتحار في يوم ما من حياته لا يُعد بالضرورة شخصاً معرّضاً للخطر بشكل دائم: فقد تعاود الأفكار الانتحارية بعض الأشخاص ولكنّها لا تدوم لديهم، وقد لا تعاود أبداً أشخاصاً آخرين.

وتشير التقديرات إلى أنّ 000 877 شخص انتحروا في عام 2000. ويشكّل ذلك حالة وفاة واحدة في كل 40 ثانية. ويُعتبر الانتحار، على الصعيد العالمي، إحدى مسبّبات الوفاة الرئيسية الثلاث لدى الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و44 عاماً.

المساعدة على الانتحار" تثير الإنقسام في صفوف الأطباء(10)

لا يكاد ملف المساعدة على الانتحار يغادر مسرح الأحداث في سويسرا، حتى يعود إليه بقوة أكبر، ومن الواضح أن هذه المسألة تثير حاليا انشغال عدد كبير من الأطباء.

فعلى سبيل المثال، نشرت مجلة الأطباء السويسريين في أعدادها الأخيرة، مواقف متضاربة حول الموضوع، وخاصة منذ أن أقرت المحكمة الفدرالية (وهي أعلى سلطة قضائية في الكنفدرالية) في شهر نوفمبر 2006، الحق في اللجوء إلى المساعدة على الانتحار بالنسبة لحالات المرضى النفسيين، بشروط محددة.

في هذا السياق، تابع المعنيون بانتباه شديد المحاكمة، التي دارت على مدى أسبوعين تقريبا في مدينة بازل، وانتهت يوم 6 يوليو الجاري بصدور حكم بالسجن بثلاثة أعوام ضد طبيب نفساني رافق ثلاثة مرضى نفسيين في انتحارهم.

البروفيسور كلود روغامي، رئيس اللجنة المركزية للأخلاقيات، التابعة للأكاديمية السويسرية للعلوم الطبية، التي قامت في عام 2004 بمراجعة توجيهاتها بخصوص التكفّـل بالمراحل الأخيرة من الحياة، وقد سمح ذلك بفتح طريق (وإن بشروط محددة)، بوجه تدخل طبيب للمساعدة على الانتحار.