دور القضاء الدستوري العراقي في معالجة النقص التشريعي

القاضي سالم روضان الموسوي

يعد علم التشريع من العلوم الحديثة وتطورت على مراحل عدة حتى اصبحت علم له فنونه والياته ويسمى بعلم الصياغة التشريعية وظهرت نظريات عديدة بهذا الصدد وكلها تهدف الى اعداد وإنتاج تشريع متكامل يعبر عن فكرة المشرع وفلسفته بصيغ وعبارات وجمل جزلة في اللفظ ودقيقة في المعنى.

 الا ان هذا المسعى لم يكن موفقا على الدوام وإنما تظهر عيوب وهفوات في التشريع عند التطبيق ومنها غموض النص او تناقض احكامه، مما دعا من يطبق النص الى ايجاد وسائل رديفة تسمى (التفسير) منها التفسير التشريعي بإصدار تشريع لاحق يفسر التشريع السابق او بعض أحكامه.

 والتفسير القضائي وهو ما يجتهد فيه القاضي تجاه النص على وفق ما يملك من ادوات معرفية في علم القانون واللغة والأحكام وغيرها، كما يوجد التفسير الفقهي وهو ما يتصدى له فقهاء وشراح القانون في تفسير النصوص والتي تختلف عن الوسيلتين السابقتين بعدم الالزام وهذه الوسائل تكون قاصرة تجاه استجلاء غاية المشرع او في وضع النص موضع التطبيق الذي يحقق المنفعة للمواطن وهذا التصور عندما لا يتضمن القانون كل الاحكام التفصيلية التي تسهم في تسهيل تطبيقه مما يفقده حكمة تشريعه وبالتالي حكمه في النفاذ.

 وهذا النقص يكون اما عن غفلة من المشرع او سهوا، ولتدارك هذا النقص ظهرت في فضاء القانون الدستوري وتطبيقاته القضائية نظرية (الاغفال التشريعي) وهي نظرية تعالج ما سهى عنه المشرع يتحقق الإغفال التشريعي، الذي يمكن أن يكون محل رقابة من القضاء الدستوري، إذا تناول المشرع أحد الموضوعات التي يختص بها بالتنظيم، لكنه يأتي، سواء عن عمد أو إهمال، غير مكتمل أي تنظيماً قاصراً عن أن يحيط بكافة جوانبه وبما يؤدي بالإخلال بالضمانة الدستورية للموضوع محل التشريع، وذلك عن طريق القضاء الدستوري الذي يتدارك النقص بإيجاد احكام قضائية تعالجه في خلق مراكز قانونية لاكتمال ذلك النقص التنظيم.

وهذا العمل لم يقتصر على بلد دون آخر وانما تعددت صوره تبعا للدستور النافذ وفي بعض الدساتير اعطت للقضاء الدستوري صلاحية اكمال النصوص القانونية التي غفل عنها المشرع ومثال ذلك دستور جنوب إفريقيا لكن اغلب الدساتير في بلدان العالم لم تذكر ذلك صراحة الا ان القضاء الدستوري فيها عمل بنظرية الاغفال التشريعي وسد النقص الحاصل في التشريع ومثال ذلك القضاء الدستوري المصري في العديد من احكامه ومنها ما ذكره الدكتور عبدالعزيز سلمان رئيس هيئة المفوضين بالمحكمة الدستورية العليا المصرية في بحثه الموسوم (رقابة الاغفال في القضاء الدستوري) المنشور في المجلة الدستورية العدد 15 السنة السابعة الصادرة عن المحكمة الدستورية العليا في مصر.

 اما في العراق وعلى الرغم من حداثة القضاء الدستوري فيه بعد تشكيل المحكمة الاتحادية العليا بموجب الامر 35 لسنة 2005 والذي كان متزامنا مع دخول العراق في مرحلة العمل الديمقراطي المؤسساتي على وفق مبدأ الفصل بين السلطات فكان التشريع يصدر عن السلطة التشريعية ( مجلس النواب) ولان هذه التجربة حديثة ولم تصل الى مرحلة النضج الكامل مع ما يحيطها من ظروف وعند ممارستها لعملها اصدرت عدد من القوانين وكان بعضها لم تراعِ فيه فنون الصياغة التشريعية، مما شاب بعضها النقص والغموض، وبعض هذه القوانين كانت مهمة ومفصلية في بناء العراق الديمقراطي الجديد مما دعا بعض الناشطين في المجتمع المدني الى الطعن في هذه القوانين امام المحكمة الاتحادية العليا التي تصدت للفصل في هذه الطعون على وفق المبادئ الحديثة في علم التفسير وفنون القانون وصواب الاجتهاد وكان لها دور كبير في معالجة النقص في هذه التشريعات باكمالها باحكام قضائية اصدرتها وكان تطبيقها لنظرية الاغفال التشريعي تطبيقا اتسم بحكمة المجتهد ومعرفة العالم، واعطت لنا احكام ذكرتنا بما كان يتسم به القضاء العراقي من رصانة في الأحكام فضلا عن حمايتها للدستور من عبث التأويل وجعلها صمام امان لحماية الحقوق وسأعرض لعدد من الاحكام التي راعت فيها تطبيق نظرية الاغفال التشريعي وعلى وفق الاتي :ـ

1. قرار المحكمة الاتحادية العدد 56/اتحادية/2010 في 24/10/2010 الذي الغى الجلسة المفتوحة لمجلس النواب حينما تضمن اجراء تنظيمي يتعلق بكيفية انتهاء جلسة مجلس النواب عندما لم يحصل التوافق لعدم وجود نص في التشريعات النافذة فكان القرار بمثابة انشاء نص تشريعي سعيا من المحكمة الاتحادية العليا لتدارك النقص بما يتفق والهدف الذي توخاه كاتب الدستور عند جعل التشريع في مجلس النواب بوصفه سلطة تشريعية.

2. القرار 13/ اتحادية/2007 في 31/7/2007 الذي حدد نسبة الكوتا النسائية في مجالس المحافظات عندما لم لها نص في القوانين التي تنظم عملية انتخابات مجالس المحافظات اذ تلمس روح الدستور وغاية النصوص الدستورية تجاه المرأة فأوجد حكما يعد بمثابة تشريع مكمل للقوانين النافذة التي تتعلق بالانتخابات.

3. القرار العدد 15/اتحادية/2008 في 21/4/2008 الذي الزم السلطات باعتماد اللغات السريانية والتركمانية في المناطق التي فيها كثافة سكانية للمكونات التركمانية والسريانية حينما لم يصدر قانون ينظم ذلك فكان القرار علاجا لذلك النقص التشريعي.

4. القرار 9/اتحادية/2009 في 5/2/2009 الذي تضمن حكما ينظم عمل رئاسة مجلس النواب عند خلو منصب الرئيس اثناء دورة الانعقاد حيث لم يرد في النظام الداخلي لمجلس النواب نص يتصدى لهذه الحالة.

5. القرار 27/اتحادية/2009 في 11/8/2009 الذي عرف مفهوم الاغلبية البرلمانية المطلوبة للتصويت على قرار رفع الحصانة عندما لم يجد احد نصا يعالج تلك الحالة.

كما مارست المحكمة الاتحادية مهامها على وفق رقابة الاغفال التشريعي باتباع صورة اخرى من صور هذه الرقابة والتي تسمى الرقابة الايعازية وفي هذه الصورة لا يقتصر دور القاضي الدستوري على مجرد الكشف عن وجود إغفال تشريعي وإنما يخاطب المشرع ويوجه إليه نداء لسد هذا العجز أو الإغفال، وهذا الخطاب له أساليب وصيغ عديدة منها توجيه طلب مباشر أو توصية أو نصائح وقد تتضمن تأنيباً ويمكن أن يلجأ القاضي الدستوري إلى صيغة آمرة بأن يوجه ما يشبه الأمر لكن في النهاية ليس هناك إلزام على السلطة التشريعية بأن تستجيب لهذا الأمر أو حتى النداء أو التوجيه على وفق ما ذكره الدكتور عبدالعزيز سليمان في بحثه الموسوم (رقابة الاغفال في القضاء الدستوري) المنشور في المجلة الدستورية العدد 15 السنة السابعة الصادرة عن المحكمة الدستورية العليا في مصر، وكان للمحكمة الاتحادية العليا في العراق اثر واضح في تطبيق هذه الصورة من النظرية في العديد من قراراتها واحكامها ومنها الآتي :ـ

1. القرار رقم 10/اتحادية/2009 في 26/5/2009 الذي اوعز الى لجنة التعديلات الدستورية بتدارك حكم اغفله كاتب الدستور يتضمن كيفية انتخاب رئيس مجلس النواب او احد نائبيه في حالة شغور المنصب.

2. القرار 6/اتحادية/2010 في 3/3/2010 الذي تضمن حكما بالايعاز الى مجلس النواب لإصدار تشريع ينظم كوتا الاقليات من مكونات الشعب العراقي.

3. القرار 59/اتحادية/2011 في 21/11/2011 الذي اوعز للسلطة التشريعية باعتماد الاراء الفقهية لكافة المذاهب الاسلامية عند اصدار تشريع ينظم الاحوال الشخصية.

وهذه بعض النماذج على تطبيقات نظرية الاغفال التشريعي والدور الرقابي للقضاء الدستوري العراقي الذي كان مواكبا لكافة التطورات في الفقه الدستوري هادفا للوصل الى غايات كاتب الدستور باتباع كافة الوسائل الفكرية والعقلية والنقلية معتمدا على خبرة رجال قضوا جل عمرهم في القضاء والبحث والعلمي اتسموا بالحكمة والموضوعية والعلمية والوفاء لضميرهم المهني وولائهم لوطنهم وسعيهم لأداء المهمة الجسيمة التي اوكلت لهم وهي مهمة شاقة وعظيمة لأنها تحفظ الحقوق وتصون الامة وتحمي المواطن وتقوم عمل المؤسسات الديمقراطية، فكانت المحكمة الاتحادية العليا في العراق محل فخر لنا بما جادت به من ثراء معرفي وعطاء فكري وبرجالها الحكماء من رئيسٍ وأعضاء ونتمنى لهم التوفيق في عملهم لخدمة العراق العزيز.

شبكة النبأ المعلوماتية- الثلاثاء 9/نيسان/2013 - 28/جمادى الأول/1434

 

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1433هـ  /  1999- 2013م