الفساد حاضنة للعنف

محمد علي جواد تقي

 

شبكة النبأ: "الفساد".. نزعة إنسانية نحو الاستئثار والكسب غير المشروع والحصول على أكثر مما هو حق، فهو يتجسّد في الانسان الامريكي كما يتجسّد ايضاً في الانسان العراقي، وايضاً في الانسان الاوربي والافريقي وهكذا.. يبقى التباين في حجم هذا الفساد ومدياته وآثاره على المجتمع والاقتصاد والسياسة في ذلك البلد، والأهم هو كيفية التعامل مع هذه النزعة – الظاهرة..؟ هل بالتطبيع والتكريس بصورة مباشرة أو غير مباشرة؟ أم بالمكافحة والمعالجة للحد منها الى مستويات دنيا؟

في البلاد التي تفتقر الى التداول السلمي للسلطة، والمشاركة السياسية والعلاقة السليمة بين الدولة والشعب، لن يكون هنالك فاسد واحد، مثل مدير مصرف، او وزير أو حتى رئيس وزراء، إنما شريحة من المفسدين، موزعين على مختلف أجهزة الدولة ومرافقها، العسكرية منها والسياسية والامنية والاقتصادية، ثم تتحول الى ظاهرة اجتماعية تشد بخناقها على افراد المجتمع الذي عادة يحتل فيها ذوي الدخل المحدود نسبة كبيرة، وهذا من شأنه ان يزرع بذرة العنف في النفوس، لأن ببساطة؛ مجرد شعور الناس أنهم مطالبون بدفع ثمن راحة ورفاهية شريحة معينة، لمجرد قضاء حوائجهم والوصول الى بعض حقوقهم البسيطة في معاملات رسمية او غير ذلك، يُعد بالنسبة لهم استفزاز خطير ينطوي على ردود فعل ربما تظهر عاجلاً أم آجلاً.. وقد أكد الباحثين والدارسين للتحولات في البلاد العربية، على وجود الخلفية الاجتماعية بقدر أكبر من السياسية فيما جرى من تحولات كبيرة وأساسية في بعض أنظمة الحكم، فالاوضاع الاقتصادية الخانقة، من بطالة وتضخم، بسبب الفساد الاخطبوطي في مرافق الدولة، مصحوباً بسياسات قمعية وارهابية من السلطة، دفعت بالناس الى البحث عن البديل علّها تنجو من مستنقع الفساد وتتخلص من المفسدين.

اذا تجاوزنا خلفية هذه الظاهرة المرضية في بلادنا، وكيف ينشأ فيروس الفساد في نفوس هذا الموظف وذاك المدير وذلك الحزب أو الحاكم..؟ وتطلعنا الى المستقبل، نجد أنه حتى في حال زوال هؤلاء المصابين من الواجهة السياسية، واستبدالهم بآخرين، فان جذر الداء يبقى على حاله، وربما يستفحل ويأخذ مديات أوسع وأخطر، والسبب في ذلك العلاقة المتبادلة بين الفساد والعنف، فكما أن العنف الوليد الطبيعي للفساد، فان الفساد بحاجة دائماً الى العنف والفوضى والاضطراب ليمضي في المزيد من الكسب والنصب والاحتيال والإثراء على حساب الاخرين. مثال ذلك وبشكل بارز؛ أفغانستان والعراق.. فقد عقد الشعب الافغاني آمالاً طويلة وعريضة على نظام الحكم ذو الطابع الديمقراطي على أنقاض "طالبان"، بأن يبدأ البناء والإعمار من خلال مشاركة سياسية وحياة ديمقراطية، يجرب فيها الافغان كيفية تقرير مصيرهم بأنفسهم، لكن ما لبثنا إلا أن نسمع بأرقام الاختلاسات في الجهاز الحاكم في كابول، مع العلم أن البلد ليس من الغنى بحيث يغري المفسدين، إلا السلطة والنفوذ، مشفوعة بدعم امريكي كثيف، هو الذي سوّغ للبعض من المحيطين بالرئيس حامد كرزاي لأن يمدوا أيديهم الى الاموال التي خصصت لإعمار المدارس والمستشفيات والمرافق العامة وتحسين الاقتصاد. وكان آخر ما كشف عنه الامريكيون اختلاس كبير في أروقة الحكم، وتحديداً في البيت الرئاسي، حيث نقل مسؤول امريكي أن أكداس الدولارات كانت تنقل الى مكتب كرزاي بالحقائب، ولم يعرف مصيرها..! وهذا لم يكن، لولا الأجواء الأمنية الملبدة والضبابية في افغانستان، حيث الجميع يفكر بكيفية تحاشي العمليات الارهابية لـ "طالبان" بالعبوات الناسفة أو السيارات المفخخة. إذن؛ تخلّص الشعب الافغاني من العقلية الجاهلية "الطالبانية" والنهج القمعي والتعسفي، ليُبتلى بنهج جديد يشرعن التلاعب بالسلطة والأموال بحجة "مواجهة الارهاب"، أو العمل على البناء والإعمار وغير ذلك.

وفي العراق، ذاق الشعب العراقي مرارة الفساد المالي والاداري في ظل نظام الطاغية. فخلال عقد التسعينات عاش العراقيون ظروفاً ربما لا تتكرر، حيث الفساد الاداري والمالي في الدوائر والمدارس والمستشفيات والمحاكم وحتى في الاجهزة الامنية العليا، بحيث كانت الرشوة قادرة على الافراج عن مجرم محكوم بالاعدام.. فانتشر الفقر والبطالة والحرمان بشكل مريع، كل ذلك على خلفية الحروب الكارثية التي خاضها نظام صدام البائد و دفع ثمنها الشعب العراقي.. لكن العبرة في مرحلة ما بعد السقوط. ففي الوقت كانت الآمال معلقة على التغيير وإسقاط نظام صدام لتشكيل نظام حكم منبثق من الشعب العراقي، لوجود جماعات وتيارات معارضة، وتدير الحكم وفق نظام تعددي – ديمقراطي وعادل الى حدٍ ما، يعوّض ما عاناه ولاقاه العراقيون طيلة العقود الماضية. لكن الصدمة كانت في مشاهد السرقة من الدوائر الحكومية والمراكز العسكرية، حيث تعرضت هذه الأماكن الى نهب الممتلكات العامة، وايضاً أنواع مختلفة من السلاح والذخيرة. والنتيجة؛ أن صداماً زال ومات، لكنه خلّف من جملة ما خلفه، هذا الداء الاجتماعي الوبيل. وما يثير اكثر من تساؤل؛ لامبالاة فصائل المعارضة التي تحولت الى أطراف سياسية حاكمة في الدولة الجديدة، إزاء استمرار داء الفساد مستشرياً في الكيان العراقي، حتى وإن كان مسبباً لأعمال العنف واللا استقرار على المدى البعيد.

 نعم؛ بعد بضعة سنين من الإطاحة بنظام صدام، وجد أهل الحكم في العراق، أن أرقام الاختلاسات في الوزارات باتت تُعد بالمليارات من الدولارات، فيما الشباب المتخرج من الجامعة يبحث عن فرصة عمل، وما تزال المدارس الطينية تضم بين جدرانها التلاميذ، والفقر والبطالة وانعدام الخدمات والتخلف يخيّم على العراق بشكل عام. بدأت مساعي جديدة للتخفيف من وطأة هذه المظاهر المحزنة والسيئة عن وجه العراقيين، لكن ليس لمعالجة داء الفساد واجثاثه من جذوره، كما يجتثون من يتهمونه بالانتماء الى "حزب البعث" البائد..! فبدأت الحكومة بإغداق الوظائف وفرص العمل والمنح والمساعدات بأعداد هائلة، حتى بدا للمتابع أن الهدف والغاية من كل ذلك، هو تهدئة الخواطر مما يسمعه الناس من أرقام الاختلاس الضخمة، وهم جالسون في بيوتهم يندبون حظهم العاثر مع هذا النظام الحاكم. وإلا ما الفرق بين الاختلاس الذي كان بطله حازم الشعلان، أول وزير الدفاع في "النظام الديمقراطي" ويقدر بمليار دولار عام 2004، وبين الاختلاس المريع بملايين الدولارات في صفقة شراء أجهزة السونار المزيفة في الآونة الاخيرة..؟

والحقيقة؛ ليس بوسع الإعلام الوقوف باطمئنان على أرقام دقيقة وحقيقية لحجم الاختلاس الذي ارتكبه المسؤولون في العراق خلال السنوات الماضية، نذكر منها ما ورد في موقع "عراق الغد" على شبكة الانترنيت ليوم 26/2/2012 وهي تصريحات لعدد من الاشخاص حول الفساد ومنها ما ذكره السيد احمد الجلبي حيث قال بأن ميزانية الدولة بلغت نحو 400 مليار دولار في خمس سنوات والناتجة عن ارتفاع الاسعار العالمية للنفط، وتساءل العديد من الاشخاص بضمنهم الجلبي، ترى أين ذهبت هذه الاموال؟ انه رقم كبير وضخم للغاية، تتحسّر عليه دول كثيرة في العالم محرومة من ثروة النفط، بينما ما تزال أبسط خدمة تواجه عقدة عجيبة ومستعصية، وهي خدمة الكهرباء في العراق، كما تعجز الحكومة عن توفير المفردات الأساسية للبطاقة التموينية، رغم تقليصها في الآونة الاخيرة.

إن الخبراء والمتابعين للشأن الاجتماعي والسياسي في العراق، بل في سائر البلاد الاسلامية المبتلاة بهذا الداء، يؤكدون أن الفساد الاداري والمالي إن لم يجتث من جذوره فانه يسبب بنشوء واستفحال داء آخر، وهو العنف والقسوة بين أوساط الناس، وهذا يبدو أمراً بديهياً، فالمسؤول المتنفذ والقادر على الابتزاز والضغط، سيدفع المواطن العادي الى التعويض عما لحق به خسارة معنوية في كرامته وحقوقه، بممارسة نفس الابتزاز والضغط بأشكاله المختلفة على الآخرين، والنتيجة استمرار الفساد ومعه ايضاً حالة العنف والاضطراب واللا استقرار في البلد. من هنا نجد الباحثون يشيرون على عوامل عدة لابد ان تجتمع لمعالجة هذه الداء منها:

1- العمل على تحقيق العدالة الاجتماعية ما أمكن، وتضييق الفجوة الطبقية.

2- إعادة النظر بالحصانة الوظيفية التي يمارسها رؤساء الدوائر في حماية موظفيهم من المحاسبة، حيث يبالغ البعض في توفير الحماية، مما يجعل ذلك حجر عثرة في الجهود الرامية لمكافحة الفساد، فالحصانة هنا، لتوفير الحماية القانونية للموظفين من الدعاوى الكيدية المرفوعة ضدهم، على أن لا يتم استغلال ذلك لحماية المفسدين.

3- سن قوانين جديدة تضع أطر خاصة ومحددة لصرف الاموال العامة.

4- تفعيل دور منظمات المجتمع المدني في محاسبة ومكافحة الفساد الاداري، وعدم الوقوف بوجهها بحجة التسييس او غير ذلك. وإلا فان هذه المنظمات في النظام الديمقراطي تبقى إطاراً دون محتوى، ما لم تترك أثرها على السلوك الاجتماعي والأداء الحكومي، والتأثير على سياسات الدولة بالضغط عليها لسن تشريعات وإجراءات تحد من الفساد والغش والتلاعب بالمال العام.

5- ثم يأتي دور الإعلام ليكون مكملاً لكل هذه الجهود وغيرها، على شرط ان تتوفر لديه الاجواء المهنية كاملة ليمارس دوره في نشر الحقيقة وإشاعة  الوعي والثقافة البناءة، بحيث يخشاها كل من تسوّل له نفسه التطاول على حقوق الشعب، مهما كان منصبه والجهة التي تقف خلفه.

ولابد من القول هنا؛ أن الشعب العراقي، وربما سائر الشعوب الاسلامية، ليست ميّالة بالأساس والفطرة الى العنف والقسوة، إنما الظروف الاقتصادية والمعيشية القاسية هي التي تلقي بظلالها على الوضع النفسي لهم.. فنحن لم نشهد في بلادنا ما يسمى في الغرب بـ "عصابات الجريمة المنظمة"، ولا السرّاق واللصوص المحترفين، إنما هي ردود فعل لضغوط تمارس عليهم ولابد أن تزول إذا كانت هنالك حقاً نوايا صادقة لتحقيق الاستقرار والأمان والبناء في العراق.

شبكة النبأ المعلوماتية- السبت 25/آيار/2013 - 14/رجب/1434

 

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1433هـ  /  1999- 2013م