الجهل المركب..

من قاموس الامام الشيرازي

حيدر الجراح

 

شبكة النبأ: لا ينفصل الجهل عن ثلاثية التخلف الشهيرة في مجتمعاتنا العربية والمسلمة، وهي إضافة الى موضوعة اليوم (الفقر – المرض) والتي تتعالق بوشائج متعددة، لا يمكن التحرر من احدها الى بالتحرر من الاثنتين الاخريين..

وجود واحدة من هذه الأركان الثلاثية للتخلف، معوق من معوقات النهوض لتلك المجتمعات، فما بالك اذا اجتمعت الثلاثة في مكان واحد؟، انه وجود مخيف وقاهر..

العناصر او الاعمدة الثلاثة للتخلف لها خاصية مشتركة يمكن تسميتها بـ (نزع المبادرة) عن التفكير بالعلة والمرض واسبابه، وبالتالي المبادرة بتغييره..

أخطر ما في الثلاثية هو الجهل، الذي تنعدم فيه الرؤية عن تشخيص الخلل والأسباب الداعية للتراجع، وأخطر من انعدام الرؤية هو انكار وجوده، او اصطناع وجود آخر مواز له يجمل كل القبح فيه.

والجهل في معناه الشائع عند الناس، ضد العلم، وفي معناه اللغوي، السفه والحمق وإظهار الطيش، وهو عند المتكلمين: اعتِقاد الشيء على خلافِ ما هو علَيه.

والجَهْلُ علَى ثلاثَةِ أَضْرُبٍ كما يصنفه الراغب الاصبهاني: الأول: هو خُلُوُّ النَّفْسِ مِن العِلْم والثاني : اعتقادُ الشيء بخِلافِ ما هو عليه. والثالث: فِعْلُ الشيء بخلاف ما حَقه أن يُفْعَلَ سواءٌ اعتُقِد فيه اعتِقاداً صحيحاً أم فاسِداً كتارِكِ الصَّلاةِ عَمداً.

النوع الثاني من الجهل يسمى بالجهل البسيط، ويطلق على من يُسَلِّم بجهله.

والثاني هو الجهل المركب، ويطلق على من لا يسلِّم بجهله، ويدَّعى ما لا يعلم.

الجهل البسيط يمكن تداركه، لكن الجهل المركب هو الأصعب مراسا وهو السائد في مجتمعاتنا، وهو ما تحدث القرآن الكريم عن حملته والمدافعين عنه بقوله تبارك وتعالى: (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا).. وهذه الاية ينطلق منها المرجع الديني الراحل الامام السيد محمد الشيرازي (قدس سره)، في تحطيم واحدة من ركائز التخلف الثلاثة، وهو الجهل بشكله المركب، والذي يراه من اكثر الأسباب خطورة في (تأخر المسلمين في الحال الحاضر، حيث اصبحوا غير مستعدين للاعتراف باخطائهم وعيوبهم، ولا يريدون ان يتعبوا انفسهم بإزالتها). في كتابه الذي حمل عنوان (الجهل المركب وطريق الخلاص منه).

ولا يفتقد المسلمون الى القدرة على الاعتراف بالأخطاء، او إرادة بذل الجهد في ازالتها، بل هم أيضا مصداق من مصاديق (الاخسرين اعمالا في يومنا هذا: فالكثير من المسلمين، حيث يتقهقرون يوما بعد يوم، وهم يزعمون التقدم).

يرتبط العمل الخاسر الى الضلال في السعي أو يقود اليه حسب الدلالة العقلية التي تطرحها الآية القرآنية، فالتأخر والتراجع في ميادين الحياة، تبعا لهؤلاء (الاخسرين اعمالا)، و(الذين ضل سعيهم) ينسبوه الى أسباب وعلل لا صحة لها، كما يعبر الامام الراحل (قدس سره) وهو يراها ( مجرد تبريرات واهية).

خسران العمل والسعي الضال، يعود سببه بالدرجة الأساس الى (الجهل المركب)، وهو في نظر الامام الراحل (قدس سره): (أسوأ من الجهل البسيط، فالجاهل اذا كان يعلم بجهله فانه جاهل بسيط، وربما سعى للتعلم والقضاء على الجهل، اما الجاهل الذي لا يعلم بجهله فانه جاهل مركب، وهو لا يرى نفسه على خطأ حتى يسعى في إصلاحها).

وهناك أسباب أخرى لهذا الخسران، شخصها الامام الراحل (قدس سره) تشخيصا دقيقا، منها على حد تعبيره:

 فقدان التدريب والتجربة في العمل.

الجهل بالطرق التي تؤدي الى النتيجة الصحيحة، فأحيانا نرى الانسان في طريق الخسران والضرر الكبير، معتقدا انه في الطريق الصحيح وانه رابح ولا يرى غير ذلك).

يمكن للجاهل جهلا بسيطا ان يتعلم بعد اقراره أو اعترافه بجهله، ويمكن ان يتقبل النصح والإرشاد، لانه يرى في ذلك فائدة له من تخليصه من الجهل والتغلب عليه، لكن الجاهل المركب، (لا يقبل بالنصيحة)، معتبرا ذلك (إهانة له)، وتلك الفئة من أي مجتمع هم الذين يستبدون (برأيهم على انه الصحيح والواقع، دون الالتفات الى عيوبه والاخذ بنصائح الاخرين).

لا يتحرك الامام الراحل في مساحة التشخيص والتحليل لأمراض مجتمعه وللمسلمين عموما، انه يتقدم خطوة ابعد من ذلك، كما تعود في كتاباته، وهذه الخطوة هي تقديم الحلول والمعالجات لكل ظاهرة او مشكلة..

يرى الامام الشيرازي ان من اهم أسباب القضاء على الجهل المركب، هو الاستشارة. حيث يكتب شارحا لها بقوله: (إذا لاحظنا التاريخ ورأينا الشعوب المتقدمة التي تفوقت على غيرها في مختلف اعمالها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وما اشبه، نرى ان من أسباب تقدمهم عدم الجهل المركب، وانهم لا يقدمون على أي عمل الا بعد استشارة الخبراء والاخذ بأفضل الآراء، وبذلك تقل اخطاؤهم ويزداد تقدمهم).

الاستشارة هي النقيض للاستبداد بالرأي الذي يميل الى التمسك به أصحاب الجهل المركب، لانها (تعرف الانسان على الخطأ والصواب، وتأخذ بيده الى الطريق السليم، وتمنعه من الجهل المركب، بل مطلق الجهل. وهكذا يستطيع الانسان ان يصل الى صحة عمله او خطأه بالمشورة، لان كل مستشار هو بمنزلة المرآة يبين لك جانبا من جوانب القضية، ومن هنا كان تعدد الاستشارات مطلوبا لا ان يقتصر على واحدة).

شبكة النبأ المعلوماتية- الثلاثاء 11/شباط/2014 - 10/ربيع الثاني/1435

 

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1435هـ  /  1999- 2014م