أسباب تضخم الجهاز الإداري ومساوئه

رؤى من افكار الامام الشيرازي

 

شبكة النبأ: يعد التضخم الاداري من المؤشرات الواضحة على فشل الحكومة في ادارة شؤون الدولة والمجتمع، وهناك اسباب كثيرة تقف وراء حدوث التضخم في الجهاز الوظيفي، فهناك علاقة طردية بين سوء الادارة وانحدارها نحو البيروقراطية وبين الحكم المستبد، القائم على قمع الحريات، وتغييب الكفاءات، واعتماد الولاءات الفرعية، قبل المهارة في الادارة والانتاج، فغالبا ما يسود اسلوب المصالح والمحسوبية على حساب الدولة والمجتمع، والتقدم الفعلي في المجالات كافة، وليس الادارية منها فحسب، بل التفوق في الاقتصاد والسياسة والاجتماع والتعليم والصحة والتجارة والسياحة وما شابه.

وغالبا ما يقود التضخم الاداري الى تضخم في الاقتصاد، بسبب انتشار النزعة الاستهلاكية بدلا من الانتاجية، فالدول المتطورة غالبا ما تعمل على زيادة الانتاج والمنتجين، وتسعى بكل ما تمكن من وسائل تثقيفية وتربوية وتدريبية لجعل الانسان منتجا اكثر من كونه مستهلكا، حتى يصبح لدى الدولة فائضا من الانتاج دائما، وهذه احدى اهم مؤشرات تقدم الدولة وتطورها.

لذلك يؤكد الامام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله) قائلا في كتابه القيم الموسوم بـ (اذا قام الاسلام في العراق)، على أن : (التضخم في جهاز الموظفين في الدولة هو أسوء من التضخم في الاقتصاد، بل قد يكون هو من أسبابه لأن التضخم في الجهاز الوظيفي، إذ يجعل المنتجين مستهلكين).

بالاضافة الى ذلك فإن النمط الاستهلاكي غالبا ما يكون مؤذيا للدولة وللحكومة وللشعب على حد سواء، خاصة أن سلسلة التضخم التي تبدأ بالتضخم الاداري ثم الاقتصادي، ثم انتشار النمط الاستهلاكي، ستؤدي بدورها الى سيطرة النهج البيروقراطي على دوائر الدولة وتعاملاتها كافة، فتصبح الدولة في قبضة تعاملات معقدة، بل بالغة التعقيد، تضاعف من حالات الفساد، وتساعد على تفشي الاساليب المافيوية في ادارة شؤون الدولة، فتكون الحكومة والحاكم الاوحد مالكا لكل شيء في الدولة، ويكون الفقر والحرمان من حصة الشعب.

يقول الامام الشيرازي في هذا المجال بكتابه المذكور نفسه: (إن التضخم الاداري، يؤدي إلى سيطرة البيروقراطية التي تحول دون حريات الناس وحينئذ تتجه البلاد نحو الفقر والعوز بعد أن يستملك الجهاز الحاكم الأموال ويمنع الناس من حرية العمل والإنتاج).

 الدكتاتورية والتضخم الاداري

ولعل المشكلة الاكبر التي تواجهها الدول المتخلفة في العصر الراهن، هي مشكلة التضخم الاقتصادي، وهو يرتبط بدوره، بصورة أو اخرى بالتضخم الاداري، ولا يحدث هذا الترابط، ولا توجد هاتان المشكلتان في الدول المتقدمة، لأنها استطاعت ان تعالج هاتين المشكلتين المعقدتين وفق حلول علمية وجذرية، لا تقبل عودة البيروقراطية للأجهزة الادارية، أما الدول التي تحكمها ادارات سياسية ذات نهج مستبد قمعي دكتاتوري، تلك التي يتسيّد فيها السلوك البيروقراطي المتحكم بالدولة وجهازها الاداري، فإنها تُدار بوساطة حكومات ديكتاتورية، لان الحكومة المستبدة، في هذه الحالة لا تسمح بوصول الاموال الى الافراد ولا بخروجها بعيدا عن سيطرة الدولة، لأنها معنية بجمع الثروات في قبضتها حصرا.

لهذا يؤكد الامام الشيرازي في كتابه المذكور نفسه على أن: (التضخم الاقتصادي في دول الانظمة الدكتاتورية أكثر بكثير من سواها). ربما يتواجد هذا المرض الاقتصادي في بعض الدول التي لا تنتمي لدول العالم الثالث، او الدول التي لا تزال تحبو نحو التقدم، ولكن قد تكون هذه الحالات قليلة جدا، قياسا للدول المحكومة بأنظمة سياسية قمعية.

أما الحلول التي يمكن تطبيقها لمعالجة هذه المشكلة، فإنها تتمثل بترشيق الجهاز الاداري، بمعنى تقليل الموظفين الى اقصى حد ممكن، للقضاء على ظاهرة البطالة المقنّعة، لذلك يبرز دور الدولة في هذا المجال، لاسيما اذا كانت جادة في معالجة هذه المشكلة، بمعنى يمكن للدولة ان تتدخل بعلمية في ترشيق الجهاز الاداري، ليس بطريقة حرمان الموظفين من مصدر رزقهم، ولكن يمكن نقلهم الى المكان المناسب لهم ولقدراتهم، حتى يكون الانتاج لديهم متفوقا على الاستهلاك.

من هنا يدعو المختصون في تحسين الاقتصاد، وتخليصه من تعقيدات التضخم، الى اهمية تدخل الدولة بقوة لانتهاج مبدأ الترشيق، حتى لا يكون الجهاز الاداري عبئا على الدولة، ولا تكون عناك امراض اقتصادية كالبطالة التي ترتدي وجوه انتاجية كاذبة، كما يحدث في كثير من المؤسسات الانتاجية الشكلية في الدول الدكتاتورية.

يقول الامام الشيرازي في هذا المجال بكتابه المذكور نفسه: (في تصوري أنه لو قامت الحكومة بواجبها بكل جد وإخلاص، لم يبق من الموظفين الحاليين إلا أقل من العُشر بقدر ما تحتاج إليه الدولة).

دور الجهاز الوظيفي

في كثير من الاحيان تعاني الدولة من فائض العمالة في مصانعها ومؤسساتها الانتاجية المختلفة، ولا يمكن التعامل مع هؤلاء الفائضين بطريقة الفصل، لذلك هناك حلول عملية مدروسة مناسبة لمعالجة مثل هذه المشكلات، أهمها وضع المهارات الوظيفية في المكان المناسب لها، وفقا لمهاراتها، ولابد للدولة ان تنتهج مثل هذا الاسلوب العادل حتى لا يسقط هؤلاء الموظفون الفائضون في مصيدة الفقر، بمعنى لا يجوز للدولة ان تقدم مصالحها الاقتصادية على حساب المواطن.

ولكن في الوقت نفسه لابد أن يكون الجهاز الوظيفي منتجا، وكفوءً، خدمة للدولة ومشاريعها التي تصب في الصالح العالم، على ان يتم ذلك وفق الاطر العلمية المتعارفة فضلا عن الجوانب القانونية والشرعية وتطابقها مع الخطوات التي تخطوها الدولة في هذا المجال، لهذا السبب يؤكد الامام الشيرازي قائلا في هذا المجال بكتابه نفسه: (لابد من نقل الموظفين الفائضين عن الخدمة، إلى قطاع الإنتاج حتى يصبحوا منتجين في الاقتصاد أو في العمل وحتى لا يتحولوا نحو الفقر والبطالة وذلك يتم عبر دراسات مستفيضة يقوم بها خبراء باستخدام الموازين الصحيحة المطابقة للعقل والشرع).

ولذلك لابد أن يكون دور الجهاز الوظيفي فاعلا وايجابيا، ومساندا للدولة فيما يتعلق بتحقيق احتياجات الشعب، ومصالح المواطنين وحقهم في العيش المرفه والرغيد، وهذا يمكن ان يتم بوساطة جهاز وظيفي متطور، يعمل وفق الخطوات العلمية والعملية الصحية، فالموظف ينبغي ان يكون في خدمة الشعب دائما كما هو الحال مع المعلم او الطبيب  او غيرهما.

لذلك يقول الامام الشيرازي في هذا المجال: (إن دور الجهاز الوظيفي العامل في الدولة هو ضمان الأمن للناس وتحقيق الرفاهية لهم والسهر على مصالحهم، فالجهاز الوظيفي هو لخدمة الناس، لأن واجب الموظفين كواجب المعلم والسائق والطيار وغيرهم ممن يحتاجهم المجتمع).

شبكة النبأ المعلوماتية- الاثنين 15/آيلول/2014 - 19/ذو القعدة/1435

 

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1435هـ  /  1999- 2014م