|

السلوك الجمعي
شبكة النبأ: اهتم عدد كبير من علماء
النفس الاجتماعي الكلاسيكيين بدراسة سلوك الجمهور وذلك لرغبتهم في
معرفة الحقائق الموضوعية المتعلقة بالجمهور وأفراده وطريقة سلوكهم
وتفاعلهم الواحد مع الآخر وقت اجتماعهم. فقد شاهد هؤلاء العلماء التغير
الملحوظ الذي يطرأ على سلوك الأفراد وقت تجمهرهم واجتماعهم في مكان
معين خصوصاً عندما يتسم سلوكهم بصفات غريبة تختلف كل الاختلاف عن
الصفات الاعتيادية التي تميز سلوكهم عندما يكونون في حالة استقلال
وانفراد. فسلوك الأفراد المتجهمرين يتسم عادة بالطابع الانفعالي
والعاطفي وذلك لما يقومون به من أعمال شاذة وغريبة لا يقومون بها عادة
في حياتهم الاعتيادية كأعمال العنف والصياح والركض والقتل والحرق...
الخ.
إن أول من كتب حول هذا الموضوع هو العالم النفساني الفرنسي كوستاف
ليبون الذي ألف كتابه المشهور الجمهور في عام 1896. ودراسة الجمهور
تركز على الناحية غير المنظمة للسلوك الجمعي بينما تهتم الدراسات
الاجتماعية الأخرى بدراسة السلوك الاجتماعي المنظم الذي تحدده القوانين
والعادات والتقاليد والقيم الاجتماعية. والسلوك غير المنظم يختلف عن
السلوك المنظم ومع هذا فإن هناك جوانب من السلوك الجمعي المنظم الذي
يتعلق بالجماهير مثل المودات، تعاقب حركات الانتكاس والانتعاش
الاقتصادي.. الخ. لكن النظريات التي تفسر السلوك الجمعي يمكن تقسيمها
إلى ثلاثة أنواع:
1- النظريات التي تفسر السلوك الجمعي على أساس الانتقال السريع
للأفكار والخواطر والشعور والمزاج بين أعضاء الجمهور دون أي تفكير أو
اعتراض أو تلكؤ من قبلهم وهذه النظريات تنعكس في آراء ليبون.
2- النظريات التي تفسر السلوك الجمعي على أساس تكتل الأفراد فيما
بينهم لتشابه ميولهم وأفكارهم وأهدافهم.
3- النظريات التي تعتقد بأن السلوك الجمعي يعتمد على مقياس اجتماعي
يظهر في حالات معينة.
متعلقات
في سيكولوجية السلوك الجمعي
- الانفعالات الجمعية تحرر مكبوتات النفس من مخاوف وعقد وآمال
وأفراح وأحقاد
- عندما تسود ايحاءات العقل الجمعي يفقد الفرد استقلاله الذاتي وقد
يندفع في سلوكيات يندم عليها بعد صحوته
ما سر التغيير الملحوظ الذي يطرأ على سلوك الأفراد وقت تجمهرهم؟
ولِمَ يقوم البعض بأفعال غريبة وشاذة، غير تلك التي عهدناها منهم في
سياقات حياتهم الاعتيادية؟ وما سبب ما نراه لديهم من سهولة الاستثارة
والهياج والاندفاع وراء الشغب والعنف والصياح والسرقة والتخريب والقتل؟
لهذه الاسئلة وغيرها، يبحث علماء النفس والاجتماع عن إجابات مقنعة،
تعين في فهم السلوك الإنساني وقت التجمهر. ومما تفيد به نتائج الدراسات
في هذا المجال: إن سلوك الجماعة في المواقف المثيرة ربما يكون ناجماً
عن ظهور (عقل جمعي) يسبغ تفاعل الناس بصفة الجمعية.وهذا العقل إن جاز
التعبير،يعد قوة مهيمنة على كل فعاليات الجمهرة؛أي إن الناس عند
تفاعلهم وبفعل قوة الايحاء يفقدون استقلالهم الذاتي وشعورهم بأنهم
افراد مستقلون،فيندمجون وينصهرون في كلٍ تهيمن عليه هذه الروح أو العقل
الجمعي، وتملي على الاعضاء فيه سلوكهم.وهذا العقل، طبقا لتحليلات
(غوستاف ليبون)، يعد ناقصاً قياساً بعقل الفرد عندما يكون منفرداً.
وتفيد الدراسات، بأن مواقف السلوك الجمعي تخضع للتلقائية
واللاتخطيط، بمعنى إنها تتسم بالنقص النسبي في التنظيم قياساً بمظاهر
السلوك الفردي المنضبط، فضلاً عن إنها تعتمد على التنبيه الداخلي
المتبادل بين الأفراد،والمتميز بسرعة تقبل الإيحاء والمحاكاة ومسايرة
سلوك الرهط والخضوع لعقله الجمعي، وبخاصة عندما تسود الجماهير حالة
هياج انفعالي ناشئة عن حدوث أو توقع حدوث كارثة أو حدث خطير يمس
الجميع،أو عن الاعتقاد بأن أعراف وتقاليد معينة مهددة بالإساءة اليها
(مع الانتباه الى أن أفراداً عديدين من بين تلك الحشود، ربما يمارسون
أشكالاً متنوعة وخروقات عديدة للمبادىء ذاتها التي استفز توقع المساس
بها مشاعر الجماهير).
إن الحديث عن السلوك الجمعي لا يعني الإقرار بأنه صفة حتمية لأعضاء
الرهط كافة، فربما يحافظ البعض على توازنه الى حد ما،ويتميز في تصرفاته
عن الجماعة، إلا أن هذه الاختلافات في السلوك الفردي لا تلاحظ وتضمحل
بفعل الحشد.وتلك الحالة بذاتها تسهم في تشجيع الإطاحة بالموانع
والنواهي التي تضبط السلوك،مثل الخوف من الانتقام والمساءلة
مستقبلاً.كما إن الكثير من الأفعال تجد لنفسها مبررات بفعل الاندماج في
الجماعة وسيادة الشائع والمتبع حينها.ومن ناحية أخرى،فإن خاصية التمييز
في إطار توجهات السلوك الجمعي تسهم أحياناً في أن يكون للجمهرة زعامة،
إذ بسبب قلة تأثير المنطق والحكمة يكون سلوك الجماعة أكثر تأثراً بصيحة
محرض أو منادٍ يؤشر لمخرج من الخطر،أو يوجه لنوع من السلوك، وبخاصة إذا
كان لهذا الشخص هالة مسبقة في نظر الجماعة، فسرعان ما تصبح توجيهاته
سلوكاً شائعاً عاماً قيد التنفيذ دون أي مراجعة للنيات والأهداف. فقد
يوجه هذا الشخص غضب الجماهير نحو فئة أو شخص ما على أساس مخالفة
الرأي،أو ربما يحث حشوداً معينة على رفض لائحة من القوانين والقواعد
التي تهم الناس،فيستجاب له دون حتى أدنى اطلاع عليها.
ومسألة زعامة الجمهرة هي الأخرى مسألة نسبية وغير مستقرة كحال
الجماهير. فالعديد من حالات الجمهرة تنشأ تلقائياً بفعل موقف مثير يؤلف
بين الافراد، مثلاً: رد فعل جمهرة معينة تجاه الاضطهاد أو هدر حقوق
معينة دون زعيم يقودها أو يوجهها، وقد ينهض من بين الصفوف على حين غرة
زعيم يحاول تـنظيم صفوفها وتوجيه حركتها.لكن سمة الجمهرة هي عدم
الاستقرار لأنها رعناء متحولة متفاعلة لا تلبث على نحو واحد. فقد ينهض
زعيم آخر يضلها عن هداها وربما يسوقها الى رداها، وقد يختلط الأمر
بينهما فيختفيان فجأة بين الحشد ويبتلعهم التيار وتمسي الجمهرة كما
بدأت دون زعيم.
ولعل ما يميز الانفعالات والعواطف المتأججة، بوصفها معطيات سلوك
جمعي، أنها لا تعد وليدة الصدفة أو نتائج سياقات حدث ما كلياً، بل
تحريرات انفعالية ترتبط بماضي الأفراد وتجاربهم في مجتمعهم. فالعديد من
الرغبات غير المشبعة والمخاوف والعقد والأفراح والآمال والأحقاد تستتر
وتنكمش بفعل العواقب الوخيمة المتوقعة جراء التصريح بها أو التعبير
عنها، وتصبح مقيدة أكثر عندما لا يجد الفرد حوله من يشاركه فيها، واذا
ما وجدت تلك المكنونات النفسية لها مخرجاً -في إطار سلوك جمعي- فإنها
ستندفع بقوة مضاعفة ناشئة عن تفاعل وتخصيب جميع الانفعالات والعواطف
المكبوتة عبر سنوات متعددة من القهر،فضلاً عن تفاعل تلك الطاقة المحررة
مع انفعالات وعواطف الآخرين في الرهط، فتكبر دائرة الإنفعال في وسط
يغذيها،ويتعاظم شأنها ويمتد تأثيرها؛ بمعنى إن عواطف وانفعالات أي فرد
في الجماعة يمكن أن تنال من الآخر، والعكس صحيح،فتنقلب بترابطاتها الى
فزع ورعب واستفزاز وممارسات غير متوقعة وما الى ذلك من أمور ربما يندم
على فعلها الفرد بعد صحوته من هيجانه .
إن تجارب ومعاناة الفرد المكبوتة عبر سنين حياته لا تستقر في عالمه
الداخلي بوصفها أرشيفاً تاريخياً، بل ثمة طاقة نفسية مصاحبة لكل حدث أو
تجربة تتداخل فيما بينها وتتفاعل فتعبر عن نفسها بأشكال سلوك جديدة غير
مألوفة حتى بالنسبة للفرد ذاته.تلك الطاقة النفسية، ربما تدفع الفرد
أحياناً، وحتى عندما يكون خارج الرهط، الى الشعور بحاجة ماسة لمشاركة
الرهط أفعاله، فالإنسان يكره العزلة المعنوية أكثر من العزلة المادية،
والحالات الانفعالية تبتغي لها التأييد، بمعنى إنها تريد أن يتوزعها
الناس. فحالات غضبنا مثلاً، لا تجد الطمأنينة إلا إذا لقيت من حكم
الغير إقراراً بها، بمعنى محاولة دسها في أذهان السامعين ليصبح الإقرار
بها لزاماً على أنها ليست عواطفنا فحسب بل هي حقيقة تصلح للجميع وتلزم
الجميع. إن الحالات الانفعالية في السلوك الجماهيري لها عدوى متفاوتة
في درجة الحدة، إلا أنه كلما كان المحيط مؤتلفاً وإياها ومؤيداً لها،
وكلما كانت مشاركته فيها واضحة وصريحة، ازداد عنفوان الهيجان، وتحررت
الطاقة النفسية بقوة وبتيار عاليين.وبدون ذلك المحيط، وبدون تلك
المشاركة، لا يحقق الهيجان جميع كوامن إمكاناته الذهنية والحركية.على
ذلك فالقاعدة تقول:إن هيجاناتنا تولد ولها تأريخ طويل،وتكبر وتترعرع في
محيط بشري يغذيها بالاضطراب الذي حملته هي إليه.
لمزيد من الاطلاع،يمكن العودة الى دراستين عراقيتين رائدتين في مجال
السلوك الجمعي :
- دراسة حاتم الكعبي ((السلوك الجمعي))،مطبعة الديوانية الحديثة
1973 .
-اطروحة ناهدة عبد الكريم حافظ ((دراسة حالة رعب جمعي))،رسالة
ماجستير،جامعة بغداد 1975 .
أثر الثقافة الاجتماعية في توجه
السلوك الجمعي
سعدون محسن ضمد
في معالجة الخلل في بناء ووظيفة الدولة العراقية الناشئة، لابد من
التركيز على تأثير الثقافة الاجتماعية في تكوين وتكريس ذلك الخلل، وتقع
هذه المادة في محاولة للكشف عن اثر الدين باعتباره اكثر مفردات الثقافة
العراقية تأثيرا في سلوك المجتمع ومن ثم بناء الدولة .
فاذا كانت الثقافة الاجتماعية توجه السلوك الجمعي، وتؤثر من ثم على
الحراك باتجأه تأسيس الدولة فلابد لنا من الوقوف عند مفردات هذه
الثقافة ونحن ندرس معرقلات التأسيس، من اجل ان نتوافر على رؤية اوضح
لطبيعة الملابسات التي تتحكم بمرحلتنا الحالية .
لا يخفى بان الدين يلون الكمية الاكثر من مكونات الثقافة العراقية،
اذ لا يكاد معلم من معالمها يخلو من لمسة تأثيرية او اثر توجيهي او
عملية اعادة انتاج يقوم بها الدين بحق هذا المعلم، وهذا الامر لا يحتاج
الى التأكيد عليه، خاصة ان مفردات الثقافة التي تؤثر على نوع السلوك
الاكثر سخونة في العراق الراهن اصطبغت بالصبغة الدينية، فمثلا، الدفاع
عن الارض ومقاومة المحتل مفردة ثقافية عامة، لكنها في العراق مصبوغة
بصبغة الدين، فهي لم تعد حالة ثورية، ضد الظلم او الاحتلال، بل هي حالة
جهاد ضد الكفر والالحاد ومع الاخذ بنظر الاعتبار ان سلب صفة الجهاد من
عمليات العنف الواقعة في هذا السياق ينزع عنها شرعيتها، ومن ثم يؤدي
لاحباطها، فان القول بان الدين هو الرحم الوحيد الذي تتكون فيه مثل هذه
الاتجاهات الاجتماعية يبدو لا مناص منه، ابدا، غير انني اعتقد بان رؤية
اكثر دقة وموضوعية واحترافاً، يمكن لها ان تبرز لنا الكامن الحقيقي
وراء كل التوتر والعنف المنتشر في العراق فنعم ان سلوك العنف ينتشر في
البيئة التي تغلب عليها السمة الدينية ونعم ان هذا السلوك يتأسس على
الدين ويأخذ شرعيته منه، لكنه ليس سببه الاكثر فاعلية .
ان هذه النتيجة تخرج عن مقولة ان العنف لا يتلازم مع الدين فقط،
والدين من جهة اخرى لا يقترن بالعنف حيثما وجد فالدين عنصر فكري من
عناصر الثقافة او الحضارة، ومثل العناصر الفكرية لا تقوم وفي اغلب
الاحوال بدور المتغيرات المستقلة في توجيه المجتمعات، بل تتبع او تشترك
مع متغيرات مستقلة في ذلك، وربما يكون العامل الاقتصادي هو الاكثر
تأثيرا في توجيه المجتمعات، وفي مجتمعنا اعتقد بان هذا العامل قد استقل
في ابقاء نسق العلاقات الاجتماعية ضمن الشكل العشائري، هذا الشكل من
العلاقات الذي ينتج معايير اجتماعية لا تتسق مع المعايير المطلوبة
لتأسيس الدولة، باعتبار ان العشيرة بكامل منظومتها الثقافية تعد شكلا
بدائيا من اشكال الدولة يقوم على نظام اقتصادي بدائي .
ان تكون العشيرة-باعتبارها مؤسسة اجتماعية- جاء نتيجة حاجة الانسان
لنظام علاقات يؤمن له حاجاته، وهكذا تتضافر العوامل الثلاثة
الابرز(الانسان، الحاجة، البيئة) في صياغة نسق علاقات يرتكز على اصرة
الدم، التي تمليها البيئة، وهي تعزل الجماعة الاجتماعية وسط ظروف تبتعد
بهم عن الجماعة الاخرى، الامر الذي يؤدي الى اعتماد الجماعة على هذه
الاصرة، والتأسيس لقدسيتها، كرد فعل طبيعي لحالة الانعزال، ومن ثم يكون
نظام المعايير داخل ثقافة هذه الجماعة مبنيا من اجل ان يكرس للعشيرة
ويحافظ على بنيتها وتماسكها .
هكذا تفرز العشيرة مفهوم(القريب) لتعتبره المحور الذي تدور عليه
العلاقات داخلها، في مقابل الدولة التي تستبدله بمفهوم(المواطن) . واذا
كانت المنظومة العشائرية، بثقافتها الاقصائية، تعمل على دفع افراد
المجتمع باتجاه رفض المختلف، ومن ثم عرقلت السعي باتجاه خلق(المواطنة)
باعتبارها اتجاه معياري ينتج المجتمع(الدولتي)، فانها-العشيرة- تترشح
ولابد لتكون في مركز الهدف الذي يجب ان تستهدفه العملية التغييرية .
هكذا يقفز الى الذهن السؤال الذي يحاول ان يحدد اياً من المفردات
الثقافة هو الاكثر عرقلة لعملية البناء وبتقديري الخاص فان العامل
الفكري(الديني) لا يستطيع لوحده ان يغير من نسق العلاقات بين افراد
المجتمع، فهو موجود في البادية، وفي المناطق الريفية والحضرية على حد
سواء، بينما نجد ان العامل الاقتصادي يستطيع ان يغير من نسق العلاقات
وينتج بالتالي وكلما تطور نظام علاقات يتناسب طرديا معه .
وفي الحالة العراقية لا يستقل العامل الديني في تكريس الحالة
التمييزية، ومن ثم انتاج العنف بين الفئات المختلفة، بقدر ما ان العامل
الاقتصادي يبدو اكثر استقلالا، خاصة وهو يكرس النظام العشائري ويساعد
على ابقائه منتشرا في الاعم الاغلب من محافظات العراق، ولا يخفى أن
معدلات التوتر تبدو قابلة للتصاعد كلما كانت المنطقة عشائرية اكثر، حيث
ان القيم التي تدعم التوتر في معظمها قيم عشائرية، اما العامل الديني
فان دوره يكون سببا في هذه الحالة، حيث يتم تسخيره من قبل عوامل
الثقافة الفاعلة من اجل اضفاء الشرعية على التوجهات التي تمليها
المصالح، وسواء كانت عشائرية او طائفية او حتى مناطقية . هكذا يصبح
لزاما علينا التوجه الى العشيرة بوصفها المؤسسة الاكثر عرقلة لعملية
بناء مجتمع مدني حقيقي، وتسليط المؤثرات الاقتصادية عليها، والتي من
شأنها وحدها ان تعمل وبفعالية على تفكيك بنيتها، فمن الواضح أن ارتباط
افراد العشيرة بعلاقات اقتصادية في بيئة المدينة يخفف من ارتباطهم
باقاربهم، ويعزز من العلاقات القائمة على المصالح الاقتصادية، والتي هي
نظام علاقات ينتقل بالفرد من معايير العشيرة الى معايير الدولة، حيث
يتحول المجتمع العشائري من الايمان بمبدأ الحق للاقرب، الى الايمان
بمبدأ الحق للاكفأ .
اشكالية التعامل مع السلوك الجمعي
زهير الأعرجي
يعيش المسلمون في إقامة شعائرهم العبادية سلوكاً متظافراً أشبه ما
يكون بالسلوك الجمعي. ففي الأعياد الدينية, كالفطر والأضحى والغدير
ومواليد النبي (ص) والأئمة المعصومين (ع), يتجمع المؤمنون في المساجد
والحسينيات لأداء الفرائض الخاصة بتلك الأعياد أو لاستماع المحاضرات
والابتهالات والأناشيد الدينية. وفي مناسبات الأحزان, كعاشوراء ووفيات
النبي (ص) والأئمة (ع), يتجمع المؤمنون للبكاء والتعبير عن مشاعر الحزن
العميق.
وفي صلاة الجمعة يهتم المؤمنون بخطبتي الصلاة وينصتون لها لاكتشاف
المعاني والبيانات التي يطرحها الإمام الخطيب. وفي المناسبات العامة,
كالزواج وعموم الأفراح والوفيات, يقوم الناس بالتعبير عن مشاعرهم بشكل
طبيعي يغلب عليه الجانب الفطري التكويني.
ففي تلك الحالات يتساءل المرء: ما هو دور المبلّغ في التأثير على
الناس عندما يتجمعون في مكان واحد؟ وكيف يقوم المبلّغ باستثمار السلوك
الجمعي من أجل إيصال رسالته إلى الآخرين؟ وما هو الأصل الشرعي في تحديد
ضوابط السلوك الجمعي؟ وهل السلوك يؤدي دائماً إلى نشر الإسلام وتقوية
إيمان الأفراد به؟ ومن أجل الإجابة عن تلك التساؤلات نعرض مقدمة حول
شرعية السلوك الجمعي وشروطه وأنواعه, ثم نقوم بدراسة مختصرة حول دور
المبلّغ في الهداية والإرشاد, من منظار السلوك الجمعي الديني.
أ ـ شرعية التأثير في السلوك الجمعي
لا شك أن الدعوة إلى الإسلام, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
واجبة وجوباً كفائياً؛ بمعنى أنها تسقط عن الآخرين إذا قام بها من كان
فيه غنىً وكفاية. وبتعبير ثالث أن التكليف متعلق بالجميع على معنى
الاجتزاء به من أي فرد منهم. ويقع العقاب على الجميع مع ترك الفعل
أصلاً.
ويؤيده قوله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون
بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}. (سورة: آل عمران 100).
والأمة واحد فصاعداً, كما في قوله: {إن إبراهيم كان أمةً قانتاً}
(سورة: النحل 121).
والتبليغ للإسلام هو دعوة للخير بكل ما تحمله الكلمة من إطلاق،
وانحصار التبليغ بالمبلّغين يعني تقييد الدعوة إلى الإسلام بقيود
العلم, والقدرة على التأثير, والأمان من المفسدة.
فمن شروط التبليغ:
أولاً: العلم بالمبادئ الأساسية للدين الحنيف. وقد اتفق الفقهاء ـ
رضوان الله عليهم ـ أن من شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو
العلم كي يأمن الغلط؛ لأن الجهل قد يوقع في المحذور، وهو إعطاء بيانات
خاطئة عن العقيدة أو الحكم الشرعي, بل قد يصل الموضوع في بعض حالات
الجهل إلى الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف. وهو ما لا يمكن القبول به
عقلاً ولا شرعاً. والعلم هنا من مسائل التأثير؛ لأنه يؤدي إلى رجوع
الجاهل إلى العالم في أغلب الأحوال, على الصعيدين الديني والاجتماعي.
ثانياً: أن يكون قادراً على التأثير, فلو غلب ظنه أنه لا يؤثر, عليه
أن يفسح المجال لفرد آخر له قدرة أعظم من قدرته، وقد نوقش في هذا الشرط
باعتبار أن الأوامر مطلقة، ومقتضاها الوجوب على الإطلاق حتى في صورة
العلم بعدم التأثير. ولكن خبر مسعدة عن أبي عبد الله (ع) أخذ حجة في
هذا الحقل وهو "أنه لما سئل (ع) عمّا جاء عن النبي (ص) "إن أفضل الجهاد
كلمة عدل عند إمام جائر" قال: "هذا على أن يأمره بعد معرفته, وهو مع
ذلك يقبل منه, وإلا فلا".[1]
فكان هذا الخبر والإجماع من مبررات وجوب شرط القدرة على التأثير.
ولسان الدليل الشرعي ينسجم مع مقتضى الارتكاز العقلائي. فإن القدرة على
التبليغ الفعال تعني القدرة على التأثير والتغيير. وإلا فإن عدم
التغيير تفهم فلسفياً على أن عدم الشرط هو شرط العدم.
ثالثاً: الأمان من المفسدة، وبتعبير أوضح: إن توجه المرشد الإسلامي
نحو الجمهور بالخطابة والتبليغ والإرشاد ينبغي أن لا يؤسس لمفسده
اجتماعية أو دينية من أي نوع. وأقصد بالمفسدة: الضرر الأخلاقي
والاجتماعي في الدين والعرض والمال والنفس.
ب ـ شروط السلوك الجمعي الديني
ولو افترضنا أن السلوك الجمعي ظاهرة استثنائية في السلوك الإنساني,
فإنه ليس كذلك في السلوك الديني. فالدين السماوي يحث المكلفين على
التجمع وأداء الشعائر التعبدية بصورتها الجماعية. ويحثهم أيضاً على
الحضور المكثف في ساحات العلم والتحصيل والمنافحات المعرفية والجهاد
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويحثهم أيضاً على إعلان المسرات
والأفراح, وإظهار الحزن والآلام بالصورة الجماعية التي كان من أركانها
إطعام الجماعة أو مساعدة الفقراء والمساكين، وعلى وجه التحديد فإنّ
القسم الأعظم من السلوك الديني الخارجي سلوك جمعي فيما يخص العبادات
والمعاملات بشكلها العام, وسلوك فردي فيما يخص النية والدافع نحو
الأداء وبعض العبادات المختصة بالجانب الفردي.
ولما كان السلوك الديني سلوكاً جمعياً بهذا المقدار, فلا بد أن ندرس
شروطه الموضوعية التي تفسر تكوينه وبناءه، ومن تلك الشروط:
أولاً: تركيبة الإلزام الديني؛ فلا يَحصل السلوك الجمعي في العبادات
والمناسبات الدينية ما لم تكن هناك إلزامات دينية بالحضور والنشاط
الجماعي. فإذا كانت صلاة الجمعة والجماعة واجبة بالمعنى الأعم, فلا بد
أن يكون التجمع في المسجد وانتظار الصلاة مقدمة من مقدمات تلك الفريضة
الواجبة. حتى إن الأوامر الإلهية مشتملة على صيغة الجمع, كما في قوله
تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين} (سورة:
البقرة 43). وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم
الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع...} (سورة: الجمعة 9).
وكذلك الأمر في بقية العبادات، كالصوم والجهاد ونحوها، وهذا يعني أن
قسماً من العبادات يحمل تلك الصيغة الشرطية التي تؤدي إلى التجمع
والاستقرار باطمئنان، كتفاً إلى كتف مع بقية المؤمنين.
ثانياً: الضغوط الذاتية: التي تنشأ من التهاب الوجدان العاطفي
للمؤمن حول مأساة الطف بالخصوص، ومأساة أئمة أهل البيت (ع) بالعموم.
فتلك الحيثيات الذاتية تدفع الأفراد المحبين لأهل البيت (ع) بالتجمع
لإحياء ذكراهم ونشر مناقبهم (ع). وكثرة الأخبار والروايات الواردة عن
المعصومين (ع) باستحباب البكاء والزيارة, تدل على أن جوهر التجمع
لإحياء مآتم آل بيت النبوة (ع) ديني المنشأ والأثر، حيث يتم فيه
الإطعام والإرشاد وإتمام الحجة.
ثالثاً: الإحساس المشترك وحدة الهوية ووحدة الانتماء المذهبي أو
العقائدي: وهذا الشرط من الشروط المهمة في تشكيل السلوك الجمعي, إلاّ
أنه ليس شرطاً مطلقاً، بل هو مقيد بطبيعة الشروط الموضوعية للتجمع. فقد
يحتمل حصول السلوك الجمعي بأكثرية لها انتماء موحد وأقلية مذهبية
متناثرة بين تلك الأكثرية، فالدعوة إلى صلاة الجماعة قد يصاحبها إحساس
مشترك بوحدة الهوية المذهبية, ولكن الدعوة إلى محاضرة إسلامية عامة
يصحبها إحساس مشترك بوحدة الدين لا وحدة المذهب.
رابعاً: الهدفية في التجمع: فالسلوك الجمعي الديني لا يحصل بمجرد
تجمع مجموعة من الأفراد في ساحة ما, أو لا يحصل بمجرد تجمع الناس في
حافلة للركاب مثلاً. فالهدفية هنا منتفية بانتفاء الموضوع.
ولكن السلوك الجمعي الديني يحصل عندما يدعى المكلفون لأداء صلاة
العيد جماعة. فيكون الهدف من التجمع هنا هو أداء صلاة العيد، والسلوك
الجمعي يحصل عندما يبكي الباكي على مصيبة الإمام الحسين (ع) في إحدى
الحسينيات، فيبدأ الآخرون بالبكاء، وهم يستمعون إلى الخطيب يفصل في
مفردات المأساة. فيكون الهدف من التجمع الحسيني ذكر أهل البيت (ع)
والتألم لمصائبهم ومحاولة الاقتداء بهم (ع).
خامساً: القيادة العملية: فالسلوك الجمعي يحتاج إلى قائد يرشده
ويوجهه توجيهاً شرعياً صالحاً. وقد يتمثل القائد بإمام الجماعة في صلاة
الجمعة والجماعة والعيدين, وقد يتمثل بالخطيب في مناسبات إحياء ذكرى آل
بيت الرسول (ص), وقد يتمثل بالمبلّغ الذي يقود العمل الإرشادي في
منطقته، وفي كل تلك الحالات يكون الأصل قدرة القيادة الدينية المحلية
على تحريك الأفراد تحريكاً منسجماً مع أهداف الدين ورسالته في الحياة
الاجتماعية.
وتلك الشروط في السلوك الجمعي الديني تختلف عن شروط نظرية "نيل
سملسر" في السلوك الجمعي[2]. فقد آمنت تلك النظرية بمقومات السلوك
الجمعي التي يتشاطرها لون من الشغب والعنف والكراهية؛ بينما تكمن شروط
السلوك الجمعي الإسلامي في كون الدين دين محبة وسلام, فيكون المقتضي
سلاماً ومحبة, وتعاضداً وانسجاماً؛ لأن المقتضي رسالة إلزام بالتعاون
والتكاتف والتآخي؛ ذلك لأن الدين السماوي يوفر الأجواء المناسبة لكل
مقتضيات سلامة السلوك الجمعي الإنساني وتكاملها.
ج ـ أنواع السلوك الجمعي
وقد اعتاد علماء الاجتماع المعاصرون[3] على تصنيف السلوك الجمعي إلى
ثمانية أصناف هي: الجمهور, والجماهير, والغوغائية, والذعر الجماعي,
والإشاعات, والهستريا الجماعية, والموضة والرأي العام. وقد بنى هؤلاء
المفكرون نظرياتهم الاجتماعية على أساس استقراء الحالات الإنسانية التي
تدعو الأفراد للتجمع والسلوك سلوكاً متشابهاً, أو موحداً إلى حد ما.
ونستطيع نحن استقراء سبع حالات مشابهة لتلك التي اعتاد تصنيفها علماء
الاجتماع. ونستنتج من ذلك أن الحالات المختلفة للسلوك الجمعي هي حالات
إنسانية تكوينية يميل الأفراد إلى ممارستها عندما تتوافر الشروط
اللازمة لذلك. ولنبدأ بعرض موجز لتلك الأنواع:
1 ـ الجمهور: وتعني اصطلاحاً اجتماع مجموعة صغيرة أو كبيرة من
الأفراد بشكل متقارب فتنشئ تفاعلاً اجتماعياً له آثار فكرية على الفرد
والجماعة، وأفضل أمثلتها جمهور المتعبدين لصلاة الجمعة والجماعة
والعيدين, والجمهور الحسيني الذي يتفاعل مع آثار واقعة الطف, والجمهور
المذهبي الذي يشارك في المناسبات المذهبية, والجمهور الثقافي الذي
يشارك في الندوات والمحاضرات الإسلامية، والجمهور المحتشد في مناسبات
كتلك يعتبر كياناً غير مستقر اجتماعياً, ولا يمتلك التركيبة الفكرية
التي تجعله يتفاعل لفترة طويلة. ولكن التأثيرات عليه كبيرة جداً,
فالاندفاع نحو الحضور والتجمع يعني انفتاح ذهن الإنسان الحاضر في ذلك
التجمع نحو تقبل الأفكار والبيانات الموجهة له. وبتعبير آخر: إنّ
استجابة الإنسان المندفع ليكون عضواً في ذلك الجمهور أكبر في باب
التأثير, من الإنسان الذي لا يمتلك اندفاعاً نحو الحضور والمشاركة
الفكرية أو الذهنية فيه، وهنا يأتي دور المبلّغ ـ خطيباً كان أو
محاضراً أو إمام جمعة وجماعة ـ ليدخل تلك الأبواب المفتوحة في التأثير
من دون موانع ذهنية أو نفسية.
2ـ الجماهير: وتعني اصطلاحاً مجموعة الأفراد التي تهمها نفس المشكلة
الاجتماعية التي شغلت بال الجمهور, إلا أن أفرادها قد لا يجتمع بعضهم
بالقرب من بعض؛ بينما يكون الجمهور في مكان واحد كالمسجد أو الحسينية
أو قاعة المحاضرات، ولكن الأفراد المنضوين تحت راية الجماهير لا يعرف
بعضهم بعضاً على الصعيد الشخصي, إلا أنهم يستجيبون لنفس المشكلة
الاجتماعية بنفس التفكير والأُسلوب. ومن الطبيعي فإن أهم أشكال عمل
الجماهير هو تعبيرها عن رأي عام يوحد توجهاتها، وأفضل عمل للتأثير على
الجماهير هو نشر الكتاب أو المجلة أو الصحيفة اليومية أو الكاسيت
(الشريط الصوتي). فالجماهير ٍتهمها نفس المشكلة الدينية التي تطرحها
تلك الوسائل الفعالة في النشر والتبليغ والإرشاد والهداية. ولا شك أنّ
عمق المشكلة الدينية عند شعوب العالم, واختلاف مستويات الأفراد في
الفهم والتحليل, تجعل من جميع الوسائل الفكرية ـ المبسطة منها كالصحف
والإذاعات والمعمقة كالكتب والمتون الفقهية والفلسفية ـ أدوات للتأثير
الفكري والسلوكي على الأفراد.
3 ـ الغوغائية: وهي في الاصطلاح: الجمهور المنفعل عاطفياً، والذي
يؤدي انفعاله إلى أعمال عنف وتخريب. ومع أن أهداف هذا اللون من الجمهور
محدودة وتركيبته الاجتماعية والفكرية غير مستقرة أصلاً، إلاّ أنّ سلوكه
الغوغائي يعتبر من أخطر التحديات ضد النظام الاجتماعي والسياسي. وهذا
السلوك لا يهمنا في التبليغ والإرشاد؛ لأن الإسلام لا يدعو الناس إلى
تخريب ممتلكات الآخرين ونهبها. بل إن من شروط الجهاد الابتدائي المتضمن
قتالاً وأسراً وسبياً هو أن لا يقطع شجرة ولا يحرق بيتاً، ولا يخرب ولا
يتعرض للمدنيين ممن هم خارج ساحة القتال. وإذا كان ذلك ممنوعاً في
الجهاد, فإن منعه في التبليغ والإرشاد أولى. والسؤال الذي يطرح هنا هو:
لو واجه المبلّغ أو المرشد أعمالاً من ذلك القبيل, فما هو تكليفه
الشرعي؟ والجواب على ذلك يتم من جنبتين.
الأولى: الجنبة الفكرية: وهو أن يتخذ جانب الحكم الشرعي والارتكاز
العقلائي بعدم تخريب ممتلكات الناس وملاحظة حرمة انتهاك أموال الأفراد
وأنفسهم وأعراضهم.
والثانية: الجنبة العملية: وهو الرجوع إلى ولي أمره الفقيه المرجع
الجامع للشرائط ليستلهم من إرشاداته ما يكون مناراً له في تحقيق العمل
الشرعي.
4 ـ الذعر والهستريا الجماعية: واصطلاحاً يعبر الذعر الجماعي عن شكل
من أشكال السلوك الجمعي الذي يواجه الناس فيه خطراً محققاً, فيتصرفون
من وحي ذلك الخطر المحدق بهم تصرفاً مشوباً بالخوف والاضطراب والفورية،
ويحصل هذا الذعر الجماعي عندما يضطرب العرف الاجتماعي المألوف بسبب
طروء حالة استثنائية كحرب مفاجئة, أو إعصار مدمر, أو زلزال مرعب، ويدخل
في هذا اللون من السلوك الجمعي: الهستريا الجماعية, وهي لون من ألوان
السلوك الفطري الذي يصاحبه قلق وحذر جماعي. وقد لاحظنا ذلك عندما
استخدمت الأسلحة الكيميائية ضد الأبرياء العزل في الحروب. ومعالجة ذلك
السلوك الجمعي يدخل ضمن إطار مسؤوليات الدولة, ولذلك فإن بحثه خارج عن
إطار بحثنا هذا.
5 ـ الإشاعات: وهي معلومات تنقلها جهات مجهولة بشكل منظم. وقد تكون
صادقة وقد تكون كاذبة, وربما كانت خليطاً من الصدق والكذب. ولكن من
الصعب معرفة منشئها, على عكس المعلومات التي تنشرها الأجهزة الإعلامية
الرسمية حيث معلومية مصدرها وجهتها محرزة. وتكمن خطورة الإشاعة في أنها
تسير سيراً متوازياً مع أخبار أجهزة الإعلام الرسمية أو شبه الرسمية.
بل يعتبر انتشار الإشاعة شكلاً من أشكال نشاط الجماعة ـ بقصد أو دون
قصد ـ لأن تأثير الإشاعة ذاته قد يسبب نوعاً من السلوك الجمعي.
فإذا كان الوضع الاجتماعي والسياسي متواتراً, فإن أي إشاعة قوية
تحرض الجمهور على الخروج إلى المسرح الاجتماعي تحدياً للنظام السياسي؛
خصوصاً إذا كان ذلك النظام يحرم الأفراد من حقوقهم المشروعة في الحصول
على معلومات صادقة. وتنتشر الإشاعات أيضاً كان الأفراد لا يثقون
بحكومتهم ولا يعترفون بالمعلومات التي تقدمها لهم. وبكلمة, فإن الإشاعة
هي البديل الإعلامي عن الخبر الصادق, في وضع اجتماعي محروم من استلام
الأخبار الصادقة.
ولا شك أن تأثير الإشاعة على إنشاء السلوك الجمعي يعتمد على قوة
فكرتها, وعدد الأفراد الذين ينقلونها, والزيادات التي تضاف عليها,
وموقف الأفراد العقائدي منها. ويختلف توجه الأفراد نحو الإشاعة أيضاً,
بدرجات اختلافهم في تأييد النظام المذهبي أو الاجتماعي أو الاعتقاد
بنظريته وصحة تطبيقاتها العملية.
وما يهمنا هنا من موضوع الإشاعات هو كيفية معالجة الإشاعات المخربة
ضد عقيدتنا ومذهبنا ودولتنا الشرعية من قبل المبلّغ أو المرشد؟ فبعض
الإشاعات تحمل على التشيع وتتهمه بالخروج عن الإسلام, وبعض الإشاعات
تتهم الدولة الشرعية بمختلف التهم الباطلة, وبعض الإشاعات قد تسري إلى
المبلّغ أو المرشد نفسه، فتتهمه باتهامات باطلة. فكيف يتم معالجة
الآثار التخريبية للإشاعة الكاذبة؟
لا شك أنه ليس هناك وسيلة شرعية أقوى من تسليح الناس بالعلم,
والتبين تجاه أي قضية من قضايا التي يواجهونها, كما نستفيده من محكم
قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأٍ فتبينوا أن
تصيبوا قوماً بجهالةٍ فتصبحوا على ما فعلتم نادمين} (سورة: الحجرات 6).
وتسليح الأُمة بالمعلومات الصادقة ليس أمراً ميسوراً لكل وارد, بل
يحتاج إلى أساليب علمية في مواجهة الحرب النفسية التي تتخذ من الإشاعة
الكاذبة أصلب وقودها. فنحن نتهم من قبل بعض المذاهب بالكذب مثلاً لأننا
نستخدم الرخصة الشرعية في التقية. والطريق الأمثل لمعالجة ذلك الاتهام
الباطل هو شرح مفصل للجنبتين الفكرية والعملية لفكرة التقية. فالجنبة
الفكرية هي شرعية التقية في الإسلام, والجنية العملية تفصح عن معاناة
أتباع البيت(ع) في التأريخ، ولولا استثمار تلك الرخصة الشرعية لاندرست
آثار النبوة وانمحت تعاليم السماء.
وبكلمة, فإن محاربة الإشاعة الكاذبة لا يتم إلاّ بالعمل العلمي
المخلص الجاد من أجل مقابلتها بالحقائق والوثائق الصحيحة. وهو جهاد
شرعي في سبيل نشر الإسلام بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ لأن الحرب مع
الأعداء اليوم ليست حرباً عسكرية، بل ولا حتى حرباً فكرية، بل هي حرب
نفسية بالدرجة الأولى.
6 ـ الموضة: وفي الاصطلاح هي: نظام خاص يصمم من قبل متخصصين لتغيير
مظهر الفرد الخارجي, وما يتبعه من تأثير اجتماعي على سلوكه الفردي
أيضاً. وتعتبر الموضة شكلاً من أشكال السلوك الجمعي؛ لأنها تفرض على
الأفراد سلوكاً مشتركاً. ومن الطبيعي فإن الموضة لا تنشأ من فراغ أو
عفوية, بل إن لها منشأً سياسياً واقتصادياً مرتبطاً بالفكرة
الرأسمالية. والعرف الاجتماعي يقبل الموضة باعتبارها قضية مؤقتة تستبدل
بعد فترة بتصميم آخر. وكون الموضة من أركان التغيير الاجتماعي في الدول
الصناعية قد يعزى إلى سببين:
الأول: إن المؤسسات الصناعية الكبرى لها مصلحة اقتصادية عظيمة في
تغيير المظهر الخارجي للأفراد فيما يخص الملابس والكماليات والحافلات,
من أجل جني أكبر قدر ممكن من الأرباح.
الثاني: إن فكرة الموضة منسجمة مع تطلعات النظام الاجتماعي الطبقي؛
لأنّ اقتناء الأشياء الثمينة المتغيرة دوماً يعبر عن وسيلة من وسائل
تشخيص الهوية الطبقية للفرد المقتني.
وتهمنا مشكلة الموضة هنا ـ في مجال التبليغ ـ من حيث إنها تستهدف
التأثير الاجتماعي لثقافة الفرد الدينية. فالإذعان لتغيير المظهر
الخارجي ـ من تصميم للأزياء أو طريقة معينة لقص الشعر ـ يعني باباً
مفتوحاً لتغيير في العقيدة والالتزام والسلوك الشخصي.
فثقافة أصحاب الشعر الطويل من أوروبا في الستينيات مثلاً أثرت على
شباب العالم الإسلامي وجعلتهم أكثر انحلالاً في الأخلاق, وأكثر
ابتعاداً عن دينهم ومعتقداتهم. والمرتمون في أحضان الغرب من المثقفين
المسلمين اليوم يقفون من بعض عقائدهم موقف الحياء والخجل والاعتذار، كل
ذلك يحصل بسبب المنهج العلمي لإفساد الشباب. فإن كان الشاب، مستعداً
للتنازل عن ثقافته وتقاليده في المظهر الخارجي, فإنه لا يصمد لاحقاً
أمام إغراءات تغيير جوهر شخصيته الفكرية والعقائدية.
ولو أجملنا مورد الموضة, لقلنا بأن المبلّغ أو المرشد إذا نجح في
وصد باب تقبل الموضة غير الشرعية عند المكلف, فإن أبواب البناء الثقافي
والعقائدي والمذهبي ستكون مفتوحة كي يعمل عمله الهادف في بناء شخصية
ذلك الإنسان المستهدف من قبل مختلف التيارات.
7ـ الرأي العام: اصطلاحاً هو: النظرة المشتركة التي تحمل اتفاقاً
ضمنياً للقضايا والمشاكل التي تهم الأفراد والمجتمع. وتلك النظرة
المشتركة أقرب إلى النظرة العقلائية في المجتمع من نظرة الجمهور
المتجمع في بقعة مكانية واحدة؛ لأن الأفراد الذين يشتركون في الرأي
العام يفكرون ويعبرون عن مشاعرهم كأفراد مستقلين، لا كمجموعة واحدة،
كما هو الحال في الجمهور، لكن قرارهم يخضع لنفس الضغوط الموجهة نحو
الجمهور وسلوكه الجمعي.
ولا شك أن للرأي العام تأثيراً فعالاً على الاستقرار السياسي
والاجتماعي للدولة الحديثة. ومن هذا المنطلق حاولت الحكومات المختلفة
تنمية وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية؛ لتستطيع التأثير على
الأفراد تماماً كما تستطيع الإيحاءات والإشارات التأثير على سلوك
الجمهور المحتشد في مسجد من مساجد المدينة أو شوارعها. وبتعبير أدق: إن
المعلومات أو الآراء المعروضة في وسائل الإعلام إنما تعرض مع تصميم
وقصد مسبق لإقناع الجمهور بتبني تلك الآراء, بغض النظر عن ارتكازها
الواقعي, ودون الاكتراث لحرية الأفراد واستقلاليتهم في انتخاب ما
يشاءون من أفكار ومواقف خاصة بهم.
والتأثير على الرأي العام من قبل المبلّغ أو المرشد الديني مهم
جداً, لكنه يحتاج إلى جهود جبارة تتجاوز الجهود الفردية المشتتة. بل
تحتاج إلى جهود منظمة مع إمكانيات هائلة. فالكتابة في الصحف والمجلات,
وتقديم برامج في الإذاعة والتلفزيون, وإلقاء خطب الجمع والجماعات كلها
تساعد الأمة على تصميم رأي عام منسجم مع أهداف الشريعة.
دور المبلّغ في الهداية والإرشاد
إن دور المبلّغ أو المرشد الديني في الهداية والإرشاد ـ من منظار
السلوك الجمعي ـ ليس دوراً ثانوياً, بل هو دور رئيسي خطير في نشر
الإسلام وهداية الناس من خلال عنوان أكبر هو: الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر.
ومن الطبيعي, فإن افتراض كون الفرد يسلك سلوكاً مغايراً لسلوكه
الفردي عند اجتماعه بالآخرين, له آثار إيجابية على تفعيل دور المبلّغ
في عمله الشاق مع الناس. ومن أجل ذلك نقول: إن حث الإسلام على تضييق
الفوارق النفسية بين السلوكين الفردي والجماعي, يحتاج إلى وقفة تأمل.
فالدين يحث المكلفين على المشاركة في الأعمال الجماعية كصلاة الجماعة
والجمعة والعيدين, والإنفاق الواجب والمستحب على الفقراء, ومساعدة
الآخرين في قضاء حوائجهم, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على نطاق
الجماعة.
والإسلام يشجع أيضاً اشتغال الفرد ـ ذاتياً ـ مع مولاه وخالقه
سبحانه وتعالى. بمعنى أنّ الفرد الذي يعيش حالة القرب من الله عز وجل
بالدعاء والابتهال والصلاة, إنما يعيش سلوكاً أقرب إلى السلوك الجماعي
مما هو إلى السلوك الفردي. ولذلك, فإن الجانب الروحي يعتبر من أهم
عوامل تهذيب شخصية المكلف لئلا يعيش حالة الانفراد الخطيرة, التي
شخّصها الدعاء المأثور عبر سؤال المؤمن خالقه العظيم:"ولا تكلني إلى
نفسي طرفة عين أبداً". وفي موضع آخر:"يا رب أسألك بحقك وقدسك وأعظم
صفاتك وأسمائك أن تجعل أوقاتي من الليل والنهار بذكرك معمورة وبخدمتك
موصولة".[4]
وتلك المفاهيم الرائعة ذات قيمة أخلاقية عليا على المستوى النظري
العام.
ولكننا نود هنا أن نتعامل مع السلوك الجمعي للمخاطبين الذين يأمل
المبلّغ أو المرشد هدايتهم أو تثبيت عُرى الإيمان في قلوبهم ومشاعرهم.
ومن أجل ذلك لا بد أن نحدد الأهداف العملية للمبلّغ أو المرشد في تنمية
عمله التبليغي وتكامله, عبر النقاط التالية:
أولاً: الاهتمام بتنمية النية الخالصة والقصد السليم في تأدية العمل
عند المخاطب. فالأفراد الذين ينتمون إلى الجماعة يمارسون في الواقع
سلوكاً جمعياً في تأدية العبادات أو الاستماع إلى الإرشادات والبيانات
الدينية, إلا أنهم في الوقت ذاته يرجعون إلى أنفسهم ـ كل على انفراد ـ
في النيات والمقاصد. فقد يأتي الفرد لاستماع محاضرة دينية أو خطبة
تعبدية, ونيته التسليم للمنطق الحق والدليل القوي. وقد يأتي فرد آخر
بنفس الهيئة، ولكن بمقاصد أخرى ونيات مختلفة، كالجدال أو الرياء أو
المنفعة الشخصية، فيكون اهتمام المبلّغ بتنقية نيات الأفراد المخاطبين
وانفتاح قلوبهم نحو سماع الحقيقة, من أهم أعماله التبليغية. فإننا لا
نستطيع أن نربط الحافز النفسي نحو الحضور بالسلوك الديني, ونهمل في
الوقت ذاته دور النية في الاندفاع نحو تأدية العمل الشرعي الأولي. فإذا
خلصت النية ونقى المقصد انفتح القلب لاستماع الحقيقة والإنصات للدليل.
أما إذا لم نتأكد من نقاء النية وسلامتها, فإننا لا نستطيع الاستمرار
في العمل الإرشادي الموجه تجاه ذلك الإنسان.
ثانياً: لا بد من تنمية الدافع الامتثالي لأمر المولوي عند المخاطب.
فمجرد الاندفاع نحو أداء الأعمال العادية كالحضور والاستماع والخدمة,
باعتبار أنها قضايا اجتماعية لا يؤدي دوراً في القضايا التبليغية. بل
لا بد من تنشيط الجانب المعنوي عند المخاطب, وتنمية دافع الامتثال
للأوامر الإلهية التي تحدث بلغة الفطرة الإنسانية وتدخل في أعماقها.
وهذا الأمر مرتبط بالنية في الأصل. فلولا وجود النية الخالصة للعمل
قربة إلى الله تعالى, فلن يتحقق الدافع الذاتي السليم للإنصات أو قبول
الحق أو التغيير الذاتي أو أداء العمل الذي يترتب على قبول الحق.
ودور المبلّغ هنا تشكيل "انطباع" واقعي في ذهن المخاطب عن الحقيقة
التي يتحدث عنها. فإذا كان يتحدث عن الشفاعة, فلا بد له من التأكيد على
مبررات إسقاط العقوبة عن المؤمن المذنب؛ وإذا كان يتحدث عن الحرية
السياسية, فلا بد له من خلق انطباع عن حجم الإكراه الذي كان يتعرض له
أتباع مدرسة أهل البيت(ع) من قبل الحاكم الظالم؛ وإذا كان يتحدث عن
الاجتهاد, فلا بد له من خلق انطباع عن اهتمام الشريعة الخالدة بتغيرات
الزمان والمكان.
ولا شك أن فهم مبررات الإيمان بتلك العقائد, يقوي في ذات الوقت
الدافع الامتثالي عند المكلف, فينصهر عندها مع توجهات المبلّغ أو
المرشد الديني.
ثالثاً: إن الاهتمام بالفرد المخاطب من قبل المبلّغ ينبغي أن لا
يؤدي إلى إهمال النفس الاجتماعية التي يملكها المخاطب. ونعني بفكرة
النفس الاجتماعية أن شخصية الإنسان تتأثر إلى حد بعيد بالسلوك
الاجتماعي لبقية الأفراد. فإذا رأى الإنسان مجموعة من الأفراد يساعدون
الآخرين, فإنه قد يتأثر بسلوكهم وينخرط في صفوفهم ويقوم بنفس العمل
الذين كانوا يقومون به. فالإنسان لديه نفس اجتماعية لمساعدة الآخرين.
ونستفيد من المشهور من حديث رسول الله (ص) دور النفس الاجتماعية في عمل
الخير. فقد دخل المسجد فقير يسأل الناس, فحثهم (ص) على مساعدته بالقول:
"من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من
أجورهم شيء ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده,
من غير أن ينقص من أوزارهم شيء"[5].
والسنة الحسنة في لسان الدليل غير مقيدة بالإنفاق, بل هو مطلق
الخير. وكذلك الحال في السنة السيئة, التي تعبر عن مطلق الشر. وبتعبير
آخر: إن تحمل المسؤولية الأخلاقية في المساعدة الاجتماعية من قبل أحد
الأفراد سوف يحرك البقية نحو تحمل مسؤولياتهم الاجتماعية أيضاً في
مساعدة الآخرين.
وهذا المعنى له جمالية فائقة, خصوصاً إذا استطعنا بناء نفس اجتماعية
عند كل إنسان. فإذا كانت النفس الاجتماعية تدعو إلى العلم والبحث عن
الحقيقة, فقد ربحنا في إرشاد الناس نحو طلب العلم بصورة جماعية. وإذا
كانت النفس الاجتماعية تدعو إلى مساعدة الآخرين والتآزر والتعاضد من
أجل الخير العام ومنع الفتنة, ربحنا أيضاً في دعوتنا لتثبيت أسس
التعاون والسلام بين الناس. وإذا كانت النفس الاجتماعية تظهر الولاء
لأهل البيت (ع) بالخصوص والإسلام بالعموم, فقد فزنا ببناء الأمة على
أسس الحق والعدالة.
ونستطيع القول باطمئنان بأن النفس الاجتماعية الموالية لأهل البيت
(ع) تعتبر من أكثر الأنفس البشرية كمالاً في العطاء والمحبة والتعاضد
خلال أيام المناسبات كوفيات المعصومين (ع) أو استشهادهم بدءاً برسول
الله (ص) وانتهاء بأئمة الهدى (ع). فالبذل في البكاء, والامتثال
وللأعمال التعبدية, والبلاغة في التعبير الخطابي, والإطعام كلها تعبر
عن تكامل تلك النفس الاجتماعية المتأثرة بمصائب أهل بيت النبوة (ع).
رابعاً: ومن واجبات المرشد الروحي تأسيس الانسجام النفسي بين أفراد
الجماعة. فالحقائق الدينية لا يمكن بناؤها في أذهان الناس إلا بمساعدة
الآخرين. ولا يتم ذلك البناء الذهني للحقائق الدينية إلا عن طريق
الانسجام النفسي بين الجماعة. فنحن لا نستطيع فهم عقيدتنا في الخلق
والتكوين والحياة لاجتماعية إلا عن طريق رسائل يحملها المبلّغون
والدعاة إلى الله والخطباء والعلماء والفقهاء إلينا. وليس للفرد طاقة
نفسية فردية مجردة قادرة على استيعاب كل الحقائق الدينية دفعة واحدة.
فالأحكام الشرعية مثلاً لا بد أن يستنبطها الفقيه من أجل إيصالها على
المكلفين؛ والعقائد الدينية لا بد أن يجتهد المكلف في تحصيلها من الطرق
الفكرية المعهودة؛ والأخلاق لا بد أن يمارسها الفرد عن طريق العلم
بقضايا الخير والشر. وتلك الوسائل مجتمعة تساهم في بناء الفكر الديني
في ذهن الإنسان. ولكن لا يمكن للفكر الديني أن يستقر في ذهن المكلف ما
لم يتفاعل مع أفراد الجماعة من خلال التلقي والاستماع والمحادثة
والمخاطبة والنقاش. ولا تظهر آثار ذلك التفاعل إلا عن طريق وجود انسجام
نفسي واجتماعي بين الناس.
ولا شك أن بث العلم الديني, واستخدام الأساليب الأخلاقية في التعامل
مع الآخرين يؤسسان أركان الانسجام الاجتماعي النفسي بين ثنايا الجماعة.
فالدين يشجع الأفراد على التعاون والتكاتف والمؤاخاة بما يحقق الانسجام
داخل تلك الجماعة المتدينة.
إن عمق الانسجام الاجتماعي الذي ينبغي أن يستشعره الفرد خلال عمل
المرشد أو المبلّغ, يمكن أن يقاس بمقدار شعور ذلك الفرد بعدم انسلاخه
عن بقية الأفراد الذين يتعامل معهم؛ لأن الانسلاخ أو الاغتراب
الاجتماعي يعني محاولة داخلية من قبل المغترب لرفض ما يجري داخل المسجد
أو الحسينية أو مكان التجمع. وبتعبير ثالث: إن الفرد المنعزل اجتماعياً
عن الحضور أو التفاعل يعلم في داخله أن المجتمع لا يكافئه مكافأة روحية
أو فكرية تساعده على الاندماج روحياً ومذهبياً مع الآخرين, وعلى
الانضمام للسفينة الدينية أو الاجتماعية الماخرة في عباب الزمن. ولذلك
فإن المنعزل اجتماعياً يغلق كل الأبواب الذاتية للتأثر والاقتناع
والتغير.
خامساً: ومن خصائص المرشد الروحي أو المبلّغ هو القدرة على الإقناع.
وفكرة الإقناع تعني القدرة على التأثير الحتمي المحقق للمخاطب. ويتمحور
الإقناع حول الأسئلة الثلاثة التالية: من الذي يخاطب من؟ وماذا يقول؟
وما هو التأثير؟.
ويطرح الخبراء الاجتماعيون دائماً بعض الأسئلة المهمة في حقل
الإقناع, وهي: ما هي الظروف الموضوعية التي تسبب تغيير اتجاهات الأفراد
ومواقفهم واعتقاداتهم وسلوكهم؟ وكيف نؤمن بأن ذلك التغيير كان ـ واقعاً
ـ تغييراً حقيقياً وليس تغييراً سطحياً ظاهرياً يفتقد المعنى والجوهر؟
لا شك أن المبلّغ أو المرشد الروحي ينبغي أن يتسلح بالقدرة على
تغيير مواقف الأفراد وآرائهم, وهذا المقدار يعبر عن جوهر الإقناع
الحقيقي. فنحن نتعرض يومياً إلى محاولات اجتماعية عديدة للتأثير علينا
في التفكير والشعور والسلوك. وتلك المحاولات تهدف إلى إقناعنا بقبول أو
رفض سلوك معين وتفكير محدد. ومن الطبيعي فإن الإقناع لا يتحقق ما لم
يتم تغيير مواقف الأفراد المراد إقناعهم في بعض مباني العقيدة,
والقضايا العاطفية الداخلة فيها, ونية هؤلاء المخاطبين وقدرتهم على
الاستجابة للمحفزات الخارجية.
وعندما نصيغ مواقفنا تجاه الأشياء والأشخاص والظواهر الخارجية التي
من حولنا, فإننا نحتاج إلى معلومات يقدمها لنا الآخرون. ولذلك فإن من
أهم وسائل الإقناع لتثبيت مواقفنا أو تغييرها هو كمية المعلومات
الواردة في أذهاننا من المصادر الفكرية الخارجية, ومن الاعتبار بسلوك
قادتنا ونزاهتهم, ومن نظامي الثواب والعقاب المدرجين على لوح الدين
الحنيف. وما نريده من إقناع المخاطبين هو تصحيح المعلومات الخاطئة التي
حملوها في فترات حياتهم, وتطبيق أحكام الشريعة على حياتهم الاجتماعية
والشخصية.
وبكلمة, فإن على المبلّغ ـ ومن أجل أن يحقق أهدافه في الإقناع ـ أن
يجمع بين الخبرة, والثقة الممنوحة له, والمنزلة العلمية والاجتماعية,
والجاذبية الخارجية. وأن تكون الرسالة التي يحملها جامعة لكل معاني
الجذب العقلائي والعاطفي, والأسلوب الفصيح, والموضوعية في طرح
الإيجابيات والسلبيات, وأن يكون المخاطبون على درجة من الاستعداد لتقبل
المعلومات والإيضاحات الواردة من أجل الاقتناع.
ولا شك أننا نضع القرآن المجيد منار هداية لنا في صياغة فلسفتنا حول
التبليغ والهداية, ونضع الأخبار الواردة عن أهل بيت النبوة (ع) منار
هداية لبرنامجنا العملي الذي نطمح أن نحقق من خلاله كل ما نصبو إليه.
يقول سبحانه وتعالى حول خصائص التبليغ:
{الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله وكفى
بالله حسيباً} (سورة الأحزاب: آية 39).
{يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى
الله بإذنه وسراجاً منيرا} (سورة الأحزاب: آية 45).
{وما على الرسول إلاّ البلاغ المبين} (سورة النور: آية 54).
{فأعرض عنهم وعِظهم وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً} (سورة النساء:
آية 63).
ومن المشهور عن آثار النبوة والولاية، نعرض هذين الخبرين:
الأول: "عن ابن عباس قال: لما نزلت {يا أيها النبي إنا أرسلناك
شاهداً ومبشراً ونذيراً...} (سورة الأحزاب: آية 45)، وكان (ص) قد أمر
علياً (ع) ومعاذاً أن يسيرا إلى اليمن فقال (ص): انطلقا فبشرا ولا
تنفِّرا، ويسرا ولا تعسِّرا، فإنه قد أنزل عليَّ {يا أيها
النبي...}"[6].
وشهرة الحديث جابرة للسند.
والثاني: عن الإمام الصادق (ع): "ليست البلاغة بحد اللسان، ولا
بكثرة الهذيان، ولكنها بإصابة المعنى وقصد الحجة"[7].
إن تعامل المبلّغ أو المرشد الروحيّ مع السلوك الجمعي يفُتَرض أن
يكون تعاملاً علمياً ومدروساً يستلهم من الشريعة وأحكامها مبانيه
الدينية، ومن الارتكاز العقلائي مبانيه الفكرية والفلسفية. والحمد لله
رب العالمين.
--------------------------------------------------------
القيــادة.. ودورهـا في ضبـط السلوك
الجمعــي
م. نبيـل زكـار
تمثل القيادة(Leadership) ظاهرة اجتماعية هامة،تتأثر بظروف المجتمع
الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية،وتؤثر بدورها تأثيرا فعالا
في حياة المجتمع،وقد اهتم علم النفس بصفة عامة ببحث ظاهرة القيادة
والزعامة في الجماعة من أجل الوصول إلى سمات خاصة للقيادة،وتحديد دور
المجتمع البشري في إتاحة المجال لظهور العناصر القيادية من بين شرائحه
الاجتماعية.
ونظرا لأهمية هذا الموضوع واتساقه بالواقع الإنساني الاجتماعي فقد
ارتأينا ضرورة التعرض له بالمعالجة البحثية الجادة بهدف،تسليط الضوء
أكثر على القيادة كظاهرة اجتماعية ترتبط بالمجتمع،تناولتها الدراسات
المتخصصة من عدة اتجاهات وإبراز الخصائص الأساسية التي يجب توافرها في
القائد أو الزعيم من زاوية التحليل النفسي.
القيـــادة...والمجتمــع:
يلعب المجتمع البشري دورا أساسيا في خلق القيادة من حيث التأثير في
إتاحة المجال لظهور العناصر القيادية المؤهلة،حيث تناولت الأبحاث ظاهرة
القيادة من عدة اتجاهات،وكان الاتجاه الأول يتمثل في منهج علم النفس
الفردي الذي يحاول أن يضع عدة خصائص أو سمات يجب توافرها في شخصية
القائد أو الزعيم وهذه الخصائص تتغير تبعا لتغير أهداف المجتمع،غير أن
ما يؤخذ على هذا الاتجاه أنه يبحث في شخصية القائد من زاوية التحليل
النفسي،وأنه يعزل القائد عن التجربة التي تربطه بالجماعة، حيث أن لا
وجود لقائد دون وجود جماعة يستمد منها قوته.
أما الاتجاه الثاني،فهو الذي يبحث في ظاهرة القيادة من وجهة نظر علم
النفس الاجتماعي الذي ركز على دراسة الأفعال والمواقف بين الفرد
والجماعة والتي بموجبها اكتسب تمركز الجماعة حوله،والدور الذي يلعبه
القائد في المجتمع من أجل إيجاد حلول عملية للمشاكل التي تواجه
الجماعة.
وبالرغم من التناقض الواضح في هذين الاتجاهين إلا أنه يمكن التوفيق
بين هاتين النظرتين،فالقائد يجب أن تتوافر فيه خصائص تؤهله
للقيادة،والقيادة كظاهرة اجتماعية لا يمكن فصلها عن الجماعة وذلك لأنه
لا وجود لقيادة بدون قاعدة شعبية أو مجموعة تتولى قيادتها نحو تحقيق
أهدافها،كما أن هناك تفاعل حي قائم بين القائد والمجتمع،اذ ليس
باستطاعة أي فرد أن يكون قائد يتحمل أعباء الجماعة، حيث أن هناك معايير
ومقاييس ذاتية وموضوعية لا بد من توافرها في القائد.
ويلعب المجتمع دورا فاعلا في إتاحة المجال لظهور القيادة ونموها
الطبيعي،فالمجتمع هو المسرح الحقيقي الذي يتيح لشخصية القائد أن تلعب
دورها،كما أن هناك تفاعلا بين المجتمع وقادته،بحيث من الصعوبة بمكان
التفريق بين ما يعود للمجتمع وما يعود للقادة،وانطلاقا من هذا التفاعل
الموضوعي،فإن لكل مجتمع نوع القيادة التي تناسبه ولا تناسب غيره من
المجتمعات،فالقيادة(مثلا)في مجتمع القرون الوسطى تختلف عنها في المجتمع
الصناعي،والقيادة في مجتمع صغير تختلف عنها في مجتمع كبير،كذلك هناك
أنماط مختلفة من القيادة على جميع مستوياتها،مثل القيادة الديكتاتورية
(الاستبدادية)القيادة الديمقراطية،والقيادة الفوضوية...الخ.
وتؤكد الدراسات الاجتماعية الإنسانية أن أفضل أنواع القيادات هي
القيادة الديمقراطية،وتعني الديمقراطية من الجانب السياسي أن يحكم
الشعب نفسه بنفسه لصالح نفسه،أما المفهوم الحديث للديمقراطية فإنه ينظر
إليها على أنها نظام حياة نام ومتطور يغير من أسلوب حياة الفرد
والجماعة، وتتضمن الكثير من المبادئ الإنسانية والسياسية
والاجتماعية،مثل تكافؤ الفرص وحرية الرأي والعقيدة والمساواة أمام
القانون،والعدالة والإخاء والتكافل.
وتكتسب ظاهرة القيادة في المجتمعات المتطورة مكانة كبيرة،حيث يتوقف
عليها سلام العالم وتطوره،فعلى أساسها تحدد معالم العلاقة بين الشرق
والغرب،وما يسود العالم من استقرار أو توتر واضطراب هو نتيجة مباشرة
لسلوك القيادة العالمية(المثال الصارخ على ذلك الإدارة الأمريكية
الحالية).
وتتخذ القيادة كظاهرة اجتماعية عدة مستويات،فإلى جانب المستوى
العالمي،هناك القيادات القومية،والقيادات السياسية والقيادات
العسكرية،كما أن هناك القيادات العلمية والفنية والأدبية والمهنية في
الصناعة والزراعة والتجارة،ويعتبر من أهم خصائص القيادة أنها"نوعية"أي
أن القائد في ميدان معين لا يكون قائدا في آخر..فهناك(مثلا)القائد
السياسي،والقائد العسكري،والقائد في العلم والفن أو الديني...الخ.
مفهـــوم القــيادة:
تضطلع القيادة بدور اجتماعي رئيسي،يقوم به الفرد(أي القائد)،أثناء
تفاعله مع غيره من أفراد الجماعة(أي الأتباع)ويتسم هذا الدور بأن من
يقوم به يكون له القوة والقدرة على التأثير في الآخرين،وتوجيه سلوكهم
في سبيل بلوغ هدف الجماعة،والقيادة هي شكل من أشكال التفاعل الاجتماعي
بين القائد والأتباع،حيث تبرز سمة القيادة أو التبعية،والقيادة سلوك
يقوم به القائد للمساعدة على بلوغ هداف الجماعة،وتحريك الجماعة نحو هذه
الأهداف،وتحسين التفاعل الاجتماعي بين الأعضاء والحفاظ على تماسك
الجماعة،وتيسير الموارد للجماعة،وهكذا ينظر إلى القيادة كدور اجتماعي
أو وظيفة اجتماعية،ويمكن النظر إليها كسمة شخصية أو كعملية
سلوكية،والقيادة هي تفاعل اجتماعي نشط مؤثر وموجه،وليست مجرد مركز
ومكانة وقوة.
والواقع أن لاصطلاح القيادة أكثر من تعريف،وأكثر من معنى،فهناك من
يعرف القيادة بأنها"المركز الذي يشغله الشخص في الجماعة"وآخر يرى
بأنها"القدرات والسمات التي يؤديها الشخص القائد".
وفي ضوء هذه التعريفات،يمكن تعريف القيادة بالنظر إلى الشخص الذي
يتولى منصب القيادة نفسه ولهذا فهي توصف بأنها"مجموعة الصفات والمهارات
اللازمة للقيام بوظائف القيادة"ولكن يلاحظ بأن هذا التعريف يتجاهل
المواقف العملية التي تعتبر عاملا أساسيا في تحديد القائد، وفي نوع
القيادة التي يمارسها،إذ أن الظروف الاجتماعية هي التي تملي
القيادة،وباختصار يمكن تعريف القيادة بأنها"العملية التي تمكن من
الإسهام بصورة فعالة في حركة الجماعة نحو هدف معروف" ويعرف القائد
بأنه"الفرد الذي يشغل منصب الرئاسة،وهو بؤرة لسلوك أعضاء الجماعة،وهو
الشخص المركزي الذي يؤثر في الآخرين".
أنــواع القيــــادة:
تصنف القيادة كظاهرة اجتماعية،إلى عدة أنماط نذكر منها:
(1)القيــادة الديمقراطيــة: ينشأ هذا النمط من القيادة انطلاق من
الإيمان بقيمة القائد كونه إنسانا له وزنه واحترامه في المجتمع،وله
شخصيته المميزة،وقدرته على التفكير والتمييز والابتكار،مما يؤهله
لتصريف شؤون نفسه بنفسه،والاشتراك في تحديد أهداف الجماعة ورسم الخطط
لتحقيق الأهداف وتنفيذها،كما ينشأ هذا النوع من القيادة على الإيمان
بمبدأي التكافؤ،والحرية لجميع أفراد المجتمع،ويقصد بالتكافؤ هنا،إتاحة
فرصة متكافئة لجميع الأفراد في النمو والحياة،ومساواتهم أمام
القانون،ويقصد بالحرية،تلك الحرية التي توفر لكل فرد فرصة النمو الشخصي
والاجتماعي نموا سليما في إطار الجماعة وإطار المصالح المشتركة بين
أفرادها،وهذا لا يتحقق إلا إذا وجدت الضوابط الاجتماعية التي توقف
الفرد عند الحد الذي يتفق والصالح العام،ويترتب على ذلك بأن العلاقة
بين الفرد والمجتمع تكون علاقة وظيفية منتجة قائمة من ناحية على تقدير
الجماعة قيمة الفرد،وإتاحة الفرصة لتنمية مواهبه وقدراته إلى أقصى حد
ممكن،كما تقوم من ناحية أخرى على تقدير الفرد مصلحة الجماعة ومراعاته
لها،ويعتمد المجتمع الديمقراطي لتحقيق هذه المبادئ،على التفكير العلمي
في حل المشكلات وعدم الالتجاء إلى العنف،والتعاون بين الأفراد تعاونا
يستهدف الصالح العام دون أنانية و انفراد شخصي،أو هيئة بمصالحها
وشؤونها ويتميز نمط الحكم الديمقراطي بعدة خصائص أهمها:
أ- يتصف سلوك هذه الجماعة،بقوة التماسك بين أفرادها في جو تسوده
المحبة والإخاء،والعمل فيها يسير على أساس التعاون وتبادل النصيحة
والرأي بطريقة طبيعية تلقائية بعيدة عن التكلف والشكلية، ويشعر أعضاء
الجماعة بنوع من الاستقرار والرضا،وعدم الرغبة في ترك المجموعة.
ب- يتمتع كل فرد من أفراد الجماعة بحق إبداء رأيه،وجميع أراء أفراد
المجموعة لها صفة التوجيه والمعاونة على تحقيق الهدف،وليست في صورة
أوامر صارمة سواء من القائد أو من الأفراد الآخرين.
ج-استمرار عمل هذه الجماعة بانتظام سواء في غياب القائد أو في
حضوره،وذلك لأن العمل منظم والمسؤوليات محددة والعلاقات الإنسانية
تساعد على قيام كل عضو بدوره في سير الجماعة نحو تحقيق الأهداف.
د-في هذا النمط من القيادة،يكثر الحديث عن المجموعة،كوحدة
بلفظ"نحن"أكثر من الحديث بلفظ"أنا"حيث تبدو علامات التفكير الجماعي
والمشاركة والابتكار بحيث تصل المجموعة إلى آراء ناضجة،هي خلاصة
التفكير الجماعي الذي يستفيد من جميع العناصر النابهة في المجموعة.
(2)القيــادة الاستبداديـــة: يتصف هذا النمط من القيادة بالتسلط
والظلم وذلك من خلال اجتماع السلطة المطلقة في يد القائد الاستبدادي أو
الديكتاتوري،فهو الذي يضع سياسة المجموعة ويرسم أهدافها، وهو الذي يفرض
على الأعضاء ما يقومون به من أعمال،كما أنه يحدد نوع العلاقات التي
تقوم بينهم،وهو وحده الحاكم والحكم ومصدر الثواب والعقاب،ويرتكز هذا
النوع من القيادة على المبادئ التالية:
أ- تركيز السلطة في يد شخص أو هيئة عليا،تعتبر نفسها صاحبة السيادة
المطلقة والحاكمة بأمرها.
ب-هذه الشخصية المستبدة شديدة الاعتداد بقدرتها على إدارة الشؤون
المختلفة وتوجيه الأمور،وهي لا تثق في ذكاء المحكومين واستعداداتهم
وقدراتهم على الإسهام في تدبير شؤون المجتمع.
ج-تقوم السلطة الحاكمة بعمل ما تريد،دون أي اعتبار لرأي المحكومين
وتنظر إلى الأفراد على أنهم آلات تحركها كما تشاء،دون أن يعرف هؤلاء
الهدف الذي يتجهون إليه.
د-يتبع الحاكم الاستبدادي نظاما صارما جامدا يخنق الحريات،لأنه
يعتقد بأن النظام والحرية طرفا نقيض لا يلتقيان فالنظام لا يكون إلا
إذا انعدمت الحرية وعلى ذلك فواجب الأفراد الطاعة العمياء دون إبداء
الرأي.
هـ-يلجأ الحاكم المستبد،لفرض سيطرته،إلى وسائل القمع والإرهاب
والتهديد والوعيد،ويكثر من العقاب ضد المحكومين.
(3)القيادة الفوضويــة: يتصف هذا النوع من القيادة بالحرية المطلقة
لكل الأفراد،حيث يترك القائد أو الحاكم للجماعة حرية اتخاذ القرارات
ولا يشترك في المناقشة أو التنفيذ،ولا يميل الأعضاء إلى حب القائد
الفوضوي،ويتصف هذا النمط من القيادة بالخصائص التالية:
أ- تمثل القيادة الفوضوية،حرية مطلقة لكل فرد،ولا يتدخل القائد في
تنظيم مجرى الأمور،ولا يحاول التوجيه أو إبداء الرأي إلا إذا طلب
منه،وفي هذه الحالة تظهر الآراء المتضاربة والعمل الفردي الذي يغلب
عليه عدم الجدية،ويتحول معه النظام إلى فوضى.
ب- في هذه القيادة يكثر ضياع الوقت،وتظهر آثار التفكك الداخلي،وعدم
الاستقرار،وتتفشى ظاهرة العنف والجريمة.
ج- تتسم الآراء التي تتوصل إليها هذه القيادة بالسطحية،وهي حصيلة
الآراء الكثيرة المتضاربة في اتجاهاتها،فتكون الحصيلة أقل من الرأي
بسبب عدم تنسيق الآراء وتوجيهها نحو هدف واحد،وعدم تدخل الحاكم في هذا
التنسيق والتوجيه.
تطـور نظريــات القيـــادة:
أسفرت جهود علماء الاجتماع،عن وضع العديد من النظريات التي توصف
القيادة كظاهرة اجتماعية وتفسرها،وسنحاول فيما يلي استعراض تطور هذه
النظريات،وما أسفرت عنه الدراسات والتجارب المختلفة في هذا المجال:
أولا- نظرية الرجل العظيم: تعتبر هذه النظرية من أوائل النظريات
التي تناولت ظاهرة القيادة،وهي تفترض أن التغيرات في الحياة الجماعية
والاجتماعية،تتحقق عن طريق أفراد لديهم مواهب وقدرات غير عادية،ومن اشد
دعاة هذه النظرية المفكر"السير فرانسيس جالتون"وترى هذه النظرية أنه في
بعض الظروف قد يحدث القائد تغييرات في الجماعة قد يعجز عن إحداثها في
ظروف أخرى،فالقائد يستطيع أن يحدث تغييرا معينا حين تكون الجماعة
مستعدة لهذا التغيير،ولكنه قد يعجز عن إحداث هذا التغيير في فترة
أخرى،والتفسير في ذلك هو ليس في تغير القائد ولكنه في تغير الظروف
الاجتماعية.
ثانيا- نظرية السمات: تركزت البحوث الأولى في ظاهرة القيادة،على
مميزات القيادة من النواحي الجسمية أو العقلية أو السمات الشخصية،وقامت
نظرية السمات أول الأمر على أن القيادة سمة موحدة يتميز بها القادة
أينما وجدوا بصرف النظر عن نوع القائد أو الموقف أو الثقافة،إلا أن هذه
النظرة لم تصمد أمام الواقع،ذلك أن أنواعا مختلفة من القيادة تنشأ في
الثقافة المختلفة.
وتشير نتائج البحوث والدراسات النفسية،إلى أنه ليست هناك سمة عامة
أو دلائل موحدة تفسر القيادة على أساس سمات معينة في كل
المجالات،والملاحظة الهامة في هذا الشأن،هي أن الفرق بين القائد
والأتباع فيما يتعلق بسمات القيادة،هو فرق في الدرجة وليس في النوع،وأن
الأهمية النسبية لهذه السمات تتوقف على طبيعة المواقف الاجتماعية التي
توجد فيها الجماعة والأهداف التي تسعى الجماعة لتحقيقها،وأن أهمية هذه
السمات تتغير على مر الزمن بالنسبة للجماعة.
ثالثا-النظرية الموقفية: ترتكز هذه النظرية على المنهج البيئي،وفي
ضوء هذه النظرية لا يمكن أن يظهر القائد إلا إذا تهيأت الظروف لاستخدام
مهارته،وتحقيق طموحاته،أي بمعنى أن ظهور القائد لا يتوقف على قوى
اجتماعية خارجية لا يملك إلا سيطرة جزئية عليها،أو لا يملك هذه
السيطرة،ويستند دعاة هذه النظرية الموقفية،إلى ما هو معروف من أن
الكثير من الأشخاص الموهوبين قد ولدوا إما مبكرا أو متأخرا عن أوقات
ولادتهم،فلم يتمكنوا من الظهور كقادة.
رابعا-النظرية الوظيفية: اهتمت البحوث في ظاهرة القيادة بدراسة
خصائص الجماعة والموقف الذي تقوم به القيادة،بدلا من البحث عن سمات
معينة غير متغيرة في القادة،أي بمعنى أن البحث يهدف إلى الكشف عن أي
أعمال يتعين على الجماعة القيام بها في ظروف مختلفة،لتحقيق
أهدافها،وكيف يسهم مختلف أعضاء الجماعة في القيام بأعمالها،فالقيادة هي
القيام بتلك الأعمال التي تساعد الجماعة،على تحقيق أهدافها،وهي الأعمال
التي يمكن أن نسميها بالوظائف الجماعية،أي أن القيادة تشمل ما يقوم به
أعضاء الجماعة من أعمال تسهم في تحديد أهدافها ودفع الجماعة نحو هذه
الأهداف،وتحسين نوع التفاعل بين الأعضاء،وحفظ تماسك الجماعة أو توفير
المصادر المختلفة للجماعة،وهذا يعني أن القيادة يمكن أن يؤديها عضو
واحد ،أو أعضاء كثيرون من أعضاء الجماعة،وهي تتحدد من حيث الوظائف
والأشخاص القائمين بها طبقا للظروف التي تختلف من جماعة إلى
أخرى،فالقائد يؤثر في الجماعة ونشاطها،أكثر من الشخص العادي.
خامسا-النظرية التفاعلية: تقوم هذه النظرية على أساس التكامل بين
المتغيرات الرئيسية في القيادة،والتي تتمثل في شخصية القائد،الأتباع من
حيث اتجاهاتهم وحاجاتهم ومشكلاتهم،والجماعة نفسها، من حيث بناء
العلاقات بين أفرادها وخصائصها بالإضافة إلى المواقف،كما تحددها
العوامل الفيزيقية وطبيعة العمل.
والحقيقة انه ليس مهم في علاقات القيادة تلك المتغيرات في حد
ذاتها،ولكن المهم هو إدراك القائد لنفسه،وإدراك الآخرين له،وإدراك
القائد لهؤلاء الآخرين،والإدراك المشترك بين القائد والآخرين للجماعة
وللموقف،حيث إن مضمون هذه النظرية هو أن القيادة موقفية بالنسبة إلى
عمل الجماعة وهدفها وبناء الجماعة أو تنظيمها،وخصائص الأعضاء أي
اتجاهاتهم وحاجاتهم،ولذلك يتمثل في القائد العديد من صفات
الأتباع،وتوثيق العلاقة بينه وبينهم بحيث يصعب غالبا تحديد من هو الذي
يؤثر في الآخر،ومدى هذا التأثير،فالقائد يظل قائدا بالقدر الذي ينجح
فيه بالتعبير عن حاجات الأفراد وأهداف الجماعة.
ولا شك أن القيادة هي عملية تفاعل اجتماعي،فالقائد يجب أن يكون عضوا
في الجماعة يشاركها مشاكلها ومعاييرها وأهدافها وآمالها،ويوثق الصلة مع
أعضائها،ويتوقف انتخابه للقيادة على إدراك الأعضاء له كأنسب شخص للقيام
بمطالب هذا الدور الجماعي،وهي تتغير من موقف لآخر،ولهذا فالقيادة تتوقف
على الشخصية وعلى الموقف الاجتماعي،وعلى التفاعل بينهما.
تأثيـر القيادة في توجهات الجماعــة:
تلعب القيادة دورا أساسيا،في تحديد أهداف الجماعة،وفي وضع قيمها
ومعاييرها وثقافتها،كما تضع القيادة خطط النشاطات المختلفة
للجماعة،وبالطبع فالجماعة تغدو هامة لأنها هي التي تقبل القيادة أو
ترفضها،وعليه لا بد أن يعمل القائد على إشباع حاجتها،ففي بعض المواقف
قد تتطلب الجماعة قائدا يشعرها بالحب والحنان والدفء والأبوة وفي مواقف
أخرى،قد تصبح القيادة خطرا يهدد حياة الجماعة،فتتطلب قائد حازم ولو كان
عدوانيا،وعلى ذلك فإنه لمعرفة القائد ونوعيته،يجب تحديد الحاجات
المادية والاجتماعية والسيكولوجية للجماعة.
وتظهر القيادة تلقائيا بين الجماعات عندما يميل التأثير في الجماعة
على الاستقرار في يد شخص معين أو عدد قليل من الأشخاص،ولا يبقى التأثير
مشتتا بين جميع أعضاء الجماعة،وكلما زاد حكم الجماعة وتشعبت
وظائفها،كلما ظهرت الحاجة إلى وجود عدد كبير من القادة الذين ينظمون
شكلا هرميا للقيادة،بحيث يكون في أعلى هذا الهرم القائد الأول،ثم يليه
طبقات أخرى من القادة في المرتبة الثانية والثالثة،وهكذا حتى ينتهي
الهرم بالقاعدة،حيث يوجد فيها الأتباع،كما وتعتبر القيادة ضرورية
بالنسبة إلى تكوين الجماعات ولاستمرار بقائها.
الصفات الذاتيــة للقائــد :
أظهرت البحوث والدراسات النفسية،بأن هناك عدة صفات ضرورية ينبغي
توافرها في شخص القائد هي:
1-الطاقة الجسمية والعصبية:تؤكد الدراسات النفسية الخاصة ببحث ظاهرة
القيادة،بأن سر نجاح القائد ينحصر بالأساس على تملكه حصيلة غير عادية
من الطاقة الجسدية والعصبية،التي تعتبر ضرورية للسيادة الشخصية،إذ أن
الأشخاص الذين يرتقون ويتسامون في المراتب القيادية،لا بد أن تتوافر
لهم قوة دافعة وقوة احتمال مع نشاط مطلق للجسم والعقل بأكثر مما يتوافر
لغيرهم من الناس في المستوى العادي، فنشاط القائدة يولد ويذكي النشاط
في مرءوسيه التابعين له،وتوافر القوة المنشطة في القائد،تجعله تواقا
للعمل من أجل أهداف لها أهميتها،وأن من المفيد حقا أن يبدو القائد نشطا
ومعافى،فلا شك بأن لغزارة النشاط قيمة يجب الإشارة لها،فالقدرة على
المثابرة في مواجهة العوامل المثبطة للهمة،والمسببة لخيبة الأمل، وتملك
الشجاعة لمواجهة المعارضة القوية صفتان تدلان على القائد الناجح.
2-الاندفاع والحماس والشغف بالعمل:ويعني ذلك أنه لا بد أن يتوافر
للقائد،مزيدا من العاطفة أو الانفعال الدينمائي المليء بالأمل مع عزيمة
للكسب،ومع شعور غزير حافل بالسرور في العمل،ويعتبر هذا إسهام ضروري له
أهميته بسبب أنه تدعيم للنفس،ومن غير الممكن أن يزيف إلى ابعد من نقطة
محدودة،فإن أصالته سرعان ما تكون ملموسة ومحسوسة.
وعندما تتوافر للقائد قوة حقيقية ونشاط فعلي في الجانب العقلي،فإن
هذا الاندفاع أو الحمية يكون هو النتيجة الطبيعية المتولدة،ولكن هذا لا
يعني بأن الاندفاع لا يمكن أن يزداد تبصريا وتأمليا،بل أنه يعني أن
إيجاده وخلقه حقيقة مستمدة ومستخلصة،وان السرور العاطفي اللازم لحث
الآخرين،إنما هو يأتي من ينابيع النشاط الكبير ومن الحصيلة الثقافية.
3-الشعور بالهدف وبالاتجاه: إن الصفة الثالثة التي يجب توافرها في
كل قائد،هو الشعور القوي بالهدف أو الغرض و الاتجاه،والقائد هو الشخص
الذي يعرف عن اقتناع ماذا يريد أن يتم وأن ينفذ،وإلى أين يريد أن
يذهب،ولا شك أن الرجل الذي يعرف أين يسير،لا بد أن يصل إلى هدفه،وهذا
يعني أنه تتوافر له المعرفة بوضوح وإحكام لأغراضه مما يمكن معه التيقن
من أنها تتبع الطريق الذي يؤدي إلى تحقيقها،ولكي يكون لاكتمال الهدف
فعاليته،يجب أن تكون الأهداف المطلوب تحقيقها محددة، وصالحة للانتقال
والتداول مع الآخرين،ويمكن أن تلفت أنظارهم،وينشأ الغرض،ويبدو القصد من
خلال إحدى الوسائل التالية:
أ-أن يأتي الهدف عن الجماعة،ويتم اختيار من يتولى التوجيه على ان
يكون(القائد)هو الذي يتولى القيادة لإدراك هذا الهدف وتحقيقه للجماعة.
ب-أن يأتي الهدف جزئيا،وتتوافر للقائد مهما كانت طريقة اختياره
الفرصة لتوسيع مدى الهدف وإخصابه.
ج-أن يكون القائد قد صاغ الهدف إلى حد بعيد،ومن ثم يتولى القيادة
تبعا لقدرته على جمع الآخرين للعمل لتحقيق هذا الهدف.
4-الذكاء أو الحذق:يعتبر عامل الذكاء ودوره في الشخصية
الإنسانية،عاملا فطريا موروثا،ويقصد بالذكاء هنا،الطاقة أو القدرة على
تحديد المطلوب بدقة فائقة،والقدرة على التصرف السليم،وتحسس العلاقات
والمطابقات بين الأشياء بسرعة،وأن يتم الجمع بين هذه وتلك،والخروج من
التجارب الماضية بالعوامل التي تساعد على إلقاء الضوء على الصعوبات
الحالية،فالذكاء أو الحذق،هو القدرة على تقييم المواقف بسرعة
ورؤية،أهميتها في الكيان الكامل للتجربة الماضية والتجربة الحالية.
ولا شك أن توفر القدر الكافي من الذكاء والقدرة على حسن التصرف في
المواقف المختلفة،يعتبر أهم صفة يجب مراعاتها في اختيار القادة،إذ أن
الذكاء هو أساس التعامل الاجتماعي،وهو الذي يساعد على إدراك جوانب
المشكلات وحلها حلولا موضوعية.
5-التكامل:عندما تختار الجماعة قائدها،تريده أن يتصف
بالتكامل،والتكامل هنا يعني الصحة والسلامة والاستقامة والنزاهة وطهارة
الذمة،فالناس يريدون أن يشعروا بأن مصالحهم مصونة بين يدي القائد،وأنه
لن يخونهم،ولن ينفض يديه منهم،إنهم يريدون أن يثقوا بأنه لم يسيء لهم
ولا أن يجرح مشاعرهم من ناحية الصلاحية،بأن يقوم بسلوك لا يليق بالمركز
الذي هو فيه أو يتناقض مع الاحترام الذي له،إنهم يريدون أن يحسوا بشعور
التضامن والأمانة والوثوق،ومن ثم فإنه يستحق أن يقال بأنه"ينفذ
وعوده"التي قطعها لمن وضعوا فيه الثقة،وباختصار فإنهم يريدون من قائدهم
أن يتصف بالكمال والتكامل.
6-القدرة على البت في الأمور:يجب على القائد،أن يحقق بعض
النتائج،فمن الضروري أن يتوافر العمل،وان يتم تنفيذ هذا العمل،وينبغي
عليه أن يدرك الغرض الذي تسعى إليه المجموعة،وأن يكون هذا الإدراك
محسوسا،وهذا المسألة حيوية،وواجب القائد أن يكمل وأن يتم عدة صور
انتقالية،فيقطع التردد والحيرة بالبت،ويبدل من عدم المبالاة إلى ولاء
وشغف بالعمل،ويترجم الشك في الإمكانيات إلى ترجح نحو الحقيقة والأمر
الواقع.
إن عملية البت في الأمور في أفضل صورها من الناحية النفسية،هي دليل
له وزنه،فهي تصور النتائج المتبادلة المتعاقبة،كما أن تقدم الاختيار
للاتجاه الذي يريد الفرد أن يسلكه،وصواب الرأي والشجاعة في مواجهة
الصعوبات هي من أهم الصفات في هذا المجال.
7-الإعلام:يجب على القائد أن يلعب دورا هاما،كرجل إعلام في
الجماعة،بمعنى أن يطلع الأتباع على الحقائق والأمور التي لا
يعرفونها،فعن طريقه تصل المعلومات إلى الجماعة،وتنقل المعلومات منها
إلى الجماعات الأخرى.
8-التقبل والاعتراف المتبادل بين القائد والأتباع:يجب على القائد أن
يعبر على هذا التقبل والاعتراف،ويحافظ على العلاقات الوطيدة بينه وبين
أتباعه،ويراعي مشاعر الآخرين،وان يترجم هذا كله سلوكيا.
9-التوافق النفسي الاجتماعي:من الضروري أن يتوافر التوافق النفسي
الاجتماعي في سلوك القائد،إذ يرتبط في ذلك الثبات والرزانة،وعدم التأثر
بالنقد،وتقبله بروح طيبة،والاستفادة منه،والاعتراف بالخطأ والمبادرة
إلى إصلاحه.
10-يجب أن يتصف القائد بصفة العضوية في الجماعة:ولا يمكن أن يكون
شخصا متفرجا خارجا عليها،ولا بد أن يتوفر لديه نمط الاتجاهات والميول
الشائعة في الجماعة.
المواصفات الضرورية للقائـــد:
حددت الدراسات النفسية عدة مواصفات أو خصائص رئيسية،يجب أن تتوافر
في شخصية القائد،نذكر منها:
1-التمايز:تعتبر صفة"التمايز"من أهم الصفات التي ينبغي أن تتصف بها
شخصية القائد عن غيرها من الشخصيات،ويقصد بالتمايز هنا،التمايز العقلي
والخلقي،والقدرة البارزة على التأثير والدفع والتوجيه، كما يجب أن
يتمايز القائد بذكاء نادر و وخلق عال وقدرة على الخطابة والكتابة بصورة
تحرك تابعيه بشيء من القوة كما يجب أن يتمايز القائد بالمقدرة على
الاعتماد على النفس في وضع الخطط وتنفيذها،ولا يعنيه ذا أنه يقوم بنفسه
بعمل كل شيء،وإنما تكون لديه القدرة على ذلك، فهذا مما يسهل مهمته في
قيادة تابعيه.
2-قوة الإرادة:ويعني ذلك أنه يجب أن توافر لدى القائد إرادة قوية
إزاء ما يتخذه من قرارات وأحكام،وهذا يتطلب منه إيمانا بنفسه واقتناعا
بقوته،بحيث يتوقع لنفسه النجاح، يما يرسمه وما يتخذه من خطط،وأهم ما في
هذه الصفة هو الثقة بالنفس،والاقتناع التام بصواب اتجاهاتها.
3-تمثيل فكرة الجماعة:من الطبيعي أن تكون أفكار القائد هي تمثيل
لأفكار تابعيه،فقد كان زعماء الثورة الفرنسية(مثلا)قد تبنوا أفكار
الثوار الفرنسيين،وعملوا على تحقيق أمانيهم في الوصول إلى المساواة
والحرية والإخاء،ومعنى هذا انه كان هناك تجاوب بين زعماء الثورة
وتابعيهم(الثوار) والخلاصة،انه عندما ترى الجماعة في قائدها ما تراه في
نفسها من آمال وطموحات،فإنها تسير خلفه طائعة مستسلمة،والشرط الأساسي
في هذا المجال،أن يكون هناك تجاوب بين القائد وتابعيه.
4-التضحية الكاملة: لكي يصبح القائد ناجحا،يجب أن تتساوى
عنده كل الاعتبارات،باستثناء اعتبار الصالح العام،وهذا يعني أن القائد
يجب عليه أن يعلو فوق الاعتبارات الطائفية،وفوق علاقات القرابة أو صلة
الرحم والصداقة،وفوق المصالح الذاتية،ويذهب علماء الدين وقادة العلم في
التضحية إلى ابعد من هذا،حتى تصبح التضحية بالنفس من جانبهم أمرا سهلا
في سبيل تحقيق الأهداف العامة.
ظاهـــرة الرئاســــة:
تقوم ظاهرة الرئاسة نتيجة لنظام،وليس نتيجة للاعتراف التلقائي من
طرف الأفراد بمساهمة الشخص في تحقيق أهداف الجماعة،ويختار الرئيس الهدف
طبقا لمصالحه،أي بمعنى لا تحدده الجماعة نفسها،وتتميز الرئاسة بمشاعر
مشتركة قليلة أو عمل مشترك ضئيل تحقيقا للهدف المعين.
ولا شك أنه يوجد تباعد اجتماعي كبير بين الرئيس وأعضاء الجماعة حيث
يحاول الأول الاحتفاظ به كوسيلة لارغام الجماعة على تحقيق مصالحه،ولعل
أهم فرق هو في مصدر السلطة،فسلطة القائد يخلعها عليه تلقائيا أفراد
الجماعة،أما سلطة الرئيس،فهي مستمدة من سلطة خارج الجماعة،ومن الصعب
وصف الأفراد في هذه الحالة بأنهم تابعون،حيث أنهم يقبلون سلطته خوفا من
عقابه،وعلى كل حال فإن النظم الإدارية الحديثة،تميل إلى التقريب بين
نظام القيادة والرئاسة بحيث يصبح الرئيس قائدا.
مفهوم القيـــادة الجماعيــــة:
يقصد بمفهوم القيادة الجماعية،أن كل فرد في الجماعة،يشعر بانه من
الممكن له أن يجد نفسه في بعض الأوقات قائدا أو موجها للمجموعة،فيعمل
على توضيح الهدف،وتحسين الوسائل التي تؤدي إلى تحقيقه،إذا أمكن كشف
مواهب الأفراد،واستخدام هذه المواهب في صالح المجموع،ولا شك أن ذلك
يزيد في كفاءة الجماعة،وقدرتها أكثر مما لو اعتمدت على قائد واحد مهما
بلغت قدراته خصوصا إذا تمكنت المجموعة من تنسيق جهودها وتعاونت لتسير
في اتجاه واحد نحو تحقيق الهدف المشترك، ويعرف بعض الباحثين القيادة
الجماعية،بأنه:
"1-عملية توزيع المسؤوليات بين أفراد الجماعة،بحيث تنطلق الطاقات
الكامنة عندهم من عقالها،وينفسح المجال أمام الجميع للابتكار،وحل
المشكلات
2- تعمل على تحقيق(أي القيادة الجماعية) الأهداف التي تسعى الجماعة
لتحقيقها،كما تعمل على صيانة كيان الجماعة نفسها،وتقويتها مما يضمن لها
الاستمرار في التقدم،وهذا يتطلب توضيح الأهداف،ووضع الخطط،والوصول
إليها،والعمل المشترك لحل المشكلات التي تعترض طريق التنفيذ،ثم تقويم
الخطوات التي تتم لتحسين أساليب التنفيذ.
3- توزيع الوظائف والمسؤوليات بين أعضاء الجماعة،بحيث تحدد الأدوار
التي يقوم بها الأفراد أو الجماعات الداخلية،وهذا لا يمنع من إعادة
النظر من حين لآخر في التوزيع والتحديد كلما دعا الأمر ذلك،وفي مجال
توزيع الأدوار والمسؤوليات،يصبح من الضروري استكشاف مواهب
الأفراد،والتعرف على المجالات التي يجيدون العمل فيها،وبحيث يعطي لكل
فرد ولكل جماعة نوع العمل المناسب، والهدف لأساسي من وراء ذلك،هو تنظيم
الجماعة واستقرار القيادة الجماعية.
4- القيادة الجماعية هي روح جديدة،واتجاه جديد في التكوين النفسي
الاجتماعي للأفراد،لذا يجب تصفية النفوس من آثار النزعات الفردية
والاتجاهات الاستبدادية أو الفوضوية،فالفرد الذي تعود السلطة
الاستبدادية،يصعب عليه أن يتنازل بسهولة عنها ليسير في ركب القيادة
الجماعية،والفرد الذي تعود الاتكال والقاء المسؤولية على الآخرين وآثر
السلبية إزاء الجماعة،يصعب عليه أيضا،ان ينتظم في ركب القيادة
الجماعية،ومن هنا تبرز الحاجة إلى تدريب هؤلاء الأفراد كي يروضوا
أنفسهم،ويعيدوا تشكيل شخصياتهم وأساليب سلوكهم من جديد،من حيث نظرتهم
لأنفسهم ونظرتهم إلى الآخرين.
5- إن التدريب على القيادة الجماعية بالممارسة والتعليم،يساعد على
تكوين صفات أخرى تساعد على نجاح القيادة،كالقدرة على التصرف في المواقف
المختلفة بالاعتماد على الخبرات والتجارب السابقة،والإلمام بجوانب
العمل وصعوباته،واكتساب البصيرة في فهم الأمور والتصرف فيها،كما يساعد
التدريب على اكتساب المواهب للأفراد وتوجيههم،للإسهام في العمل الجماعي
بما يلائم هذه المواهب،بالإضافة إلى إدراك مطالب المجتمع وتخطيط
الاحتياجات حسب أولوياتها،والاستجابة لهذه المطالب بما يناسب الظروف
المختلفة.
6- تهدف القيادة الجماعية إلى نشر الوعي بين الناس،لفهم مبادئ
القيادة الجماعية وفلسفتها،حتى يتخلصوا من الخضوع والإذلال ومن التكاسل
والاتكال،وتنمية الدافع إلى العمل الجماعي،والإقدام على الاشتراك في
الأعمال التعاونية،وهي ترمي أيضا،إلى تعود الناس على الإنتاج والتضحية
والبذل من أجل الجماعة،ففي ذلك خير ومنفعة تعود عليهم في المستقبل،ويجب
أن يدركوا أن هذه المنفعة العامة الآجلة،هي أهم من المنافع الشخصية
العاجلة،التي غالبا ما تتعارض والمصلحة العامة".
تأثــر القيادة الجماعية بالتربية:
مما لا شك فيه،بأن المدرسة تعمل على تربية الروح الجماعية لدى الطفل
عن طريق أوجه النشاط المختلفة،داخل القسم وخارجه،ففرق الكشافة والأشبال
والفرق الرياضية وسائر الجمعيات الفنية والعلمية والأدبية،إنما تيسر
أنواع الترابط بين الأطفال في صغرهم،ويجعلهم يتدربون على وضع أهداف
لهم،كما تدربهم على التعاون من أجل تحقيق هذه الأهداف،فيعود بذلك الخير
على كل المشتركين فيها.
إن سلبية التلميذ واستماعه كل الوقت لمعلمه،وهو يشرح دون مشاركته
الفعالة في القيام بنشاط إيجابي إنما تخلق منه شخصية انطوائية
مستسلمة،وإذا كانت فاعلية التلميذ عاملا مهما في تعلمه،وفي مجابهته
لمواقف حقيقية يشارك غيره في حلها،ففي هذه الحالة سنخلق منه شخصا
إيجابيا ذا عقلية اجتماعية، وعليه فإن هناك مجموعة من القيم يجب ان
تتحقق في العملية التعليمية نذكر منها ما يلي:
1- فتح المجال أمام التلميذ للمشاركة مع غيره في وضع أهداف مشتركة
للنشاط الذي سيقوم به بالتعاون مع غيره من أجل مصلحة الجماعة.
2- تدريب كل تلميذ على طريقة المناقشة الحرة،والتدرب على احترام
آراء غيره مع نقدها وبيان محاسنها ومعانيها،وكيف يدعم رأيه بالحقائق
والأسانيد،وتطبيق الأسلوب العلمي في التفكير في إقناع غيره بوجهة نظره
أو يقتنع هو بوجهة نظر غيره.
3- أن يتدرب كل تلميذ وهو يشارك غيره،كيف يضع خطة للعمل لتحقيق
الأهداف التي رسمتها الجماعة.
4- أن يشارك كل تلميذ في عملية توزيع العمل،بحيث يراعي في هذا
التوزيع المصلحة العامة،ويؤدي كل فرد ما يستطيع القيام به،ويبذل ما
يمكن من جهد ومن كفاية من أجل تحقيق هدف الجماعة،وأن يوزع العمل بحيث
يستفاد فيه من استعدادات كل فرد وقدراته الخاصة،وفي هذه الحالة تتدرب
الجماعة على احترام المزايا الفردية،كما يتدرب كل تلميذ على تكييف
مزاياه في خدمة الجماعة.
5- أن يدرب كل تلميذ على عملية النقد الذاتي في أثناء سير
العمل،فيستطيع بذلك أن يتبين مدى تحقيق الأهداف في أثناء محاولة
تنفيذها،وفي نفس الوقت،يكون عنده من المرونة ما يجعله قادرا على تشكيل
نفسه من جديد لما يحتاجه الموقف من تعديل،وفهم محاسن العملية التي
يشارك فيها،كما يحس بعيوبها،وهذا كله،كي يسعى لتنمية المحاسن وتلافي
العيوب بعقلية موضوعية.
مبادئ العمـل الاجتمـاعي:
يقصد بالعمل الاجتماعي الإسهام السلوكي للفرد في كافة المواقف التي
تمر به ويمر بها،فالسلوك القومي الوحدوي،في ضوء ذلك هو مجموعة المثيرات
والاستجابات التي ينفعل لها المواطن العربي،ويتفاعل معها في إطار
مفاهيم أيديولوجية عربية،هي في الحقيقة مبادئ يحيا ويعمل على هداها،ولا
شك أن مبدأ القيادة الجماعية المتعاونة يهدف بالأساس،إلى جعل سلوك
المواطن سلوكا جماعيا،ولا نعني بالسلوك الجماعي القومي الوحدوي،فقدان
المواطن لذاتيته،وإنما نقصد بذلك أن يفكر المواطن بعقلية الجماعة،وان
يسلك أيضا في ضوء انعكاساتها عليه.
وإذا كان السلوك الجماعي،يعتمد في نشوئه على وجود الفرد في
الجماعة،حتى يستطيع أن يتأثر بها ويتفاعل معها،ويتكيف لسلوكها
الاجتماعي،فلا يعني من وراء ذلك،أن الفرد لا يستطيع أن يسلك سلوكا
جماعيا إلا في وجوده مع الجماعة،وإنما غاية الحياة الجماعية،أن يسلك
الفرد سلوكا جماعيا،حتى ولو اختفت الجماعة من حياته،وعليه فإن السلوك
الجماعي الواعي،يعتمد على الجماعة،كأداة إعداد لخلقه وتنشئته لا كأداة
ضاغطة.
الحرب النفسية.. وتأثيراتها على
العـقل والسلـوك الجـمعي..
د. زياد الخالد
تعتبر الحرب النفسية من أخطر أنواع الحروب الموجهة ضد الإنسان،فهي
تستهدف في الإنسان عقله وتفكيره وقلبه،لكي تحطم روحه المعنوية،وتقضي
على إرادة المواجهة لديه وتقوده نحو الهزيمة والاستسلام.والحرب النفسية
لا تستهدف فقط التأثير على السلوك الاجتماعي للفرد او الجماعة،والعوامل
المؤثرة في شخصيته فحسب،بل أنها تستهدف كسب الرأي العام العالمي
أيضا(1)،وذلك وفقا لقاعدة سيكولوجية مكملة للعمل العسكري والاقتصادي
والسياسي،عبر استخدام أساليب دعائية نفسية ترمي الى التأثير على كل
سلوك الدول،وإحداث تغييرات في مواقفها وأيديولوجيتها.
كما تعتبر الحرب النفسية من أخطر الحروب التي تواجه الحركات الثورية
والإصلاحية في كل زمان ومكان،فهي تحاول أن تصيب الأفكار والتعاليم
الناهضة،وتحول بينها وبين الوصول إلى العقول،والرسوخ في القلب.وهي تعمل
على بذر بذور الفرقة والانقسام بين أبناء الشعب أو المجتمع الواحد،وتضع
العقبات أمام مسيرة التقدم والتطور،وتعمل في الظلام،وتطعن من الخلف،كما
تلجأ(الحرب النفسية)إلى تشويش الأفكار،وخلق الأقاويل والإشاعات
المغرضة،ونشر الإرهاب،واتباع وسائل الترغيب والترهيب،مما يجعل هذه
الحرب أشد خطورة من حرب المواجهة العسكرية في ميادين القتال(2).
لقد جاءت فكرة هذه الدراسة"الهادفة"كمحاولة لتسليط الضوء على طبيعة
الحرب النفسية وأخطارها،وأهدافها،وميادينها ووسائلها وادواتها الرئيسية
التي تعتمد عليها،والتي تنحصر بصفة أساسية في عملية غسيل
الدماغ،والدعاية والإشاعة،وتأثيرها على الإنسان والمجتمع
العربي،والتعرف على كيفية مقاومتها والحد من تأثيرها على
المجتمع.وغايتنا في ذلك تقديم مساهمة فكرية متواضعة للقارئ
العربي،ليكون على بينة ودراية لطبيعة هذه الحرب الخبيثة،وتلافي
انعكاساتها السلبية التي تمس القلب والعقل.
مفهوم الحرب النفسية:
يمكن تعريف الحرب النفسية ومفهومها بأنها"وضع الأمور والشؤون
السياسية والعسكرية والاقتصادية والعقائدية التي خطط لها،وموضع التنفيذ
الفعلي بهدف التأثير على الآراء والمواقف ووجهات النظر والسلوكيات في
هدف معين.."(2)ولكن بالرغم من ذلك،فإن من الصعوبة بمكان تفهم بدقة
ماهية الحرب النفسية ومدلولاتها التي اتسعت في عصرنا الحاضر،وخاصة بعد
التطور الهائل في جميع فروع المعرفة الإنسانية،وبالرغم من هذه الصعوبة
التي تواجهنا لدى تعريف الحرب النفسية،من جراء المجموعة الكبيرة من
المصطلحات التي شاعت عن الصراع الأيديولوجي الذي يسود العالم اليوم،فقد
وجدنا أن هناك ما يمكن تسميته"معركة الكلمة"و"معركة
المعتقد"(3).وتستخدم الحرب النفسية الدعاية ضد"الخصم"بالإضافة إلى
استخدام وسائل أخرى لها طابع النشاط الحربي أو الاقتصادي أو السياسي
على النحو الذي يكون مكملاً لنشاط الدعاية،وإذا أخذنا بذلك،نجد أن
الحرب النفسية هي لوناً من النشاط الدعائي الذي استجد بعد الحرب
الكونية الثانية.
أدوات الحرب النفسية:
تستخدم الحرب النفسية أدوات ووسائل كثيرة لتحقيق أهدافها،وسنحاول في
هذا الحيز مناقشة أهم هذه الأدوات نظراً لخطورتها وتأثيرها على شخصية
الإنسان وهي(3):
أ-غسيل الدماغ
ب-الدعاية
ج-الإشاعة
1ـ غسيل الدماغ:
يقصد بعملية غسيل الدماغ(أي الحرب الدماغية)كل محاولة للسيطرة على
العقل البشري،وتوجيهه لغايات مرسومة،بعد أن يجرد من ذخيرته ومعلوماته
ومبادئه السابقة.كما تعني هذه العملية أية محاولة لتوجيه الفكر أو
العمل الإنساني ضد رغبة الفرد الحر أو ضد إرادته أو عقله،و يعتبر غسيل
الدماغ"أسلوب من أساليب التعامل النفسي يدور حول الشخصية الفردية،بمعنى
نقل الشخصية المتكاملة إلى حد التمزق العنيف بحيث يصير من الممكن
التلاعب بتلك الشخصية حتى تصبح أداة طيعة في أيدي المهيج أو خبير الفتن
والقلاقل.."(4).
ويمكن تعريف أسلوب"غسيل الدماغ"بأنه"إعادة تشكيل الفكر(thought
reform )وهو عملية تغيير الاتجاهات النفسية(5)،بحيث يتم هذا التغيير
بطريقة التفجير،وإنه عملية إعادة تعليم،وهو عملية تحويل الإيمان أو
العقيدة كفر بها..ثم الإيمان بنقيضها".كما أن أسلوب غسيل الدماغ
هو"عملية إعادة البناء الفكري للإنسان من خلال تغيير شخصيته عن طريق
أساليب فسيولوجية ونفسية"(6).أما علاقة الحرب النفسية بعملية غسيل
الدماغ،فإن غسيل الدماغ ما هو إلا وسيلة أو أداة للحرب النفسية وليست
الحرب النفسية ذاتها،إذ ان غرض الأخيرة هو إعادة تشكيل الفكر عند
الإنسان المطلوب استخدامه لغايات سياسية أو غيرها،وهو لا يوافق عليها
قبل خضوعه لهذه العملية.
ولا يخفى ان،الترهيب والتحقير المنظم الذي يتعرضله الإنسان يسلبه
شخصيته،وأن التجويع ومواجهة الأخطار يمكن أن يجعل الإنسان عبداً لمضطهد
يه..وعندما ينتهي التعذيب،فإن البقايا البالية من شخصيته يمكن أن تكون
في النهاية رجلاً شبيهاً بجلاد يه..
أساليب غسيل الدماغ:
تختلف الأساليب المتبعة في عملية غسيل الدماغ للفرد باختلاف الفرد
نفسه وشخصيته،وباختلاف الظروف وأهمية القضية،كما تختلف تبعاً لكفاءة
الأشخاص الموكل إليهم هذا العمل.ولكن على الرغم من وجود بعض الفروق بين
البلدان فيما يخص عملية غسل الدماغ،فإن هذه العملية تتم عن طريق
استخدام إجراءات ووسائل كثيرة أهمها(7):
1-عزل الفرد(المعني)اجتماعياً:
ويمثل ذلك في عزل او قطع هذا الانسان عن الحياة العامة من خلال الزج
به في زنزانة انفرادية بعيداً عن كل معارفه،وعن كل مصادر
المعلومات(الإذاعة،التلفزة،الصحافة،الكتب..الخ)وصور الحياة الأخرى،حتى
يشعر أنه اصبح وحيداً في هذا العالم،مما يجعله ينقاد لمحاكميه أو
مستجوبيه،مسلوب الإرادة،وأكثر من هذا يتم التوقف عن مناداته
باسمه..وتبدأ بمناداته برقم معين.
2-الضغط الجسدي:
ويعني حرمان الإنسان من النوم والطعام والشراب،إلى تصفيده بالأغلال
والسلاسل، واستغلال مؤثرات الجو والجوع والتعب والألم والأساليب
الأخرى،واستخدام العقاقير المخدرة التي تضعف قدرته على التحكم بإرادته
التامة،وأنه عرضة للإعلام..وتشكيكه في أصدقائه والجماعات التي ينتمي
إليها، بحيث يكون عقله قابلاً لتقبل أي توجيه من المستجوب،ويصبح أكثر
قابلية لتقبل الإيحاء،وأكثر استعداداً لتنفيذ تعليمات الذين يطلبون منه
أن يسلك سلوكاً معيناً.
3-التهديد وأعمال العنف:
ويتمثل ذلك في ربط السجين بشدة إلى أسفل،بحيث لا يستطيع الحراك،ثم
يوضع حجر ثقيل فوقه،ويترك هكذا لمدة طويلة،أو أن يوحى إليه عن طريق شخص
آخر غير المحقق أن الذي لم يتعاون مع المحققين يتم إعدامه..أو أن يوضع
عدد من الأسرى في زنزانة واحدة،وعندما يعود أحد الزملاء مخضباً بدمائه
كقطعة من اللحم،أو أن تعاد ملابسه في لفافة صغيرة،يكون هذا كافياً
للآخرين،كصورة من التهديد الغير مباشر..أو أن يوضع الفرد في غرفة على
شكل إناء كبير ثم يوثق بداخل الإناء بحيث لا يستطيع الحراك،يم يصب
الماء ببطيء حتى يصل مستوى الماء إلى طرف أنفه..ثم تكرر هذه التجربة
لفترات طويلة قد تصل إلى شهر أو أكثر.
4-السيطرة الكاملة على كيان الفرد:
ويعني ذلك التحكم الكامل في كيان الفرد ووجوده،والتحكم في كل
تصرفاته حتى قضاء الحوائج الخاصة،تحكماً يغطي جميع ساعات يقظته
ونومه،والهدف من وراء ذلك،وضع السجين تحت مضايقة سيكولوجية مستمرة
لإفهامه أن سجانيه هم وحدهم القادرون على كل شيء.
5-الضياع والشك:
في هذه المرحلة يترك الفرد(السجين)فترة طويلة من الوقت دون توجيه أو
تهمة محددة إليه،ثم تأكيد أنه يعلم تمام العلم طبيعة الجرائم التي
ارتكبها،ثم يطلب إليه الاعتراف السريع،فهو لا يستطيع الدفاع عن
نفسه،لأنه يجهل الاتهامات ضده..ولا يستطيع أن يرجئ طلبات سجانيه.
6-التعذيب:
يتعرض الشخص لشتى أنواع التعذيب العقلي والبدني مثل:الإذلال
والضغط،التحقير الشخصي ،الإنهاك الجسدي،حيث يبدأ الفرد المعني بالضعف
بسبب ،تخطيط الطعام له بهدف ضمان الفقد السريع للوزن والقوة والتحمل
إلى درجة أن المجهود الذهني يصبح عسيراً،ويزيد تقطع النوم من سرعة
الإنهاك.
7-الاعتذار والإكرام للفرد
ويأتي ذلك بعد الشدة واللين والهوادة،وإجراء المقابلات الشخصية
ومحاولات الإقناع.
8-مرحلة الاعتراف النهائي:
في هذه المرحلة يحدث تغيير في مفهوم الذات لدى السجين،ويتم محو
الأفكار المراد محوها،ثم تقدم الأفكار الجديدة ويحمل الفرد،ويشجع على
تعلم معايير سلوكية جديدة وأدوار اجتماعية جديدة،ويتم تحويل الفرد إلى
شخص آخر جديد وتشتمل طبيعة العمليات السيكولوجية المستخدمة عملية غسيل
الدماغ على مايلي:(8)
أ-التقمص:حيث يتقمص الفرد عادة شخصية ابرز الأشخاص الذين يتولون
استجوابه.
ب-هبوط المقدرة الفكرية:ويتم ذلك نتيجة الإجهاد الجسدي والنفسي.
ج-عدم إمكانية التلاؤم كنتيجة للعزل الطويل:فقليل من الناس هم الذين
يستطيعون تحمل العزل الطويل دون المعاناة من نتائج فكرية وعاطفية خطيرة
وسيئة،كما يسهم الارتباك اللاحق للعزل الطويل في عملية تليين السجين
وتطويعه.
د-الإيحـــاء:ويلعب الإيحاء دوراً أساسيا في معاونة الأسير على
تلوين اعترافاته وخصوصاً أنه لم يعد قادراً على التمييز بين أفعاله هو
والأفعال التي أوحيت إليه عن طريق مستجوبيه.
هـ-التكـرار:يكرر على السجين مرة بعد أخرى بأنه مذنب،بالإضافة إلى
إخضاعه لعمليات تكرارية للمبادئ الماركسية فإن الأسير عادة يميل إلى
درجة كبيرة من التقبل.
و-الشعور بالذنب
ي-تدمير الذات:حيث أن عملية الإذلال والتحقير التي يخضع لها السجين
تؤدي به إلى التقليل من شأن نفسه،وتبدو هذه العملية أكثر تحطيماً
للنفس،كلما كان للشخص أهمية أو جاه أو سلطة من قبل،وهو يقارن بين ضعفه
وعجزه وسطوة وجبروت مستجوبيه،إن تحطيم الذات الذي ينتج عن ذلك،يؤثر
بشكل خطير جداً على درجة مقاومة الفرد لعملية غسيل الدماغ.
ز-تناوب امتزاج الخوف والأمل:يحرص السجانون برغم القسوة والوحشية
التي يعاملون بها السجين أن يظل الأخير يراوده الشعور بالأمل في حياة
أفضل اذ هو أذعن لهم.
الحرب النفسية..والمعنويات:
يستطيع الفرد عن طريق معرفته الفطرية بنفسه،أن يدرك ما فيه من قوة
جبارة يستطيع بها مواجهة أشد الصعاب،فالذي يجعل الفرد يعمل حتى نسيان
الإحساس بالألم هو الوقود النفسي،والذي يجعله يقتحم الأهوال وتحدي
الأخطار هو الوقود النفسي،وهذا الوقود يتمثل في"المعنويات"(9)،وأن
الحرب النفسية أحرص ما تحرص على هدم أو تدمير هذه المعنويات في الإنسان
التي تمثل مصدر للطاقة،وهذا المنبع هو منابع القوة والإصرار على
الاحتمال..فلا غرابة أن تسمى الحرب النفسية باسم"حرب المعنويات"وتعتبر
المعنويات شيء أساسي لدى المقاتل العسكري،فالقوات المسلحة لها مصدران
للقوة:مصدر معنوي-ومصدر مادي،والمصدر المعنوي للقوة هو أهم بكثير من
المصدر المادي،ولإحراز النصر يجب توجيه ضربات نفسية قوية إلى
معنويات"الخصم(كما فعلت إسرائيل في حرب67-وحرب82)باعتبارها مصدر القوة
لديه،وأفضل سلاح لتوجيه الضربات النفسية"للخصم"هو الحرب النفسية،وأن
أعظم درجات المهارة هي تحطيم مقاومة "الخصم"دون قتال.
وتستهدف الحرب النفسية-كما أشرنا-عقل وتفكير وقلب الإنسان،وخاصة
الرجل المقاتل،بغرض تحطيم معنوياته والقضاء على رغبته وقدرته على
القتال(10)،حيث أن الأسلحة هي آخر وسائل الحرب النفسية،وإن أصح
استراتيجيات الحرب هي،أن تؤجل العمليات الحربية حتى تهيئ تحلل القوى
المعنوية "للخصم"إلى الضربة القاضية بسهولة ويسر،حيث أن من أضمن
الإستراتيجيات اليوم أن تدفع"بالخصم"إلى تحطيم نفسه أو انهزامه عن طريق
نفسه،لأن إخضاع دولة بالوسائل النفسية صار أرخص بكثير من إخضاعها بقوة
السلاح،وتستطيع الجيوش اليوم أن تنتصر بواسطة الحرب النفسية بأقل
الخسائر،إذا ما مهد لها علم النفس العسكري الطريق بإضعاف معنويات
الأعداء العسكريين والمدنيين،وبتقوية معنويات القوات الضاربة والجبهة
الداخلية.
إن الروح المعنوية العالية هي شرط أساسي حتى تؤدي أية منظمة
اجتماعية وظيفتها التي تكونت من أجلها،فمعنى وجود روح معنوية عالية في
جماعة ما،أن هذه الجماعة تؤدي عملها على الوجه الأكمل،وأن أفراد
الجماعة يؤدون واجباتهم أداءاً سليما كل فيما يخصه،كما أنهم يتعاونون
فيما بينهم تعاوناً وثيقاً،بحيث يتعاملون جميعاً كوحدة متماسكة أو
مترابطة وهناك عاملان أساسيان لا بد من توافرهما لقيام روح معنوية
عالية هما(11):
أ-قيام كل فرد من الجماعة بواجبه المنوط به.
ب-تعاون الأفراد الذين يكونون في الجماعة على أداء الواجب الكلي
للجماعة.
والشرط الأساسي هنا،أن تنبع هذه الروح من صميم الجماعة نفسها لا من
القوة المسيطرة عليها(12)،وتتمثل العلاقات الرئيسية للروح المعنوية
والعالية للمنظمة الاجتماعية في،وجود ميل يسود جميع أفراد الجماعة إلى
التماسك،واتجاه الجماعة إلى مقابلة الظروف والمواقف المختلفة الداخلية
التي يمكن أن تنشأ في نطاق الجماعة وتحدث صراعاً داخليا،بحيث ينتهي
الأمر إلى استعادة التماسك وروح الوحدة.وجود اتجاه نفسي لدى كل أفراد
الجماعة إلى الترحيب بالعمل والتزامل مع بقية أفراد الجماعة.واخيرا،فهم
أفراد الجماعة للأهداف والوظائف التي ترمي إليها وتؤديها الجماعة
كوحدة،ووجود اتجاهات نفسية إيجابية لديهم نحو هذه الأهداف
والوظائف،ونحو القيادة التي تتولى رئاسة الجماعة.ويمكن تعريف الروح
المعنوية بأنها"الحالة العقلية للفرد في وقت معين،وتحت تأثير ظروف
معينة"(13).فالفرد في وقت معين وتحت تأثير ظروف أخرى قد تجده متخاذلاَ
وفاقداً للنشاط،وهذا يعني أن حالة الإنسان العقلية هي التي تحركه في
هذا الوقت أو ذاك إلى السلوك المتسم بالقوة والضعف،أو بالسعادة أو
بالحزن،وهذه الحالة تسمى "الروح المعنوية"وتعتبر الروح المعنوية
العالية"من أهم عوامل النصر في الحروب.."(14)فهي الباعث الأساسي لإرادة
و القتال،وهي مستودع القوة والقدرة على مواجهة مشاق المعركة وأهوالها
والتغلب عليها والتصميم على إحراز النصر على "الخصم"مهما كانت
التضحيات،كذلك تعتبر الروح المعنوية العالية في وقت السلم من أهم
الدوافع إلى الإخلاص والإيجابية.وأن الحماسة في العمل في مجالات
الاستعداد والتدريب والحراسة وغيرها تعتبر من أسباب إعداد القوة التي
هي بلا شك مطلب حيوي للنصر في الحرب.
ويحتل العامل المعنوي مكاناً هاماً في التخطيط الاستراتيجي في كل
جيوش العالم،كما أصبح هدف تدمير الروح المعنوية للعدو،من أهم الأهداف
الاستراتيجية التي تسعى الجيوش المتصارعة إلى تحقيقها،فتضع الخطط
للضربات التي تستهدف تدمير المعنويات سواء بأعمال القتال أو بالحرب
النفسية(15).
ومهما يكن فأن معنويات الجماعة نوع من الدرع الواقي يحمي الفرد ضد
الضغوط الخارجية،بما في ذلك ضغوط كل وسائل الإعلام الجماهيري،وبالطبع
فإنه يتوافر لكل شخص من المعنويات الشخصية،حتى ولو كان يعيش في نطاق
ذاتيته وحدها،وهو يستمد هذا من وعيه القوي لذاتيته الشخصية وبالاتصالات
البيئية التي تحفظ له هذه الذاتية بل توجدها إلى حد بعيد.
ولهذا فإن الهدف الأول لأسلوب أي عملية لغسيل الدماغ"هو إزالة كلا
الحسين بوسائل مختلفة مثل:العزل الاجتماعي،أو بالتعذيب،أو
الإذلال،فالحرب النفسية هي إجراءات تهدف إلى شل إرادة"الخصم"وتحطيم
رغبته في القتال لثنيه وردعه بإيصاله إلى وضع لا يرى فيه أي أمل في
الاستمرار في المقاومة أو القتال.وتبقى الشخصية الإنسانية هي ميدان
الحرب النفسية،وأسلحة الحروب تتغير بينما الطبيعة البشرية لا تتغير،وأن
الأسلحة المادية ليست هي العامل الوحيد ولا الأول والأخير في كسب
الحرب..والحرب ليست مجرد سلاح ضد سلاح،وإنما الحرب إرادة ضد إرادة.
أهداف الحرب النفسية:
الحرب النفسية لا تعرف حالة الحرب أو حالة السلم،وسواء أكانت هناك
معارك حربية أو لم تكن فهي مستمرة في عملها على المستويين الداخلي
والخارجي معاً،لأنه في عصر أصبحت فيه الحرب بين العقائد
والأيديولوجيات،وانقسم فيه العالم إلى كتل ومعسكرات تتحرك كل كتلة منها
وفق أيديولوجية معينة،فإن الأمر بالنسبة لكل منها يعني أن
هناك"عدواً"متربصاً يجب محاربته وتحطيمه وتفنيد دعواه،ويلقي عليها في
نفس الوقت تبعة إعداد جبهتها الداخلية إعداداً يكفل لها التماسك في وجه
هذا العدو والعمل على القضاء عليه،ومن هنا انقسم العالم إلى كتل على
النحو التالي(16):
1-الأعداء
2-الأصدقاء
3-المحايدون
وعلى هذه الجبهات الثلاث تعمل الحرب النفسية وفق خطط واستراتيجيات
محددة لكل منها على النحو الآتي:
(1)جبهة الأعـداء:تستهدف الحرب النفسية سواء كان هذا العدو دولة أو
مجموعة حزبية أو كتلة عسكرية أو حلفاً أو اتجاهاً سياسياً أو فكرياً
معيناً،تحطيم هذا العدو و إلحاق الهزيمة به وتشويه كل دعوى يستند إليها
وتثبيط معنوياته.
(2)جبهة الأصدقاء:حيث أن الحرب النفسية،تعتنق وجهات نظرهم وتحملها
وتدافع عنها،وتعمل دائماً على تأكيد هذه الصداقة واطرادها.
(3)جبهة المحايدين:فإنها تعمل(الحرب النفسية)على كسبهم إلى جانب
القضية التي تتصدى للدفاع عنها.
أما في الجبهة الداخلية،فإن الحرب النفسية تعمل بكافة الوسائل
لتحقيق أغراض متعددة في آن واحد مثل:
إقناع الشعب بأن قضيته عادلة والاحتفاظ بمعنوياته مرتفعة،العمل
الدائم على تأكيد هيبة القادة وتصويرهم كمثل عليا للاعتداد بهم،وحشد
وتوجيه الحقد والكره المباشر على العدو،توحيد الجبهة الداخلية وبلورتها
في بناء فكري واجتماعي واحد.
وتعتبر المجتمعات المتخلفة أرضاً خصبة للحرب النفسية،حيث تستطيع
تحقيق أهدافها إذا ما زرعت في هذه الأرض،لأن الفرد في هذه المجتمعات
يتلقف المواد الدعائية بكل ما تحتويه من خداع وتضليل ليتداولها ويجزم
بصحتها،لذا فإن تأثيرها يكون أجدى بين الأفراد والتجمعات الذين لا
يتوفر لديهم معرفة بقواعد علم النفس،حيث تستثمر أجهزة الأمن
والاستخبارات هذه القواعد في إدارة عملية"غسيل الدماغ"كأحد أساليب
التعامل النفسي الذي يهدف إلى تحطيم الشخصية الفردية المتكاملة أو
السوية إلى حد التمزق العنيف بحيث يصبح من الممكن التلاعب بتلك الشخصية
للوصول بها إلى أن تصير أداة في يد الشخص الموجه.
وكما أسلفنا،فإن الحرب النفسية تستهدف التأثير في نفسية
الفرد،لتجعله يتخلى عن أفكار وأهداف ومبادئ يعتنقها،وزرع أفكار ومبادئ
وأهداف أخرى بدلها،والعدول عن خططه الحياتية،فهي بذلك تستهدف الأنماط
والنظريات والعقائد والأهداف لدى الإنسان.ولأن الأخير هو خيط في نسيج
متشابك،وخلية من كيان اجتماعي مترابط متفاعل له شخصيته المعنوية،وله
مؤسساته،فإن الحرب النفسية لن تقف عند التأثير على عقله ونفسيته،وإنما
ستترقى في محاولة تأثيرها على الكيان الاجتماعي أو المجتمع حتى يسهل
احتواء هذه المجموعة من الناس أو تحقيق الغرض المطلوب منها،وهو الظفر
عليها عسكريا أو السيطرة عليها اقتصاديا أو تقسيم وحدتها وتفتيت
جماعتها.
ويتمثل هدف الحرب النفسية على الصعيد الاجتماعي،في إحداث الفوضى
والبلبلة والانقسام في معسكر "الخصم"للتأثير على الروح المعنوية،وعلى
قرارات القادة،وإحداث الثغرات والضعف في الجبهة الجماهيرية عن طريق
إحداث التغيير والمطاوعة في الإنسان ومبادئه واتجاهاته،ويتسع مجال
الحرب النفسية ليشمل شتى المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية
والاجتماعية في أوقات الحرب والسلم على السواء.والهدف النهائي لها"هو
تحطيم النواحي المعنوية في"العدو"باستخدام كافة الوسائل المتاحة للقضاء
على كل شكل من أشكال الثقة بالنفس لدفع"العدو"للاستسلام(18).
وتتمثل الأهداف الأساسية للحرب النفسية في النقاط التالية(19):
1-بث اليأس من الانتصار في نفوس القوات المعادية،وخفض
قوة"العدو"القتالية بإضعاف روحه المعنوية،والتشكيك في قدرته على تحقيق
النصر،وتهيئة الرأي العام أو الجماهير للوقوف ضد فكرة الحرب،إضافة إلى
بث الرعب في قلوب أفراد القوات المسلحة،وبث روح التذمر في أوساط
الجنود،وذلك عن طريق المبالغة في وصف الانتصارات والمبالغة في وصف
هزائم"الخصم"حتى يشعر هذا"الخصم"أنه أمام قوة لا يمكن أن تقهر.
2-تغيير الفكرة والاتجاه والقيم والمعايير والمعتقدات تغييراً من
شأنه أن يحقق المكسب لمن يوجه الحرب النفسية والخسارة لمن تمارس عليه.
3-تشجيع أو دفع أفراد القوات المعادية على الاستسلام وذلك عن طريق
توجيه نداءات(حرب67-حرب لبنان82)إلى القوات المحاربة تدعوهم إلى
الاستسلام وعدم المقاومة وتوزيع منشورات تحتوي على حيل مختلفة للتشجيع
على الاستسلام.
4-زعزعة إيمان"الخصم"بمبادئه وأهدافه،وذلك عن طريق إثبات استحالة
تحقيق هذه المبادئ أو الأهداف وتصويرها على غير حقيقتها وتضخيم الأخطاء
التي تقع عند محاولة تحقيق هذه المبادئ.
5-إضعاف الجبهة الداخلية"للخصم"وإحداث ثغرات داخلها،وذلك عن طريق
إظهار عجز النظم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية عن تحقيق آمال
الجماهير والضغط الاقتصادي على الدولة(الخصم)حتى ينهار النظام
الاقتصادية وتشجيع بعض الطوائف والأقليات الأثنية على مقاومة الأهداف
العامة،وتشكيك الجماهير في ثقتها في القوات المسلحة على مواجهة"الخصم
المهاجم"وإيجاد التفرقة بين القوات المسلحة وباقي قطاعات الشعب المدنية
في الجبهة الداخلية،والدس والوقيعة بين طوائف الشعب المختلفة(كما حدث
في لبنان).أما بالنسبة إلى إضعاف المعنويات،فإن الهدف الأساسي للحرب
النفسية هو تحطيم الطاقات المادية والمعنوية للعدو،فإذا انتصر عليه في
ميدان الحرب وتحطمت طاقاته المادية،فلا بد من جهود أخرى لتحطيم طاقاته
المعنوية ليكون النصر كاملاً،يؤدي إلى الاستسلام،وهنا تبدأ الحرب
النفسية التي تستهدف الطاقات المعنوية بالدرجة الأولى وقبل كل شيء
لتحقيق الأهداف التالية(20):
ـ إرباك صانعي السياسة والقيادات العسكرية،وإذا كانت الحرب النفسية
توجه عادة للجماهير(عسكريين ومدنيين)فإنه يمكن أن تتم الحرب النفسية
على مستوى أكثر تحديداً أو تعقيداً،وذلك في الجهود التي تبذل لتضليل أو
إرباك صانعي السياسة،ومتخذي القرارات والقيادة العسكرية.
ـ تفتيت وحدة الأمة،وإحداث الفرقة والانقسامات بين صفوفها وتشجيع
بعض أطرافها وأعضائها على الخروج على ما تجمع عليه الغالبية،وإثارة
المخاوف بين أجزاء الأمة بعضهم من بعض.
ـ التشكيك في القيادة وكفاءتها وإخلاصها
ـ كسب الخصم"فكرياً"ودعم المكاسب فيما احتل من أرض العدو،وبث روح
اليأس من جدوى المقاومة في صفوف أبناء تلك المناطق.
ومن أجل تحقيق أهدافها تستخدم الحرب النفسية وسائل عديدة ،فبالإضافة
إلى وسيلة غسيل الدماغ،والدعاية والإشاعة،فإنها تستخدم أيضاً وسائل
مثل:بث العدوى الفكرية-إثارة الرعب-الخداع عن طريق الحيل
والإيهام-وافتعال الأزمات-إثارة القلاقل-استغلال الخلافات والإفادة من
التناقضات والخصومات الموجودة في صفوف العدو-الاعتماد على الأنصار
(الطابور الخامس)لتحطيم إرادة القتال لدى الخصم-التجسس بغرض الحصول على
المعلومات-الضغط الاقتصادي-التظاهر بالدفاع عن الأقليات،وهذا يشرخ
الأمة ويثير الشكوك لدى الأكثرية في الأقلية،وقد يغري بعض أفراد
الأقلية بالتعامل مع العدو،لاعتبارات سياسية للزعماء والمرموقين من
القادة والشخصيات والوجوه.أما الوسائل(بمعنى الأدوات)التي تستخدمها
الحرب النفسية لتحقيق أهدافها،فهي كافة وسائل الاتصال،بداية من الاتصال
الشخصي إلى بقية وسائل الاتصال
الجماهيري(صحافة،إذاعة،تلفزيون،مسرح..الخ)ولعل أخطر وسائل الحرب
النفسية وأوسعها أثرا وانتشاراً، هما الدعاية والإشاعة،وسوف نتعرض
لهاتين الوسيلتين بالبحث والتحليل في سياق هذه الدراسة،نظرا لتأثيرهما
الكبير والخطير على الجماهير، والرأي العام.
السلوك الطفولي في مراحل تطوره
إن السلوك الطفولي نادراً ما يستوقف الراشد في محاولة تعليلٍ لما
يرى، بل إنه -حين يناول الطفل لعبةً ما؛ ليتسلى بها كي لا يزعجه بكاؤه-
قد يظن أن الطفل يدرك غايته تلك ويوافقه عليها؛ فينصرف عنه إلى لعبته
بدون أي غاية يريدها أو تبرير لما يفعله.
إن موقف الإنسان الراشد -بغض النظر عن الدارسين والمختصين- تجاه
أوجه السلوك الطفولي، غالباً ما تحكمه دوافعه هو (أي دوافع الراشد
نفسه)، وتبريراتها المنطقية -بحسب منطقه هو أيضاً- لما يريد القيام به،
دون أن يجهد نفسه في محاولة فهم الكائن الذي ينمو أمامه، والذي ربما
يحتاج كثيراً لأن يفهم الكبار مبرراته ودوافعه.
ولتتبدل تلك المواقف اللامنطقية للكبار حيال تصرفات الصغار؛ فإن
معرفة علم السلوك -كأحد ضروب علم النفس-، وكذلك علم النفس المقارن،
وفيزيولوجية الجهاز العصبي؛ في سبيل معرفة تطور الجهاز العصبي، قد تغير
موقف الراشدين حيال أوجه السلوك الطفولي المتباينة، بعد إيجاد المبررات
المنطقية لتلك الضروب المختلفة من تصرفات الأطفال وسلوكهم.
إن أشكال السلوك المختلفة -غريزية كانت أو مكتسبة؛ ككل التحولات
التي تصيب التصرفات السلوكية البسيطة والأساسية- تتحول إلى أشكال أكثر
كمالاً وتعقيداً، وتتصل اتصالاً وثيقاً بتطور النسل، كما تتصل بنضج
البنى والأجهزة الدماغية على مدى فترة الطفولة.
((كما إن بعض السيرورات المنطقية الإدراكية هي نتيجة لتطور زمني
دقيق، وأنه من الممكن تحويرها - أو إعاقتها - بإجراء بعض التعديلات في
الوسط الذي يحيط بالطفل)).
بالإضافة إلى معطيات علم النفس؛ تأتي سلسلة من التجارب التي تتناول
فيزيولوجية الجهاز العصبي وتشريحه ((وقد أثبتت هذه التجارب أن مختلف
البنى العصبية تنمو كلها وتتعقد خلال الأشهر والسنوات الأولى من
الحياة، كما أن عدم توفر بعض ضروب المحرضات أو زيادتها؛ قد تؤدي إلى
إعاقة تطور بعض البنى الدماغية أو التعجيل بها)).
فبعض أشكال السلوك الطفولي -كما يثبت سبنسر "Spencer "- كاللعب
والنشاطات الخلاقة المتصلة به؛ لا تمثل إلا التحرر والتعبير عن الزيادة
في الطاقة، وهذ يشير إلى ما للطفولة من مميزات، وللسلوك الطفولي من
تبريرات تختلف عن تبريرات الراشدين لسلوكهم، وأن العلاقة بين اللعب
والنشاط الفيزيولوجي تكمن في بلوغ الاثنين أرفع مستوى في الفترة نفسها
من حياة الإنسان, ونحن إذ نرى بعض التوازن بين التطور السلوكي للطفل؛
وتطور السلالات، نقول موقنين: إن النمو الذاتي للطفل لا يعدو أن يكون
إعادة مختصرة لتطور الأجناس، فكثير من الانعكاسات والنشاطات وأشكال
|