أئمة أهل البيت طريقنا الى الله

قبسات من فكر المرجع الشيرازي

 

شبكة النبأ: الرموز الخلاقة في التاريخ البشري، لها قصب السبق في تطوير العقل والفكر، ومن ثم تطوير الحياة برمتها، فقد كانت تجارب العظماء ولا تزال منهلا للإنسانية جمعاء، يأخذ منها الجميع دروسا في الحكمة والتأني والصبر والاصرار على بلوغ الهدف الأرقى ، لذلك ليس امامنا سوى الدخول الى عصارة أفكار أئمة اهل البيت عليهم السلام، وفهم كلماتهم وهضم معانيها ومعرفة ما تهدف إليه، على الرغم من ان بلوغ هذه المرتبة يبدو صعبا، لأننا مهما بلغنا من الفهم والقدرة على على تطويع اللغة، فإننا سنبقى عاجزين عن فهم المعنى العميق لأقوال أئمة اهل البيت، ولكننا نحتاج الى فهمها حتما، من اجل صالحنا، حتى نكون في مأمن من الزلل، ونبني حياتنا على اسس السلام والتطور والاستقرار والتوازن.

يقول سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)، في كتاب (من عبق المرجعية)، حول هذا الموضوع: (مهما أوتي الإنسان من البلاغة والدراية فإنه يبقى عاجزاً عن الوصول إلى أعماق معاني كلمات أهل البيت سلام الله عليهم لأنهم أرومة اللغة وسادات الأدب والبلاغة). ومع ذلك ليس امامنا سوى اتخاذ تجارب وكلمات وافكار أئمة اهل البيت طريقا لنا نحو الله تعالى، لأننا لن نجد طريقا آخر يصل بنا الى بر الامان والفضيلة والنجاح.

من هنا يؤكد سماحة المرجع الشيرازي في الكتاب المذكور نفسه، هذا الجانب ويؤكد سماحته على ان الله تعالى جعل لنا من أئمتنا طريقا واحدا لفهم الحياة، والكون وتفاصيل الدار الاخرى، فيقول سماحته في هذا الصدد: (إن كل ما يريده الله تعالى بالنسبة إلى أموره، التكوينية والتشريعية، لم يجعل له إلاّ طريقاً واحداً وهو طريق أهل البيت سلام الله عليهم).

وهذه المنزلة لا يرقى إليها إلا من يستحقها، وله مكانة عظيمة عند الله تعالى، فهؤلاء الرموز الخالدة، يبقون ما بقيت الحياة فنارات للهداية، وكل من يتمسك بهم، سوف يلمس بيده ويرى بعينه، مؤشرات ودلائل النجاح في حياته، لسبب بسيط، أن أفكار أئمة أهل البيت وكلماتهم، من العمق والدقة والاصالة والوضوح، بحيث ان كل من يتمسك بها، ويسير في ضوئها وهديها، لن ينتكس او يفشل فيما يريد تحقيقه من حياة مستقرة، حيث الانسان يسعى الى التميز والتطور والتقدم طالما كان على قيد الحياة، ولا يقتصر هدفه هذا على شخصه مفردا، وانما يطمح لذويه، اولاده واخوانه والمقربين منه، أن يحصلوا على الفهم الواعي لأفكار الأمة عليهم السلام.

الأئمة حجج الله

يحتاج الانسان كي يرتقي دائما في حياته، الى نموذج ايجابي، يتعلم منه، فكرا وسلوكا، حتى يتجنب المعاصي، والزلل والسقوط في مزالق ومهاوي الانحراف، فيكون عند ذاك عرضة للعقاب الالهي، فضلا عن الفشل القاسي الذي سيلحق به في حياته، والذي سيجعل منه انسانا متأخرا في الفكر والسلوك، الامر الذي ينعكس على حياته، فيعيش الضنك بأقسى درجاته، ويعاني من النواقص المدمر نتيجة لاخطائه، فتكون حياته صعبة ويمكن ان نقول فاشلة، والسبب واضح انه لم يستقمّ ولم يتخذ النموذج الامثل له، كي يضعه على الطريق الصواب، لذلك ليس هناك عذر للانسان الذي يفشل في اختبار الحياة، ويشط في مسيرة حياته، ويرتكب المعاصي عن عمد، ولا عذر له عندما يقول انني لم اكن اعرف الخطأ، لأن النموذج متوافر امام بصره وبصيرته وعقله، متمثلا بأئمة اهل البيت وافكارهم واقوالهم وسيَرهم وتجاربهم، انهم عليهم السلام حجج الله على الارض، فيكون الناس عرضة للسؤال لأن النموذج امامهم وعليهم الاقتداء به، حتى لا يتعرضون للحساب او العقاب.

لهذا يؤكد سماحة المرجع الشيرازي قائلا في هذا المجال: إن (الأئمة سلام الله عليهم هم حجج الله على الخلق أجمعين، وخلفاء نبيّه صلى الله عليه وآله الميامين، وكلّهم من نور رسول الله صلى الله عليه وآله). وبهذه المكانة وهذه الصفات والملَكات، فإن أئمة اهل البيت هم مرآة الجميع، وهم فنارات تهتدي بها القلوب والعقول، ولكن ينبغي أن نعرف ما هي افكارهم واقوالهم وسيرتهم عليهم السلام، فالمعرفة دائما هي التي تقودنا الى السبل الصحيحة والنتائج المؤكدة.

وعندما يكون الحديث عن الائمة المعصومين، فإننا نتحدث عن نوادر، لا يمكن أن يتوافر عليها الانسان العادي، إنهم عليهم السلام يملكون ما يملك الاخرون من مزايا، منحها و وهبها الله تعالى لهم، حتى يكونوا الحجة الدامغة على الناس، وهذا يوجب علينا الاطلاع على سيرتهم وتجاربهم، حتى نحتاط دائما من السقوط في فخ الانحراف والزلل، ومع ان الواقع يشير الى ان هناك من لم يطلع على مفاخر أئمة اهل البيت عليهم السلام، بالصورة المطلوبة، لكننا نعرف جميعا أن الفهم العميق لمبادئ أئمة اهل البيت وافكارهم هي طريق واحد صوب الله تعالى.

من هنا يؤكد سماحة المرجع الشيرازي قائلا حول هذا الموضوع بالكتاب المذكور نفسه: (لدى أئمة أهل البيت سلام الله عليهم أشياء لا يملكها أحد من الناس، غير أنه من المؤسف  يوجد بيننا من لا يعرف كثيراً من هذه المفاخر). إن هذا الأسف الذي أبداه سماحة المرجع الشيرازي يستدعي من الجميع، التأكيد على جانب المعرفة والبحث والاطلاع على ما قدمه لنا أئمتنا عليهم السلام، ليس من اجل المعرفة او الاطلاع المحض، بل من أجلنا ومن أجل خلاصنا.

معرفة سيرة الإمام

قناعة الانسان بفكر أو سلوك ما، بلا شك سوف تحسم نتيجة الميل له، فإذا أردنا أن نحصل على استجابة من الانسان نحو فكر او سلوك معيَّن، علينا أن نكسب قناعته اولا، وهذه القناعة لا يمكن أن تتحقق من دون المعرفة والاطلاع على المضمون الفكري والسلوك، بمعنى لابد أن يطلع الانسان على المضمون ليتسنى له الايمان به، وعندما يتم ذلك ويؤمن الانسان بالنموذج، فإنه سوف يطبق ما يرد في سيرته ويقتدي به، ويفكر ويخطط ويهندس حياته وفقا للنموذج الذي يتبنى فكره وتجاره من دون ادني تردد.

لذلك ينصح سماحة المرجع الشيرازي بأهمية اطلاع الانسان على سيرة الامام المعصوم، ويفهم هذه السيرة بكل تفاصيلها، حتى تتوافر له القناعة والاهتمام اللازم، فيؤكد سماحته قائلا في هذا المجال: (يجب علينا معرفة سيرة الإمام المعصوم سلام الله عليه لنهتدي بها ونقتدي به سلام الله عليه). لأن الاقتداء بالنموذج لا يمكن أن يتحقق من المعرفة والاطلاع ومن ثم القناعة التي تدفع الانسان للتطبيق والاقتداء، وهذا بدوره سوف يحصّن الانسان من الاخطاء المقصودة او سواها.

اما الناس الذين يؤمنون بالأئمة المعصومين من دون معرفة واطلاع، فهذا يعرضهم لخسارة فكرية وروحية كبيرة، لأننا عندما نؤمن بالامام المعصوم علينا أن نعرف سيرته وافكاره لكي نفهمها ونستقي منها ما يجعلنا اكثر حيطة من الأخطاء، كذلك سوف يساعدنا الفهم على تصحيح افكارنا وسلوكنا، وسوف نكتسب خبرات اضافية من حيث التفكير او التخطيط العملي في حياتنا.

وهنا يتساءل سماحة المرجع الشيرازي بهذا الخصوص قائلا في الكتاب نفسه: (ما الفائدة في أن يكون السجّاد أو الباقر أو الصادق سلام الله عليهم إماماً لي ولك ولا نعرف عن سيرته شيئاً؟!). ولهذا تقودنا عدم المعرفة الى عدم الفهم وربما عدم القناعة، وسوف يكون الايمان هنا عن غير دراية، بمعنى ايمان آلي، وهو يختلف تماما عن الايمان بمعرفة وفهم، لهذا يدعونا سماحة المرجع الشيرازي الى معرفة سيرة أئمة اهل البيت عليهم السلام، لكي تكون دروسا لنا في الحياة، واذا كانت هناك عقبات او موانع في هذا الامر، علينا على الاقل الاطلاع ولو بصورة مختصرة على حياة الائمة عليهم السلام، من اجل أن يتحقق لنا الايمان الواعي، وهو غير الايمان بلا معرفة أو ايمان.

لذا يؤكد سماحة المرجع الشيرازي على اهمية الاطلاع على سيرة أئمة اهل البيت، كما نجد ذلك في قول سماجته: (من الضروري.. أن نقرأ ولو مختصراً من سيرة أهل البيت سلام الله عليهم لتعلّق إسلامنا وإيماننا بمعرفة من أمرنا الله تعالى بطاعتهم).

شبكة النبأ المعلوماتية- الخميس 27/تشرين الثاني/2014 - 4/صفر/1436

 

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1436هـ  /  1999- 2014م