سامراء.. تاريخ وحضارة

محمد الصفار

 

شبكة النبأ: سامراء إسم موغل في القدم يشخص في عمق التاريخ فتشخص معه الحضارات التي تعاقبت على تلك المدينة، و(سامرّا) إسم آرامي وهو في أصله مقصور كسائر الأسماء الآرامية بالعراق مثل: (كربلا)، و(حرورا) وغيره، وقد مدّ العرب كثيراً من هذه الأسماء الآرامية المقصورة في استعمالهم إياها خصوصاً في الشعر، إلحاقاً لها بالأسماء العربية أو توهّماً منهم إنها عربية تجمع بين المد والقصر مثل كثير من الأسماء التي انطوت عليها اللغة العربية ذات الأصول العربية.

ولم يذكر المؤرخون معنى لكلمة (سامرّا) الآرامية وذلك لصعوبة تفسير الأسماء الموغلة في القدم غير، ان هناك افتراضات عديدة ذكرها المؤرخون والمستشرقون كون أن اللغة الآرامية فرع من فروع اللغة السامية الأم، ومن هذه الإفتراضات أنها ـــ أي سامرّا ـــ عند الآراميين كانت فرصة كبيرة لإرساء السفن في دجلة أو دار صناعة له، وأوّلوا لذلك من التشمير أي الإرساء فيقال:شمرت السفينة أي أرسلتها.

وقال الأب انستاس الكرملي في كتابه (مختصر الدول): (لاجرم أن الذي أسس سامرّاء وبناها هو الخليفة العباسي المعتصم بالله، أما اسم المدينة فليس من وضع المعتصم نفسه، بل هو قديم في التاريخ فقد ذكره المؤرخ الروماني أميانس مرقلينس الشهير الذي ولد سنة (320) م وتوفي سنة (390) بصورة (سومرا)، ونوّه به المؤرخ اليوناني (زوسيمس) من أبناء المائة الخامسة للميلاد صاحب التاريخ الروماني بصورة (سوما) وقال:(ويظن أهل النقد من أبناء هذا العصر أنه سقط من آخر الإسم حرفان والأصل (سومرا)) وورد في مصنفات السريان (شومرا) بالشين وعرفها ابن العربي باسم (السامرة) وقال هرزفيلد عالم الآثار الألماني: (إن اسم هذه البلدة قد جاء في الكتابات الآشورية بصورة (سرمارتا) وانها كان لها في أيام الفرس شأن كبير في محاربتهم الرومان).

أما ما قيل عن معنى اسمها من (سر من رأى) أو (ساء من رأى) أو ما شابه ذلك فيقول الأستاذ الباحث كاظم الدجيلي: (إنها من مخترعات المخيلة ومن التآويل التي أنتجتها قرائح بعضهم إجابة للعقل الذي يحب الوقوف على أسرار الكون والإكتفاء بما يرضيه ولو فكروا قليلا لأقروا أن تأويلهم بعيد لقدم ورود الإسم ولعله من وضع البابليين أو الآشوريين أو الكلدانيين أو غيرهم من الأمم الخالية فكيف يطلب لها معنى في اللغة العربية).

وقد كثرت الأساطير في اسم سامراء ككل مدينة عريقة في القدم فقد ذكر لها ياقوت الحموي في معجم البلدان الكثير من الأسماء غلبت على أكثرها الأساطير منها أنها ــــ أي سامراء ــــ قد بناها سام بن نوح عند خروجه من السفينة فسميت (سام راه) أي طريق سام ومنها أنها كانت مدينة قديمة من مدن الفرس تحمل إليها الأتاوة التي كانت موظفة لملك الفرس على ملك الروم لأن (سا) اسم الأتاوة و(مرة) اسم العدد والمعنى أنه مكان قبض عدد جزية الرؤوس..

ويعقب الباحث الكبير الأستاذ جعفر الخليلي على هذا التأويل فيقول: (إن كل تلك التأويلات ليس لها أساس من الصحة) ثم يبدأ بتفنيدها بدلائل قطعية ويتطرق الى الأسماء التي سماها ياقوت الحموي لهذه المدينة ونسبها الى العربية فيقول: (إن جميع لغات (سامرّا) التي يقول فيها ياقوت:سُر من رأى، وسر من رى، وسر من راء، وساء من رأى، وسام راه الفارسي، وسرور من رأى، وسرّاء .. ماهي إلا تلاعب بالألفاظ وتخريجات منه للتفاؤل تارة وللتشاؤم تارة أخرى إلا أن تسمية المدينة بـ (سر من رأى) غلبت على جميع التسميات لأن المعتصم شاء ذلك ثم ضعف بمرور الزمان).

ومما يدل على توغل هذه المدينة في القدم انه ظهر من خلال التنقيبات الأثرية في إطلال سامراء أنها كانت آهلة بالسكان منذ أدوار ما قبل التاريخ فقد كشف عالم الآثار الألماني هرزفيلد فيها عن مقبرة تعود الى تلك الأدوار بين السن والصخر قريباً من آثار العصر العباسي على نحو ميل واحد من جنوب دار الخليفة أي دار العامة القائمة بين الأواوين الثلاثة وعثر على نوع من الفخار المصبوغ أطلق عليه اسم فخار سامراء وهو يمثل دوراً من أدوار ما قبل التاريخ وقد سمي (دور ثقافة سامرّا) ثم عثرت مديرية الآثار العراقية على موضعين آخرين في سامراء يرتقي عصورهما الى ذلك الزمن أحدهما شمالي المقبرة والآخر على ضفة دجلة ويسمى هذا الموضع تل الصوان. وجاء هذا الإسم في الكتابات الآشورية باسم (سرمارتا) وكان له شأن كبير في أيام الفرس في محاربتهم الرومان خاصة لقربه من النهر المعروف بـــ (القاطول) الكسروي أي القناة الكسروية كما عثر على تماثيل في هذا الموقع في الحفريات يرجع تاريخها الى الألف السادس قبل الميلاد وقد دلت هذه الحفريات في تل الصوان والتي تبعد عشرة كيلو مترات من مدينة سامراء الحالية على وجود حضارة منظمة مستقرة تعتمد الزراعة واعمار الأرض في معيشتها.

وقد وصف سامراء الكاتب الروماني (إيمانس مرقلانس) في رحلته التي رافق بها الإمبراطور (يوليانس) في حملته سنة (363) م على بلاد الفرس في عهد شاهبور الثاني المعروف بـ (ذي الأكتاف) وصفاً دقيقاً ففي تلك السنة وقعت معركة حامية على أرض سامراء بين الرومان والفرس وقد انتصر فيها الفرس وعادت فلول الجيش الروماني مقهورة عبر دجلة وقد دل هذا الوصف على ما لهذه المدينة من أهمية في تلك الفترة وهو أقدم وصف لها.

وقد اشتهرت سامراء بكثرة اطلالها التاريخية العريقة كما ألفت إنشاء الأديرة على أرضها الخصبة لتسهيل عيش الرهبان والراهبات وكان لضفاف الأنهار الكبيرة والقنوات الكبيرة في تلك المدينة الحافز لإنشاء تلك الأديرة فلا حياة بغير ماء ونبات وعلى الرغم من الحوادث الكبيرة التي ذكرها المؤرخون من طغيان مياه دجلة وإقبال المد وغرق كثير من الأراضي إلا أن تلك الأديرة كانت تعمّر بين فترة وأخرى وأقدمها هو الدير الذي صارت فيه دار الخليفة المعتصم المعروفة بدار العامة وصار هذا الدير بيت المال ولم يذكر المؤرخون أي اسم لهذا الدير لكن الأستاذ جعفر الخليلي وضع له اسما فقال: (لم أجد في المراجع النصرانية ولا كتب الأديرة ولا غيره من الكتب التي أرخت الأديرة ذكر لهذا الدير فسميته دير سامرا).

وإلى جانب تلك الأديرة هناك آثار أخرى شاخصة حتى الآن مثل الجامع الكبير الذي يتميز بوجود المئذنة الملوية التي تُعد من أبرز معالم سامراء الأثرية من عهد الخلافة العباسية وقصة انتقال الخلافة العباسية من بغداد إلى سامراء هي عندما تولى المعتصم الخلافة عام (218)ه ضاقت بغداد بجنده الأتراك الذين كانوا يكثر منهم الشر فكانوا يضربون الناس في الأسواق ويسيئون إليهم فعزم على مغادرة بغداد وتنقل في عدة مواضع حتى اختار سامراء ويُعد عام (221)ه هو بداية تاريخ سامراء كعاصمة للخلافة العباسية فأمر المعتصم ببناء القصور والدور واستقدم المهرة من الصناع والفنيين لتشييد قصوره وبناياته وجلب أصناف الأشجار المثمرة من جميع البلدان فغرست البساتين وارتفعت القصور وأقيمت الدواوين ومدت الأسواق وشيدت الثكنات العسكرية ومن سامراء توجه المعتصم لمحاربة البيزنطينيين وفي سنة (227)ه توفي المعتصم ودفن في سامراء في قصره المعروف بالجوسق وعندما تولى ابنه الواثق الخلافة أنشأ قصره المعروف بالهاروني الذي صار قبراً له بعد موته وجاء بعده أخوه المتوكل الذي كان مولعاً في بناء القصور وبذل الأموال الطائلة في سبيل ذلك فبنى قصر العروس وقصر المختار وقصر الوحيد وقصر الجعفري وقصر الغريب وقصر الصبح وقصر المليح وقصر البستان وقصر الايتاخية وقصر التل وقصر الجوسق وقصر بركوان وقصر القلايد وقصر الغرد وقصر الماجوزة وقصر البهو وقصر اللؤلؤة وقد ذكر المؤرخون أرقاماً مرعبة في بناء هذه القصور وخاصة قصر الجعفري الذي يقول عنه ابو الفداء اسماعيل بن كثير في (المختصر في أخبار البشر) في حوادث سنة (245)ه: (ان المتوكل أنفق على عمرانه أموالاً تجل عن الحصر).

وفي الوقت الذي كان يبني هذه القصور وينفق عليها هذه الأموال أمر بهدم قبر سيد الشهداء الإمام الحسين (ع) وحرث موضع القبر في كربلاء وأجرى عليه الماء ولم تطل مدة مكوث المتوكل في قصره الجعفري أكثر من تسعة أشهر حتى قتل فيه مع وزيره الفتح بن خاقان فتولى الخلافة بعده ابنه المنتصر الذي أمر بهدم قصور أبيه وصارت مواضعها موحشة كأنها لم تعمر ولما توفي المنتصر دفن في إطلال قصر الجوسق في عام (252)ه وبويع للمعتز في سامراء وظهرت في زمانه الفتن وجرت بينه وبين أخيه المستعين معارك شديدة انتعت بانتصار المعتز وهروب المستعين الى واسط فبعث المعتز اليه من قتله وحمل رأسه الى سامراء.

وكثرت الاضطرابات سنة (253)ه في سامراء وفي عام (254)ه توفي الإمام علي بن محمد الهادي (ع) في سامراء ودفن في داره وكان المعتز قد بعث بأخيه ليصلي عليه فلما كثر الناس وكثر بكاؤهم وعويلهم أمر برد النعش الى داره (ع) فدفن فيها وفي عام (255)ه خلع المعتز وقتل في الحمام فبويع للمهتدي وفي عصره قامت ثورة الزنج التي أشغلت الخلافة العباسية حتى سنة(270)ه ودارت بين الزنج وجيوش العباسيين حروب طاحنة انتهت بانتصار الموفق ولي عهد المعتضد وفي زمن المهتدي قويت شوكة الأتراك الذين قضوا عليه بعد أحداث طويلة فتولى الخلافة ابنه المعتمد سنة (256)ه وفي خلافته توفي الإمام الحسن العسكري (ع) سنة (260)ه ودفن في داره في البيت الذي دفن فيه أبوه الإمام علي الهادي (ع) وفي عام (279)ه ترك المعتمد سامراء واتخذ بغداد عاصمة للخلافة بعد أن بنى قصره المعشوق فمات في نفس السنة في بغداد وحمل الى سامراء ودفن فيها وهكذا انتهت قصة سامراء عاصمة للخلافة العباسية والتي عاشت حوالي خمس وخمسين سنة ملك بها ثمانية خلفاء هم المعتصم والواثق والمتوكل والمنتصر والمستعين والمعتز والمهتدي والمعتمد.

وقد ظهر التشيع جلياً في سامراء منذ أن أقام بها أقدس شخصين وطئت أقدامهما أرضها ألا وهما الإمامان علي الهادي والحسن العسكري (عليهما السلام) حيث شاهد الناس ما لهما من السجايا الحميدة والمزايا الفريدة فهما وارثا العلم الإلهي وفرعا الشجرة المحمدية فاهتدى الناس بهما إلى ولاء أهل البيت (ع) وكان التشيع في سامراء راسخ القدم حتى حاربه صلاح الدين الأيوبي واقتفى أثره بعد أمد بعيد السلطان سليم العثماني الذي جرت على نهجه السياسة العثمانية في محاربتها فكر أهل البيت (ع) والشيعة وكان أشد السلاطين العثمانيين في هذه السياسة الهمجية مراد الرابع ولما جاء المرجع الكبير المجدد آية الله السيد محمد حسن الشيرازي الى سامراء جمدت تلك الحرب واستعاد التشيع فيها نشاطه العلمي والثقافي وهاجر الى سامراء كثير من طلبة العلم من كافة البلدان فقد أسس المجدد الشيرازي فيها مدرسة عظمى للعلوم الدينية وقد وقعت حادثة (التنباك) المشهورة في عصره ومنها أصدر فتواه التي كان لها دوي كبير في العالم.

وعاشت سامراء في عهد المجدد الشيرازي عصرها الذهبي وبعد وفاته (رحمه الله) عام (1312)ه تولى أمر التدريس ومهمة الإفتاء تلميذه الميرزا الشيخ محمد تقي الشيرازي الذي حرص على إبقاء مؤسسة استاذه متفاعلة ومتواصلة ومستمرة وفاء لأستاذه وسلفه وعندما احتلت القوات البريطانية سامراء عام(1917)م غادرها الميرزا محمد تقي الشيرازي الى الكاظمية ومنها الى كربلاء

شبكة النبأ المعلوماتية- الأربعاء 12/شباط/2014 - 11/ربيع الثاني/1435

 

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1435هـ  /  1999- 2014م